شرح سنن ابن ماجه (شرح أحمد البكري)المجلس الثالث

المجلس الثالث

قيد المراجعة

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو المجلس الثالث من مجالس شرح سنن ابن ماجه.

وصلنا إلى الحديث الثالث: (( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ))، ثقة حافظ تقدم، (( حدثنا أبو معاوية ))، أبو معاوية الضرير أيضاً من الثقات ومن الحفاظ.

وأبو معاوية الضرير عنده مشكلة في عقيدته؛ لأن عنده إرجاءً، ولكن الذي يظهر -والله أعلم- أنه لم يكن داعية، ومع ذلك لما مات أبو معاوية فإن وكيعاً لم يصلِّ عليه؛ لكون أبي معاوية كان مرجئاً.

وكان أبو معاوية من المقربين من هارون الرشيد، فإن قال قائل: "كيف يقرب هارون الرشيد شخصاً مرجئاً؟"

الجواب: هارون الرشيد ليس بإمام في التعامل مع المبتدع وفي التعامل مع من وقع في بدعة، فهو نعم إنسان مسلم كذا، لكن ليس بالإمام في ذلك حتى تتبنى مواقفه في التعامل.
وأبو معاوية يعني كان السلف يجالسونه لأنه كان كثير الحديث، عنده أحاديث كثيرة، فلذلك تجوز مجالسته بغرض رواية الحديث عنه.

ومع كونه مرجئاً فإن الإمام أحمد -رحمه الله- قال: "كان أبو معاوية حافظاً للقرآن".
فهذا تجده أحياناً عند السلف، أنهم نعم يبدعون شخصاً ما، لكن أحياناً يذكرون شيئاً من فضائله ومناقبه من باب الإنصاف، وذلك جائز بضوابط ليس الآن موضع ذكرها.

أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو معاوية و(( وكيع ))، وكيع بن الجراح المشهور، هذا الرجل الذي يطعن فيه كثير من الناس، فقد طعن فيه بعض الناس بدعوى أن وكيعاً رافضي، رافضي مختبئ! واحتجوا على ذلك بأثر سنده كالأتي: "بلغني عن يحيى بن معين أنه قال: وكيع رافضي"، وهذا الإسناد يعني واضح أنه لا يصح.

وأيضاً هنالك أثر أنه أن وكيعاً لم يكن يترحم على عثمان -رضي الله عنه-، فلما روجع في ذلك قال للسائل: "أتترحم أنت على الحجاج؟" يعني جعله بمثابة الحجاج! هذا الأثر أيضاً لا يصح، وهو مخالف لما صح عن وكيع -رحمه الله- من كثرة الرواية، روى عدة مرويات في فضائل عثمان -رضي الله عنه-، فالرجل لا يثبت ذلك عنه.

وأصلاً قال بعض السلف: "إذا رأيت الرجل يحب كذا وكذا فلان وفلان وفلان ووكيع بن الجراح فاعلم أنه على الجادة"، فلا يعقل أن يصدر هذا من وكيع، والأثر الوارد عن وكيع في هذا مطعون فيه.

وأيضاً وكيع لم يكن من المناصرين لمدرسة أهل الرأي، يعني أصلاً هو كما قلنا ترك الصلاة على أبي معاوية لكونه مرجئاً، وأهل الرأي عندهم إرجاء.
وأيضاً صحت عنه عدة آثار في ذم أبي حنيفة، فقال: "خالف أبو حنيفة مائتي حديث".

وقال أيضاً -وهذا اتهام صريح وإسناد هذا الأثر صحيح جداً عن وكيع-: "حدثنا أبو حنيفة أنه سمع عطاء إن كان سمعه"، انظر كيف يعني ظاهر الأثر أنه يطعن في صدق أبي حنيفة! وأيضاً أنكر على أبي حنيفة كون أبي حنيفة ورد عنه أنه كان لا يرى -يعني اليوم في مثلاً آلة موسيقية يملكها شخص، فقمت وكسرت هذه الآلة، فهل أضمن أنا؟ لا، الجواب لا، أنا لا أدفع أي شيء، بل هذا فعل ممدوح- ورد أن أبا حنيفة قال يدفع الشخص الذي كسر هذه الآلة، فأيضاً وكيع أنكر عليه.

طيب.

(( عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ))، تكرر هذا السند، (( قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله )).

وقد قال الله سبحانه وتعالى في القرآن: { مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } [النساء: 80].
فأيضاً هذا الحديث مصداقه في القرآن، فإن طاعة الرسول هي تبع لطاعة الله سبحانه وتعالى، ومعصية الرسول كذلك.

طيب، أيضاً من الأمور المهمة في هذا الباب -يعني فيما يتعلق بالفوائد الإسنادية لهذا الحديث-:

أبو معاوية الضرير أحياناً تجد أثراً مثلاً يرويه أبو معاوية الضرير وجرير بن عبد الحميد كلاهما ويختلفان في اللفظ، في هذه الحالة أبو معاوية الضرير يقدم على جرير، فهو أحفظ، طبعاً ليس دائماً، لكن هذه هي القاعدة العامة.

أيضاً أبو معاوية إذا تفرد أحياناً يراجع في تفرده، يعني مثلاً إذا أبو معاوية تفرد عن عبيد الله بن عمر -وقد مر معي هذا- فيراجع في تفرده أيضاً.

أيضاً من الأمور المهمة، وكيع بن الجراح حدثت معه محنة، وهي أنه روى حديثاً -حديثاً مرسلاً لا يصح، حديث مرسل لا يصح- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما مات تغير شيء من جسده، وهذا الحديث منكر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جسده لا يتعرض للبلاء، فأبو بكر -رضي الله عنه- قال له: « طبت حياً وميتاً يا رسول الله ». فلما حدث وكيع بهذا الحديث أفتى بعض العلماء في زمانه بأن وكيعاً مرتد! رأوا أن في رواية هذا الحديث طعناً في الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فأفتوا بذلك وعلقوا له خشبة يعني يريدون صلبه!

وممن أفتى بردته حينها -بردة وكيع- وحرض على قتله: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، هذا الرجل مرجئ، وهذا الأمر يعني يذكر، هذا الرجل كان مرجئاً، حتى إن بعض السلف لما مات عبد المجيد -أظن سفيان الثوري- فرح، فرح بذلك.
فرغم إرجائه لم يتسامح، لم يتسامح في شيء رآه أنه ينقص من قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعني هذا أنا درس للمرجئة الموجودين اليوم، أتمنى أن تكون غيرتكم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما يغار عبد المجيد المرجئ هذا؛ لأن بعض الناس إرجاؤه خلاص يشمل كل شيء، يشمل حتى المواقف مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإرجاؤه يكون دماراً شاملاً للأسف.

وهذا آخره، والله أعلم.

جارٍ التحميل