بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
هذا هو المجلس الثالث والثلاثون من مجالس شرح سنن ابن ماجه.
عدنا بعد انقطاع، فأهلاً وسهلاً بالإخوة الأحبة.
سنَدُ الحديثِ وتخريجُه
وصلنا إلى الحديث في نسختي -الحديث السادس والستين- على نسختي هي النسخة المحققة التي حققها عصام موسى هادي، وعصام موسى هادي من تلاميذ الألباني.
طيب.
حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك -رضي عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال...
وقبل أن نذكر ماذا قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، هذا السند إسناٌد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وكلهم قد تقدموا معنا.
طيب.
متن الحديث
(( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يؤمن أحد حتى يحب لأخيه -أو قال: لجاره- ما يحب لنفسه ))
وهذا الحديث حديث صحيح.
طيب، نبدأ في شرح الحديث.
شرح الحديث
أولاً: معاني النفي في كلام النبي ﷺ
"لا يؤمن"؛ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما ينفي أمراً ما، فإن هذا النفي يحتمل ثلاثة معاني في الأصل وفي العموم:
-
المعنى الأول: نفي الوجود: مثل أن تقول: "لا هامة" كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: « لا هامة »، وهامة هي إحدى خرافات العرب في الجاهلية؛ فخلاص هذه الخرافة غير موجودة، لا حقيقة لها، لا توجد، وإنما هي اختراعات.
-
النوع الثاني: أن يكون نفياً للصحة: مثل أن تقول: "لا صلاة بغير وضوء".
أنت لو صليت، الصلاة موجودة نراها بأعيننا، لكن الصلاة غير صحيحة. -
النوع الثالث: نفي الكمال: وهذا الحديث هنا كذلك؛ المقصود هنا بـ "لا يؤمن" أي: لا يكمل الإيمان.
ثانياً: الأدلة على أن النفي لنفي الكمال لا لنفي الوجود
والأدلة على ذلك عُدّة أمور:
-
الأول: إذا لم يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه، فهذا الأمر ليس بكفر بإجماع الأمة.
-
ثاني شيء: جاء في رواية: "لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وهذه الرواية صححها الألباني وغيره، لكن الظاهر والله أعلم أن الرواية شاذة، والصحيح أن اللفظ الصحيح في هذا الحديث هو: "لا يؤمن".
-
ثالث شيء: جاء عن بعض السلف أنهم قالوا: "لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
-
رابع شيء: حتى يُروى عن عيسى بن مريم -عليه السلام- أنه قال: "لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، رواه ابن وهب في "الجامع"، وطبعاً إسناده ضعيف لا يصح.
فمعنى "لا يؤمن" هنا أي: لا يكمل الإيمان، يعني إيمانه ناقص.
فهذا الحديث من الأحاديث التي نرد بها على المرجئة الذين لا يقولون -أو الذين يقولون- بأن الإيمان لا ينقص، بل الإيمان ينقُص حتى لا يبقى منه شيء.
ثالثاً: تفصيل معنى "يحب لأخيه ما يحب لنفسه"
« لا يؤمن أحد حتى يحب لأخيه -أو قال لجاره- ما يحب لنفسه »؛ "لأخيه" المقصود هنا: المسلم.
الآن هذا الحديث هنالك فيه تفاصيل كثيرة؛ الإنسان لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
طيب، الأمور نوعان: أمور دينية وأمور دنيوية.
هذا الحديث يقصد به بشكل عام أن تحب الخير لأخيك، هكذا الذي يُراد بالحديث: أن تحب الخير لأخيك، حتى وإن تمنيت في تفاصيل ذلك الحب خلاف ما تحبه لنفسك.
رابعاً: الأمور الدنيوية وتطبيق الحديث فيها
أنا أضرب لك مثالاً؛ قلنا بأن الأمور نوعان: أمور دينية ودنيوية.
نبدأ بالأمور الدنيوية:
أنا مثلاً أحب لنفسي -على سبيل المثال- أن يكون عندي مليون دولار.
طيب، أخي المسلم -وبسبب معرفتي الجيدة به- يغلب على ظني -وهو إنسان صالح- يغلب على ظني أنه لو حاز على مبلغ مليون دولار أنه سيتغير وسيُفتن بهذا المال.
ففي هذه الحالة، ليس من الصواب أن أحب لأخي ما أحب لنفسي، ولأني أحب له الخير فإني في هذه الحالة لم أحب له ما أحب لنفسي.
فهنا أنت حتى وإن تمنيت لأخيك شيئاً لا تتمنّاه لنفسك، لكنك تدخل في الحديث من أنك تتمنى لأخيك ما تحب لنفسك؛ فأنت تتمنى لأخيك الخير وتحب لنفسك الخير، حتى وإن اختلفت التفاصيل في ذلك.
المهم أن العنوان الرئيسي هو محبة الخير الذي أحبه لنفسي أحبه لأخي، الخير.. النتيجة النهائية، لكن الوسائل قد لا أحب لأخي ما أحب لنفسي؛ هذه في الأمور الدنيوية.
خامساً: الأمور الدينية وتطبيق الحديث فيها
في الأمور الدينية؛ مثلاً أنا أحب وأتمنى أن أحافظ على كل النوافل والسنن، وأن أكثر من النوافل، وأن أصوم اثنين وخميس وكذا وكذا.
من الخير ومن سلامة القلوب أن تحب أن كل المسلمين يكونون هكذا، وهذا في الحقيقة لا يفعله كثير من الناس؛ بعض الناس يحب أن يشعر بتميز، يعني أحياناً بعض الناس قد يشعر بسعادة إذا وجد الناس يعصون الله -سبحانه وتعالى-، يعني يشعر بأنه الحمد لله أن الله سبحانه وتعالى قد نجاه.. لا! أنت ينبغي عليك أن تتمنى أن كل الناس يعبدون يعبدون الله -سبحانه وتعالى- حق العبادة.
سادساً: مسألة سد الفُرَج في الصفوف والإيثار بالقربات
طيب، من فروع هذا الحديث -وهذه مسألة تتكرر كثيراً، وكم يخطئ بها بعض الناس-:
اليوم نحن في صلاة الجماعة، طيب، أُقيمت الصلاة، الآن نسوي الصفوف، في فرجة في الصف.. فرجة في الصف الذي أمامي تتسع لرجل واحد، هل أتقدم أنا لهذه الفرجة؟ ولا أقدم أخي؟ هل أتقدم أنا وأحصل على ذلك الأجر والفضل الوارد في سد الفرجة؟ لأن الذي يسد فرجة فإن الله سبحانه وتعالى يبني له بيتاً في الجنة؛ هذا ورد من حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لكن هذا معلول، والصواب أنه عن عروة بن الزبير بسند صحيح أنه قال: "كان يقال"، فالأثر ثابت، يعني عروة بن الزبير لما يقول: "كان يقال"، عروة يروي عن الصحابة -رضي الله عنهم-؛ كان يقال: "من سد فرجة في صف بنى الله له بيتاً في الجنة".
طيب، هل أتقدم أنا وآخذ هذه الفضيلة؟ ولا أقول إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" فأقدم أخي؟ أنا كما أحب لنفسي أن آخذ هذه الفضيلة وأسد الفرجة أقدم أخي.. ما الصواب في هذه المسألة؟
الجواب الذي يظهر والله أعلم: أن المرء يعامل كل حالة على حدة، بمعنى:
-
إذا أنت وجدت في نفسك تقصيراً في العبادات وفتوراً، قدم نفسك، يعني حاول أن تجبر هذا النقص.
-
إذا وجدت أن الذي بجانبك حريص جداً على أن يسد هذه الفرجة، ويغلب على ظنك أن هذا الرجل لو تقدمت أنت مكانه فربما يحزن، يعني ربما هكذا يشعر بشعور ليس بجيد، أقول لك: قدمه هنا، قدمه هنا لأنك حينما تقدمه فأنت أيضاً نِلت ثواب إدخال السرور على قلب المؤمن، إدخال السرور على قلب المؤمن، ولعل الله -سبحانه وتعالى- يُدخل يُدخل هذا الرجل الذي قدم أخاه، يدخله في حديث: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" ربما، وفضل الله واسع.
فهذا الذي يظهر والله أعلم في هذه المسألة؛ أن الإنسان أحياناً ربما يترك شيئاً يتعلق به، شيئاً يجعله ينال حسنات، من أجل أن يفرح أخاه، لكن الله -سبحانه وتعالى- يكرم ذلك الرجل الأول.
سابعاً: قواعد عامة في سلامة المجتمع والتوازن في العبادة
الإنسان دائماً في باب العبادات ينبغي أن يحرص على سلامته وسلامة أخيه، بمعنى:
اليوم نحن لو عندنا خياران؛
-
الخيار الأول: أنا أحصل على حسنة، وأخي المسلم يحصل على حسنة.
-
الخيار الثاني: أنا أحصل على حسنتين، وأخي المسلم عنده سيئة.. يحصل على سيئة.
ماذا أختار؟ أختار الخيار الأول: حسنة بحسنة، هذا أفضل.
لماذا؟ لأن هذا يؤدي إلى سلامة المجتمع؛ لما أنا أطيع وأخي يطيع، لما أنا لا أقوم بالمعاصي وأخي لا يقوم بالمعاصي، هذا يؤدي إلى سلامة المجتمع.
بينما لما أنا أقوم بحسنة إضافية -حتى لو قمت بحسنة إضافية- لكن في المقابل هنالك أحد عناصر المجتمع قام بسيئة، قام بسيئة، وهذه السيئة لن يكون ضررها فردياً، لن يكون ضررها فردياً؛ الله سبحانه وتعالى إذا كثرت كثرت المعاصي فإنه يعاقب ينزل عقوبة على كل القرية، طبعاً المسلم يُبعث على نيته.
ثامناً: مسألة إلقاء السلام على من لا يرده
ومن فروع هذه المسألة: هنالك أناس -نسأل الله أن يهديهم- لا يردون السلام، لا يردون السلام، وأنا شخصياً عانيت من كثير كثيراً من هؤلاء الناس؛ تقول له: "السلام عليكم" لا يرد أبداً.
طيب، إذا أنا مرة أخرى لقيت هذا الرجل الذي لا يرد السلام، إذا قلت له: "السلام عليكم" وأنا أعلم أنه لن يرد، نعم أنا سآخذ حسنة لأني قلت: "السلام عليكم"، لكن هو سينال سيئة لأنه لم يرد السلام، ورد السلام واجب، والبدء بالسلام سنة.
فهنا تأتي المسألة: هل أقوم بسنة وأجعل أخي المسلم ينال إثماً؟ ولا خلاص أترك هذه السنة من أجل أن لا لا يقع أخي في الإثم؟
هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين، الذي يظهر والله أعلم -كما قلنا- أن كل حالة تعامل على حدة، كل حالة تعامل على حدة؛ الإنسان أحياناً قد يكون مقصراً، مقصراً جداً، فلا.. يبادر إلى إنقاذ نفسه، لكن إذا شعر يعني أنه يعني في حالة مقبولة من العبادة، فليحرص أيضاً هنا على سلامة الآخر، على سلامة الآخر.
خاتمة وتمنيات بالهداية للجميع
يعني والله المرء يتمنى؛ اليوم عدد سكان العالم تقريباً 8 مليار، المرء يتمنى والله أن كل الـ 8 مليار هؤلاء كلهم يكونون في في الجنة في أدنى درجات الجنة، أفضل وأقرب إلى القلب، وهدايتهم أحب إلينا من أن نكون مثلاً أنا أو غيري -نسأل الله أن يبلغنا ذلك- في درجات عليا في الجنة وهؤلاء في النار.
المرء يتمنى هداية الجميع، لكن هذا لا يحصل، هذا لا يحصل: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } [هود: 118]. الله سبحانه وتعالى قادر بجزء من الثانية أن أن يجعل الناس كلهم مسلمين: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [الشعراء: 3-4]. الله سبحانه وتعالى قادر أن ينزل آية يجعل الجميع يستسلم أمام هذه الآية، يخضع لها، ينقطع جداله.
نعم، فهذه خلاصة المسألة، نلخصها من جديد:
-
إذا كانت المسألة دنيوية: المهم في النهاية أن أتمنى الخير لأخي، حتى لو في فروع هذه المسألة لم أتمنّ له تماماً ما تمنيته لنفسي.
-
في المسائل الدينية: أيضاً أتمنى أن يكون أخي في الجنة، بل وفي أعلى درجات الجنة، لأن بعض الناس سبحان الله يغار؛ لما يجد أخاه المسلم عنده علم وعمل وكذا.. يغار، لماذا تغار؟ يعني الجنة عرضها السماوات والأرض، هذا الرجل مهما نال من قصور وكذا هذا لن يؤثر عليك، يعني ما توجد والله الجنة ليست مساحتها محدودة بحيث إذا أخي عمل وصار عنده قصور كثيرة وبيوت كثيرة في الجنة خلاص أنا ما تام عندي مساحة في الجنة، ما بقي عندي مساحة، فسأُطرد من الجنة.. لا! الجنة عرضها السماوات والأرض تتسع لي وتتسع لك، فالإنسان يتمنى من إخوانه كلهم أن يكونوا في أحسن درجات العبادة؛ في المسائل الدينية، في العبادة.
وأحياناً قد يقدمهم على نفسه -كما تقدم معنا في مسألة سد الفرجة في الصف- إدخالاً للفرح في قلوبهم، أيضاً هذا ربما يكون أحياناً من باب الحكمِة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما تقدم في الشريعة أن السنة أحياناً قد تُترك من باب تأليف القلوب، من باب تأليف القلوب.
مثلاً أضرب لكم مثالاً؛ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثبت أنه كان يقرأ أحياناً في الأعراف -عفواً يقرأ في صلاة المغرب- بسورة الأعراف.
اليوم أنا هل من الأفضل أن أطبق هذه السنة وأجعل عامة الناس لا يأتون إلى المسجد ولا يصلون جماعة؟ ولا لا.. مثلاً أطبق سنة أخرى أو أقرأ سور قصيرة وأجعل الناس يرتادون المسجد؟ الجواب: الثاني، الجواب: الثاني.
فالإنسان أحياناً قد يترك سنة من أجل أن يقوم الناس بالعبادة، من أجل مصلحة المسلمين الآخرين.
طيب، أرجو أن تكون المسألة واضحة، وهذا آخره والله أعلم.