المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجمل
- الكتاب
- فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل (منهج الطلاب اختصره زكريا الأنصاري من منهاج الطالبين للنووي ثم شرحه في شرح منهج الطلاب)
- المؤلف
- سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل (المتوفى: 1204هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «شرح منهج الطلاب» لزكريا الأنصاري، بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية الجمل» عليه
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ مَلِكُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ سِيبَوَيْهِ زَمَانِهِ فَرِيدُ عَصْرِهِ وَوَحِيدُ دَهْرِهِ حُجَّةُ النَّاظِرِينَ لِسَانُ الْمُتَكَلِّمِينَ
[حاشية الجمل]
وَهِيَ الرَّبُّ وَالْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ وَالْمُنْعِمُ وَالْمُعْتِقُ وَالنَّاصِرُ وَالْمُحِبُّ وَالتَّابِعُ وَالْجَارُ وَابْنُ الْعَمِّ وَالْحَلِيفُ وَالْعَقِيدُ وَالصِّهْرُ وَالْعَبْدُ وَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَقُ قَالَ: وَأَكْثَرُهَا قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ وَكُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا وَقَامَ بِهِ فَهُوَ مَوْلَاهُ وَوَلِيُّهُ وَتَخْتَلِفُ مَصَادِرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَالْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ فِي النَّسَبِ وَالنُّصْرَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوِلَايَةُ بِالْكَسْرِ فِي الْإِمَارَةِ وَالْعِتْقِ وَالْمُوَالَاةِ مِنْ وَالَى الْقَوْمَ اهـ (قَوْلُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ) قِيلَ: لَقَّبَهُ بِهِ الْقُطْبُ وَقِيلَ: الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالشَّيْخُ فِي اللُّغَةِ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَلَوْ صَبِيًّا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمَعَانِي الْمَرْضِيَّةِ فِيهِ وَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ فِي جَمْعِهِ إحْدَى عَشْرَةَ لُغَةً خَمْسَةٌ مَبْدُوءَةٌ بِالشِّينِ شُيُوخُ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا وَشِيَخَةٌ بِكَسْرِ الشِّينِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِهَا وَشِيخَانُ كَغِلْمَانٍ وَخَمْسَةٌ مَبْدُوءَةٌ بِالْمِيمِ مَشَايِخُ وَمَشْيَخَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ فِيهِمَا وَمَشْيُوخَاءُ مَعَ وَاوٍ بَعْدَ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا وَوَاحِدَةٌ مَبْدُوءَةٌ بِالْهَمْزَةِ وَهِيَ أَشْيَاخٌ وَأَمَّا تَصْغِيرُهُ فَشُيَيْخٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا وَقِيلَ: شُوَيْخٌ بِقِلَّةٍ وَالْجَمْعُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ مَشَايِخُ بِالْيَاءِ وَلَا يَجُوزُ هَمْزُهُ لِأَنَّ الْيَاءَ أَصْلِيَّةٌ فِي الْمُفْرَدِ وَهِيَ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَا تُقْلَبُ فِي الْجَمْعِ هَمْزَةً كَمَعَايِشَ فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مُحْتَرَزِ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ
وَالْمَدُّ زِيدَ ثَالِثًا فِي الْوَاحِدِ ... هَمْزًا يُرَى فِي مِثْلِ كَالْقَلَائِدِ
اهـ شَيْخُنَا.
(فَائِدَةٌ) النَّاسُ قَبْلَ الْوَضْعِ أَجِنَّةٌ جَمْعُ جَنِينٍ وَبَعْدَهُ صِغَارٌ وَأَطْفَالٌ وَصِبْيَانٌ وَذَرَارِيُّ إلَى الْبُلُوغِ وَشُبَّانٌ وَفِتْيَانٌ إلَى الثَّلَاثِينَ وَكُهُولٌ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَبَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الرَّجُلُ شَيْخٌ وَالْمَرْأَةُ شَيْخَةٌ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12] ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: 60] ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: 78] اهـ غُنَيْمِيٌّ.
(فَائِدَةٌ) كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى يَزِيدُ كُلَّ عَامٍّ أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ بِأَصَابِعِ نَفْسِهِ وَهِيَ مَضْمُومَةٌ وَالْعِيَانُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ فَكُلُّ إنْسَانٍ طُولُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ نَفْسِهِ وَقِيلَ: الْقُوَّةُ تَزِيدُ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَتَقِفُ إلَى السِّتِّينَ وَتَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ الْأُجْهُورِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ مَلِكُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ) كَتَبَ ع ش عَلَى م ر الْمَلِكُ مِنْ الْمُلْكِ بِالضَّمِّ وَهُوَ التَّصَرُّفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمَالِكُ مِنْ الْمِلْكِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِالْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ اهـ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْمَلِكِ وَالسُّلْطَانِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يَأْخُذُ إلَّا حَقًّا وَلَا يَصْرِفُهُ إلَّا فِي حَقٍّ وَالْمَلِكُ مَنْ يُحْيِي مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ مَالًا وَيَضَعُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَالسُّلْطَانُ مَنْ كَانَ عَسْكَرُهُ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ فَأَكْثَرَ وَيَكُونُ فِي وِلَايَتِهِ مُلُوكٌ اهـ (قَوْلُهُ فَرِيدُ عَصْرِهِ وَوَحِيدُ دَهْرِهِ) الْفَرِيدُ وَالْوَحِيدُ بِمَعْنًى فَفِي الْمُخْتَارِ الْوَحْدَةُ الِانْفِرَادُ وَرَجُلٌ وَحَدٌ وَوَحِدٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَوَحِيدٌ أَيْ مُنْفَرِدٌ وَتَوَحَّدَ بِرَأْيِهِ تَفَرَّدَ بِهِ وَفُلَانٌ وَاحِدُ دَهْرِهِ أَيْ لَا نَظِيرَ لَهُ وَفُلَانٌ لَا وَاحِدَ لَهُ وَأَوْحَدَهُ اللَّهُ جَعَلَهُ وَاحِدَ زَمَانِهِ وَفُلَانٌ وَاحِدُ أَهْلِ زَمَانِهِ اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا الْعَصْرُ الدَّهْرُ وَالدَّهْرُ الزَّمَانُ وَجَمْعُهُ دُهُورٌ وَقِيلَ: الدَّهْرُ الْأَبَدُ وَالدُّهْرِيُّ بِالضَّمِّ الْمُسِنُّ وَبِالْفَتْحِ الْمُلْحِدُ قَالَ ثَعْلَبُ: كِلَاهُمَا مَنْسُوبٌ إلَى الدَّهْرِ وَهُمْ رُبَّمَا غَيَّرُوا فِي النَّسَبِ كَمَا قَالُوا سُهْلِيٌّ لِلْمَنْسُوبِ لِلْأَرْضِ السَّهْلَةِ اهـ وَقَالَ بَعْضُهُمْ دَهْرُ الْإِنْسَانِ مِنْ حِينِ وِلَادَتِهِ إلَى انْقِضَاءِ أَجَلِهِ وَعَصْرُهُ مِنْ حِينِ اشْتِهَارِهِ وَتَأَهُّلِهِ لَأَنْ يُشَارَ إلَيْهِ إلَى مَوْتِهِ وَالْعَصْرُ بِتَثْلِيثِ الْعَيْنِ مَعَ سُكُونِ الصَّادِ وَبِضَمِّ الْعَيْنِ وَالصَّادِ فَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ اهـ شَيْخُنَا وَفِي الْمِصْبَاحِ وَالْجَمْعُ أَعْصُرٌ وَعُصُورٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَأَفْلُسٍ وَفُلُوسٍ اهـ.
(قَوْلُهُ حُجَّةُ الْمُنَاظِرِينَ) أَيْ بُرْهَانُهُمْ وَالْمُنَاظِرِينَ جَمْعُ مُنَاظِرٍ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ وَهِيَ لُغَةً مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ فَإِنْ كَانَتْ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ أَوْ إبْطَالِ الْبَاطِلِ فَمَحْمُودَةٌ وَإِلَّا فَمَذْمُومَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَاصْطِلَاحًا النَّظَرُ بِالْبَصِيرَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي النِّسْبَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إظْهَارًا لِلصَّوَابِ اهـ ح ف يَعْنِي أَنَّ كَلَامَهُ حُجَّةٌ لِلْمُنَاظِرِينَ كَالْأَدِلَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا يَقُولُهُ هُوَ الْمَنْقُولُ اهـ ع ش.
وَفِي الْمِصْبَاحِ وَنَاظَرَهُ مُنَاظَرَةً بِمَعْنَى جَادَلَهُ وَنَظَرْت فِي الْكِتَابِ وَفِي الْأَمْرِ أَيْ تَفَكَّرْت فِيهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْ تَدَبُّرٌ وَتَفَكُّرٌ فِي طَرِيقِهِ لِعَدَمِ وُضُوحِهِ اهـ (قَوْلُهُ لِسَانُ الْمُتَكَلِّمِينَ) أَيْ الَّذِي هُوَ لَهُمْ كَاللِّسَانِ الَّذِي يَنْطِقُونَ بِهِ مُبَالَغَةٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّكَلُّمَ بِدُونِ النَّظَرِ فِي كَلَامِهِ وَالْأَخْذِ مِنْهُ اهـ ع ش وَالْمُرَادُ كُلُّ مُتَكَلِّمٍ فَيَشْمَلُ عُلَمَاءَ التَّوْحِيدِ وَغَيْرَهُمْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُنَاظِرِينَ اهـ.
مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الْعَالَمِينَ زَيْنُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ وَنَفَعَنَا وَالْمُسْلِمِينَ بِبَرَكَتِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
[حاشية الجمل]
ح ف (قَوْلُهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الْعَالَمِينَ) الْإِحْيَاءُ إعْطَاءُ الْحَيَاةِ وَهُوَ إدْخَالُ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ وَالْمُرَادُ هُنَا لَازِمُهُ وَهُوَ الْإِظْهَارُ وَفِي بِمَعْنَى اللَّامِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ زَيْنُ الْمِلَّةِ) أَيْ مُزَيِّنُهَا.
وَفِي الْمُخْتَارِ الزِّينَةُ مَا يَتَزَيَّنُ بِهِ وَالزَّيْنُ ضِدُّ الشَّيْنِ اهـ ع ش.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمِلَّةُ بِالْكَسْرِ الدِّينُ وَالْجَمْعُ مِلَلٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدْرٍ وَأَمْلَلْت الْكِتَابَ عَلَى الْكَاتِبِ إمْلَالًا أَلْقَيْتُهُ عَلَيْهِ وَأَمْلَيْت عَلَيْهِ إمْلَاءً وَالْأُولَى لُغَةُ الْحِجَازِ وَبَنِي أَسَدٍ وَالثَّانِيَةُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَجَاءَ بِهِمَا الْقُرْآنُ ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 282] ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الفرقان: 5] (قَوْلُهُ زَكَرِيَّا) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَبِهِمَا قُرِئَ فِي السَّبْعِ اهـ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ الْأَنْصَارِيُّ) نِسْبَةٌ لِلْأَنْصَارِ وَهُمْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَيُنْسَبُ الشَّيْخُ إلَى الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ وَهُوَ جَمْعُ نَاصِرٍ كَأَصْحَابٍ جَمْعُ صَاحِبٍ أَوْ جَمْعُ نَصِيرٍ كَأَشْرَافٍ وَشَرِيفٍ وَهُوَ جَمْعُ قِلَّةٍ عَلَى وَزْنِ أَفْعَالٍ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ لَا يَكُونُ لِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ وَالْأَنْصَارُ أُلُوفٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِلَّةَ وَالْكَثْرَةَ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي نَكِرَاتِ الْجُمُوعِ أَمَّا فِي الْمَعَارِفِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قُلْت النِّسْبَةُ لِلْجَمْعِ إنَّمَا تَكُونُ لِمُفْرَدِهِ وَقَدْ نُسِبَ هُنَا لِنَفْسِ الْجَمْعِ قُلْت مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَجْرِ الْجَمْعُ مَجْرَى الْمُفْرَدِ كَالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُ صَارَ عَلَمًا عَلَيْهِمْ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ بِذَلِكَ انْتَهَى وَبَلَدُ الشَّيْخِ سُكَيْنَةُ كَجُهَيْنَةَ قَرْيَةٌ بِالشَّرْقِيَّةِ قُرْبَ بُلْبَيْسَ وَكَانَ الشَّيْخُ يَكْرَهُ النِّسْبَةَ إلَيْهَا اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ) أَيْ جَعَلَ الرَّحْمَةَ لَهُ كَالْغِمْدِ لِلسَّيْفِ وَالْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْغِمْدَ أَيْ الْقِرَابَ لَا يَعُمُّ السَّيْفَ كُلَّهُ انْتَهَى شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ) أَيْ وَاسِعَ جَنَّتِهِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةُ كَاشِفَةٌ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا وَاسِعَةً انْتَهَى شَيْخُنَا (قَوْلُهُ بِبَرَكَتِهِ) أَيْ بِعُلُومِهِ وَمَعَارِفِهِ انْتَهَى شَيْخُنَا.
وَفِي الْمُخْتَارِ الْبَرَكَةُ وَالنَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ وَالتَّبْرِيكُ الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ وَيُقَالُ بَارَكَ اللَّهُ لَك وَفِيك وَعَلَيْك وَبَارَكَك وَمِنْهُ ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: 8] وَتَبَارَكَ اللَّهُ أَيْ بَارَكَ مِثْلُ قَاتَلَ وَتَقَاتَلَ إلَّا أَنَّ فَاعَلَ يَتَعَدَّى وَتَفَاعَلَ لَا يَتَعَدَّى وَتَبَرَّكَ بِهِ تَيَمَّنَ انْتَهَى (قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ) إلَى آخِرِ الشَّرْحِ هَذَا مَقُولُ الْقَوْلِ فَجُمْلَةُ الشَّرْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَالَ انْتَهَى شَيْخُنَا.
(فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ أَيْ مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ عَلَى كُلِّ شَارِعٍ فِي تَصْنِيفِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّشَهُّدُ وَيُسَنُّ لَهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ تَسْمِيَةُ نَفْسِهِ وَتَسْمِيَةُ كِتَابِهِ وَالْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِبَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَفِي مُنْلَا قَارِي عَلَى الشَّمَائِلِ مَا نَصُّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَالْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ فَقِيلَ: لَعَلَّهُ تَشَهَّدَ نُطْقًا وَلَمْ يَكْتُبْهُ اخْتِصَارًا وَقِيلَ: لَعَلَّهُ تَرَكَهُ إيمَاءً إلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَوْ مَحْمُولٌ عِنْدَهُ عَلَى خُطْبَةِ النِّكَاحِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ التُّورْبَشْتِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشَهُّدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَمْدُ وَالثَّنَاءُ وَأَمَّا قَوْلُ الْجَزَرِيِّ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ لِمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» وَكَذَا تَصْرِيحُ الْعَسْقَلَانِيِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّهَادَتَانِ فَلَا يُنَافِي التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ إذْ مُرَادُهُ أَنَّ التَّشَهُّدَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَسُمِّيَ تَشَهُّدُ الصَّلَاةِ تَشَهُّدًا لِتَضَمُّنِهِ إيَّاهُمَا لَكِنْ تُوُسِّعَ فِيهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَمْدَلَةِ.
أَمَّا اعْتِرَاضُ شَارِحِهِ بِأَنَّ ارْتِكَابَ الْمَجَازِ بِلَا قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَهُوَ صَحِيحٌ مَنْقُولٌ لَكِنَّهُ لَمَّا تَرَكَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْمُصَنِّفِينَ الْعَمَلَ فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَيُؤَوَّلُ بِأَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ تُحْمَلَ الْخُطْبَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْخُطَبِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ التَّصْنِيفَ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
1 -
(قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ) تَبِعَ فِيهِ الْجَلَالَ الْمَحَلِّيَّ فِي شَرْحِهِ الْأَصْلِيِّ وَإِنْ كَانَ عَبَّرَ بَدَلَهُ فِي شَرْحِهِ الْفَرْعِيِّ بِقَوْلِهِ عَلَى إنْعَامِهِ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ مَادَّةَ الْإِفْضَالِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الشَّيْءِ النَّفِيسِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْفَاعِلِ وَمِنْهُ قَوْلُ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قِصَّةِ عَرْشِ بِلْقِيسَ ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: 40] بِخِلَافِ مَادَّةِ الْإِنْعَامِ وَجُمْلَةُ الْحَمْدِ إنْ كَانَتْ خَبَرِيَّةً فَالظَّرْفُ أَعْنِي عَلَى أَفْضَالِهِ مُتَعَلِّقٌ؛ إمَّا بِالْمُبْتَدَأِ وَهُوَ الْحَمْدُ وَالْمَعْنَى كُلُّ حَمْدٍ، أَوْ جِنْسِهِ عَلَى أَفْضَالِ اللَّهِ لِلَّهِ وَهُوَ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ الْمُضَافُ فَقَطْ وَإِمَّا بِالْحَمْدِ اللَّازِمِ لِهَذَا الْخَبَرِ وَكَأَنَّهُ قِيلَ:
عَلَى أَفْضَالِهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَآلِهِ (وَبَعْدُ) فَقَدْ كُنْت اخْتَصَرْت مِنْهَاجَ الطَّالِبِينَ فِي الْفِقْهِ تَأْلِيفَ الْإِمَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابٍ سَمَّيْتُهُ بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ وَقَدْ سَأَلَنِي بَعْضُ الْأَعِزَّةِ عَلَيَّ مِنْ الْفُضَلَاءِ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَى أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا
[حاشية الجمل]
حَمْدِي اللَّازِمُ مِمَّا ذُكِرَ لِأَجْلِ أَفْضَالِهِ وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ مَعَ حَمْلِ الـ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إذْ لَا تَنْحَصِرُ عِلَّةُ مَمْلُوكِيَّةِ الْحَمْدِ مَثَلًا فِي الْأَفْضَالِ بَلْ تَكُونُ فِي نَحْوِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَإِنْ جُعِلَتْ إنْشَائِيَّةً فَيَتَعَلَّقُ بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ أَيْ أَصِفُهُ بِمَالِكِيَّةِ كُلِّ وَصْفٍ جَمِيلٍ لِأَفْضَالِهِ أَوْ بِالْمُبْتَدَأِ أَيْ أَصِفُهُ بِمَالِكِيَّةِ كُلِّ وَصْفٍ لِأَجْلِ أَفْضَالِهِ اهـ شَيْخُنَا مُفْتِي الْأَنَامِ انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ.
(فَائِدَةٌ) الْأَصَحُّ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ مِنْ خَصَائِصِ الْمُصْطَفَى وَأُمَّتِهِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَمَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ جَاءَ عَلَى جِهَةِ التَّرْجَمَةِ عَمَّا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا كَمَا أَتْقَنَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْمَوَاهِبِ لِلزَّرْقَانِيِّ اهـ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ عَلَى أَفْضَالِهِ) خَبَرٌ ثَانٍ فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ جُمْلَتَانِ فَيَكُونُ قَدْ حَمِدَ عَلَى الذَّاتِ أَوَّلًا وَعَلَى الْفِعْلِ ثَانِيًا وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ إعْرَابِهِ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِالْحَمْدِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ إلَّا حَمْدٌ وَاحِدٌ انْتَهَى شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) جَمَعَ بَيْنَهُمَا امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ بِهِ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَوْ خَطًّا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَذَكَرَهُمَا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ وَلَوْ بِمَعُونَةٍ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ كَمَا فِي جُمْلَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَتَنَاسُبُ الْجُمْلَتَيْنِ فِي كَوْنِهِمَا اسْمِيَّتَيْنِ مَثَلًا مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْوَصْلِ كَمَا بُيِّنَ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ وَالصَّلَاةُ اسْمُ مَصْدَرٍ إذْ مَصْدَرُ صَلَّى التَّصْلِيَةُ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ وَأَمَّا مَصْدَرُ سَلَّمَ فَالتَّسْلِيمُ كَمَا فِي الْآيَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ بَدَلَ السَّلَامِ نَظَرًا لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ لَفْظَيْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ أَسْمَاءِ الْمَصَادِرِ انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَعَلَّ الْمُرَادَ لَمْ يُسْمَعْ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ أَيْ الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ سُمِعَ فِي الْعَذَابِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 94] اهـ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ عَلَى سَيِّدِنَا) مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامِ عَلَى اخْتِيَارِ الْبَصْرِيِّينَ وَمُتَعَلِّقُ الصَّلَاةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْمَذْكُورُ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ ذِكْرُ الْمُتَعَلِّقِ بِالسَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا هُنَا مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِفَقْدِ الِاشْتِقَاقِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْعَامِلَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ.
وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ عَلَى سَيِّدِنَا جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ كَائِنَانِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَصَحْبِهِ وَآلِهِ) قَدَّمَ الصَّحْبَ عَلَى الْآلِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ ثَبَتَتْ بِخَبَرِ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إلَخْ وَالصَّلَاةُ عَلَى الصَّحْبِ إنَّمَا هِيَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ جُمْلَةَ الصَّحْبِ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْآلِ إذْ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَيُقَالُ قَدَّمَهُ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ انْتَهَى ع ش.
(قَوْلُهُ فِي الْفِقْهِ) فِي هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ أَشْكَالٌ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمِنْهَاجَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْكُتُبِ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي وَالْفِقْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْعُلُومِ اسْمٌ لِلْمَلَكَةِ أَوْ الْإِدْرَاكِ أَوْ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ وَلَا مَعْنَى لِظَرْفِيَّةِ نَحْوِ الْمَسَائِلِ لِلْأَلْفَاظِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ فِي بِمَعْنَى عَلَى فَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ أَوْ الْمَعْنَى اخْتَصَرْت مِنْهَاجَ الطَّالِبِينَ الدَّالَّ عَلَى الْمَسَائِلِ الْمَخْصُوصَةِ أَوْ الْمُحَصِّلَ لِلْإِدْرَاكَاتِ الْمَخْصُوصَةِ أَوْ الْمَلَكَةِ.
وَهَذَا الْقَيْدُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلِاحْتِرَازِ إذْ لَمْ يُسَمَّ بِهَذَا الِاسْمِ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمِنْهَاجِ مُتَعَدِّدًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُضَافًا لِلطَّالِبِينَ اهـ ع ش (قَوْلُهُ مُحْيِي الدِّينِ) نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي حِلٍّ مَنْ قَالَ عَنِّي مُحْيِي الدِّينِ وَهَذَا مِنْ وَرَعِهِ وَتَوَاضُعِهِ فَلَا يُقَالُ يَقْتَضِي ذَلِكَ حُرْمَةَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ اهـ حِلِّيٌّ (قَوْلُهُ النَّوَوِيُّ) نِسْبَةٌ إلَى نَوًى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فِي كِتَابِ) مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْأَجْزَاءِ فِي الْكُلِّ أَوْ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ أَوْ أَرَادَ بِالْمُخْتَصَرِ الْمَعْنَى وَبِالْكِتَابِ اللَّفْظَ انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ جَمْعُ طَالِبٍ كَكُتَّابٍ جَمْعِ كَاتِبٍ انْتَهَى تَقْرِيرٌ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْحَفْنِي مَا نَصُّهُ الطُّلَّابُ جَمْعُ طَلَّابٍ بِفَتْحِ الطَّاءِ مُبَالَغَةٌ فِي طَالِبٍ فَيُفِيدُ أَنَّ طَلَبَ النَّاسِ لِلْمَنْهَجِ أَكْثَرُ مِنْ طَلَبِهِمْ لِلْمِنْهَاجِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ سَأَلَنِي) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ انْتَهَى شَيْخُنَا (قَوْلُهُ بَعْضُ الْأَعِزَّةِ عَلَيَّ) فِي الْمُخْتَارِ عَزَزْت عَلَيْهِ بِالْفَتْحِ كَرُمْت عَلَيْهِ وَجَمْعُ الْعَزِيزِ عِزَازٌ مِثْلُ كَرِيمٍ وَكِرَامٍ وَقَوْمٌ أَعِزَّةٌ وَأَعِزَّاءُ اهـ وَبَيْنَ عَلَى وَإِلَى الْجِنَاسُ الْمُضَارِعُ وَهُوَ اخْتِلَافُ الْكَلِمَتَيْنِ بِحَرْفَيْنِ مُتَقَارِبَيْ الْمَخْرَجِ وَبَيْنَ مُرَادٍ وَمُفَادٍ الْجِنَاسُ اللَّاحِقُ وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا بِحَرْفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْ الْمَخْرَجِ وَبَيْنَ يَحِلُّ وَيُجِلُّ الْجِنَاسُ الْمُصَحَّفُ انْتَهَى شَيْخُنَا (قَوْلُهُ أَنْ أَشْرَحَهُ) أَيْ أَضَعَ عَلَيْهِ شَرْحًا اصْطِلَاحِيًّا وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَجْلِ الصِّفَاتِ
يَحُلُّ أَلْفَاظَهُ وَيُجِلُّ حُفَّاظَهُ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ وَيُتَمِّمُ مُفَادَهُ فَأَجَبْتُهُ إلَى ذَلِكَ بِعَوْنِ الْقَادِرِ الْمَالِكِ (وَسَمَّيْتُهُ) بِفَتْحِ الْوَهَّابِ بِشَرْحِ مَنْهَجِ الطُّلَّابِ وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[حاشية الجمل]
الْمَذْكُورَةِ إذْ لَوْ حَمَلَ الشَّرْحَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَبَعُدَ وَصْفُهُ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ انْتَهَى.
شَيْخُنَا (قَوْلُهُ يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ) أَيْ تَرَاكِيبَهُ بِبَيَانِ فَاعِلِهِ وَمَفْعُولِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالضَّمَائِرِ وَشَبَّهَ فَكَّ التَّرَاكِيبِ بِحَلِّ الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ ثُمَّ أُطْلِقَ الْحَلُّ عَلَى الْفَكِّ ثُمَّ اُشْتُقَّ مِنْهُ الْفِعْلُ فَصَارَتْ الِاسْتِعَارَةُ فِي الْمَصْدَرِ أَصْلِيَّةً وَفِي الْفِعْلِ تَبَعِيَّةً انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ قَوْلُهُ يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ أَيْ يُبَيِّنُ مَعَانِيَهَا وَمِنْهُ بَيَانُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَفِيهِ أَنَّ فِي هَذَا إضَافَةَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ الْمَنْهَجَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَلَا يُقَالُ: الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ أَلْفَاظٌ هِيَ هُوَ لِأَنَّا نَقُولُ: نَقَلَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ أَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ لَا تَأْتِي فِي الْإِضَافَةِ إلَى الضَّمِيرِ وَقَدْ يُقَالُ هُوَ مِنْ إضَافَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَجْزَاءِ إلَى كُلِّهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَحِلُّ كُلَّ تَرْكِيبٍ مِنْ تَرَاكِيبِ جُمْلَةِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ أَرْكَانُ الْبَيْعِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَيُجِلُّ حُفَّاظَهُ) أَيْ يُصَيِّرُهُمْ أَجِلَّاءَ لِفَهْمِ مَعَانِيهِ وَزَادَ هَذَا عَلَى الْمُحَلَّى لِيُطَابِقَ السَّجْعَةَ قَبْلَهُ مَعَ التَّجْنِيسِ التَّامِّ انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ) أَيْ الْمُسْتَفَادَ مِنْ تَرَاكِيبِهِ وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ إلَى الْمُفْرَدَاتِ سَابِقًا عَلَى النَّظَرِ إلَى الْمُرَكَّبَاتِ أَشَارَ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ ثُمَّ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي بِقَوْلِهِ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ ع طْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ حَلَّ الْأَلْفَاظِ قَدْ لَا يُبَيِّنُ بِمُجَرَّدِهِ الْمُرَادَ وَبَيَانُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ حَلِّ التَّرْكِيبِ كَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَحْوِ وَالْمُرَادُ كَذَا انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَيُتَمِّمُ مُفَادَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ مُفَادَهُ بِضَمِّ الْمِيمِ مِنْ أَفَادَ مَزِيدُ الثَّلَاثِي وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ عَلَى الْمُتَبَادِرِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا وَهُوَ الْمَبْدُوءُ بِمِيمٍ زَائِدَةٍ لِغَيْرِ الْمُفَاعَلَةِ فَيَخْرُجُ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ نَحْوُ الْمَيْنُ الْكَذِبُ فَإِنَّ مِيمَه أَصْلِيَّةٌ وَبِالثَّانِي نَحْوُ الْمُقَاتَلَةِ فَإِنَّ مِيمَه زَائِدَةٌ لَكِنْ لِلْمُفَاعَلَةِ وَالْمَعْنَى يُكَمِّلُ هَذَا الشَّرْحُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَنْهَجِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ يُكَمِّلُ فَائِدَتَهُ عَلَى الثَّانِي كَمَا قَالُوا فِي مُقَامِ بِضَمِّ الْمِيمِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَيْك حُسْنُ ذِكْرِ التَّبْيِينِ فِي جَانِبِ الْمُرَادِ وَالتَّتْمِيمِ فِي جَانِبِ الْمُفَادِ لِاحْتِيَاجِ الْمُرَادِ إلَى كَشْفٍ وَإِيضَاحٍ لِخَفَائِهِ وَالْمُفَادِ إلَى تَكْمِيلٍ وَتَتْمِيمٍ لِنَقْصِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مِنْ كَلَامِ السَّائِلِ انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ فَأَجَبْتُهُ إلَى ذَلِكَ) أَيْ بَادَرْت إلَى إجَابَتِهِ إلَى ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ الْإِيفَاءِ أَيْ بِالْوَعْدِ بِهِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهِ أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ بِهِ نَفْسِهِ اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ بِعَوْنِ الْقَادِرِ) أَيْ مُسْتَعِينًا بِعَوْنِ الْقَادِرِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ بِفَتْحِ الْوَهَّابِ) مُتَعَلِّقًا بِسَمَّيْتُهُ وَهَذِهِ الْبَاءُ لَيْسَتْ مِنْ الْعَلَمِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَهَّابِ بِالنَّظَرِ لِحَالِهِ قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِحَالِهِ بَعْدَهَا فَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِشَيْءٍ وَهَذَا الْعَلَمُ مُرَكَّبٌ مِنْ سِتِّ كَلِمَاتٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إسْنَادِيٌّ بِأَنْ يُجْعَلَ فَتْحَ الْوَهَّابِ مُبْتَدَأً وَقَوْلَهُ بِشَرْحِ مَنْهَجِ الطُّلَّابِ خَبَرًا وَيَبْعُدُ كَوْنُهُ إضَافِيًّا أَوْ مَزْجِيًّا انْتَهَى
شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: أَنْ يَنْفَعَ بِهِ) فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي أَيْ فِي أَنْ يَنْفَعَ بِهِ أَيْ فِي النَّفْعِ فَحَذَفَ الْجَارَّ لَا مِنْ اللَّبْسِ وَهُوَ مَقِيسٌ فِي مِثْلِهِ وَمَفْعُولُ يَنْفَعَ مَحْذُوفٌ لِلْعُمُومِ وَلِلْعِلْمِ بِهِ وَلِلِاخْتِصَارِ أَيْ أَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ وَحْدَهُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مُؤَلِّفَهُ وَغَيْرَهُ فِي الدُّنْيَا بِنَحْوِ قِرَاءَتِهِ وَفِي الْآخِرَةِ بِإِثْبَاتِهِ انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَهُوَ حَسْبِي) أَيْ بِحَسْبِي وَكَافِيِّ (وَقَوْلُهُ: وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أَيْ هُوَ أَيْ الْمَوْكُولُ وَالْمُفَوَّضُ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَوْ عَلَى الْإِنْشَاءِ لِإِرَادَتِهِ هُنَا بِأَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ حَسْبِي طَلَبُ الْكِفَايَةِ مِنْهُ تَعَالَى أَوْ مِنْ عَطْفِ الْإِخْبَارِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أَيْ وَهُوَ نِعْمَ الْوَكِيلُ أَوْ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ حَسْبِي وَيَكُونُ هَذَا مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ عَلَى الْمُفْرَدِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَيَكُونُ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ مُفْرَدًا وَالثَّانِي جُمْلَةً فَتَأَمَّلْهُ وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ مَعْطُوفٌ عَلَى هُوَ حَسْبِي بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ جَوَازِ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ.
لَكِنْ الْمَشْهُورُ امْتِنَاعُهُ فَعَلَيْهِ يُقَدَّرُ فِي الْمَعْطُوفِ مُبْتَدَأٌ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ خَبَرًا عَنْهُ بِالتَّأْوِيلِ الْمَشْهُورِ فِي وُقُوعِ الْإِنْشَاءَاتِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ أَيْ وَهُوَ مَقُولٌ فِيهِ نِعْمَ الْوَكِيلُ وَحِينَئِذٍ فَهِيَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مِثْلِهَا فَلَا مَحْذُورَ أَوْ جُمْلَةُ نِعْمَ الْوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى حَسْبِي وَهُوَ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُضَمَّنٍ مَعْنَى الْفِعْلِ فَلَمْ يَكُنْ فِي قُوَّةِ الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ عَطْفُ الْجُمْلَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ بَلْ عَلَى الْمُفْرَدِ وَلَا مَحْذُورَ فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْمُفْرَدِ وَلَا فِي عَكْسِهِ بَلْ يَحْسُنُ ذَلِكَ إذَا رُوعِيَ فِيهِ نُكْتَةٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ جَوَّزَ عَطْفَ الْإِنْشَائِيَّةِ عَلَى
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
[حاشية الجمل]
الْإِخْبَارِيَّةِ فِي الْجُمَلِ الَّتِي لَهَا مَحَلٌّ مِنْ الْإِعْرَابِ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَ الْمُفْرَدَاتِ وَلَا عِبْرَةَ بِنِسْبَتِهَا انْتَهَى شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُ الْمَتْنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْبَاءُ فِيهَا قِيلَ: إنَّهَا زَائِدَةٌ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَوْ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ اسْمِ فَاعِلٍ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ فِعْلٍ أَيْ أُؤَلِّفُ أَوْ أَبْدَأُ أَوْ حَالٍ مِنْ فَاعِلِ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ أَيْ أَبْدَأُ مُتَبَرِّكًا أَوْ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ وَالتَّبَرُّكُ بِالْأَلْفَاظِ إجْرَاؤُهَا عَلَى اللِّسَانِ وَإِخْطَارُ مَعَانِيهَا بِالْبَالِ وَبِالْمَعَانِي بِالْعَكْسِ أَوْ مَصْدَرُ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ ابْتِدَائِي بِسْمِ اللَّهِ ثَابِتٌ وَلَا يَضُرُّ عَلَى هَذَا حَذْفُ الْمَصْدَرِ وَإِبْقَاءُ مَعْمُولِهِ لِأَنَّهُ يُتَوَسَّعُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مَا لَا يُتَوَسَّعُ فِي غَيْرِهِمَا وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ هَاهُنَا أَوْقَعُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: 41] وَقَوْلِهِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] لِأَنَّهُ أَهَمُّ وَأَدَلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَأَدْخَلُ فِي التَّعْظِيمِ وَأَوْفَقُ لِلْوُجُودِ فَإِنَّ اسْمَهُ تَعَالَى مُقَدَّمٌ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا كُسِرَتْ الْبَاءُ وَمِنْ حَقِّ الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ أَنْ تُفْتَحَ لِاخْتِصَاصِهَا بِلُزُومِ الْحَرْفِيَّةِ وَالْجَرِّ كَمَا كُسِرَتْ لَامُ الْأَمْرِ وَلَامُ الْجَرِّ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُظْهَرِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ لَامِ التَّأْكِيدِ انْتَهَى شَرْحُ م ر.
وَأَمَّا غَيْرُ الْبَاءِ مِنْ الْحُرُوفِ فَمِنْهُ مَا يَنْفَكُّ عَنْ الْحَرْفِيَّةِ كَالْكَافِ وَمَا يَنْفَكُّ عَنْ الْجَرِّ كَالْوَاوِ وَإِنَّمَا كَانَ لُزُومُهَا لِهَذَيْنِ مُقْتَضِيًا لِكَسْرِهَا قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ: أَمَّا الْحَرْفِيَّةُ فَلِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبِنَاءَ عَلَى السُّكُونِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ وَالْكَسْرُ يُنَاسِبُ الْعَدَمَ لِقِلَّتِهِ إذْ لَا يُوجَدُ فِي الْفِعْلِ وَلَا فِي غَيْرِ الْمُنْصَرِفِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَلَا فِي الْحُرُوفِ إلَّا نَادِرًا وَأَمَّا الْجَرُّ فَلِتَنَاسُبِ حَرَكَتِهَا الَّتِي هِيَ الْكَسْرَةُ عَمَلَهَا الَّذِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ وَهُوَ الْجَرُّ الَّذِي هُوَ الْكِسْرَةُ أَصَالَةً اهـ عَبْدُ الْحَقِّ فِي شَرْحِ الْبَسْمَلَةِ انْتَهَى ع ش عَلَى م ر وَالِاسْمُ لُغَةً مَا أَبَانَ عَنْ مُسَمًّى أَيْ أَظْهَرَ وَكَشَفَ وَاصْطِلَاحًا مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ غَيْرِ مُتَعَرِّضٍ بِبِنْيَتِهِ لِزَمَانٍ وَلَا دَالٍّ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ وَالتَّسْمِيَةُ جَعْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَأَقْسَامُ الِاسْمِ تِسْعَةٌ (أَوَّلُهَا) الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ كَسَائِرِ الْأَعْلَامِ (ثَانِيهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَاتِهِ كَالْجَوْهَرِ لِلْجِدَارِ وَالْجِسْمِ لَهُ (ثَالِثُهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ كَالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وَالْحَارِّ وَالْبَارِدِ (رَابِعُهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ فَقَطْ كَالْمَعْلُومِ وَالْمَفْهُومِ وَالْمَذْكُورِ وَالْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ وَيَمِينًا وَشِمَالًا.
(خَامِسُهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَأَعْمَى وَفَقِيرٍ وَسَلِيمٍ عَنْ الْآفَاتِ (سَادِسُهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ كَعَالِمٍ وَقَادِرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَهَا إضَافَةٌ إلَى الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَقْدُورَاتِ (سَابِعُهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَقَادِرٍ لَا يَعْجِزُ وَعَالِمٍ لَا يَجْهَلُ (ثَامِنُهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَلَفْظَةِ أَوَّلِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَابِقًا غَيْرَهُ وَهُوَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ وَكَالْقَيُّومِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ أَيْ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ سَلْبٌ وَمُقَوِّمٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ إضَافَةٌ (تَاسِعُهَا) الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ مَجْمُوعِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَإِضَافِيَّةٍ وَسَلْبِيَّةٍ كَالْإِلَهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَوْجُودًا أَزَلِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ وَعَلَى الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّنْزِيهِ وَعَلَى الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ وَالِاسْمُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي حُذِفَتْ أَعْجَازُهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَبُنِيَتْ أَوَائِلُهَا عَلَى السُّكُونِ أَيْ وُضِعَتْ سَاكِنَةً وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهَا عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ أَوْ مِنْ السِّمَةِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَهِيَ الْعَلَامَةُ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُسَمَّاهُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَكِنَّهُ فَاسِدٌ مِنْ حَيْثُ التَّصْرِيفُ وَأَصْلُهُ وَسْمٌ حُذِفَتْ الْوَاوُ وَعُوِّضَ عَنْهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ لَيَقِلَّ إعْلَالُهُ وَرُدَّ بِأَنَّ هَمْزَةَ الْوَصْلِ لَمْ تُعْهَدْ دَاخِلَةً عَلَى مَا حُذِفَ صَدْرُهُ فِي كَلَامِهِمْ وَالِاسْمُ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ فَغَيْرُ الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُ مِنْ أَصْوَاتٍ مُقَطَّعَةٍ غَيْرِ قَارَّةٍ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَالْإِعْصَارِ وَيَتَعَدَّدُ تَارَةً وَيَتَحَدَّدُ أُخْرَى وَالْمُسَمَّى لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُ الشَّيْءِ فَهُوَ الْمُسَمَّى لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 78] فَالْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ لِأَنَّهُ كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ النَّقَائِصِ يَجِبُ تَنْزِيهُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لَهَا عَنْ الرَّفَثِ وَسُوءِ الْأَدَبِ أَوْ لَفْظُ الِاسْمِ فِيهِ مُقْحَمٌ لِلتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ كَمَا هُوَ رَأْيُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ انْقَسَمَ انْقِسَامَ الصِّفَةِ عِنْدَهُ إلَى مَا هُوَ نَفْسُ الْمُسَمَّى كَالْوَاحِدِ وَالْقَدِيمِ وَإِلَى مَا هُوَ غَيْرُهُ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَإِلَى مَا لَيْسَ هُوَ وَلَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية الجمل]
غَيْرَهُ كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ وَالْمَرِيدُ وَالْمُتَكَلِّمُ وَالْبَصِيرُ وَالسَّمِيعُ لَا يُقَالُ مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ الْآتِي أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَا بَلْ بِلَفْظِ اسْمٍ لِأَنَّا نَقُولُ كُلُّ حُكْمٍ وَرَدَ عَلَى اسْمٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَارِدٌ عَلَى مَدْلُولِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَضَرَبَ فِعْلٍ فَقَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ مَعْنَاهُ أَبْتَدِئُ بِمَدْلُولِ اسْمِهِ وَهُوَ لَفْظُ الْجَلَالَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ بِاَللَّهِ أَبْتَدِئُ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ وَالِاسْتِعَانَةَ بِذِكْرِ اسْمِهِ أَيْضًا أَوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالتَّيَمُّنِ أَوْ لِتَحْصِيلِ نُكْتَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فِي أَلْفَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَوْضِعًا وَأَصْلُهُ إلَهُ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِأَنَّهُ يُوصَفُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْمٍ تَجْرِي عَلَيْهِ صِفَاتُهُ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سِوَاهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَصْفًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ لَا إلَهَ تَوْحِيدًا مِثْلَ لَا إلَهَ إلَّا الرَّحْمَنُ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ فَهُوَ مُرْتَجَلٌ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَتِلْمِيذِهِ الْغَزَالِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ وَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَابْنِ كَيْسَانَ وَغَيْرِهِمْ.
1 -
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ خَيْرًا كَثِيرًا لِجَعْلِي اسْمَهُ أَعْرَفَ الْمَعَارِفِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ وَنُقِلَ عَنْ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَيْضًا وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلَهَ بِمَعْنَى عَبَدَ وَقِيلَ: مِنْ أَلِهَ إذَا تَحَيَّرَ لِأَنَّ الْعُقُولَ تَتَحَيَّرُ فِي مَعْرِفَتِهِ أَوْ مِنْ أَلِهْت إلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْت إلَيْهِ لِأَنَّ الْقُلُوبَ تَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ وَالْأَرْوَاحَ تَسْكُنُ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَوْ مِنْ أَلِهَ إذَا فَزِعَ مِنْ أَمْرٍ نَزَلَ عَلَيْهِ وَأَلَهَهُ غَيْرُهُ أَجَارَهُ أَوْ أَلِهَ الْفَصِيلُ إذَا وَلِعَ بِأُمِّهِ أَوْ مِنْ وَلِهَ إذَا تَحَيَّرَ وَتَخَبَّطَ عَقْلُهُ وَكَانَ أَصْلُهُ وِلَاهٌ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً لِاسْتِثْقَالِ الْكِسْرَةِ عَلَيْهَا وَقِيلَ: أَصْلُهُ لَاهٌ مَصْدَرُ لَاهَ يَلِيهِ لَيْهًا وَلَاهًا إذَا احْتَجَبَ وَارْتَفَعَ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَصْفٌ فِي أَصْلِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ وَصَارَ كَالْعَلَمِ أُجْرِيَ مُجْرَاهُ فِي إجْرَاءِ الْأَوْصَافِ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِ الْوَصْفِ بِهِ وَعَدَمِ تَطَرُّقِ احْتِمَالِ الشَّرِكَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ ذَاتَهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِلَا اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ حَقِيقِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ عَلَى مُجَرَّدِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ لَمَا أَفَادَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: 3] مَعْنًى صَحِيحًا وَلِأَنَّ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ وَهُوَ كَوْنُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُشَارِكًا لِلْآخَرِ فِي الْمَعْنَى وَالتَّرْكِيبُ حَاصِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ اهـ وَهُوَ عَرَبِيٌّ خِلَافًا لِلْبَلْخِيِّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَرَّبٌ وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ رَحِمَ بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ أَوْ بِجَعْلِهِ لَازِمًا وَنَقْلِهِ إلَى فَعُلَ بِالضَّمِّ وَالرَّحْمَةُ لُغَةً رِقَّةُ الْقَلْبِ وَانْعِطَافٌ تَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِحْسَانَ فَالتَّفَضُّلُ غَايَتُهَا وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَأْخُوذَةُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ إنَّمَا تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ دُونَ الْمَبَادِئِ الَّتِي تَكُونُ انْفِعَالَاتٍ فَالرَّحْمَةُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَعْنَاهَا إرَادَةُ الْإِحْسَانِ فَتَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ أَوْ الْإِحْسَانُ فَتَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ فَهُوَ إمَّا مَجَازٌ فِي الْإِحْسَانِ أَوْ فِي إرَادَتِهِ وَإِمَّا اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأَنْ مُثِّلَتْ حَالُهُ تَعَالَى بِحَالِ مَلَكٍ عَطَفَ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَرَقَّ لَهُمْ فَعَمَّهُمْ مَعْرُوفُهُ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَأُرِيدَ غَايَتُهُ الَّتِي هِيَ إرَادَةٌ أَوْ فِعْلٌ لَا مَبْدَؤُهُ الَّذِي هُوَ انْفِعَالٌ وَقَدَّمَ اللَّهَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ اسْمُ ذَاتٍ وَهُمَا أَسْمَاءُ صِفَاتٍ وَقَدَّمَ الرَّحْمَنَ عَلَى الرَّحِيمِ لِأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ إذْ لَا يُقَالُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِخِلَافِ الرَّحِيمِ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي التَّرَقِّي مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِمْ عَالِمٌ نِحْرِيرٌ وَجَوَادٌ فَيَّاضٌ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْعَلَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمُنْعِمُ الْحَقِيقِيُّ الْبَالِغُ فِي الرَّحْمَةِ غَايَتَهَا وَذَلِكَ لَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهُ عَلَمًا وَلِأَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى جَلَائِلِ النِّعَمِ وَأُصُولِهَا ذَكَرَ الرَّحِيمَ لِيَتَنَاوَلَ مَا دَقَّ مِنْهَا وَلَطَفَ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ لَهُ وَالرَّدِيفِ وَلِلْمُحَافَظَةِ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ وَالْأَبْلَغِيَّةُ تُؤْخَذُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْكِمِّيَّةِ وَلِهَذَا قِيلَ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ يَخُصُّ الْمُؤْمِنَ وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ وَلِهَذَا قِيلَ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الدُّنْيَا لِأَنَّ النِّعَمَ الْأُخْرَوِيَّةَ كُلَّهَا جِسَامٌ وَأَمَّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَجَلِيلَةٌ وَحَقِيرَةٌ وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَنَدْمَانَ وَنَدِيمٍ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَقِيلَ: الرَّحِيمُ أَبْلَغُ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ عَلَى سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّهُ أَوْدَعَ مَا فِيهَا فِي أَرْبَعَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَأَوْدَعَ مَا فِيهَا فِي الْقُرْآنِ وَأَوْدَعَ مَا فِي الْقُرْآنِ
أَيْ أُؤَلِّفُ وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ
[حاشية الجمل]
فِي الْفَاتِحَةِ وَأَوْدَعَ مَا فِي الْفَاتِحَةِ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أَوْدَعَ مَا فِيهَا فِي الْبَاءِ أَيْ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ بِي كَانَ مَا كَانَ وَبِي يَكُونُ مَا يَكُونُ وَهَذَا الْمَعْنَى يَرْجِعُ إلَيْهِ جَمِيعُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْقُرْآنِ وَأَوْدَعَ مَا فِي الْبَاءِ فِي النُّقْطَةِ كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الرُّكْنِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ وَحْدَتُهُ تَعَالَى اهـ مِنْ شَرْحِ م ر مَعَ زِيَادَةٍ لع ش عَلَيْهِ وَقَالَ فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: وَالرَّحْمَنُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى لَفْظًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَعَامٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ وَالرَّحِيمُ عَامٌّ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمُسَمَّى بِهِ خَاصٌّ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى اللُّطْفِ وَالتَّوْفِيقِ اهـ.
(فَائِدَةٌ) فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» اهـ.
وَفِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ إنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ حِكَايَةٌ لِمَضْمُونِ الْكِتَابِ وَتُفْتَحُ بَدَلًا مِنْ كَتَبَ غَلَبَ وَالْمُرَادُ مِنْ الْغَضَبِ لَازِمُهُ وَهُوَ إرَادَةُ اتِّصَالِ الْعَذَابِ إلَى مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ الْغَضَبُ لِأَنَّ السَّبْقَ وَالْغَلَبَةَ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ أَيْ تَعَلُّقُ الرَّحْمَةِ غَالِبٌ سَابِقٌ عَلَى تَعَلُّقِ الْغَضَبِ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مُقْتَضَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَمَّا الْغَضَبُ فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى سَابِقَةِ عَمَلٍ مِنْ الْعَبْدِ الْحَادِثِ وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَفِي سَبْقِ الرَّحْمَةِ بَيَانُ أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنْ الْغَضَبِ وَأَنَّهَا تَنَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَأَنَّ الْغَضَبَ لَا يَنَالُهُمْ إلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّحْمَةَ تَشْمَلُ الْإِنْسَانَ جَنِينًا رَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الطَّاعَةِ وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَضَبُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ عَلَى وِزَانِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] أَيْ أَوْجَبَ وَعْدًا أَنْ يَرْحَمَهُمْ قَطْعًا بِخِلَافِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضَى الْغَضَبِ مِنْ الْعِقَابِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ بِفَضْلِهِ وَأُنْشِدَ
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفٌ إيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
وَقَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الْغَضَبُ إرَادَةُ الْعِقَابِ وَالرَّحْمَةُ إرَادَةُ الثَّوَابِ وَالصِّفَاتُ لَا تُوصَفُ بِالْغَلَبَةِ وَلَا يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا لَكِنْ جَاءَ هَذَا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تُجْعَلَ الرَّحْمَةُ وَالْغَضَبُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَا الذَّاتِ فَالرَّحْمَةُ هِيَ الثَّوَابُ وَالْإِحْسَانُ وَالْغَضَبُ هُوَ الِانْتِقَامُ وَالْعِقَابُ فَتَكُونُ الْغَلَبَةُ عَلَى بَابِهَا أَيْ إنَّ رَحْمَتِي أَكْثَرُ مِنْ غَضَبِي فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) الْكَلَامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ مُنْحَصِرٌ فِي أَرْبَعَةِ مَقَاصِدَ: (الْأَوَّلُ) فِي الْبَاءِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحِثَ: الْأَوَّلُ فِي مُتَعَلِّقِهَا الثَّانِي فِي مَعْنَاهَا الثَّالِثُ فِي حِكْمَةِ كَسْرِهَا الرَّابِعُ فِي سَبَبِ تَطْوِيلِهَا: (الْمَقْصِدُ الثَّانِي) فِي اسْمِ وَفِيهِ خَمْسَةُ مَبَاحِثَ: الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ وَمَا يَتْبَعُهُ الثَّانِي فِي بَيَانِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْبَسْمَلَةِ مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى لَفْظِ اسْمِ ابْتِدَاءٌ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الثَّالِثُ فِي اشْتِقَاقِهِ الرَّابِعُ فِي لُغَاتِهِ الْخَامِسُ فِي مُوجِبِ حَذْفِ أَلِفِهِ خَطًّا (الْمَقْصَدُ الثَّالِثُ) فِي اللَّهِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحِثَ: الْأَوَّلُ فِي عَلَمِيَّتِهِ وَمُسَمَّاهُ الثَّانِي فِي أَصْلِهِ الثَّالِثُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ عَرَبِيٌّ أَوْ مُعَرَّبٌ الرَّابِعُ فِي الْخِلَافِ فِي أَنَّ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (الْمَقْصِدُ الرَّابِعُ) فِي الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا مَبْحَثَانِ: الْأَوَّلُ فِي لَفْظِهِمَا نَوْعًا وَاشْتِقَاقًا الثَّانِي فِي عِلَّةِ تَقْدِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَتَقْدِيمِ الرَّحْمَنِ مِنْهُمَا عَلَى الرَّحِيمِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِبَيَانِ مَعْنَاهُمَا وَغَيْرِهِ اهـ مِنْ مُقَدَّمَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ اهـ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اُسْتُشْكِلَتْ جُمْلَةُ الْبَسْمَلَةِ بِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ خَبَرِيَّةً وَرَدَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْخَبَرِ الصَّادِقِ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَدْلُولُهُ فِي الْوَاقِعِ بِدُونِهِ وَيَكُونُ الْخَبَرُ حِكَايَةً عَنْهُ وَمَا هُنَا بِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّ مُصَاحَبَةَ الِاسْمِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ وَهُمَا مِنْ تَتِمَّةِ الْخَبَرِ لَا يَتَحَقَّقَانِ إلَّا بِهَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَتْ إنْشَائِيَّةً وَرُدَّ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِنْشَاءِ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَدْلُولُهُ بِهِ وَأَصْلُ جُمْلَةِ الْبَسْمَلَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ غَالِبًا إذْ كُلُّ مَا لَيْسَ بِقَوْلٍ كَالْأَكْلِ وَالسَّفَرِ لَا يَحْصُلُ بِالْبَسْمَلَةِ فَكَيْفَ صَحَّ تَقْدِيرُ آكُلُ أَوْ أُسَافِرُ بِاسْمِهِ لِقَصْدِ الْإِنْشَاءِ وَإِنْ كَانَتْ لِإِنْشَاءِ الْمُصَاحَبَةِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ.
وَرُدَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ لِإِنْشَاءِ مُتَعَلِّقِهَا وَيَكُونُ الْأَصْلُ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَذَلِكَ فِي غَايَةِ النُّدُورِ اهـ شَنَوَانِيٌّ عَلَى الْفَاكِهِيِّ عَلَى قَطْرِ النَّدَى قَالَ سم وَأَجَابَ شَيْخُنَا بِأَنَّهَا خَبَرِيَّةُ الصَّدْرِ إنْشَائِيَّةٌ الْعَجُزِ اهـ (قَوْلُهُ أَيْ أُوَلِّفُ) بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَوْلَى فِي مُتَعَلِّقِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مِنْ كَوْنِهِ فِعْلًا مُؤَخَّرًا خَاصًّا وَفِي تَقْدِيرِ الْمُتَعَلِّقِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ غَيْرُ زَائِدَةٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ ع ش (قَوْلُهُ وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ
مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ بُنِيَتَا لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ رَحِمَ وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنْ الرَّحِيمِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى كَمَا فِي قَطَعَ وَقَطَّعَ وَلِقَوْلِهِمْ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ وَقِيلَ: رَحِيمُ الدُّنْيَا.
[حاشية الجمل]
مِنْ السُّمُوِّ) أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاشْتِقَاقَ الْحَقِيقِيَّ لِأَنَّ لَفْظَ الِاسْمِ جَامِدٌ فَالْمُرَادُ بِاشْتِقَاقِهِ أَخْذُهُ اهـ شَيْخُنَا وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْعُلُوُّ فَالِاسْمُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَعْجَازِ كَيَدٍ وَدَمٍ بُنِيَتْ أَوَائِلُهَا عَلَى السُّكُونِ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِتَعَذُّرِ الِابْتِدَاءِ بِالسَّاكِنِ اهـ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ مِنْ السُّمُوِّ) وَقِيلَ: مِنْ الْوَسْمِ قَالَ حَجّ زِيَادَةً عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَقِيلَ: مِنْ السَّمِيَّا فَوَزْنُهُ عَلَى الْأَوَّلِ افْعٌ وَعَلَى الثَّانِي اعْلٌ وَعَلَى الثَّالِثِ افْلٌ اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ وَاَللَّهُ عَلَمٌ) أَيْ بِالْغَلَبَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَالْقَاضِي وَبِالْغَلَبَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْهُمْ ابْنُ مَالِكٍ اهـ ح ل وَقَوْلُهُ وَبِالْغَلَبَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ إلَخْ يُؤْخَذُ مِنْ بَعْضِ حَوَاشِي ع ش الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ وَاَللَّهُ عَلَمٌ أَيْ بِالْغَلَبَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ إنْ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى ذَاتِهِ تَعَالَى وَبِالْغَلَبَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ إنْ رُوعِيَ أَصْلُهُ وَهُوَ إلَهٌ وَلَمْ تُجْعَلْ ذَاتُهُ مَقْصُودَةً بِالْوَضْعِ مِنْهُ لِسَبْقِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْغَلَبَةَ التَّحْقِيقِيَّةَ هِيَ غَلَبَةُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا اُخْتُصَّ بِهِ بِأَنْ سَبَقَ لَهُ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَعْنَى الْعَلَمِيَّةِ وَأَمَّا الْغَلَبَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ فَهِيَ اخْتِصَاصُ اللَّفْظِ بِمَعْنًى مَعَ إمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ حِينَئِذٍ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا غَلَبَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ أَوْ تَحْقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا بِالنَّظَرِ لِمَا قَبْلَ الْعِلْمِيَّةِ تَحْقِيقِيَّةٌ وَلِمَا بَعْدَهَا تَقْدِيرِيَّةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ رَحِمَ) أَيْ مِنْ مَصْدَرِهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الِاشْتِقَاقِ أَيْ بَعْدَ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ أَوْ جَعْلِهِ لَازِمًا وَنَقْلِهِ إلَى فَعُلَ بِالضَّمِّ اهـ زِيَادِيٌّ فَإِنْ قُلْت: إذَا جُعِلَ الْمُتَعَدِّي لَازِمًا فَمَا الْحَاجَةُ إلَى نَقْلِهِ إلَى فَعُلَ؟ قُلْت: لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ مِنْ جَعْلِ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْغَرَائِزِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا وَالْغَرَائِزُ الْأُمُورُ الطَّبِيعِيَّةُ اللَّازِمَةُ كَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَمَا فِي حُكْمِهَا هُوَ مَا صَارَ مَلَكَةً وَهُمَا مَبْنِيَّانِ مِنْ فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ قَالَ أَهْلُ الصَّرْفِ: هَذَا الْبَابُ مَوْضُوعٌ لِلصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ مِمَّا جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ أَوْ صَارَ مَلَكَةً لَهُ بِالتَّكْرَارِ اهـ تَقْرِيرُ بَعْضِهِمْ.
(فَائِدَةٌ) : اشْتِقَاقُ رَحْمَنٍ مِنْ رَحُمَ بِالضَّمِّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ فَعُلَ الْمَضْمُومَ الْعَيْنِ لَا تَأْتِي مِنْهُ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ قِيَاسًا إلَّا عَلَى فَعَلٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَعِيلٍ بِكَثْرَةٍ وَأَفْعَلَ وَفَعَلٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ كَمَا قَالَ النَّاظِمُ
وَفَعْلٌ أُولَى وَفَعِيلٌ بِفَعُلْ ... كَالضَّخْمِ وَالْجَمِيلِ وَالْفِعْلُ جَمُلْ
وَأَفْعَلٌ فِيهِ قَلِيلٌ وَفَعَلْ
وَالصَّحِيحُ أَنَّ اقْتِضَاءَ زِنَةِ فَعْلَانَ الْمُبَالَغَةَ خَاصٌّ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ اسْمُ فَاعِلٍ عَلَى غَيْرِ وَزْنِ فَعْلَانَ كَمَا هُنَا بِخِلَافِ نَحْوِ غَضْبَانَ فَلَيْسَ لِلْمُبَالَغَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْمُ فَاعِلٍ عَلَى غَيْرِ وَزْنِ فَعْلَانَ اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْمَلَوِيِّ عَلَى الْمَكُودِيِّ شَارِحِ أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
(قَوْلُهُ أَيْضًا مِنْ رَحِمَ) أَيْ مِنْ مَصْدَرِهِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْفِعْلِ تَقْرِيبًا وَلِضِيقِ الْعِبَارَةِ إذْ لَيْسَ مَصْدَرُهُ وَاحِدًا حَتَّى يَعُودَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ مِنْ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنْ الْفِعْلِ ثُمَّ رَأَيْت الشِّهَابَ ابْنَ عَبْدِ الْحَقِّ فِي شَرْحِ الْبَسْمَلَةِ سَبَقَ إلَى مَا ذَكَرْتُهُ مَعَ زِيَادَةٍ لَكِنَّهُ جَعَلَ النُّكْتَةَ فِي الْعُدُولِ إلَى لَفْظِ الْفِعْلِ غَيْرَ مَا ذَكَرْتُهُ فَلْيُرَاجَعْ وَالنِّكَاتُ لَا تَتَزَاحَمُ بَلْ مَا ذَكَرَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرْتُهُ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ لَفْظُ رَحِمَ مَفْتُوحَ الْأَوَّلِ مَكْسُورَ الثَّانِي فَإِنْ جُعِلَ مَضْمُومُ الْأَوَّلِ سَاكِنُ الثَّانِي مَصْدَرًا فَلَا إشْكَالَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ فَانْدَفَعَ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ اهـ رُشْدِيٌّ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ وَرَحِمْت زَيْدًا بِالْكَسْرِ رُحْمًا بِضَمِّ الرَّاءِ وَرَحْمَةً وَمَرْحَمَةً اهـ (قَوْلُهُ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى) أَيْ غَالِبًا فَلَا نَقْضَ بِحَذِرٍ الْأَبْلَغِ مِنْ حَاذِرٍ اهـ زِيَادِيٌّ.
وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى الْخَطِيبِ وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَشْرُوطَةٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصِّفَاتِ الْجِبِلِّيَّةِ فَخَرَجَ نَحْوُ شَرِهٍ وَنَهِمٍ لِأَنَّ الصِّفَاتِ الْجِبِلِّيَّةَ لَا تَتَفَاوَتُ وَالثَّانِي أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظَانِ فِي النَّوْعِ فَخَرَجَ حَذِرٌ وَحَاذِرٌ الثَّالِثُ أَنْ يَتَّحِدَا فِي الِاشْتِقَاقِ فَخَرَجَ زَمِنٌ وَزَمَانٌ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِمْ) لَمْ يَقُلْ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّ كُلًّا مِمَّا ذَكَرَهُ غَيْرُ حَدِيثٍ لِأَنَّ حَاصِلَ الصِّيَغِ الَّتِي وَرَدَتْ هُنَا سِتُّ صِيَغٍ صِيغَتَانِ مِنْهَا حَدِيثَانِ وَهُمَا «الرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ» وَالصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ «يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا» ` وَأَمَّا بَقِيَّةُ الصِّيَغِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَهِيَ غَيْرُ أَحَادِيثَ وَهِيَ أَرْبَعُ صِيَغٍ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الدُّنْيَا يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ يَا رَحْمَنَ الْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الدُّنْيَا اهـ حف وَقَوْلُهُ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ الصِّيغَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي الشَّارِحِ لَيْسَ
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا) أَيْ دَلَّنَا (لِهَذَا) التَّأْلِيفِ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) وَالْحَمْدُ لُغَةً الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ
[حاشية الجمل]
فِيهِمَا حَرْفُ النِّدَاءِ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا بِخِلَافِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَكُونُ الصِّيَغُ ثَمَانِيَةً صِيغَتَانِ حَدِيثَانِ وَسِتَّةٌ غَيْرُ أَحَادِيثَ اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ح ل قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِمْ أَيْ السَّلَفِ فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فَلَوْ قَالَ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: إلَخْ لَكَانَ أَنْسَبَ وَالْأَبْلَغِيَّةُ مِنْ حَيْثُ شُمُولُ الرَّحْمَنِ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاخْتِصَاصُ الرَّحِيمِ بِالْآخِرَةِ أَوْ بِالدُّنْيَا فَالرَّحْمَةُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ أَفْرَادِ الْمَرْحُومِينَ وَقِلَّتِهَا فَهِيَ مَنْظُورٌ فِيهَا لِلْكَمِّ وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا فَلَا يُعَارِضُ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ بِالنَّظَرِ إلَى الْكَيْفِ انْتَهَتْ بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ.
قَالَ الشَّيْخُ حَمْدَانُ: الْأَبْلَغِيَّةُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْكِمِّيَّةِ وَأُخْرَى بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ فَالْوَاصِلُ فِي الدُّنْيَا كَثِيرُ الْكِمِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَحَيَوَانٍ قَلِيلُ الْكَيْفِيَّةِ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الدُّنْيَا وَسُرْعَةِ انْصِرَامِهَا وَكَثْرَةِ شَوَائِبهَا وَالْوَاصِلُ فِي الْآخِرَةِ قَلِيلُ الْكِمِّيَّةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ كَثِيرُ الْكَيْفِيَّةِ لِوُجُودِ الْمُلْكِ الْمُؤَبَّدِ وَالنَّعِيمِ الْمُخَلَّدِ اهـ حف (قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا إلَخْ) هَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ وَإِقْرَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِلُ إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ الْعَظِيمِ ذِي النَّفْعِ الْعَمِيمِ الْمُوَصِّلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْفَوْزِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ بِجَهْدِهِ وَاسْتِحْقَاقِ فِعْلِهِ فَاقْتَدَى بِأَهْلِ الْجَنَّةِ حَيْثُ قَالُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْجَزَاءِ الْمَجْعُولَةِ خَاتِمَةَ أَمْرِهِمْ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: هَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ وَإِقْرَارٌ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَى مَا وَصَلُوا إلَيْهِ مِنْ حُسْنِ تِلْكَ الْعَطِيَّاتِ وَعَظِيمِ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّاتِ بِجَهْدِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِ فِعْلِهِمْ وَإِنَّمَا ذَلِكَ ابْتِدَاءُ فَضْلٍ مِنْهُ وَلُطْفٌ اهـ تَقْرِيرُ بَعْضِهِمْ.
(قَوْلُهُ الَّذِي هُدَانَا لِهَذَا) الْهِدَايَةُ دَلَالَةٌ بِلُطْفٍ وَلِذَلِكَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَهِدَايَةُ اللَّهِ أَنْوَاعٌ لَا يُحْصِيهَا عَدٌّ لَكِنَّهَا تَنْحَصِرُ فِي أَجْنَاسٍ مُتَرَتِّبَةٍ: الْأَوَّلُ إفَاضَةُ الْقُوَى الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ مِنْ الِاهْتِدَاءِ إلَى مَصَالِحِهِ كَالْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَيْ الْعَاقِلَةِ وَالْحَوَاسِّ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْمَشَاعِرِ الظَّاهِرَةِ وَالثَّانِي نَصْبُ الدَّلَائِلِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ وَالثَّالِثُ الْهِدَايَةُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَالرَّابِعُ أَنْ يَكْشِفَ لِقُلُوبِهِمْ السَّرَائِرَ وَيُرِيَهُمْ الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ بِالْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ وَالْمَنَامَاتِ الصَّادِقَةِ وَهَذَا الْقِسْمُ تَخْتَصُّ بِنَيْلِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ اهـ مِنْ الْبَيْضَاوِيِّ (قَوْلُهُ أَيْ دَلَّنَا) أَيْ دَلَالَةً مُوَصِّلَةً لِمَا وُجِدَ مِنْهُ وَهُوَ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ وَمُطْلَقُ دَلَالَةٍ لِمَا سَيُوجَدُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ دَلَّ يَتَعَدَّى بِعَلَى وَهَدَى يَتَعَدَّى بِإِلَى فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِهِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَعَدَّى بِمَا تَعَدَّى بِهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ اهـ ح ل مَعَ زِيَادَةِ.
(قَوْلِهِ أَيْ دَلَّنَا) هَذَا بِحَسَبِ مَا شَاعَ لُغَةً وَإِلَّا فَالْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ لِلْهِدَايَةِ جَعْلُهُ مُهْتَدِيًا وَالْإِضْلَالُ جَعْلُهُ ضَالًّا وَمِنْ ثَمَّ اسْتَعْمَلَهُمَا أَصْحَابُنَا بِمَعْنَى خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ وَالضَّلَالِ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّ الِاهْتِدَاءَ وَالضَّلَالَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوَّلُوا الِاهْتِدَاءَ بِمَعْنَى بَيَانِ طَرِيقِ الْحَقِّ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ وَالْإِضْلَالَ بِمَعْنَى وِجْدَانِ الْعَبْدِ ضَالًّا أَوْ تَسْمِيَتِهِ ضَالًّا وَهُوَ مَرْدُودٌ وَلَا يَرِدُ عَلَى أَصْحَابِنَا هُدَاهُ فَلَمْ يَهْتَدِ لِأَنَّهُ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ وَضْعِهِ يُحْمَلُ عَلَيْهِ بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ وَإِنَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً بِحَسَبِ شُيُوعِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ الْكَسْتَلِيُّ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ لِهَذَا التَّأْلِيفِ) إنْ قِيلَ: لِمَ فَسَّرَ الْإِشَارَةَ هُنَا بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّأْلِيفُ وَفِيمَا يَأْتِي بِالْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ الْمُؤَلَّفُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَعْدُ فَهَذَا إلَخْ قُلْنَا: آثَرَ التَّفْسِيرَ ثُمَّ بِمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَوْصَافٍ تُعَيِّنُ ذَلِكَ وَهُنَا وَإِنْ جَازَ الْأَمْرَانِ فَهَذَا أَوْلَى لِيُوَافِقَ الْحَمْدَ عَلَى الْفِعْلِ بِلَا وَاسِطَةٍ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَثَرِ فَإِنَّهُ بِوَاسِطَةِ الْفِعْلِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْجَلَالُ بِقَوْلِهِ فِي خُطْبَةِ الْأَصْلِ النِّعْمَةُ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
هَذَا وَفِيهِ أَنَّ الْحَمْدَ إنَّمَا هُوَ عَلَى هِدَايَةِ اللَّهِ لِلشَّيْخِ وَهِيَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ جُعِلَ مُتَعَلِّقُهَا فِعْلَ الشَّيْخِ أَوْ مَفْعُولَهُ فَلَمْ يَظْهَرْ لِهَذَا التَّغَايُرِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْمُحَشِّي كَبِيرُ فَائِدَةٍ اهـ شَيْخُنَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْآيَةِ مُفَسَّرَةٌ بِالْعَمَلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 82] فَالشَّارِحُ سَلَكَ صَنْعَةَ الِاقْتِبَاسِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ وَإِنْ حَصَلَ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ تَغْيِيرٌ أَوْ نَقْلٌ مِنْ مَعْنَاهُ الْقُرْآنِيِّ إلَى مَعْنًى آخَرَ كَمَا هُنَا وَقَدْ وَضَّحْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّلْخِيصِ وَشُرُوحِهِ (قَوْلُهُ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) الْوَاوُ لِلْحَالِ أَوْ لِلِاسْتِئْنَافِ وَكَانَ فِعْلٌ مَاضٍ لِنَهْتَدِيَ اللَّامُ زَائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا بَعْدَ لَامِ الْجُحُودِ وَالْمَعْنَى لِنَهْتَدِيَ لِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ هَذَا التَّأْلِيفُ أَوْ لِنَهْتَدِيَ لِهَذَا التَّأْلِيفِ وَلَوْلَا حَرْفُ
عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ وَعُرْفًا فِعْلٌ يُنَبِّئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَابْتَدَأْت بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ
[حاشية الجمل]
امْتِنَاعِ لِوُجُودٍ وَأَنْ هَدَانَا اللَّهُ فِي تَأْوِيلِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا أَيْ لَوْلَا هِدَايَةُ اللَّهِ لَنَا مَوْجُودَةٌ وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ أَيْ مَا كُنَّا مُهْتَدِينَ وَالْمَعْنَى امْتَنَعَ عَدَمُ اهْتِدَائِنَا لِوُجُودِ هِدَايَةِ اللَّهِ لَنَا اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ) الْجَمِيلُ صِفَةُ كَمَالٍ يُدْرِكُ حُسْنَهَا الْعَقْلُ السَّلِيمُ الْخَالِي عَنْ مَوَانِعِ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ اهـ أُجْهُورِيٌّ.
وَعَلَى تَعْلِيلِيّهِ وَقَوْلُهُ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ عَلَى بِمَعْنَى مَعَ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ وَالتَّبْجِيلُ التَّعْظِيمُ وَقَوْلُهُ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ أَيْ صَدَرَ لِأَجْلِ الْمَزَايَا أَيْ الصِّفَاتِ الْقَاصِرَةِ عَلَى الْمَحْمُودِ أَوْ الْمُتَعَدِّيَةِ لِغَيْرِهِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا التَّعْمِيمِ الَّذِي هُوَ زَائِدٌ عَلَى التَّعْرِيفِ أَنَّ الْحَمْدَ اللُّغَوِيَّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ وَاصِلَةٍ لِلْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ إذْ الْفَضَائِلُ هِيَ النِّعَمُ الْقَاصِرَةُ عَلَى الْمَحْمُودِ كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ اهـ شَيْخُنَا.
(فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَضَائِلُ سَبْعَةٌ الصِّدْقُ وَالْحَيَاءُ وَالتَّوَاضُعُ وَالسَّخَاءُ وَالْوَفَاءُ وَالْعِلْمُ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ اهـ أُجْهُورِيٌّ (قَوْلُهُ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ) بِأَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ بَاطِنًا بِأَنْ يَعْتَقِدَ اتِّصَافَ الْمَحْمُودِ بِمَا أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ وَظَاهِرًا بِأَنْ لَا تُخَالِفَهُ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ) سَوَاءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَتَعَلَّقَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْمَعْنَى تَعَلُّقُهُ بِالْفَضَائِلِ وَالْفَوَاضِلِ مُسْتَوْفًى أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حَمْدٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءٌ مُبْتَدَأً وَمَا بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ بِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاعْتِمَادِ فِي أَعْمَالِ الْوَصْفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَأَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ مُقَدَّرَةٌ وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ دَلِيلُ الْجَوَابِ أَوْ هِيَ نَفْسُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِثْلِهِ وَالْمَعْنَى إنْ تَعَلَّقَ الثَّنَاءُ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ فَالْأَمْرَانِ سَوَاءٌ وَالْفَضَائِلُ جَمْعُ فَضِيلَةٍ وَهِيَ النِّعَمُ اللَّازِمَةُ كَالْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَوَاضِلُ جَمْعُ فَاضِلَةٍ وَهِيَ النِّعَمُ الْمُتَعَدِّيَةُ كَالْإِحْسَانِ وَمَحَلُّ كَوْنِ الْعِلْمِ وَالشُّجَاعَةِ مِنْ النِّعَمِ اللَّازِمَةِ أُرِيدَ بِهِ الْمَلَكَةُ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ الشَّخْصِ أَمَّا التَّعْلِيمُ فَنِعْمَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ وَكَذَا دَفْعُ الْعَدُوِّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الشُّجَاعَةِ اهـ ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ وَعُرْفًا) قِيلَ: الْعُرْفُ وَالِاصْطِلَاحُ مُتَسَاوِيَانِ وَقِيلَ: الِاصْطِلَاحُ هُوَ الْعُرْفُ الْخَاصُّ وَهُوَ مَا تَعَيَّنَ نَاقِلُهُ وَالْعُرْفُ إذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَهُوَ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ نَاقِلُهُ وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ مِنْ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى غَيْرِ لُغَوِيٍّ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ بِأَنْ أُخِذَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ الشَّرْعِيُّ مَجَازًا عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَلَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنْ الشَّارِعِ اهـ ع ش (قَوْلُهُ فِعْلٌ يُنْبِئُ إلَخْ) أَيْ فِعْلٌ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْجَوَارِحِ أَوْ بِالْقَلْبِ وَالْفِعْلُ الْقَلْبِيُّ هُوَ اعْتِقَادُ اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَظَهَرَ مُغَايَرَتُهُ لِلتَّعْظِيمِ الَّذِي هُوَ اعْتِقَادُ الْعَظَمَةِ فَالِاعْتِقَادُ الْأَوَّلُ يُنْبِئُ عَنْ الثَّانِي اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ) فِيهِ دَوْرٌ لِأَنَّ الْحَامِدَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمْدِ فَيَقْتَضِي تَوَقُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا تَعْرِيفٌ لَفْظِيٌّ لَا يَضُرُّ فِيهِ ذَلِكَ أَوْ يُسْلَكُ فِيهِ التَّجْرِيدُ بِأَنْ يُرَادَ بِالْحَامِدِ الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ وَصْفِهَا بِكَوْنِهَا حَامِدَةً أَوْ يُقَالُ: قَوْلُهُ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ تَعْمِيمٌ خَارِجٌ عَنْ التَّعْرِيفِ اهـ ح ف (قَوْلُهُ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ لِلْغَيْرِ خُصُوصِيَّةٌ بِالْحَامِدِ كَوَلَدِهِ وَصَدِيقِهِ أَوْ لَا وَلَوْ كَافِرًا اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ وَابْتَدَأْت بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ) أَيْ بِمُسَمَّى هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أَوْ بِمَا هُمَا مَنْحُوتَانِ مِنْهُ اهـ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ وَهَذَا الْعِلْمُ أَيْ عِلْمُ النَّحْتِ سَمَاعِيٌّ يُتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ الْعَرَبِ فَمَا وَرَدَ عَنْهُمْ مِنْهُ بَسْمَلَةٌ وَحَمْدَلَةٌ وَحَوْقَلَةٌ وَحَيْعَلَةٌ وَحَسْبَلَةٌ مِنْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَمِنْهُ مَا نُقِلَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ حَيْثُ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا تَسَبْتَسْمَكْتُ قَطُّ أَيْ مَا أَكَلَتْ السَّمَكَ يَوْمَ السَّبْتِ وَلَا تَرَبْعَلْبَنْتُ قَطُّ أَيْ مَا شَرِبْت اللَّبَنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَلَا تَعَمْقَعْدَدْتُ قَطُّ أَيْ مَا تَعَمَّمْت وَأَنَا قَاعِدٌ وَلَا تَسَرْوَلْقَمْتُ قَطُّ أَيْ مَا لَبِسْت السَّرَاوِيلَ أَيْ اللِّبَاسَ وَأَنَا قَائِمٌ اهـ شَيْخُنَا.
ثُمَّ رَأَيْت فِي الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْمَوَاهِبِ مَا نَصُّهُ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمُطَرِّزِ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ أَسْمَائِهَا سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ إذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَسَبْحَلَ إذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَحَوْقَلَ إذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَحَيْعَلَ: إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَحَمْدَلَ إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَهَيْلَلَ إذَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَجَعْفَلَ إذَا قَالَ: جُعِلْت فِدَاك زَادَ الثَّعْلَبِيُّ طَلْبَقَ إذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك وَدَعْمَزَ إذَا قَالَ: أَدَامَ اللَّهُ عِزَّك اهـ وَهَذَا الْبَابُ مَسْمُوعٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ اهـ (قَوْلُهُ وَابْتَدَأْت بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ) أَيْ لَا بِغَيْرِهِمَا كَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ هَذِهِ صُورَةُ السُّؤَالِ
اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَعَمَلًا بِخَبَرِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
[حاشية الجمل]
الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ وَجَمَعْت بَيْنَ الابتداءين أَيْ لَمْ أَقْتَصِرْ عَلَى أَحَدِهِمَا هَذِهِ صُورَةُ الثَّانِي وَقَوْلُهُ وَقَدَّمْت إلَخْ هَذِهِ صُورَةُ الثَّالِثِ وَتَقْرِيرُهُ ظَاهِرٌ وَهَذَا الْفَهْمُ أَسْهَلُ وَأَوْفَقُ بِكَلَامِ الشَّارِحِ فَلَا يَرِدُ مَا فِي الْحَوَاشِي فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَقَامِ كَالْحَلَبِيِّ اهـ شَيْخُنَا وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ وَابْتَدَأْت بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَيْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَمْعُهُمَا مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ جَمْعَهُمَا كَذَلِكَ سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَجَمَعْت بَيْنَ الابتداءين إلَخْ وَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي جَاءَا عَلَيْهِ مَجْمُوعَيْنِ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْبَسْمَلَةِ وَتَأْخِيرُ الْحَمْدَلَةِ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَقَدَّمْت الْبَسْمَلَةَ إلَخْ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ وَابْتَدَأْت إلَخْ) فِي الْمِصْبَاحِ وَبَدَأْت الشَّيْءَ وَبِالشَّيْءِ أَبْدَأُ بِهَمْزِ الْكُلِّ وَابْتَدَأْت بِهِ قَدَّمْتُهُ وَأَبْدَأْتُهُ لُغَةٌ وَالْبُدَاءَةُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ وَضَمُّ الْأَوَّلِ لُغَةً اسْمٌ مِنْهُ أَيْضًا وَالْبِدَايَةُ بِالْيَاءِ مَكَانَ الْهَمْزِ عَامِّيٌّ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ بَرِّيٍّ وَجَمَاعَةٌ اهـ ثُمَّ رَأَيْت فِي الشَّنَوَانِيِّ عَلَى الشَّيْخِ خَالِدٍ مَا نَصُّهُ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمُبْتَدِئِ الْهَمْزُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ ابْتَدَأَ بِالْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ مِنْ ابْتَدَى بِغَيْرِ هَمْزٍ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ الْأَحْسَنُ هُنَا لِمُشَاكَلَتِهِ الْمُنْتَهِيَ وَهِيَ لُغَةٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ بَدِينَا بِمَعْنَى بَدَأْنَا وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ وَهِيَ أَنَّ مَصْدَرَ بَدَأَ الْمَهْمُوزِ بُدَاءَةٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْزِ وَالْمَدِّ وَبَدْءٌ وَمَصْدَرُ غَيْرِ الْمَهْمُوزِ بِدَايَةٌ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بِغَيْرِ الْهَمْزِ لَا مِنْ أَجْلِ اللُّغَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ لِأَنَّهُ قَدْ حُكِيَ أَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَتْرُكُ الْهَمْزَ فِي كُلِّ مَا يُهْمَزُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ مَبْدُوءً بِهَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَخْفَشُ اهـ. (قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَعَمَلًا إلَخْ) عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْكِتَابِ بِالِاقْتِدَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِطَلَبِ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَإِنَّمَا كَانَا فِي أَوَّلِهِ فَنَاسَبَ التَّعْبِيرُ فِي جَانِبِهِ بِالِاقْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ لَمَّا كَانَ فِيهِ طَلَبُ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ تَنَاسَبَ التَّعْبِيرُ فِي جَانِبِهِ بِالْعَمَلِ اهـ ع ش وَقَوْلُهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ طَلَبُ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَيْ ضِمْنًا وَلُزُومًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ بِذَمِّ الْأَمْرِ الْمُبْتَدَأَةِ بِدُونِهِمَا اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ فَلَزِمَ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالْبُدَاءَةِ بِهِمَا هَذَا مُرَادُ الْمُحَشِّي كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَعَمَلًا بِخَبَرِ) الْخَبَرُ بِلَا تَنْوِينٍ لِإِضَافَتِهِ إلَى مَا بَعْدَهُ إضَافَةً بَيَانِيَّةً أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى إبْدَالِ مَا بَعْدَهُ مِنْهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ كُلُّ أَمْرٍ) لَفْظُ كُلِّ مُفْرَدٌ وَمَعْنَاهَا بِحَسَبِ مَا تُضَافُ إلَيْهِ فَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى مُذَكَّرٍ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهَا مُذَكَّرًا كَمَا هُنَا وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ
إذَا الْمَرْءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنْ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ ... فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلٌ
وَمِنْ التَّأْنِيثِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] وَهِيَ مُبْتَدَأٌ مُضَافَةٌ إلَى أَمْرٍ وَالْأَمْرُ بِمَعْنَى الْحَالِ يُقَالُ أَمْرٌ سَلِيمٌ أَيْ حَالٌ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَقَوْلُهُ بِمَعْنَى الْحَالِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ كَمَا لَا يَخْفَى فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِمَعْنَى الشَّيْءِ وَإِضَافَةُ كُلِّ إلَى أَمْرٍ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الْحَلَبِيِّ وَنَصُّهَا وَلَا يَلْزَمُ صِحَّةِ التَّصْرِيحِ بِهَا أَيْ بِاللَّامِ بَلْ يَكْفِي إفَادَةُ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّامِ فَقَوْلُك يَوْمَ الْأَحَدِ وَعِلْمُ الْفِقْهِ وَشَجَرُ الْأَرَاكِ بِمَعْنَى اللَّامِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إظْهَارُهَا فِيهِ وَبِهَذَا الْأَصْلِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مَوَادِّ الْإِضَافَةِ اللَّامِيَّةِ وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّكَلُّفَاتِ الْبَعِيدَةِ مِثْلُ: كُلُّ رَجُلٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ اهـ وَقَالَ الْحَفِيدُ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ بِمَعْنَى مِنْ أَنَّ اللَّامَ وَمِنْ مُقَدَّرَةٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمُضَافَ إنَّمَا عَمِلَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْحَرْفِ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَحْضَةَ لَا حَظَّ لَهَا فِي الْعَمَلِ اهـ حف.
(قَوْلُهُ ذِي بَالٍ) أَيْ حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا اهـ خَطِيبٌ وَمَعْنَى اهْتِمَامِ الشَّارِعِ بِهِ طَلَبُهُ إيَّاهُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ تَخْيِيرُهُ فِيهِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ مُحَرَّمًا وَلَا مَكْرُوهًا وَقَوْلُهُ لَا يُبْدَأُ فِيهِ نَائِبُ فَاعِلِ يُبْدَأُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ يَعُودُ عَلَى الْأَمْرِ نَفْسِهِ وَقَوْلُهُ فِيهِ فِي تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ لَا يُبْدَأُ هُوَ لِأَجْلِ نَفْسِهِ وَبِسَبَبِ نَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ مَا إذَا اقْتَرَنَ الشُّرُوعُ فِي الْأَكْلِ وَالسَّفَرِ وَبَسْمَلَ قَاصِدًا الْأَكْلَ فَقَطْ فَالسَّفَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُقَالُ: إنَّهُ خَالٍ عَنْ هَذِهِ الْبَسْمَلَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ بُدِئَ بِهَا لَكِنَّ الْبُدَاءَة بِهَا لَيْسَتْ لِأَجْلِهِ بَلْ لِأَجْلِ الْأَكْلِ فَالسَّفَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ قَلِيلُ الْبَرَكَةِ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرَهَا اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ أَيْضًا ذِي بَالٍ) يُطْلَقُ الْبَالُ عَلَى الْقَلْبِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَالِ الَّذِي يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا لَكِنَّهُ عَامٌّ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَسْمَلَةِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمْدَلَةِ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْأَقْوَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا لَاقْتَضَى طَلَبَ الْحَمْدَلَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ
وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ أَيْ مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ وَجَمَعْت بَيْنَ الِابْتِدَاءَيْنِ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا إذْ الِابْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ فَالْحَقِيقِيُّ حَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْإِضَافِيُّ حَصَلَ بِالْحَمْدَلَةِ وَقَدَّمْت الْبَسْمَلَةَ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْحَمْدُ
[حاشية الجمل]
الْأَكْلِ مَثَلًا مَعَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْإِتْيَانُ بِهَا عِنْدَ الِاخْتِتَامِ اهـ ح ف.
لَكِنْ قَوْلُهُ خَاصٌّ بِالْأَقْوَالِ يَرِدُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ابْتِدَاؤُهُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) هُوَ بِالرَّفْعِ أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ التَّعَارُضُ وَأَمَّا لَوْ قُرِئَ بِالْجَرِّ كَانَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَلَا تَعَارُضَ عَلَيْهَا لِأَنَّ مَعْنَاهَا بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ اهـ ع ش عَلَى م ر.
وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى الْخَطِيبِ قَوْلُهُ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ هُوَ بِالرَّفْعِ فَإِنَّ التَّعَارُضَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: رَفْعِ الْحَمْدُ وَتَسَاوِي الرِّوَايَتَيْنِ وَكَوْنِ رِوَايَةِ الْبَسْمَلَةِ بِبَاءَيْنِ وَكَوْنِ الْبَاءِ صِلَةَ يُبْدَأُ وَأَنْ يُرَادَ بِالِابْتِدَاءِ فِيهِمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَجْذَمُ) جُمْلَةٌ صُغْرًى مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ كُلُّ وَالْعَائِدُ هُوَ مِنْ قَوْلِهِ فَهُوَ وَجُمْلَةُ الْحَدِيثِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ كُبْرَى لِوُقُوعِ الْخَبَرِ فِيهَا جُمْلَةً فَلَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ لِاسْتِئْنَافِهَا اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ فَهُوَ أَجْذَمُ أَيْضًا) عِبَارَةُ الْقَامُوسِ الْأَجْذَمُ الْمَقْطُوعُ الْيَدُ أَوْ الذَّاهِبُ الْأَنَامِلُ وَالْجُذَامُ كَغُرَابٍ عِلَّةٌ تَحْدُثُ مِنْ انْتِشَارِ السَّوَادِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ اهـ وَهَذَا التَّرْكِيبُ وَنَحْوُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَالْأَصْلُ هُوَ كَالْأَجْذَمِ فِي عَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ وَلَا يَضُرُّ الْجَمْعُ فِيهِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُنْبِئُ عَنْ التَّشْبِيهِ لَا مُطْلَقًا لِلتَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِ اسْتِعَارَةً فِي نَحْوِ قَدْ زَرَّ أَزْرَارَهُ عَلَى الْقَمَرِ عَلَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مَحْذُوفٌ وَالْأَصْلُ هُوَ نَاقِصٌ كَالْأَجْذَمِ فَحَذَفَ الْمُشَبَّهَ وَهُوَ النَّاقِصُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَصَارَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَجْذَمِ النَّاقِصِ وَعَلَيْهِ فَلَا جَمْعَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ بَلْ الْمَذْكُورُ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَقَطْ اهـ ع ش عَلَى م ر وَقَوْلُهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْجَمْعِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ ضَابِطَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ خَبَرًا عَنْ الْمُشَبَّهِ أَوْ صِفَةً لَهُ أَوْ حَالًا مِنْهُ وَمَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ فَكَلَامُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
(قَوْلُهُ أَيْ مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْجُذَامِ فِي الْقَطْعِ مَجَازٌ ثُمَّ إنْ كَانَتْ عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةَ بِأَنْ شَبَّهَ نَقْصَ الْبَرَكَةِ بِقَطْعِ الْعُضْوِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ الْعَلَاقَةُ اسْتِعْمَالَ الْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْقَطْعِ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى قَطْعِ الْبَرَكَةِ فَمَجَازٌ مُرْسَلٌ اهـ ع ش (قَوْلُهُ أَيْ مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ أَيْضًا) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بَرَكَةَ فِيهِ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ بَرَكَةً قَطْعًا إلَّا أَنَّهَا نَاقِصَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَنْفِيَّ الْبَرَكَةُ التَّامَّةُ أَيْ مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ التَّامَّةِ اهـ ح ف.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر فَإِنْ قِيلَ: نَرَى كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ يُبْدَأُ فِيهَا بِبَسْمِ اللَّهِ وَلَا تَتِمُّ وَكَثِيرًا بِعَكْسِ ذَلِكَ قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ التَّمَامَ الْحِسِّيَّ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ نَاقِصًا أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الشَّرْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي اُبْتُدِئَ فِيهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ تَامًّا حِسًّا انْتَهَتْ (قَوْلُهُ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ) أَيْ وَاقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ إلَخْ) هَذَا السُّؤَالُ لَا يَرِدُ إلَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِبَسْمِ اللَّهِ وَقَوْلِهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَنَحْوِهِمَا صِلَةٌ لِيُبْدَأَ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ وَيُمْكِنُ جَعْلُهَا لِلِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِشَيْءٍ لَا تُنَافِي الِاسْتِعَانَةَ بِآخَرَ أَوْ لِلْمُلَابَسَةِ وَهِيَ تَصْدُقُ بِوُقُوعِ الِابْتِدَاءِ بِالشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الْجُزْئِيَّةِ وَبِذِكْرِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّيْءِ بِلَا فَصْلٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنْ الْآخَرِ وَيُذْكَرُ الْآخَرُ قَبْلَهُ بِدُونِ فَصْلٍ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالِابْتِدَاءِ مِنْ التَّلَبُّسِ بِهِمَا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِالْفِعْلِ الْمَبْدُوءِ بِهِمَا لَا فِي ابْتِدَائِهِ فَقَطْ اهـ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَاشِيَةِ الْعَقَائِدِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ إذْ الِابْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِحَمْلِ الِابْتِدَاءِ فِي خَبَرِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَفِي خَبَرِ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الْإِضَافِيِّ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّعَارُضَ كَمَا يَنْدَفِعُ بِهَذَا يَنْدَفِعُ بِعَكْسِهِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى إيثَارِ هَذَا وَيُجَابُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ وَقُدِّمَتْ الْبَسْمَلَةُ إلَخْ اهـ سم عَلَى الْبَهْجَةِ اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ وَالْإِضَافِيُّ بِالْحَمْدَلَةِ) الْمُرَادُ أَنَّ الْإِضَافِيَّ الَّذِي لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ حَصَلَ بِالْحَمْدَلَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْبَسْمَلَةِ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَالْإِضَافِيُّ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَوْ لَا فَالْإِضَافِيُّ أَعَمُّ مِنْ الْحَقِيقِيِّ اهـ ع ش (قَوْلُهُ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ) عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْكِتَابِ أَوَّلًا بِالِاقْتِدَاءِ وَثَانِيًا بِالْعَمَلِ لَعَلَّهُ لِلتَّفَنُّنِ وَالْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ الْإِجْمَاعُ
مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ أَلْ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَمْ لِلْجِنْسِ أَمْ لِلْعَهْدِ (وَالصَّلَاةُ) وَهِيَ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَارٌ وَمِنْ الْآدَمِيِّينَ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ (وَالسَّلَامُ) بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ
[حاشية الجمل]
الْفِعْلِيُّ اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ) أَيْ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ أَيْ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ إذَا كَانَ مُعَرَّفًا بِأَلْ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى الْخَبَرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ
مُبْتَدَأٌ فَاللَّامُ جِنْسٍ عُرِّفَا ... مُنْحَصِرٌ فِي مُخْبَرٍ بِهِ وَفَا
وَإِنْ عَرَى مِنْهَا وَعُرِّفَ الْخَبَرُ ... بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَبِالْعَكْسِ اسْتَقَرَّ
وَقَدْ تُعُقِّبَ فِي قَوْلِهِ فَاللَّامُ جِنْسٍ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا لَا يَصِحُّ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ: سَوَاءٌ جُعِلَتْ أَلْ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَخْ وَفِي قَوْلِهِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ شَيْءٌ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى كَالِاخْتِصَاصِ الَّذِي أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ أَيْ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ فَيَكُونُ الِاخْتِصَاصُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُشَبَّهًا بِالِاخْتِصَاصِ الَّذِي أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ أَيْ بِالِاخْتِصَاصِ مِنْ حَيْثُ فَهِمَهُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهَا هُوَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَالتَّغَايُرُ إنَّمَا هُوَ بِالِاعْتِبَارِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) قَرَنَ بَيْنَهُمَا خُرُوجًا مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فَإِنْ قُلْت قَدْ جَاءَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِالتَّسْلِيمِ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّلَامَ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ اهـ شَرَحَ م ر.
وَقَوْلُهُ مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ قَالَ حَجٌّ وَالْإِفْرَادُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ أَوْ الْكِتَابُ اهـ بِحُرُوفِهِ اهـ ع ش عَلَيْهِ.
1 -
(قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ أَيْضًا إلَخْ) آثَرَ الْفَصْلَ بَيْنَ جُمْلَتَيْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلٍّ بِالتَّأْدِيَةِ وَآثَرَ الْوَصْلَ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعَالَى بِالْمَتْبُوعِيَّةِ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَكَمَا أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْنَا نِعَمًا لَا تُحْصَى كَذَلِكَ لِنَبِيِّنَا بِهِدَايَتِهِ لَنَا مِنَنٌ لَا تُسْتَقْصَى فَمِنْ ثَمَّ قَرَنَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ بِحَمْدِ اللَّهِ قَضَاءً لِبَعْضِ حَقِّهِ اهـ مُنَاوِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ الدُّعَاءُ لِأَنَّ الْكَامِلَ يَقْبَلُ زِيَادَةَ التَّرَقِّي فَانْدَفَعَ مَا زَعَمَهُ جَمْعٌ مِنْ امْتِنَاعِ الدُّعَاءِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَ نَحْوِ خَتْمِ الْقُرْآنِ بِاَللَّهُمِ اجْعَلْ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ يَتَضَاعَفُ لَهُ نَظِيرُهَا لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لَا تُحْصَى فَهِيَ زِيَادَةٌ فِي شَرَفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ ذَلِكَ فَسُؤَالُهُ تَصْرِيحٌ بِالْمَعْلُومِ وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ وَبَيَّنْت دَلِيلَهُ مِنْ السُّنَّةِ فِيمَا عَلَّقْتُهُ مِنْ الْفَتَاوَى انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَهِيَ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ إلَخْ) هَذَا الْمَعْنَى لِلصَّلَاةِ لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ كَمَا نَقَلَهُ فِي دَقَائِقِ الْمِنْهَاجِ وَكَمَا سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ: هِيَ لُغَةً مَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَاَلَّذِي مَرَّ هُوَ هَذَا اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ) أَيْ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمُرَادِفِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِغْفَارَ بِخُصُوصِ صِيغَتِهِ لِحَدِيثِ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ قَوْلُهُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ يُنْظَرُ مَا مَعْنَى اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَالِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ الِاسْتِغْفَارُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ طَلَبُ السِّتْرِ وَقَصْدُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّنْبِ فَيَرْجِعُ إلَى الْعِصْمَةِ قُلْت بَعْدَ تَسْلِيمِهِ: إنَّمَا يَظْهَرُ فِي اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ فِي حَيَاتِهِ أَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا وَإِنْ كَانَ حَيًّا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَارِ تَكْلِيفٍ فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ مِنْ اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ مُطْلَقُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ قُلْت: فَمَا حِكْمَةُ الْمُغَايَرَةِ فِي التَّعْبِيرِ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ وَمِنْ الْآدَمِيِّينَ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ) قَالَ شَيْخُنَا: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَمِنْ غَيْرِهِمَا لِيَشْمَلَ الْجَمَادَ وَبَقِيَّةَ الْحَيَوَانَاتِ اهـ وَمِثْلُهُ لِلْعَلَّامَةِ الشَّنَوَانِيِّ فِي شَرْحِ الْبَسْمَلَةِ لَلْمُؤَلِّف وَنَقَلَ عَنْ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ كَالْآدَمِيِّ وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ فِي الْجَمَادَاتِ اهـ أَقُولُ: بَلْ وَرَدَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْجَمَادَاتِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي سِيرَتِهِ فِي بَابِ ابْتِدَاءِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ قَالَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ بَعُدَ عَنْ النَّاسِ حَتَّى لَا يَرَى شَيْئًا فَلَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ إلَّا يَقُولُ: الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ (قَوْلُهُ وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ أَيْضًا) أَيْ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الدُّعَاءُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ فِي غَيْرِ الْوَارِدِ بَلْ يَحْرُمُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ وَذَلِكَ لِمَا فِي لَفْظِ الرَّحْمَةِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ دُونَ لَفْظِ الصَّلَاةِ اهـ ع ش بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ (قَوْلُهُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ) .
(عَلَى مُحَمَّدٍ) نَبِيِّنَا (وَآلِهِ) هُمْ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ (وَصَحْبِهِ) هُوَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ وَهُوَ مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَطْفُ الصَّحْبِ عَلَى الْآلِ الشَّامِلِ لِبَعْضِهِمْ لِتَشْمَلَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَاقِيَهُمْ
[حاشية الجمل]
كَتَبَ بِخَطِّهِ عَلَى هَامِشِ نُسْخَتِهِ إنَّمَا قُلْت: بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ الْمُرَادُ فَدَفَعْت ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ اهـ زِيَادِيٌّ اهـ ع ش إذْ لِلسَّلَامِ سَبْعُ مَعَانٍ: التَّحِيَّةُ وَالسَّلَامَةُ مِنْ النَّقَائِصِ وَالِاسْتِسْلَامُ وَاسْمُ اللَّهِ وَاسْمُ شَجَرٍ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْعُيُوبِ وَالْمُرَادُ هُنَا هُوَ الْأَوَّلُ اهـ أُجْهُورِيٌّ كَذَا فِي خَطِّهِ سَبْعُ وَالْمَعْدُودُ سِتٌّ فَقَطْ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ) كَلِمَةُ عَلَى هُنَا مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَضَرَّةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159] فَلَا يَرِدُ أَنَّ الصَّلَاةَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَ مَعَ كَلِمَةِ عَلَى يَكُونُ لِلْمَضَرَّةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ صَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا عَلَيْهِ اهـ مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا الشَّنَوَانِيِّ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ هُمْ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ) أَيْ وَبَنَاتُهُ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ وَكَذَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَا يُشْكِلُ بِأَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مِنْ الْآلِ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ لِآبَائِهِمْ اهـ ع ش هَذَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِهِمْ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ كَمَا هُنَا كُلُّ مُؤْمِنٍ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إنَّمَا يُنَاسِبُ مَقَامَ تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ) أَيْ وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ جَمْعٌ لَهُ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ فَقَالَ: وَجَمْعُ صَاحِبٍ صَحْبٌ كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ وَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ التَّوْفِيقَ بِحَمْلِ كَلَامِ الْأَخْفَشِ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ فَهُوَ جَمْعُ صَاحِبٍ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَا جَمْعٌ صِنَاعِيٌّ فَلَا مُخَالَفَةَ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ) أَيْضًا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي وَجْهِهِ بَيَاضٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَكَابِرِ النُّحَاةِ وَسِيبَ مَعْنَاهُ التُّفَّاحُ وَوَيْهِ بِمَعْنَى مِثْلِ وَكَانَتْ خُدُودُهُ كَالتُّفَّاحِ وَهُوَ عَلَى أُسْلُوبِ الْعَجَمِ فِي تَقْدِيمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ عَلَى أَدَاةِ التَّشْبِيهِ اهـ أُجْهُورِيٌّ (قَوْلُهُ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ) أَيْ أَنَّ صَاحِبَ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيَّ مِنْ أَنَّهُ مَنْ طَالَ اجْتِمَاعُهُ وَمُعَاشَرَتُهُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالصَّحَابِيِّ مَنْ اجْتَمَعَ إلَخْ وَفِي تَعْبِيرِهِ بِاجْتَمَعَ إشْعَارٌ بِاشْتِرَاطِ اتِّصَافِهِ بِالتَّمْيِيزِ حِينَ اللِّقَاءِ وَالتَّعْبِيرُ بِلَقِيَ أَقَلُّ إيهَامًا لِذَلِكَ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّمْيِيزُ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاجْتِمَاعِ الْمُتَعَارَفِ أَنْ يَكُونَ بِالْأَبْدَانِ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا اهـ عَنَانِيٌّ (قَوْلُهُ مَنْ اجْتَمَعَ) شَمَلَتْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ مَرَّاتٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ حَيٌّ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَجْتَمِعُوا بِهِ إلَّا بِأَرْوَاحِهِمْ فَقَطْ اهـ أُجْهُورِيٌّ.
(قَوْلُهُ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنَا) أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ وَلَوْ أَعْمَى أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَمِنْ ثَمَّ عَدُّوا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَحَابِيًّا مَعَ وِلَادَتِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ وَشَمَلَتْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَدَّ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ رَآهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَمَاتَ عَلَى دِينِ الْحَنِيفِيَّةِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ صَحَابِيًّا اهـ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ وَعُطْفُ الصَّحْبِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْعَطْفِ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ وَإِلَّا فَالْعَطْفُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَوَّلِ إذَا تَكَرَّرَتْ الْمَعْطُوفَاتُ عَلَى الصَّحِيحِ فَالْعَطْفُ عَلَى مُحَمَّدٍ لَا عَلَى الْآلِ أَوْ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ اهـ ع ش وَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ كَمَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ لِتَشْمَلَ الصَّلَاةُ بَاقِيَهُمْ) أَيْ الصَّحْبَ الَّذِينَ لَيْسُوا بِآلٍ فَبَيْنَ الصَّحْبِ وَالْآلِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الْآلِ بِمَا ذَكَرَهُ الْغَيْرُ الْمُنَاسِبُ هُنَا أَمَّا لَوْ فَسَّرَ الْآلُ بِالْمُنَاسِبِ لِمَا هُنَا وَهُوَ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَانَ عَطْفُ الصَّحْبِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ عُمُومًا مُطْلَقًا وَنُكْتَتُهُ زِيَادَةُ فَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ حَتَّى إنَّ الصَّحْبَ وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آلٍ أَفْضَلُ مِنْ الْآلِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِصَحْبٍ لِأَنَّ فَضِيلَتَهُمْ بِالصُّحْبَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْعَمَلِ وَفَضِيلَةُ الْآلِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِصَحْبٍ إنَّمَا هِيَ بِالْغَيْرِ وَفَضِيلَةُ الذَّاتِ بِوَصْفِهَا أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَتِهَا بِوَصْفِ ذَاتٍ أُخْرَى مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ قَالُوا: وَلِذَا كَانَ الْعَالِمُ الَّذِي لَيْسَ بِشَرِيفٍ أَفْضَلُ مِنْ الشَّرِيفِ الَّذِي لَيْسَ بِعَالِمٍ لَكِنْ بَقِيَ الْبَحْثُ بِأَنَّ فِي الْآلِ كَثِيرًا مِنْ الصَّحْبِ وَفِي الصَّحْبِ كَثِيرًا مِنْ الْآلِ فَكَانَ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ ثَمَّ أَنْ يُقَدِّمَ الصَّحْبَ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْآلُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ وَرَدَتْ بِالنَّصِّ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحْبِ فَبِالْقِيَاسِ اهـ مَلَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَجُمْلَتَا الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إلَخْ) فَالْقَصْدُ مِنْ جُمْلَةِ السَّلَامِ إنْشَاءُ التَّحِيَّةِ مِنْ الْمُسَلِّمِ عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ لِطَلَبِ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ السَّلَامَةُ كَالْبِنَاءِ الْمُحِيطِ بِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنْ ضِدِّهِ سَبِيلٌ إلَيْهِ مَعَ إظْهَارِ الْكَرَامَةِ وَالتَّعْظِيمِ بِذَلِكَ فَكَأَنَّ الْمُسَلِّمَ جَعَلَ سَلَامَهُ كَالْبِنَاءِ الْمُحِيطِ الثَّابِتِ عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنْ ضِدِّهِ سَبِيلٌ إلَيْهِ فَالتَّعَدِّيَةُ بِعَلَى تُفِيدُ شُمُولَ تِلْكَ التَّحِيَّةِ وَعُمُومَهَا مَعَ ثُبُوتِهَا وَإِحَاطَتَهَا بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ حَتَّى جِهَةِ عُلُوِّهِ اهـ تَقْرِيرٌ
وَجُمْلَتَا الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا إنْشَائِيَّتَانِ مَعْنًى وَاخْتَرْت اسْمِيَّتَهُمَا عَلَى فِعْلِيَّتِهِمَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ (الْفَائِزِينَ مِنْ اللَّهِ بِعُلَاهُ) صِفَةٌ لِمَنْ ذُكِرَ
[حاشية الجمل]
لِبَعْضِهِمْ.
(قَوْلُهُ وَجُمْلَتَا الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إلَخْ) أَيْضًا سَكَتَ عَنْ جُمْلَةِ الْبَسْمَلَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّائِغِ فِي تَذْكِرَتِهِ مَنَعَ النَّاسُ مِنْ الْوَاوِ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْأُولَى خَبَرِيَّةٌ وَالثَّانِيَةَ طَلَبِيَّةٌ وَأَجَازَهُ ابْنُ الطَّرَاوَةِ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّبَرُّكِ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ جُمْلَةَ الْبَسْمَلَةِ خَبَرِيَّةٌ لَكِنْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْعَطْفِ بِأَنَّهُ قَصَدَ بِجُمْلَةِ الْبَسْمَلَةِ الطَّلَبَ فَهِيَ مِنْ وَضْعِ الْخَبَرِ مَوْضِعَ الطَّلَبِ مِثْلُ اتَّقَى اللَّهَ امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْرًا أُثِيبَ عَلَيْهِ أَيْ لِيَتَّقِ اللَّهَ امْرُؤٌ لِيَفْعَلَ خَيْرًا يُثَابُ عَلَيْهِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ قَصَدَ بِهَا الْإِنْشَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ وَأَنَّهَا خَبَرِيَّةٌ وَضْعًا بَقِيَ الْكَلَامُ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ الشَّرِيفَةِ هَلْ هِيَ خَبَرِيَّةٌ أَوْ طَلَبِيَّةٌ أَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ اقْرَأْ فِعْلِ أَمْرٍ كَمَا قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَهِيَ طَلَبِيَّةٌ وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَقْرَأُ فِعْلِ مُضَارِعٍ كَمَا قَدَّرَ غَيْرُهُ فَهِيَ خَبَرِيَّةٌ وَضْعًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَتْ قَضِيَّةً قَطْعًا وَعَلَى الثَّانِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا قَضِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ لِلْعَارِضِ لَكِنْ فِيهِ تَجَوُّزٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الشَّرْطِيَّةِ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ قَضِيَّتَيْنِ وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا فَلَيْسَتْ بِقَضِيَّةٍ لِأَنَّهَا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى فَتَأَمَّلْ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا إنْشَائِيَّتَانِ مَعْنًى) إذْ لَوْ كَانَتَا خَبَرِيَّتَيْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى لَفَاتَ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا إذْ غَرَضُ قَائِلِهِمَا الْإِيجَادُ وَالْأَحْدَاثُ دُونَ الْإِخْبَارِ وَكَذَا يُقَالُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ اهـ تَقْرِيرٌ لِبَعْضِهِمْ.
وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا إلَخْ وَيَجُوزُ الْحَمْدُ أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً لَفْظًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْحَمْدَ لُغَةً الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ مَالِكٌ أَوْ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا أَمَّا جُمْلَةُ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لُغَةً الدُّعَاءُ وَالْإِخْبَارُ بِهَا لَيْسَ دُعَاءً وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فِيهَا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْغَرَضُ مِنْهَا تَعْظِيمُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَذَلِكَ حَاصِلٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ) فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثُبُوتِ الِانْطِلَاقِ لِزَيْدٍ.
قُلْت: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا نَفَى دَلَالَةَ الِاسْمِيَّةِ فَلَا يُنَافِي اسْتِفَادَةَ الدَّوَامِ مِنْهَا بِوَاسِطَةِ الْعُدُولِ مِنْ النَّصْبِ إلَى الرَّفْعِ أَوْ أَنَّ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ دَلَالَتَيْنِ لَفْظِيَّةً عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَعَقْلِيَّةً عَلَى الدَّوَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الرِّضَى فِي الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَالشَّيْخُ إنَّمَا نَفَى اللَّفْظِيَّةَ أَوْ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَعُونَةِ الْمَقَامِ فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ دَلَالَةُ الِاسْمِيَّةِ عَلَى دَوَامِ الثُّبُوتِ مَعَ أَنَّ خَبَرَهَا ظَرْفٌ وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ قُدِّرَ الطَّرَفُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ التَّجَدُّدِيَّ كَمَا فِي: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15] أَوْ قُدِّرَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْحُدُوثِ بِقَرِينَةِ عَمَلِهِ فِي الظَّرْفِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْفِعْلِ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْمِيَّةَ الَّتِي خَبَرُهَا فِعْلٌ إنَّمَا تُفِيدُ التَّجَدُّدَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَدْعُو إلَى الدَّوَامِ وَالثُّبُوتِ كَالْعُدُولِ هُنَا وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُ اسْمِ الْفَاعِلِ لِلْحُدُوثِ وَلَا يُنَافِيهِ عَمَلُهُ فِي الظَّرْفِ لِأَنَّ رَائِحَةَ الْفِعْلِ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ عَامِلًا وَهُوَ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُطَوَّلِ آخِرَ الْبَابِ الثَّالِثِ بِأَنَّ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ وَالتَّجَدُّدَ بِحَسَبِ تَقْدِيرِ: حَاصِلٌ أَوْ حَصَلَ وَيَبْقَى وَجْهُ إيرَادِ الْبَسْمَلَةِ مُحْتَمَلَةً لِلِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ قَصْدُ الِاخْتِصَارِ بِحَذْفِ الْمُتَعَلِّقِ أَوْ مُجَرَّدُ التَّفَنُّنِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي تَرْجِيحِ الِاسْمِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ مَا نَصُّهُ: لِأَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ إنْ اُسْتُعِيرَ لِلْإِنْشَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ لِيَكُونَ قَائِلُهُمَا حَامِدًا لَا مُخْبِرًا عَنْ الْحَمْدِ فَالِاسْتِعَارَةُ لِجُمْلَةٍ لَا يَجْرِي فِيهَا التَّكْذِيبُ عِنْدَ الْإِخْبَارِ بِهَا أَوْلَى مِنْ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا لَوْ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ حَمْدِهِ وَكَانَ غَافِلًا عَنْ إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: كَذَبْت بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ التَّكْذِيبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ الْجُمْلَتَانِ فِي الْإِخْبَارِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ فَالِاسْمِيَّةُ أَوْلَى أَيْضًا لِأَنَّ التَّعْظِيمَ فِي الْإِخْبَارِ بِأَنَّ اللَّهَ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ أَوْ جِنْسُهَا الشَّامِلُ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ أَكْثَرُ مِنْ التَّعْظِيمِ فِي إخْبَارِ الْمُتَكَلِّمِ بِكَوْنِ اللَّهِ مَحْمُودًا بِحَمْدِهِ الْمُفَادِ بِالْفِعْلِيَّةِ اهـ مِنْ حَاشِيَةِ دَلَائِلِ الْخَيْرَاتِ لِلْفَاسِيِّ (قَوْلُهُ الْفَائِزِينَ) الْفَوْزُ هُوَ النَّجَاةُ وَالظَّفَرُ بِالْخَيْرِ مَعَ حُصُولِ السَّلَامَةِ وَقَوْلُهُ بِعُلَاهُ أَيْ بِإِعْلَائِهِ وَرِفْعَتِهِ لَهُمْ فَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ لِأَعْلَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ عَلَا جَمْعُ عَلِيَّةٍ أَيْ مَوْضِعٍ عَالٍ فَهُوَ كَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ أَيْ الْفَائِزِينَ مِنْ اللَّهِ بِالرُّتَبِ الْعَلِيَّةِ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمُخْتَارِ مَا يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: وَالْعُلَا وَالْعَلَاءُ الرِّفْعَةُ وَالشَّرَفُ وَكَذَا الْعُلَا وَالْجَمْعُ الْمَعَالِي ثُمَّ قَالَ
(وَبَعْدُ) يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ وَأَصْلُهَا أَمَّا بَعْدُ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْفَاءِ فِي حَيِّزِهَا غَالِبًا لِتَضَمُّنِ أَمَّا مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْأَصْلُ
[حاشية الجمل]
وَالْعُلْيَةُ الْغُرْفَةُ وَالْجَمْعُ الْعَلَالِيُّ اهـ وَلَمْ أَرَ فِيهِ عِلِّيَّةً بِوَزْنِ غُرْفَةٍ حَتَّى تَكُونَ عُلًا جَمْعًا لَهُ وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا﴾ [طه: 75] اهـ ح ف لَكِنْ رَأَيْت فِي الْمِصْبَاحِ مَا نَصُّهُ وَالْعُلْيَا خِلَافُ السُّفْلَى بِضَمِّ الْعَيْنِ فَتُقْصَرُ وَبِفَتْحِهَا فَتُمَدُّ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالضَّمُّ مَعَ الْقَصْرِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا وَأَصْلُ الْعُلْيَا كُلُّ مَكَان مُشْرِفٍ وَجَمْعُ الْعُلْيَا عَلَى مِثْلِ كُبْرَى وَكُبَرٍ اهـ وَقَوْلُهُ صِفَةٌ لِمَنْ ذُكِرَ أَيْ مُحَمَّدٌ وَآلُهُ وَصَحْبُهُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَبَعْدُ) اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: الْوَاوُ عَاطِفَةٌ وَأَمَّا مَحْذُوفَةٌ وَالْفَاءُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا وَلَا نِيَابَةَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْوَاوُ نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا وَالْفَاءُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهَا فَحُذِفَتْ أَمَّا وَبَقِيَتْ الْفَاءُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا إقَامَةً لِلَّازِمِ مَقَامَ الْمَلْزُومِ وَإِبْقَاءً لِأَثَرِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الْفَاءُ دَالَّةً عَلَيْهَا كَانَتْ كَالْمَلْفُوظِ بِهَا وَالْوَاوُ نَائِبَةٌ عَنْهَا فَلَزِمَ الْجَمْعُ حِينَئِذٍ وَأَجَابَ الْغَزِّيِّ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ لَفْظًا حَقِيقَةً لَا تَقْدِيرًا كَمَا هُنَا وَعَبَّرَ السَّكَّاكِيُّ فِي الْمِفْتَاحِ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا بَعْدُ فَجَمَعَ بَيْنَ أَمَّا وَالْوَاوِ وَكَأَنَّهُ يَجْعَلُ الْوَاوَ عَاطِفَةً كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَالتَّقْدِيرُ وَأَقُولُ أَمَّا بَعْدُ إلَخْ اهـ ع ش (قَوْلُهُ وَبَعْدُ) ظَرْفُ زَمَانٍ بِالنَّظَرِ لِلتَّكَلُّمِ وَمَكَانٍ بِالنَّظَرِ لِلرَّسْمِ أَيْ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ فَحَذَفَ الْمُضَافَ إلَيْهِ وَنَوَى ثُبُوتَ مَعْنَاهُ فَبُنِيَتْ عَلَى الضَّمِّ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ يُؤْتَى بِهَا) أَيْ مَوْضِعُهَا إذَا جِيءَ بِهَا أَنْ يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ لَا أَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ الِانْتِقَالُ يُؤْتَى بِهَا لِأَنَّ الِانْتِقَالَ كَمَا يَحْصُلُ بِهَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا كَهَذَا وَإِنَّ اهـ ع ش قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْخُطَبِ وَالْمُرَاسَلَاتِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ خَطِيبٌ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ قَوْلُهُ (لِلِانْتِقَالِ) أَيْ عِنْدَ الِانْتِقَالِ أَوْ لِإِرَادَةِ الِانْتِقَالِ وَلَيْسَ الِانْتِقَالُ مَعْنَاهَا بَلْ مَعْنَاهَا الزَّمَانُ أَوْ الْمَكَانُ وَقَوْلُهُ مِنْ أُسْلُوبٍ أَيْ فَنٍّ إذْ فِي الْمُخْتَارِ أَنَّ الْأُسْلُوبَ هُوَ الْفَنُّ وَالْمُرَادُ بِالْفَنِّ النَّوْعُ مِنْ الْكَلَامِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَأَصْلُهَا) أَيْ أَصْلُهَا الثَّانِي أَيْ أَصْلُ وَبَعْدُ أَيْ أَصْلُ الْوَاوِ أَمَّا فَالْوَاوُ نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا وَاخْتَصَّتْ الْوَاوُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ أَمَّا لِأَنَّهَا أُمُّ الْبَابِ وَلِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِئْنَافِ كَأَمَّا اهـ مَلَوِيٌّ وَقَوْلُهُ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْفَاءِ أَيْ وُجُودِهَا وَذِكْرِهَا لَا عَدَمِ انْفِكَاكِهَا لِئَلَّا يُنَافِيَ قَوْلَهُ غَالِبًا وَقَوْلُهُ فِي حَيِّزِهَا أَيْ حَيِّزِ وَبَعْدُ أَيْ فِي قُرْبِ حَيِّزِهَا وَإِلَّا فَحَيِّزُهَا مَكَانُهَا الْمَشْغُولُ بِهَا وَقَوْلُهُ غَالِبًا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا مِنْ حَيِّزِ وَبَعْدُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَقَوْلِ ابْنِ الْجَزَرِيِّ وَبَعْدُ إنَّ هَذِهِ مُقَدِّمَةٌ وَلَمْ تَكُنْ هِيَ أَيْ وَبَعْدُ أَصْلًا بِرَأْسِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيقِ وَالْفَاءُ لَا تُنَاسِبُ إلَّا مَا فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ وَأَصْلُهَا أَمَّا بَعْدُ) أَيْضًا الْمُرَادُ بِالْأَصْلِ مَا حَقُّ التَّرْكِيبِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَالْأَصَالَةُ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ شَيْئًا حُذِفَ مِنْ التَّرْكِيبِ وَاخْتُصِرَ فِيهِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْفَاءِ فِي حَيِّزِهَا غَالِبًا) أَيْ حَيِّزِ وَبَعْدُ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ لُزُومَ الْفَاءِ لَمْ يُعْهَدْ لِشَيْءٍ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ إلَّا لِأَمَّا فَلَمَّا وَجَدْنَا ذَلِكَ اللُّزُومَ مَعَ وَبَعْدُ عَلِمْنَا أَنَّ أَصْلَهَا أَمَّا بَعْدُ فَأَمَّا بَعْدُ تَلْزَمُهَا الْفَاءُ وَإِنَّمَا لَزِمَتْهَا لِتَضَمُّنِ أَمَّا مَعْنَى الشَّرْطِ إلَخْ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ لِيَتِمَّ الِاسْتِدْلَال وَيَظْهَرُ التَّعْلِيلُ فِي قَوْلِهِ لِتَضَمُّنِ إلَخْ وَإِلَّا فَالْكَلَامُ فِيهِ تَفْكِيكٌ بِدُونِ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ لِتَضَمُّنِ إمَّا إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ أَيْ وَلَزِمَتْ الْفَاءُ إمَّا لِتَضَمُّنِ إلَخْ أَيْ مَعَ ضَعْفِهَا فِي الشَّرْطِيَّةِ فَجُبِرَتْ بِلُزُومِ الْفَاءِ وَإِلَّا فَالْفَاءُ لَا تَلْزَمُ شَيْئًا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ بَلْ إمَّا أَنْ تَمْتَنِعَ فِيمَا إذَا صَلَحَ الْجَوَابُ لِلشَّرْطِيَّةِ أَوْ تَجِبُ فِيمَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ فَلِضَعْفِ إمَّا جُبِرَتْ بِلُزُومِ الْفَاءِ مُطْلَقًا اهـ شَيْخُنَا وَبِهِ سَقَطَ مَا كَتَبَهُ ع ش عَلَى م ر هُنَا وَنَصُّ عِبَارَتِهِ قَوْلُهُ غَالِبًا قَدْ يُقَالُ حَيْثُ قَرَّرَ الْأَئِمَّةُ مِنْ النُّحَاةِ أَنَّ الْفَاءَ إمَّا مُمْتَنِعَةٌ فِي الْجَوَابِ أَوْ وَاجِبَةٌ فِيهِ فَإِنْ أَرَادَ الشَّرْطَ لِمُطْلَقٍ فَهُوَ مُنْقَسِمٌ إلَى مَا يَلْزَمُ وَإِلَى مَا يَمْتَنِعُ وَإِنْ أَرَادَ أَحَدَ قِسْمَيْهِ وَهُوَ مَا يَصْلُحُ لِمُبَاشَرَةِ الْأَدَاةِ فَذَاكَ لَا تَلْزَمُهُ الْفَاءُ بَلْ هِيَ مُمْتَنِعَةٌ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ الْقِسْمَ الْآخَرَ وَهُوَ مَا لَا يَصْلُحُ فَذَاكَ تَجِبُ فِيهِ دَائِمًا لَا غَالِبًا وَمِنْ ثَمَّ عَدُّوا حَذْفَهَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ
مَنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا
ضَرُورَةً فَمَا مَعْنَى الْغَلَبَةِ حِينَئِذٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَتْ الصُّوَرُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ الَّتِي لَا تَجِبُ فِيهَا صَحَّ إطْلَاقُ الْغَلَبَةِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ مَوَاقِعِهَا فَإِنَّ الْأَكْثَرَ يُقَالُ لَهُ: غَالِبٌ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ) أَيْ أَصْلُ أَمَّا بَعْدُ وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُهَا خُصُوصَ مَهْمَا لَا غَيْرُهَا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ لِمَا فِي مَهْمَا مِنْ الْإِبْهَامِ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عَاقِلًا أَوْ غَيْرَهُ زَمَانًا أَوْ غَيْرَهُ مَكَانًا أَوْ غَيْرَهُ وَهَذَا الْإِبْهَامُ يُنَاسِبُ هُنَا لِأَنَّ
مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ (فَهَذَا) الْمُؤَلَّفُ الْحَاضِرُ ذِهْنًا (مُخْتَصَرٌ)
[حاشية الجمل]
الْغَرَضَ التَّعْلِيقُ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مَا بِخِلَافِ غَيْرِ مَهْمَا مِنْ الْأَدَوَاتِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَقَوْلُهُ مَهْمَا يَكُنْ مَهْمَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهَا يَكُنْ وَالْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ هُوَ الضَّمِيرُ فِي يَكُنْ وَمِنْ شَيْءٍ بَيَانٌ لِمَهْمَا فَهُوَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ) أَيْضًا فَوَقَعَتْ كَلِمَةُ أَمَّا مَوْقِعَ اسْمٍ هُوَ الْمُبْتَدَأُ وَفِعْلٍ هُوَ الشَّرْطُ وَتَضَمَّنَتْ مَعْنَاهُمَا فَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ لَزِمَتْهَا الْفَاءُ اللَّازِمَةُ لِلشَّرْطِ غَالِبًا وَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الِابْتِدَاءِ لَزِمَهَا لُصُوقُ الِاسْمِ اللَّازِمِ لِلْمُبْتَدَأِ إقَامَةً لِلَّازِمِ مَقَامَ الْمَلْزُومِ وَإِبْقَاءً لِأَثَرِهِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ فَهَذَا الْمُؤَلَّفُ الْحَاضِرُ ذِهْنًا) الْإِشَارَةُ لِلْأَلْفَاظِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الْمُعَانَى عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْأَرْجَحُ مِنْ احْتِمَالَاتٍ سَبْعَةٍ فِي مُسَمَّى الْكُتُبِ وَالتَّرَاجِمِ بَيَانُ السَّبْعَةِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مُسَمَّى الْكُتُبِ الْأَلْفَاظُ أَوْ النُّقُوشُ أَوْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَلْفَاظُ وَالنُّقُوشُ أَوْ الْأَلْفَاظُ وَالْمَعَانِي أَوْ النُّقُوشُ وَالْمَعَانِي أَوْ الثَّلَاثَةُ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مُخْتَارًا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ السَّبْعَةِ لِأَنَّ النُّقُوشَ لِعَدَمِ تَيَسُّرِهَا لِكُلِّ أَحَدٍ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَدْلُولًا وَلَا جُزْءَ مَدْلُولٍ فَبَطَلَ أَرْبَعُ احْتِمَالَاتٍ وَلِأَنَّ الْمَعَانِيَ لِكَوْنِهَا مُتَوَقِّفَةً فِي الْغَالِبِ عَلَى الْأَلْفَاظِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَدْلُولًا وَلَا جُزْءَ مَدْلُولٍ أَيْضًا فَبَطَلَ احْتِمَالَانِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَلْفَاظَ الذِّهْنِيَّةَ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الْمَعَانِي وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا فَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً اهـ شَيْخُنَا وَوُجِدَ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ نَقْلًا عَنْ الدِّيرِيّ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ فَهَذَا الْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ لِلْمُؤَلَّفِ الْحَاضِرِ فِي ذِهْنِ الْمُؤَلِّفِ وَالتَّقْدِيرُ فَهَذَا الْمُؤَلَّفُ الَّذِي هُوَ أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي عَلَى مَا اخْتَارَهُ السَّيِّدُ مِنْ احْتِمَالَاتٍ سَبْعَةٍ أَبْدَاهَا فِي مُسَمَّى الْكُتُبِ وَالتَّرَاجِمِ وَعَلَيْهِ فَالْإِشَارَةُ لِمَا هُوَ فِي الذِّهْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَإِنْ تَأَخَّرَ وَضْعُ الْإِشَارَةِ عَنْ فَرَاغِ الْمُؤَلِّفِ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ لِمَا يُوجَدُ مِنْ الْأَلْفَاظِ فِي الْخَارِجِ لِانْعِدَامِهَا لِكَوْنِهَا إعْرَاضًا فَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْوَاقِعَةَ فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ إنْ كَانَتْ بَعْدَ التَّأْلِيفِ فَهِيَ لِمَا فِي الْخَارِجِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الْمُخْتَارِ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ تَنْعَدِمُ بَعْدَ وُجُودِهَا فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّتْ الْإِشَارَةُ لِمَا فِي الذِّهْنِ مَعَ أَنَّ ذَا لَا يُشَارُ بِهَا إلَّا إلَى مَوْجُودٍ مَحْسُوسٍ قُلْنَا: الْمُرَادُ الْمَحْسُوسُ وَلَوْ تَنْزِيلًا وَهَذَا مِنْهُ كَأَنَّهُ لِشِدَّةِ اسْتِحْضَارِهِ لَهُ كَأَنَّهُ صَارَ مَحْسُوسًا فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَازَ أَنْ تُنَزَّلَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي وُجِدَتْ فِي الْخَارِجِ وَانْعَدَمَتْ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ مَحْسُوسَةٌ فَتَكُونُ الْإِشَارَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ لِمَا فِي الْخَارِجِ فَيَصِحُّ مَا اُشْتُهِرَ.
قُلْنَا: ذَاكَ فِيهِ تَنْزِيلُ الْمَوْجُودِ غَيْرِ الْمَحْسُوسِ مَنْزِلَةَ الْمَحْسُوسِ وَهَذَا فِيهِ تَنْزِيلُ الْمَعْدُومِ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ فَارْتَكَبُوا ذَاكَ دُونَ هَذَا فَإِنْ قِيلَ: مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا أُمُورًا مُجْمَلَةً وَلَيْسَتْ هِيَ مُسَمَّى الْكِتَابِ وَإِنَّمَا مُسَمَّاهُ الْأَلْفَاظُ الْمُفَصَّلَةُ أُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مُضَافًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ مُفَصِّلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كِتَابُ إلَخْ فَالْإِشَارَةُ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ فَإِنْ قِيلَ: الْأَلْفَاظُ الَّتِي وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا وَأُخْبِرَ عَنْهَا بِكِتَابٍ لَيْسَتْ إلَّا الْمَوْجُودَةَ فِي ذِهْنِ الْمُؤَلِّفِ حِينَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُقَالَ كِتَابٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الشَّخْصِ وَحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مُضَافٌ آخَرُ أَيْ نَوْعٌ دَالٌّ مُفَصَّلٌ هَذَا وَالْمُخْتَارُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الْجِنْسِ فَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ هَذَا الْمُضَافِ إذْ لَا يَنْحَصِرُ فِيمَا فِي ذِهْنِ الْمُؤَلِّفِ هَكَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ وَقَوْلُهُ: مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الْجِنْسِ أَيْ بِخِلَافِ مُسَمَّى الْعُلُومِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الشَّخْصِ كَذَا فِي التُّحْفَةِ وَعِبَارَته تَنْبِيهُ التَّحْقِيقِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الْجِنْسِ لَا اسْمِهِ وَإِنْ صَحَّ اعْتِبَارُهُ وَلَا عِلْمِ الشَّخْصِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَإِنْ أَلَّفَ فِيهِ بِمَا يَحْتَاجُ رَدُّهُ إلَى بَسْطٍ لَيْسَ هَذَا مَحِلَّهُ وَأَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الشَّخْصِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَنَازَعَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ فَجَعَلَ الْجَمِيعَ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الشَّخْصِ اهـ رَحْمَانِيٌّ.
1 -
(قَوْلُهُ مُخْتَصَرٌ فِي الْفِقْهِ) أَيْ أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ قَلِيلَةٌ دَالَّةٌ عَلَى جِنْسِ الْفِقْهِ بِمَعْنَى الْمَسَائِلِ الْمَخْصُوصَةِ بِدَلَالَتِهَا عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَقَوْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَيْ كَائِنًا ذَلِكَ الْفِقْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ كَيْنُونَةَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَفِي مُسْتَعَارَةٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَشْبِيهِ عُلْقَةِ الدَّالِّ وَالْمَدْلُولِ بِعُلْقَةِ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ وَقَدْ تُجْعَلُ عَلَى مُتَعَلِّقَةً بِالدَّلَالَةِ أَوْ بِمَعْنَى فِي مُسْتَعَارَةً لَهَا لِيَكُونَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ بَدَلًا مِنْ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَبْلَهُ فَإِنْ قُلْت: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مُخْتَصَرٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلِمَ زَادَ قَوْلَهُ فِي الْفِقْهِ؟ قُلْت: إشَارَةٌ لِمَدْحِ مُخْتَصَرِهِ مِنْ جِهَتَيْنِ عُمُومِ كَوْنِهِ فِي الْفِقْهِ
مِنْ الِاخْتِصَارِ وَهُوَ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ وَتَكْثِيرُ الْمَعْنَى (فِي الْفِقْهِ) وَهُوَ لُغَةً الْفَهْمُ وَاصْطِلَاحًا الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ وَمَوْضُوعُهُ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ عُرُوضُ الْأَحْكَامِ لَهَا وَاسْتِمْدَادُهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ
[حاشية الجمل]
وَخُصُوصِ كَوْنِهِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَلِمَدْحِ عُمُومِ الْفِقْهِ وَخُصُوصِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْفِقْهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ مِنْ الِاخْتِصَارِ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمَزِيدِ فِيهِ فَالْأَخْذُ مِنْهُ لَيْسَ مِنْ الِاشْتِقَاقِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ الْمُرَادِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ ع ش (قَوْلُهُ فِي الْفِقْهِ) فِي هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ إشْكَالٌ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْهَجَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْكُتُبِ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ وَالْفِقْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْعُلُومِ اسْمٌ لِلْمَلَكَةِ أَوْ الْإِدْرَاكِ أَوْ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ وَلَا مَعْنَى لِظَرْفِيَّةِ نَحْوِ الْمَسَائِلِ لِلْأَلْفَاظِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ فِي بِمَعْنَى عَلَى فَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ لِلدَّالِّ اهـ ع ش (قَوْلُهُ فِي الْفِقْهِ) أَيْضًا صِفَةٌ أُولَى لِمُخْتَصَرٍ وَقَوْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لَهُ وَقَوْلُهُ اخْتَصَرْت فِيهِ صِفَةٌ ثَالِثَةٌ وَقَوْلُهُ وَضَمَمْت إلَيْهِ صِفَةٌ رَابِعَةٌ وَقَوْلُهُ وَحَذَفْت مِنْهُ الْخِلَافَ صِفَةٌ خَامِسَةٌ وَقَوْلُهُ وَسَمَّيْتُهُ صِفَةٌ سَادِسَةٌ فَقَدْ وَصَفَ الشَّيْخُ مُخْتَصَرَهُ بِسِتِّ صِفَاتٍ اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ وَهُوَ لُغَةً الْفَهْمُ) وَهُوَ إرْسَامُ صُورَةٍ مَا فِي الْخَارِجِ فِي الذِّهْنِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ إدْرَاكُ الشَّيْءِ وَقِيلَ: هَيْئَةٌ لِلنَّفْسِ تَتَحَقَّقُ بِهَا مَعَانِي مَا يُحَسُّ اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْمُغْنِي لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيّ اهـ ع ش (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً الْفَهْمُ) أَيْضًا قَالَ النَّوَوِيُّ يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ فَقَهًا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا وَقِيلَ: فِقْهًا بِسُكُونِ الْقَافِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ وَغَيْرُهُ: فَقِهَ بِالْكَسْرِ إذَا فَهِمَ وَفَقُهَ بِالضَّمِّ إذَا صَارَ الْفِقْهُ لَهُ سَجِيَّةً وَفَقَهَ بِالْفَتْحِ إذَا سَبَقَ غَيْرَهُ إلَى الْفَهْمِ اهـ مَلَوِيٌّ (قَوْلُهُ وَاصْطِلَاحًا الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَبَادِئِ هَذَا الْعِلْمِ خَمْسَةً: حَدَّهُ وَمَوْضُوعَهُ وَاسْتِمْدَادَهُ وَفَائِدَتُهُ وَاسْمَهُ وَقَدْ أَوْصَلَهَا السُّيُوطِيّ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ إلَى أَحَدَ عَشَرَ فَقَالَ (السَّادِسُ) وَاضِعُهُ وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (السَّابِعُ) حُكْمُهُ وَهُوَ الْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِقَدْرِ مَا يَعْرِفُ تَصْحِيحَ عِبَادَاتِهِ فَإِنْ زَادَ عَنْ ذَلِكَ صَارَ وَاجِبًا كِفَائِيًّا إلَى بُلُوغِ دَرَجَةِ الْإِفْتَاءِ فَإِنْ زَادَ عَنْ ذَلِكَ إلَى أَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ صَارَ مَنْدُوبًا.
(الثَّامِنُ) مَسَائِلُهُ وَهِيَ قَضَايَاهُ الَّتِي تُطْلَبُ نِسْبَةُ مَحْمُولَاتِهَا إلَى مَوْضُوعَاتِهَا كَقَوْلِنَا فُرُوضُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ سِتَّةُ أَشْيَاءَ (التَّاسِعُ) فَضْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ فَهُوَ أَفْضَلُهَا لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ وَغَيْرُهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ (الْعَاشِرُ) نِسْبَتُهُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَنَّهُ يَعْصِمُ الْمُكَلَّفُ عَنْ الْخَطَأِ فِي فِعْلِهِ (الْحَادِيَ عَشَرَ) غَايَتُهُ وَهِيَ الْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ اهـ وَهَذَا الْأَخِيرُ أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُحَصِّلَانِ لِلْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي الشَّارِحِ سِتَّةٌ مِنْ الْأَحَدَ عَشَرَ.
(قَوْلُهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ) الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا الظَّنُّ وَأَلْ فِي الْأَحْكَامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالْمُرَادُ بِالظَّنِّ مَلَكَتُهُ أَيْ الْمَلَكَةُ الَّتِي يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى ظَنِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مَجَازٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَجَازٍ وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ النِّسَبُ التَّامَّةُ أَيْ الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ وَخَرَجَ بِالْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِغَيْرِهَا مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَقَوْلُهُ الشَّرْعِيَّةِ أَيْ الْمَأْخُوذِ مِنْ الشَّرْعِ الْمَبْعُوثِ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ وَخَرَجَ بِهَا الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ وَقَوْلُهُ الْعَمَلِيَّةِ أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ الْوِتْرَ مَنْدُوبٌ فَقَوْلُنَا النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ مَسْأَلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ وَنِسْبَةٍ وَالْفِقْهُ اسْمٌ لِلْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ وَهَذِهِ النِّسْبَةُ عَمَلِيَّةٌ أَيْ مُتَعَلِّقَةٌ بِصِفَةِ عَمَلٍ فَالْعَمَلُ هُوَ النِّيَّةُ وَصِفَتُهُ هِيَ الْوُجُوبُ وَهَذِهِ النِّسْبَةُ تَعَلَّقَتْ بِالْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلنِّيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَمَلُ وَخَرَجَ بِالْعَمَلِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ الْمُكْتَسِبُ أَيْ ذَلِكَ الْعِلْمُ مِنْ أَدِلَّتِهَا أَيْ أَدِلَّةِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ التَّفْصِيلِيَّةِ أَيْ الْمُعَيَّنَةِ أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُكْمٍ مَخْصُوصٍ وَالِاكْتِسَابُ مِنْهَا لَيْسَ بِالِاسْتِقْلَالِ بَلْ بِوَاسِطَةِ ضَمِّ الْإِجْمَالِيَّةِ إلَيْهَا وَخَرَجَ بِالْمُكْتَسَبِ عِلْمُ اللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَجِبْرِيلَ بِمَا ذُكِرَ وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ أَيْ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَخْ الْمُكْتَسَبُ لِلْخِلَافِيِّ أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْخِلَافِ وَالْجِدَالِ لِيَذُبَّ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ مِنْ الْمُقْتَضِي وَالنَّافِي الْمُثْبِتِ بِهِمَا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْفَقِيهِ كَالشَّافِعِيِّ لِيَحْفَظَهُ عَنْ إبْطَالِ خَصْمِهِ كَالْحَنَفِيَّةِ.
فَعِلْمُهُ أَيْ الْخِلَافِيِّ مَثَلًا بِوُجُودِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَبِعَدَمِ
وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمَعْرُوفَةِ وَفَائِدَتُهُ امْتِثَالُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ الْمُحَصِّلَانِ لِلْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ (عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ) الْمُجْتَهِدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ (الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَرْضَاهُ) .
[حاشية الجمل]
وُجُوبِ الْوِتْرِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ مِثَالُهُ أَنْ يُقَالَ لِلْحَنَفِيِّ: النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي أَيْ الدَّلِيلِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ أَوْ يَقُولُ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِوُجُودِ النَّافِي أَيْ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ اهـ مِنْ شَرْحِ الْمَحَلِّيِّ وَحَوَاشِيهِ (قَوْلُهُ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمَعْرُوفَةِ) كَاسْتِقْرَاءِ الشَّافِعِيِّ النِّسَاءَ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَغَالِبِهِمَا وَأَكْثَرِهِمَا وَالِاسْتِحْسَانِ كَاسْتِحْسَانِ الشَّافِعِيِّ التَّحْلِيفَ عَلَى الْمُصْحَفِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ إلَخْ) أَيْضًا أَيْ بَاقِيهَا وَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ اهـ ح ل أَيْ وَالِاسْتِقْرَاءُ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاقْتِرَانُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ) أَيْ مُتَعَلَّقُ نَوَاهِيهِ وَهُوَ الْمَنْهِيَّاتُ إذْ هِيَ الْمُجْتَنَبَةُ وَلَوْ قَالَ: امْتِثَالُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ لَمَا اُحْتِيجَ لِلتَّكَلُّفِ وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَامْتِثَالُ نَوَاهِيهِ بِتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ اهـ حف (قَوْلُهُ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ) وُلِدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ بِغَزَّةَ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا هَاشِمٌ جَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: بِعَسْقَلَانَ وَقِيلَ: بِمِنًى سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ثُمَّ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ وَنَشَأَ بِهَا وَحَفِظَ الْمُوَطَّأَ وَهُوَ ابْنُ عَشَرَةٍ وَتَفَقَّهَ عَلَى مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ مُفْتِي مَكَّةَ الْمَعْرُوفِ بِالزِّنْجِيِّ لِشِدَّةِ شُقْرَتِهِ مِنْ بَابِ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْإِفْتَاءِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَعَ أَنَّهُ نَشَأَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّهِ فِي قِلَّةٍ مِنْ الْعَيْشِ وَضِيقِ حَالٍ وَكَانَ فِي حَالِ صِبَاهُ يُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ وَيَكْتُبُ مَا يَسْتَفِيدُهُ فِي الْعِظَامِ وَنَحْوِهَا حَتَّى مَلَأَ مِنْهَا خَبَايَا.
ثُمَّ رَحَلَ إلَى مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ وَلَازَمَهُ مُدَّةً ثُمَّ قَدِمَ بَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَأَقَامَ بِهَا سَنَتَيْنِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهَا وَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ مَذَاهِبَ كَانُوا عَلَيْهَا إلَى مَذْهَبِهِ وَصَنَّفَ بِهَا كِتَابَهُ الْقَدِيمَ ثُمَّ عَادَ إلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ عَادَ إلَى بَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِصْرَ وَلَمْ يَزَلْ بِهَا نَاشِرًا لِلْعِلْمِ مُلَازِمًا لِلِاشْتِغَالِ بِجَامِعِهَا الْعَتِيقِ إلَى أَنْ أَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ شَدِيدَةٌ فَمَرِضَ بِسَبَبِهَا أَيَّامًا عَلَى مَا قِيلَ: ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قُطْبُ الْوُجُودِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلْخَ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِهِ وَانْتَشَرَ عِلْمُهُ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ وَتَقَدَّمَ عَلَى الْأَئِمَّةِ فِي الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ «وَعَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ طِبَاقَ الْأَرْضِ عِلْمًا» وَقَدْ أَفْرَدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَنَسَبِهِ وَأَشْعَارِهِ كُتُبًا مَشْهُورَةً وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ تَذْكِرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ اهـ خ ط عَلَى غَايَةِ الِاخْتِصَارِ وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ تَارِيخَ مِيلَادِ كُلٍّ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَوَفَاتِهِ وَمِقْدَارَ عُمْرِهِ فِي أَبْيَاتٍ فَقَالَ
تَارِيخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا ... وَمَالِكٌ فِي قَطْعِ جَوْفٍ ضُبِطَا
وَالشَّافِعِيُّ صِينٌ ببرند ... وَأَحْمَدُ بِسَبْقِ أَمْرٍ جَعْدِ
فَاحْسُبْ عَلَى تَرْتِيبِ نَظْمِ الشِّعْرِ ... مِيلَادَهُمْ فَمَوْتَهُمْ فَالْعُمْرَ
(قَوْلُهُ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ) أَيْضًا ابْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَهَذَا نَسَبٌ عَظِيمٌ كَمَا قِيلَ:
نَسَبٌ كَأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى ... نُورًا وَمِنْ فَلَقِ الصَّبَاحِ عَمُودًا
مَا فِيهِ إلَّا سَيِّدٌ مِنْ سَيِّدٍ ... حَازَ الْمَكَارِمَ وَالتُّقَى وَالْجُودَا
اهـ خَطِيبٌ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ.
وَهَذَا بَيَانٌ لِنَسَبِهِ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأُمَّهَاتِ فَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُحَمَّدُ بْنُ فَاطِمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْأُمَّهَاتِ وَاسِطَتَانِ وَمِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ ثَلَاثَةٌ وَقَوْلُهُ ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ هَاشِمٌ هَذَا غَيْرُ هَاشِمٍ الَّذِي فِي نَسَبِ الْإِمَامِ فَاَلَّذِي فِي نَسَبِ النَّبِيِّ عَمُّ الَّذِي فِي نَسَبِ الْإِمَامِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ مَنَافٍ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ شَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا هَاشِمٌ وَالْآخَرُ الْمُطَّلِبُ فَهَاشِمٌ أَعْقَبَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَعْقَبَ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُطَّلِبِ أَعْقَبَ هَاشِمًا وَهَاشِمٌ أَعْقَبَ عَبْدَ يَزِيدَ إلَى آخَرِ نَسَبِ الْإِمَامِ فَالْمُطَّلِبُ عَمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهَاشِمٌ عَمُّ هَاشِمٍ وَأَمَّا أَبُو طَالِبٍ فَعَمُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ شَيْخُنَا.
لَكِنْ قَدْ رَأَيْت عَنْ الْخَطِيبِ عَلَى التَّنْبِيهِ أَنَّ أُمَّ الشَّافِعِيِّ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ
أَيْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْمَسَائِلِ مَجَازًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ (اخْتَصَرْت فِيهِ مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (الْمُسَمَّى بِمِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ
[حاشية الجمل]
فَعَلَيْهِ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ ثَلَاثَةٌ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ آبَائِهِ وَقَوْلُهُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اسْمُ الْأَبِ وَالِابْنِ فَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ الْحَسَنِ تَحْرِيفٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ عَنْ فَتْحِ الْبَارِي وَرَأَيْت فِي تَأْلِيفِ الْفَخْرِ الرَّازِيّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا نَصُّهُ وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّالِثُ وَهُوَ بَيَانُ نَسَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَفِيهِ قَوْلَانِ: (الْأَوَّلُ) وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَهُوَ أَنَّ أُمَّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ الْأَزْدِ اهـ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالشَّافِعِيُّ كَانَ مُطَّلِبِيًّا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَهَاشِمِيًّا مِنْ جِهَةِ أُمَّهَاتِ الْأَجْدَادِ وَأَزْدِيًّا مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ خَاصَّةً اهـ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَائِدَةٌ زَوْجَةُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هِيَ حُمَيْدَةُ بِنْتُ نَافِعِ بْنِ عَبَسَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَمِنْ أَوْلَادِهِ مِنْهَا أَبُو عُثْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ وَهُوَ الْأَكْبَرُ مِنْ وَلَدِهِ وَكَانَ قَاضِيًا بِمَدِينَةِ حَلَبَ وَلَهُ ابْنٌ آخَرُ يُقَال لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ مَاتَ وَهُوَ طِفْلٌ وَهُوَ مِنْ سُرِّيَّتِهِ وَلِلشَّافِعِيِّ مِنْ امْرَأَتِهِ الْعُثْمَانِيَّةِ بِنْتَانِ فَاطِمَةُ وَزَيْنَبُ اهـ. وَعَبْدُ مَنَافٍ الَّذِي الْتَقَى الشَّافِعِيُّ مَعَ النَّبِيِّ فِيهِ ابْنُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ ابْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى هَذَا النَّسَبِ إلَى عَدْنَانَ وَلَيْسَ فِيمَا بَعْدَهُ إلَى آدَمَ طَرِيقٌ صَحِيحٌ فِيمَا يُنْقَلُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا انْتَهَى فِي النَّسَبِ إلَى عَدْنَانَ أَمْسَكَ ثُمَّ يَقُولُ كَذَبَ النَّسَّابُونَ أَيْ بَعْدَهُ اهـ خَطِيبٌ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ وَعَبْدُ مَنَافٍ عَاشِرُ جَدٍّ لِلْإِمَامِ وَرَابِعُ جَدٍّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا عَدْنَانُ فَهُوَ ثَامِنَ عَشَرَ جَدٍّ لِلنَّبِيِّ رَابِعٌ وَعِشْرُو جَدٍّ لِلْإِمَامِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ الشَّافِعِيِّ) نِسْبَةٌ إلَى شَافِعٍ رَابِعِ آبَائِهِ وَإِنَّمَا نُسِبَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَكْرَمُهُمْ وَأَشْهَرُهُمْ وَلِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ فَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ اهـ حف (قَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَيْ لَمْ يُؤَاخِذْهُ وَقَوْلُهُ وَأَرْضَاهُ أَيْ أَكْرَمَهُ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ مَثَلًا اهـ ع ش (قَوْلُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا النِّسَبُ التَّامَّةُ وَقَوْلُهُ فِي الْمَسَائِلِ نَعْتٌ لِلْأَحْكَامِ أَيْ الْأَحْكَامُ الْكَائِنَةُ فِي الْمَسَائِلِ فَهَذِهِ الظَّرْفِيَّةُ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ إذْ الْمَسْأَلَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ وَنِسْبَةٍ الَّتِي هِيَ الْحُكْمُ فَالْمَسْأَلَةُ كَقَوْلِك الْوِتْرُ مَنْدُوبٌ وَالْحُكْمُ الْكَائِنُ فِيهَا ثُبُوتُ النَّدْبِ لِلْوِتْرِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ مَجَازًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ) حَالٌ مِنْ مَا فِي قَوْلِهِ أَيْ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِيهِ أَنَّهُ فَسَّرَ مَا بِالْأَحْكَامِ وَالْمَجَازُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ لَفْظِ مَذْهَبٍ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ أَيْ حَالَ كَوْنِ هَذَا اللَّفْظِ مَجَازًا أَيْ مُتَجَوَّزًا بِهِ وَمَنْقُولًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ إلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فَقَوْلُهُ عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ نَعْتٌ لِمَذْهَبٍ أَيْ مَجَازًا مَنْقُولًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ الْحَقِيقِيُّ وَهَذَا التَّجَوُّزُ بِالنَّظَرِ لِلْأَصْلِ وَإِلَّا فَقَدْ صَارَ لَفْظُ الْمَذْهَبِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْأَحْكَامِ اهـ حف.
(قَوْلُهُ اخْتَصَرْت) أَيْ جَمَعْت فِيهِ أَيْ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الْمَعَانِي وَقَوْلُهُ مُخْتَصَرُ الْإِمَامِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مَعَانِي مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ أَيْ الْمَقْصُودَةُ مِنْ مَعَانِيهِ وَإِلَّا فَمِنْ جُمْلَتِهَا حِكَايَةُ الْخِلَافِ وَالشَّيْخُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إلَّا بِالْإِشَارَةِ بِالْغَايَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ هُنَا مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَعَانِي فِي الْأَلْفَاظِ أَشَارَ لَهُ ع ش.
وَعِبَارَةُ الْمَلَوِيِّ اخْتَصَرْت فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْمُؤَلَّفِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُخْتَصَرِ الْمُرَادُ بِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ وَمَا ضَمَّهُ إلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْمِنْهَاجِ مَظْرُوفَةٌ فِي مَجْمُوعِ مَسَائِلِ الْمَنْهَجِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ مُخْتَصَرُ الْإِمَامِ إلَخْ) وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ الْمُحَرَّرِ وَهُوَ مِنْ الْوَجِيزِ وَهُوَ مِنْ الْوَسِيطِ وَهُوَ مِنْ الْبَسِيطِ وَهُوَ مِنْ النِّهَايَةِ شَرْحُ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ مِنْ الْأُمِّ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ اهـ بَابِلِيٌّ وَكُلٌّ مِنْ الْوَجِيزِ وَالْوَسِيطِ وَالْبَسِيطِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ تِلْمِيذِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ (قَوْلُهُ النَّوَوِيُّ) نِسْبَةٌ إلَى نَوًى قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ تِلْمِيذُ النَّوَوِيِّ: وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا بِحَذْفِ الْأَلِفِ عَلَى الْأَصْلِ وَيَجُوزُ كَتْبُهَا بِالْأَلِفِ عَلَى الْعَادَةِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَبِإِثْبَاتِهَا وَحَذْفِهَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّ الشَّيْخِ يَعْنِي النَّوَوِيَّ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْهَائِمِ
وَضَمَمْت إلَيْهِ مَا يُسِّرَ مَعَ إبْدَالِ غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ بِهِ) أَيْ بِالْمُعْتَمَدِ (بِلَفْظٍ مُبِينٍ) وَسَأُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ غَالِبًا فِي مَحَالِّهِ
[حاشية الجمل]
إنَّهُ بِإِثْبَاتِهَا خِلَافُ الْقِيَاسِ قَالَ: وَأَمَّا الْأَلِفُ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ مِنْ لَامِ الْكَلِمَةِ فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا بَلْ يَجِبُ قَلْبُهَا فِي النِّسْبَةِ وَاوًا فَيُقَالُ: نَوَوِيٌّ كَمَا يُقَالُ فِي النِّسْبَةِ إلَى فَتَى فَتَوِيٌّ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَهُوَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ شَرَفِ بْنِ مِرَى بِكَسْرٍ فَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَبِالْقَصْرِ ابْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمُعَةَ بْنِ حِزَامٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَلَيْسَ الصَّحَابِيُّ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ بَدَأَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِاشْتِغَالِ وَعُمْرُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَحَفِظَ التَّنْبِيهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ وَرُبْعَ الْمُهَذَّبِ بَقِيَّةَ السَّنَةِ وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ اثْنَيْ عَشَرَ دَرْسًا وَيَكْتُبُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْفَوَائِدِ وَلِهَذِهِ الْهِمَّةِ الْبَاهِرَةِ تَفَقَّهَ وَظَهَرَتْ عَنْهُ مُصَنَّفَاتُهُ الَّتِي هِيَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ فِي نَحْوِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً إذْ جُمْلَةُ عُمْرِهِ نَحْوُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَمِنْ أَجَلِّ مَآثِرِهِ مَا حُكِيَ أَنَّهُ تَقَطَّبَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَكُوشِفَ بِذَلِكَ فَاسْتَكْتَمَ وَقَدْ أَفْرَدَ غَيْرُ وَاحِدٍ تَرْجَمَتَهُ بِالتَّأْلِيفِ رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً وَيَلِيهِ فِي تَحْرِيرِ الْمَذْهَبِ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ عَبْدُ الْكَرِيمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْفَضْلِ الرَّافِعِيُّ نِسْبَةٌ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الصَّحَابِيِّ كَمَا وُجِدَ بِخَطِّهِ لَا لِقَرْيَةٍ تُسَمَّى رَافِعَانِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ.
الْقَزْوِينِيِّ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ عَنْ سِتَّةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً أَدَامَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَحَائِبَ الرِّضْوَانِ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ فِي أَعْلَى الْجِنَانِ اهـ مِنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لحج.
(فَائِدَةٌ) الْعُبَابِ تَأْلِيفُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَبَرَكَةِ الْأَنَامِ الشِّهَابِ الزَّبِيدِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فِيهِ وَأَوْدَعْتُهُ خُلَاصَةَ رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةِ الْمُفْتِينَ مَعَ زِيَادَةِ فَوَائِدَ عَدِيدَةٍ انْتَزَعْتُهَا مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ اهـ مِنْ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ أَمَّا بَعْدُ فَهَذَا كِتَابٌ اخْتَصَرْت فِيهِ مَا فِي الرَّوْضَةِ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ الْمُخْتَصَرَةِ مِنْ الْعَزِيزِ شَرْحٌ لِلْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ عَلَى الْوَجِيزِ لِلْغَزَالِيِّ انْتَهَتْ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَجِيزَ مِنْ الْوَسِيطِ وَهُوَ مِنْ الْبَسِيطِ وَهُوَ مِنْ النِّهَايَةِ شَرْحٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ وَمُخْتَصَرُ الْمُزَنِيّ مِنْ الْأُمِّ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
(قَوْلُهُ وَضَمَمْت إلَيْهِ إلَخْ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ رَابِعَةُ الصِّفَاتِ فَالضَّمِيرُ فِي إلَيْهِ رَاجِعٌ لِمُخْتَصَرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَنْهَجُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ مَجْمُوعِ مَعَانِي الْمِنْهَاجِ وَزِيَادَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مِنْ ضَمِّ الْجُزْءِ إلَى كُلِّهِ وَقَصَدَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى شَرَفِ هَذَا الْجُزْءِ وَمَدْحَهُ اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ الْمَلَوِيِّ وَضَمَمْت إلَيْهِ أَيْ إلَى الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمِنْهَاجِ فَفِيهِ شَبَهُ اسْتِخْدَامٍ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ وَتَجْرِيدٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لِأَنَّهُ جَرَّدَ اللَّفْظَ عَنْ بَعْضِ مَدْلُولِهِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ مَعَ إبْدَالِ غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ بِهِ) فِيهِ إدْخَالُ الْبَاءِ فِي حَيِّزِ الْإِبْدَالِ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَإِدْخَالُهَا فِي حَيِّزِ الْإِبْدَالِ وَفِي حَيِّزِ بَدَّلَ وَتَبَدَّلَ وَاسْتَبْدَلَ عَلَى الْمَتْرُوكِ هُوَ الْفَصِيحُ وَقَدْ خَفِيَ هَذَا التَّفْصِيلُ عَلَى مَنْ اعْتَرَضَ الْمَتْنَ وَأَصْلَهُ بِآيَةِ ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ﴾ [البقرة: 108] وَقَدْ تَدْخُلُ فِي حَيِّزِ بَدَّلَ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَأْخُوذِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَبَدَّلَ طَالِعِي بِحُسْنِ سَعْدِي اهـ زِيَادِيٌّ وَقَدْ تَدْخُلُ بَعْدَ أَبْدَلَ عَلَى الْمَتْرُوكِ نَحْوُ أَبْدَلْت الْجَيِّدَ بِالرَّدِيءِ أَيْ أَخَذْت الْجَيِّدَ بَدَلَهُ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ أَوْ مَا يَعْتَمِدُهُ الْحُذَّاقُ فِي التَّعْبِيرِ فَيَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ وَمَا هُوَ أَوْلَى وَمَا جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ اهـ ح ل وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ بِلَفْظٍ مُبِينٍ) أَيْ مُوَضِّحٍ لِلْمُرَادِ بِلَا قُصُورٍ وَلَا إيهَامٍ وَلَا خَفَاءٍ وَبِلَفْظٍ تَنَازَعَهُ ضَمَمْت وَأَبْدَلَ وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ اهـ مَلَوِيٌّ (قَوْلُهُ بِلَفْظٍ مُبِينٍ) أَيْضًا اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَانَ وَضَحَ وَمِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى أَوْضَحَ وَأَظْهَرَ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ بَانَ الْأَمْرُ يَبِينُ وَلَا يَكُونُ إلَّا لَازِمًا وَأَبَانَ إبَانَةً بِمَعْنَى الْوُضُوحِ وَيُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا اهـ ع ش (قَوْلُهُ وَسَأُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الضَّمِّ وَالْإِبْدَالِ اهـ شَيْخُنَا وَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الشَّيْخَ تَارَةً يُعَبِّرُ بِأَوْلَى وَتَارَةً بِأَعَمَّ وَتَارَةً بِهِمَا فَالْأَوَّلُ إذَا أَوْهَمَ كَلَامُ الْأَصْلِ حُكْمًا غَيْرَ مُرَادٍ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا مَوْضِعَانِ: قُبَيْلَ الْقَضَاءِ وَالثَّانِي إذَا قَصَرَ عَنْ شُمُولِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَكَانَ فِي مَقَامٍ لَا مَجَالٍ فِيهِ لِلْإِيرَادِ وَالثَّالِثُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ وَبِاجْتِمَاعِهِمَا لَمْ يَقْوَ عَلَى السَّدَادِ وَتَارَةً يَقُولُ وَكَذَا مِنْ زِيَادَتِي أَوْ التَّصْرِيحُ بِهِ مِنْ زِيَادَتِي فَالْأَوَّلُ لِمَا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ وَالثَّانِي لِمَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَلَوْ بِقِيَاسِ هَذَا الْفَرْعِ الْمَزِيدِ عَلَى مُجَرَّدِ هَذَا الْأَصْلِ وَتَارَةً يُعَبِّرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا يَعْلَمُهُ مَنْ سَبَرَ كَلَامَهُ وَخَاضَ مُجْمَلَ تَفْسِيرِهِ كَمَا سَيَأْتِي مُنَبَّهًا عَلَيْهِ فِي مَحَالِّهِ مَعَ الِاعْتِذَارِ عَنْ الْأَصْلِ فِي خِلَالِهِ كَقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَعَ أَنَّ عِبَارَتِي أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَتِهِ فِي إفَادَةِ الْغَرَضِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَفِي كِتَابِ الْخُلْعِ أَعَمُّ
(وَحَذَفْت مِنْهُ الْخِلَافَ رَوْمًا) أَيْ طَلَبًا (لِتَيْسِيرِهِ عَلَى الرَّاغِبِينَ) فِيهِ (وَسَمَّيْتُهُ بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ) الْمَنْهَجُ وَالْمِنْهَاجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ (رَاجِيًا) أَيْ مُؤَمِّلًا (مِنْ اللَّهِ) تَعَالَى (أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ) جَمْعُ لُبٍّ وَهُوَ الْعَقْلُ (وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ) وَهُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ وَتَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ (لِلصَّوَابِ) أَيْ لِمَا يُوَافِقُ الْوَاقِعَ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (وَ) أَسْأَلُهُ (الْفَوْزَ) أَيْ الظَّفَرَ بِالْخَيْرِ (يَوْمَ الْمَآبِ) أَيْ الرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[حاشية الجمل]
مِنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَفِيهِ وَقَوْلِي فَقَبِلْت يُفِيدُ تَعْقِيبَ الْقَبُولِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَإِذَا قَبِلْت بَانَتْ.
وَفِي كِتَابِ اللِّعَانِ وَفِي كَلَامِي زِيَادَاتٌ يَعْرِفُهَا النَّاظِرُ فِيهِ مَعَ كَلَامِ الْأَصْلِ.
وَفِيهِ أَيْضًا وَتَعْبِيرِي بِذَلِكَ مُوفٍ بِالْغَرَضِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ كَذَا وَفِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَشُمُولُ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ الْكُفَّارِ بِبِلَادِهِمْ مِنْ زِيَادَتِي وَفِيهِ أَيْضًا وَتَعْبِيرِي بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالزِّيَادَةِ وَفِيهِ أَيْضًا وَفِي تَعْبِيرِ الْأَصْلِ بِكَذَا تَسَمُّحٌ وَفِيهِ أَيْضًا وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ مِنْ كَذَا وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْأَصْلِ خِلَافَهُ وَفِي الْإِيمَانِ وَكَلَامُ الْأَصْلِ يُفْهِمُهُ وَفِيهِ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ إلَخْ ضَعِيفٌ.
وَفِي الْغَنِيمَةِ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْوَاقِفِ عَلَى ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ كَلَامِ الْأَصْلِ وَفِي الشَّهَادَاتِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك حُسْنُ مَا سَلَكْتُهُ فِي بَيَانِ التَّوْبَةِ وَشَرْطِهَا عَلَى مَا سَلَكَهُ اهـ مَا وَجَدْتُهُ بِخَطِّهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَحَذَفْت) أَيْ تَرَكْت اهـ ح ل وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى مُخْتَصَرِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ عَائِدًا عَلَى مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ فَالْحَذْفُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ أَيْ أَنَّهُ حَذَفَهُ حِينَ اخْتَصَرَهُ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ لِأَنَّ الضَّمَائِرَ السَّابِقَةَ عَائِدَةٌ عَلَى مُخْتَصَرِهِ اهـ حف (قَوْلُهُ وَحَذَفْت مِنْهُ الْخِلَافَ) أَيْضًا أَيْ أَسْقَطْت حِكَايَتَهُ أَيْ لَمْ آتِ لَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ ثُمَّ حَذَفَهُ وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبْدَالِ غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ بِهِ حَذْفُ الْخِلَافِ قَالَ: وَحَذَفْت مِنْهُ الْخِلَافَ وَقَدَّمَ الْإِبْدَالَ عَلَى الْحَذْفِ لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِبَيَانِ الْمُعْتَمَدِ وَذِكْرَهُ أَقْوَى مِنْهُ بِالْحَذْفِ فَتَأَمَّلْ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ عَلَى الرَّاغِبِينَ) أَيْ الْمُنْهَمِكِينَ عَلَى الْخَيْرِ طَلَبًا لِحِيَازَةِ مَعَالِيهِ اهـ زِيَادِيٌّ.
أَيْ لِأَنَّ الرَّغْبَةَ الِانْهِمَاكُ عَلَى الْخَيْرِ لِأَجْلِ طَلَبِ الْمَعَالِي وَتَتَعَدَّى لِلْمَحْبُوبِ بِفِي تَقُولُ فُلَانٌ يَرْغَبُ فِي كَذَا أَيْ يُحِبُّهُ وَلِلْمَكْرُوهِ بِعَنْ تَقُولُ فُلَانٌ يَرْغَبُ عَنْ كَذَا أَيْ يَكْرَهُهُ اهـ مِنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَرِّ الْأُجْهُورِيِّ (قَوْلُهُ بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ) فَاخْتَصَرَ الِاسْمَ كَمَا اخْتَصَرَ الْمُسَمَّى ثُمَّ اُشْتُهِرَ الْآنَ بِالْمَنْهَجِ اقْتِصَارًا عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْعَلَمِ مَعَ إدْخَالِ أَلْ عَلَيْهِ اهـ مَلَوِيٌّ (قَوْلُهُ رَاجِيًا) مِنْ الرَّجَاءِ بِالْمَدِّ وَهُوَ الْأَمَلُ يُقَالُ: رَجَوْت فُلَانًا رَجْوًا وَرَجَاءً وَرَجَاوَةً وَتَرْجِيَةً وَأَرْتَجِيهِ وَرَجَّيْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنَى رَجَوْتُهُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ أَيْ أُؤَمِّلُ اهـ شَرْحُ الرَّوْضِ.
وَعِبَارَةُ الْمَلَوِيِّ رَاجِيًا أَيْ مُؤَمِّلًا مَعَ الْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ وَإِلَّا فَهُوَ طَمَعٌ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ رَاجِيًا) أَيْضًا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ اخْتَصَرْت وَمَا بَعْدَهُ أَيْ اخْتَصَرْت رَاجِيًا وَضَمَمْت إلَيْهِ رَاجِيًا وَحَذَفْت رَاجِيًا وَسَمَّيْتُهُ رَاجِيًا اهـ عَنَانِيٌّ أَيْ فَحَذَفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي أَوْ بِالْعَكْسِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ لِأَنَّ التَّنَازُعَ لَا يَكُونُ فِي الْحَالِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى إضْمَارٍ وَالْحَالُ لَا تَكُونُ إلَّا نَكِرَةً اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْعَقْلُ) هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ مُرَادَفَةِ اللُّبِّ لِلْعَقْلِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: إنَّ اللُّبَّ أَخَصُّ أَيْ الْعَقْلُ الْكَامِلُ وَلِذَا جَعَلَ نُكْتَةَ خَتْمِ الْأَدِلَّةِ الثَّمَانِيَةِ فِي آيَةِ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: 164] فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِيَعْقِلُونَ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَدِلَّةِ لَا تَحْتَاجُ لِكَمَالِ الْعَقْلِ وَنُكْتَةُ خَتْمِ الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ بِأُولِي الْأَلْبَابِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْقَلِيلَةَ تَحْتَاجُ لِعَقْلٍ كَامِلٍ لِخَفَاءِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَدْلُولِ اهـ شَوْبَرِيٌّ بِتَصَرُّفٍ (قَوْلُهُ وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ) لَمْ يَقُلْ كَسَابِقِهِ أَنْ يُوَفِّقَ لِيُنَاسَبَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ الْفَوْزُ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَتَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ) زَادَهُ دَفْعًا لِمَا أُورِدَ عَلَى مَنْ اقْتَصَرَ فِي تَعْرِيفِهِ عَلَى قَوْلِهِ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ مِنْ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَافِرَ مُوَفَّقٌ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الطَّاعَةِ لَكِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إنْ أُرِيدَ الْقُدْرَةُ سَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ وَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَهُ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الصِّفَةُ الْمُقَارِنَةُ لِلْفِعْلِ وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ وَتَسْهِيلُ إلَخْ.
نَعَمْ الْحَنَفِيَّةُ يُطْلِقُونَ الْقُدْرَةَ عَلَى سَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ وَيُسَمُّونَهَا الْقُدْرَةَ الْمُمْكِنَةَ وَيُسَمُّونَ الصِّفَةَ الْمُقَارِنَةَ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ اهـ ع ش.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ وَتَسْهِيلُ إلَخْ أَشَارَ بِهِ إلَى تَفْسِيرٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِهِ إبْهَامٌ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ لِلصَّوَابِ) فِيهِ أَنَّ التَّوْفِيقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي خَيْرٍ فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ لِلصَّوَابِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ مُتَعَلِّقَاتِهِ أَوْ أَنَّهُ سَلَكَ التَّجْرِيدَ بِأَنْ جَرَّدَ التَّوْفِيقَ عَنْ كَوْنِهِ فِي خَيْرٍ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَالْفِعْلُ) كَالصَّلَاةِ وَمَعْنَى كَوْنِهَا تُوَافِقُ الْوَاقِعَ أَنْ تَكُونَ عَلَى طِبْقِ الصَّلَاةِ الَّتِي طَلَبَهَا مِنْهُ الشَّارِعُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ أَيْ الرُّجُوعِ) أَيْ فَالْمَآبُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَفِي الْمِصْبَاحِ آبَ مِنْ سَفَرِهِ يَئُوبُ أَوْبًا وَمَآبًا رَجَعَ وَالْإِيَابُ اسْمٌ مِنْهُ فَهُوَ آيِبٌ إلَى اللَّهِ أَيْ رَجَعَ عَنْ ذَنْبِهِ وَتَابَ فَهُوَ أَوَّابٌ مُبَالَغَةٌ اهـ ع ش
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) هُوَ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ
[حاشية الجمل]
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
ِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا عَلَى مَعْنَى اللَّامِ مِنْ إضَافَةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ بِنَاءً عَلَى مُخْتَارِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ فِي مُسَمَّى الْكُتُبِ أَنَّهُ الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ كَشَجَرِ أَرَاكٍ وَعِلْمِ الْفِقْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْمَسَائِلُ وَأَنَّهُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ وَجَعْلُهَا بِمَعْنَى فِي فِيهِ تَكَلُّفٌ كَمَا أَنَّ جَعْلَهَا بِمَعْنَى مِنْ بَعِيدٌ بَلْ مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَقَدْ افْتَتَحَ الْأَئِمَّةُ كُتُبَهُمْ بِالطَّهَارَةِ لِخَبَرِ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ» مَعَ افْتِتَاحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُمَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بِالصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي وَلِكَوْنِهَا أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا عَلَى غَيْرِهَا لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَقُدِّمَ عَلَيْهِ وَضْعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِعِبَادَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ مُنَاكَحَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْبَعْثَةِ نَظْمُ أَحْوَالِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ.
وَانْتِظَامُهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِكَمَالِ قُوَاهُمْ الْإِدْرَاكِيَّةِ وَالشَّهَوِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ فَمَا يُبْحَثُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ إنْ تَعَلَّقَ بِكَمَالِ النُّطْقِيَّةِ أَيْ الْإِدْرَاكِيَّةِ فَالْعِبَادَةُ إذْ بِهَا كَمَالُهَا أَوْ بِكَمَالِ الشَّهْوِيَّةِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ فَالْمُعَامَلَةُ أَوْ بِالْوَطْءِ وَنَحْوِهِ فَالْمُنَاكَحَةُ أَوْ بِكَمَالِ الْغَضَبِيَّةِ فَالْجِنَايَةُ وَأَهَمُّهَا الْعِبَادَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَشْرَفِ ثُمَّ الْمُعَامَلَةُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ثُمَّ الْمُنَاكَحَةُ لِأَنَّهَا دُونَهَا فِي الْحَاجَةِ ثُمَّ الْجِنَايَةُ لِقِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا فَرَتَّبُوهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَرَتَّبُوا الْعِبَادَةَ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ» وَاخْتَارُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى رِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَعَمُّ وُجُوبًا وَلِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَلِتَكَرُّرِهِ كُلَّ عَامٍ اهـ شَرْحُ م ر وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا فِي هَذِهِ الْحِكْمَةِ لِلْفَرَائِضِ لَعَلَّهُ لِكَوْنِهَا عِلْمًا مُسْتَقِلًّا أَوْ بِجَعْلِهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حُكْمًا إذْ مَرْجِعُهَا قِسْمَةُ التَّرِكَاتِ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْمُعَامَلَاتِ وَأَخَّرُوا الْقَضَاءَ وَالشَّهَادَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمُعَامَلَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالْجِنَايَاتِ اهـ ع ش عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَتْ الطَّهَارَةُ أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ.
لِأَنَّ لَهَا مَزِيَّةً عِنْدَ الْفَقِيهِ عَلَى بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ فَاقِدِ السُّتْرَةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تُغْنِيهِ عَنْ الْقَضَاءِ وَمَنْ صَلَّى ظَانًّا دُخُولَ الْوَقْتِ وَإِنْ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ لَا يُحْكَمُ عَلَى صَلَاتِهِ بِالْبُطْلَانِ بَلْ تَصِحُّ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى ظَانًّا الطَّهَارَةَ فَبَانَ خِلَافُهَا فَتَبَيَّنَ بُطْلَانُهَا وَمَنْ صَلَّى فِي نَفْلِ السَّفَرِ لَا تُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ الْقِبْلَةُ فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَعْظَمِيَّةِ الطَّهَارَةِ اهـ م د عَلَى خ ط (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً الضَّمُّ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لِأَشْيَاءَ مُتَنَاسِبَةٍ أَوْ لَا وَقَوْلُهُ وَالْجَمْعُ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ لِأَنَّ كُلَّ ضَمٍّ فِيهِ جَمْعٌ وَلَا عَكْسَ اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً الضَّمُّ) أَيْضًا أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَوْ حَالَةَ كَوْنِهِ لُغَةً أَوْ أَعْنِي لُغَةً أَوْ فِي اللَّغْوِ فَالنَّصَبُ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ أَوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ عَلَى مَا فِيهِ لَكِنْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ سَمَاعِيٌّ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ تَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَالٌ فَهُوَ إمَّا حَالٌ مِنْ النِّسْبَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ أَوْ مِنْ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ مَعَ فَاعِلِهِ أَيْ أَعْنِيهِ لُغَةً اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ إلَخْ) أَيْضًا وَالْبَابُ لُغَةً مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْكِتَابِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ غَالِبًا وَالْفَصْلُ لُغَةً الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْبَابِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَسَائِلَ غَالِبًا اهـ أج وَالْفَرْعُ لُغَةً مَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَسَائِلَ غَالِبًا وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ فَمَعْنَاهَا لُغَةً مُطْلَقُ السُّؤَالِ وَشَرْعًا مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ وَالْبَابُ لُغَةً مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْكِتَابِ وَالْفَصْلِ فَإِنْ جَمَعْت الثَّلَاثَةَ قُلْت: الْكِتَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ وَالْبَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ وَالْفَصْلُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَسَائِلَ فَالْكِتَابُ كَالْجِنْسِ الْجَامِعِ لِأَبْوَابٍ جَامِعَةٍ لِفُصُولٍ جَامِعَةٍ لِمَسَائِلَ فَالْأَبْوَابُ أَنْوَاعُهُ وَالْفُصُولُ أَصْنَافُهُ وَالْمَسَائِلُ أَشْخَاصُهُ انْتَهَتْ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ إذَا اجْتَمَعَتْ افْتَرَقَتْ وَإِذَا افْتَرَقَتْ اجْتَمَعَتْ اهـ شَيْخُنَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ (قَاعِدَةٌ) إذَا كَانَ
يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ غَالِبًا وَالطَّهَارَةُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ وَشَرْعًا رَفْعُ حَدَثٍ
[حاشية الجمل]
بَيْنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَالْآتِي مُخَالَفَةٌ بِالْعَوَارِضِ يُؤْتَى بِالْفَصْلِ وَإِذَا كَانَتْ الْمُخَالَفَةُ بِالنَّوْعِ يُؤْتَى بِالْبَابِ وَإِذَا كَانَتْ الْمُخَالَفَةُ بِالْجِنْسِ يُؤْتَى بِالْكِتَابِ اهـ تَقْرِيرٌ فِي الدَّرْسِ اهـ مِنْ هَامِشِ شَرْحِ م ر بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ (قَوْلُهُ يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا) أَيْ يُقَالُ قَوْلًا هُوَ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ اللُّغَةِ أَيْ فَلِكَتَبَ مَصَادِرُ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ مُجَرَّدٌ وَالْأَخِيرَانِ مَزِيدَانِ اهـ ع ش عَلَى م ر وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَزِيدٌ بِحَرْفَيْنِ وَالثَّانِي بِحَرْفٍ وَقَدَّمَ الْمَزِيدَ بِحَرْفَيْنِ لِشُهْرَتِهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَقَوْلُهُ وَكِتَابَةً بِكَسْرِ الْكَافِ قِيلَ: وَبِفَتْحِهَا اهـ مِنْ الشَّارِحِ مِنْ بَابِ الْكِتَابَةِ (قَوْلُهُ وَكِتَابًا) وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَكَتَّبَتْ بَنُو فُلَانٍ إذَا اجْتَمَعُوا وَكَتَبَ إذَا خَطَّ بِالْقَلَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْكَتْبِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَزِيدَ يُشْتَقُّ مِنْ الْمُجَرَّدِ وَالْكِتَابُ هُنَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافَيْنِ وَالتَّقْدِيرُ هَذَا كِتَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ لِأَنَّ الْمَتْنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ اهـ أج.
(قَوْلُهُ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْجَمَةَ هِيَ لَفْظُ الْكِتَابِ فَقَطْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّرَاجِمَ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الْجِنْسِ أَوْ الشَّخْصِ عَلَى الْخِلَافِ فَيَلْزَمُ إضَافَةُ الْعَلَمِ وَلَوْ جُعِلَتْ التَّرْجَمَةُ مَجْمُوعَ التَّرْكِيبِ الْإِضَافِيِّ كَانَ أَحْسَنَ اهـ شَيْخُنَا وَقَوْلُهُ كَانَ أَحْسَنَ وَهُوَ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ الشَّارِحَ عَرَّفَ كُلًّا مِنْ الْجُزْأَيْنِ عَلَى حِدَتِهِ لِبَيَانِ حَالِهِمَا قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْآنَ لَا مَعْنَى لِكُلِّ جُزْءٍ عَلَى حِدَتِهِ لِأَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ (قَوْلُهُ وَاصْطِلَاحًا) أَيْضًا أَيْ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ أَيْ فِي عُرْفِهِمْ وَالِاصْطِلَاحُ اتِّفَاقُ طَائِفَةٍ عَلَى أَمْرٍ مَعْهُودٍ بَيْنَهُمْ مَتَى أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَيْهِ اهـ قَلْيُوبِيٌّ عَلَى الْغَزِّيِّ وَعَبَّرَ الشَّارِحُ فِي الْكِتَابِ عَنْ الْمَعْنَى الْمُقَابِلِ لِلُّغَوِيِّ بِقَوْلِهِ وَاصْطِلَاحًا وَفِي الطَّهَارَةِ بِقَوْلِهِ وَشَرْعًا بُنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ مَا تُلَقَّى مَعْنَاهَا مِنْ الشَّارِعِ وَإِنْ مَا لَمْ يُتَلَقَّ مِنْ الشَّارِعِ يُسَمَّى اصْطِلَاحًا وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ اصْطَلَحُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنًى فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَتَلَقَّوْا التَّسْمِيَةَ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ نَعَمْ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ كَمَا قَالَهُ سم فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبَهْجَةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فِيمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مُطْلَقًا اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ مُخْتَصَّةٍ) مَعْنَى اخْتِصَاصِهَا كَوْنُهَا مُتَعَلِّقَةً بِجُمْلَةٍ مِنْ جُمَلِ الْأَحْكَامِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَالطَّهَارَةُ لُغَةً إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يَطْهُرُ بِضَمِّهَا فِيهِمَا وَهِيَ لُغَةً إلَى آخِرِ مَا هُنَا انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ بِضَمِّهَا فِيهِمَا وَيُقَالُ: أَيْضًا طَهِرَ يَطْهَرُ بِكَسْرِهَا فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ إذَا اغْتَسَلَ لَا مُطْلَقًا وَلِعَدَمِ عُمُومِهَا بِهَذَا الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَذْكُرْهَا الشَّارِحُ اهـ ع ش عَلَيْهِ وَتَنْقَسِمُ الطَّهَارَةُ إلَى عَيْنِيَّةٍ وَحُكْمِيَّةٍ فَالْعَيْنِيَّةُ مَا لَا تَتَجَاوَزُ مَحَلَّ حُلُولِ مُوجِبِهَا كَغَسْلِ الْخَبَثِ وَالْحُكْمِيَّةُ مَا تَتَجَاوَزُ ذَلِكَ كَالْوُضُوءِ اهـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ وَالطَّهَارَةُ لُغَةً) أَيْضًا بِفَتْحِ الطَّاءِ أَمَّا بِضَمِّهَا فَهِيَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالْمَاءِ وَبِكَسْرِهَا مَا يُضَافُ إلَى الْمَاءِ كَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ لِأَنَّ الْخُلُوصَ مِنْ الْأَدْنَاسِ يَشْمَلُ الْحِسِّيَّةَ كَالْأَنْجَاسِ وَالْمَعْنَوِيَّةَ كَالْعُيُوبِ وَالنَّظَافَةُ خَاصَّةٌ بِالْحِسِّيَّةِ أَوْ عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبَّبٍ أَوْ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأَنَّ النَّظَافَةَ أَيْضًا تَشْمَلُ الْحِسِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقَائِصِ يُحِبُّ النَّظَافَةَ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَشَرْعًا رَفْعُ حَدَثٍ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِثَلَاثِ اعْتِرَاضَاتٍ: (الْأَوَّلِ) أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مِنْ قِسْمِ الْأَفْعَالِ وَالرَّفْعُ مِنْ قِسْمِهَا فَلَا تُعْرَفُ بِهِ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ ارْتِفَاعُ حَدَثٍ (الثَّانِي) أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَا يَشْمَلُ الطَّهَارَةَ بِمَعْنَى الزَّوَالِ كَانْقِلَابِ الْخَمْرِ خَلًّا وَانْقِلَابِ دَمِ الظَّبْيَةِ مِسْكًا (الثَّالِثُ) إنَّ قَوْلَهُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَيْفَ يُجْعَلُ مَا لَا يَرْفَعُ وَلَا يُزِيلُ فِي مَعْنَى مَا يَرْفَعُ وَيُزِيلُ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَهَا إطْلَاقَانِ تُطْلَقُ عَلَى زَوَالِ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَالنَّوَوِيُّ لَمْ يُعَرِّفْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَتُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِإِفَادَةِ زَوَالِ الْمَنْعِ أَوْ زَوَالِ بَعْضِ آثَارِهِ وَالنَّوَوِيُّ إنَّمَا عَرَّفَهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَأُجِيبَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ انْقِلَابَ الْخَمْرِ خَلًّا إلَخْ مِنْ قِسْمِ الطَّهَارَةِ بِمَعْنَى الزَّوَالِ وَالتَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ وَضْعٍ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ تَنَاوُلِ أَفْرَادِ وَضْعٍ آخَرَ وَأُجِيبَ عَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ: أَرَدْنَا بِمَا فِي الْمَعْنَى وَعَلَى الصُّورَةِ التَّيَمُّمَ إلَخْ فَلَا اعْتِرَاضَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ اهـ وَقَالَ حَجّ الطَّهَارَةُ لُغَةً
أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِأَنْوَاعِ الطِّهَارَاتِ وَبَدَأْت بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي آلَتِهَا فَقُلْت: (إنَّمَا يُطَهَّرُ مِنْ مَائِعٍ مَاءٍ
[حاشية الجمل]
النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ وَلَوْ مَعْنَوِيَّةً وَشَرْعًا فِعْلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إبَاحَةٌ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ أَوْ ثَوَابٌ مُجَرَّدٌ اهـ وَهَذَا لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ اهـ أَجَهْوَرِيٌّ
1 -
(قَوْلُهُ رَفْعُ حَدَثٍ إلَخْ) أَيْضًا هَذَا أَحَدُ إطْلَاقَيْنِ لِلطَّهَارَةِ وَهُوَ مَجَازِيٌّ مِنْ إطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ وَالْإِطْلَاقُ الثَّانِي حَقِيقِيٌّ وَهُوَ زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ اهـ عَنَانِيٌّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلطَّهَارَةِ إطْلَاقَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ حَقِيقِيَّيْنِ وَهُمَا الِارْتِفَاعُ وَالزَّوَالُ اللَّذَانِ هُمَا أَثَرُ الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ وَمَجَازِيَّيْنِ وَهُمَا الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ اللَّذَانِ هُمَا سَبَبٌ لِلِارْتِفَاعِ وَالزَّوَالِ فَإِطْلَاقُ الطَّهَارَةِ عَلَيْهِمَا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ ثُمَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ عَرَّفَهَا بِالْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ فَقَالَ: ارْتِفَاعُ الْمَنْعِ أَوْ زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ أَوْ الْمَوْتِ وَزِيَادَةُ الْمَوْتِ لِيَتَنَاوَلَ التَّعْرِيفُ ارْتِفَاعَ الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِغُسْلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْعًا مُتَرَتِّبًا عَلَى حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ وَقَدْ صَرَّحُوا بَعْدَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّهَارَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَهَا بِالْإِطْلَاقِ الْمَجَازِيِّ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ فَقَالَ: فِعْلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إبَاحَةٌ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ كَالتَّيَمُّمِ أَوْ ثَوَابٌ مُجَرَّدٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: رَفْعُ حَدَثٍ إلَخْ وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَهَا بِالْإِطْلَاقَيْنِ فَقَالَ: ارْتِفَاعُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ أَوْ الْمَوْتِ أَوْ الْفِعْلِ الْمُحَصِّلِ لِذَلِكَ أَوْ الْمُكَمِّلِ لَهُ كَالتَّثْلِيثِ وَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ أَوْ الْقَائِمِ مَقَامَهُ كَالتَّيَمُّمِ اهـ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ رَفْعُ حَدَثٍ) أَيْ ذَاتُ رَفْعٍ كَالْوُضُوءِ أَوْ يُؤَوَّلُ رَفْعُ بِرَافِعٍ وَإِلَّا فَالطَّهَارَةُ لَيْسَتْ نَفْسَ الرَّفْعِ وَإِنَّمَا هُوَ نَاشِئٌ عَنْهَا لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ نَاشِئٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ بِأَنْ يُقَالَ: ذَاتُ إزَالَةٍ وَهُوَ الْغُسْلُ أَوْ تُؤَوَّلُ إزَالَةٌ بِمُزِيلٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغُسْلَ مُزِيلٌ وَأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ نَفْسَ الْإِزَالَةِ وَإِنَّمَا الْإِزَالَةُ نَاشِئَةٌ عَنْهَا لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْغُسْلِ اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ) يَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ النَّجَسَ بِمَعْنَى الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِالْمَحَلِّ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ الْحَجَرُ مُخَفِّفٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّجَسِ الْعَيْنَ لَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ اهـ ح ل (قَوْلُهُ وَعَلَى صُورَتِهِمَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ اهـ سم عَلَى حَجّ وَعَلَى الْبَهْجَةِ اهـ ع ش عَلَى م ر وَعَلَى الشَّرْحِ (قَوْلُهُ كَالتَّيَمُّمِ) هَذَا فِي مَعْنَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَفِي مَعْنَى إزَالَةِ النَّجَسِ حَجَرُ الِاسْتِنْجَاءِ وَقَوْلُهُ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ مِثَالَانِ لِأَنَّ لِمَا عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَوَّلُ عَلَى صُورَةِ الْأَكْبَرِ وَالثَّانِي عَلَى صُورَةِ الْأَصْغَرِ وَقَوْلُهُ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثَالٌ لِمَا عَلَى صُورَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَعَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَيْضًا اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فَهِيَ) أَيْ الطَّهَارَةُ الَّتِي فِي التَّرْجَمَةِ شَامِلَةٌ إلَخْ وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ لِأَنْوَاعِ الطَّهَارَاتِ هِيَ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ أَرْبَعَةٌ: الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْغُسْلُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا فِي التَّرْجَمَةِ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَمَنْ جَمَعَهَا قَصَدَ التَّصْرِيحَ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ التَّنَاوُلِ اهـ مُنَاوِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ) الْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْكَثِيرُ وَالْغَالِبُ وَقَوْلُهُ فِي آلَتِهَا وَهِيَ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ أَرْبَعَةٌ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَالتَّخَلُّلُ وَالدَّبْغُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِي آلَتِهَا) وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْوَسِيلَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِمْ وَسَائِلُ الطَّهَارَةِ أَرْبَعٌ وَقَوْلِهِمْ آلَاتُهَا أَرْبَعٌ وَأَمَّا الْأَوَانِي وَالِاجْتِهَادُ فَوَسِيلَتَانِ لِلْوَسِيلَةِ وَعَلَى عَدِّ النَّجَاسَةِ وَسِيلَةً لِلطَّهَارَةِ كَمَا ذَكَرَهُ سم تَكُونُ الْوَسِيلَةُ أَعَمَّ مِنْ الْآلَةِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَنْفَرِدُ الْوَسِيلَةُ فِي النَّجَاسَةِ وَلَمْ يَعُدُّوا الْحَدَثَ وَسِيلَةً كَالنَّجَاسَةِ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَقَدْ تَجِبُ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ حَدَثٍ كَمَا إذَا وَلَدَ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ حَدَثٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَطْهِيرُهُ عِنْدَ إرَادَةِ الطَّوَافِ بِهِ اهـ ح ف.
وَعِبَارَةُ أج عَلَى خ ط وَلَمَّا كَانَتْ الْمِيَاهُ وَسِيلَةً مِنْ الْوَسَائِلِ الْأَرْبَعِ قَدَّمَهَا إذْ هِيَ كَالشَّرْطِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَشْرُوطِهِ فَكَذَا الْوَسِيلَةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْمَقْصِدِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَسَائِلَ أَرْبَعُ وَالْمَقَاصِدَ أَرْبَعُ فَالْوَسَائِلُ: الْمِيَاهُ وَالْأَوَانِي وَالِاجْتِهَادُ وَالنَّجَاسَةُ اهـ سم عَلَى حَجّ فَإِنْ قِيلَ: لِمَ يُعَدُّ التُّرَابُ كَالْمَاءِ وَالْحَدَثُ كَالنَّجَاسَاتِ قُلْت: لَمَّا لَمْ يَكُنْ التُّرَابُ رَافِعًا وَالْوُضُوءُ قَدْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ حَدَثٍ بِالْفِعْلِ كَالْمَوْلُودِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ حَدَثٌ وَأَرَادَ وَلِيُّهُ الطَّوَافَ بِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُحْدِثًا بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُضُوئِهِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي تَخْصِيصِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ إظْهَارٌ لِكَرَامَةِ الْآدَمِيِّ مِنْ حَيْثُ خَلْقُهُ مِنْهُمَا فَأُكْرِمَ بِجَعْلِ أَصْلَيْهِ مُطَهِّرَيْنِ اهـ ح ف.
(قَوْلُهُ إنَّمَا يَطْهُرُ) أَيْ يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي التَّرْجَمَةِ الشَّامِلَةِ لِسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّهَارَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَتَعْبِيرِي بِمَا ذُكِرَ شَامِلٌ
مُطْلَقٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ) وَإِنْ رَشَحَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَغَيْرِهِ أَوْ قَيْدٌ لِمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ كَمَاءِ الْبَحْرِ بِخِلَافِ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ وَمَا لَا يُذْكَرُ إلَّا مُقَيَّدًا كَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءٍ دَافِقٍ أَيْ مَنِيٍّ فَلَا يُطَهِّرُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى مُمْتَنًّا بِالْمَاءِ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] .
[حاشية الجمل]
إلَخْ اهـ ح ل وَفِيهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي التَّرْجَمَةِ شَامِلَةٌ لِلتَّيَمُّمِ وَلِلِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَلِلدَّبْغِ وَلِلتَّحَلُّلِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَتَأَتَّى دُخُولُهُ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَطْهُرُ مِنْ مَائِعٍ مَاءٍ مُطْلَقٍ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ إنَّمَا يَطْهُرُ مِنْ مَائِعٍ) أَيْضًا وَإِلَّا فَالْحَجَرُ وَالتُّرَابُ وَآلَةُ الدَّبْغِ كُلٌّ مِنْهَا مُحَصِّلٌ لِلطَّهَارَةِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَاءً) أَيْ يُسَمِّيهِ بِذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ كَذَا قَالَهُ حَجّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُوَافِقُهُ مَا سَيَأْتِي الْمُتَغَيِّرُ بِمَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ أَنَّهُ مُطْلَقٌ إذْ لَا يُسَمِّيهِ بِذَلِكَ إلَّا الْعَالِمُ بِحَالِهِ دُونَ غَيْرِهِ لَكِنْ يُنَازِعُهُ مَا سَيَأْتِي عَنْ الرَّافِعِيِّ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إذْ لَا يَتَأَتَّى لِغَيْرِ الْعَالِمِ بِحَالِ الْمَاءِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ بِلَا قَيْدٍ) أَيْ لَازِمٍ وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا فِي جَانِبِ الْمَفْهُومِ اهـ شَوْبَرِيٌّ أَيْ لِأَنَّ ذَا الْقَيْدَ الْمُنْفَكَّ يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ أَمَّا إذَا قِيلَ: أَمَّا مَا يُسَمَّى مَاءً بِقَيْدٍ فَغَيْرُ مُطَهِّرٍ فَإِنَّهُ يُقَيَّدُ بِاللَّازِمِ فَيُقَالُ: مَا يُسَمَّى مَاءً بِقَيْدٍ لَازِمٍ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمَفْهُومِ فِي كَلَامِهِ وَبِالْإِثْبَاتِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ رَشَّحَ إلَخْ) تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هَذَا الرَّشْحَ يُسَمَّى مَاءً وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ مَاءٌ حَقِيقَةً وَيَنْقُصُ الْمَاءُ بِقَدْرِهِ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْهَادِي: وَلَا يَجُوزُ رَفْعُ حَدَثٍ وَلَا إزَالَةُ نَجَسٍ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَوْ بُخَارِ الْمَاءِ وَإِنْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: نَازَعَ فِيهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ: يُسَمُّونَهُ بُخَارًا أَوْ رَشْحًا لَا مَاءً عَلَى الْإِطْلَاقِ اهـ شَرْحُ خ ط عَلَى الْمِنْهَاجِ مَعَ زِيَادَةٍ اهـ خَضِرٌ.
وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَزَازَةٌ عَلَى جَعْلِهِ الرَّشْحَ مِنْ الْبُخَارِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْمَاءِ فَلَوْ قَالَ: وَإِنْ رَشَحَ مِنْ الْمَاءِ بِسَبَبِ الْبُخَارِ الَّذِي مِنْ حَرَارَةِ النَّارِ لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
(قَوْلُهُ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ) إنَّمَا قَيَّدَ الرَّشْحَ بِكَوْنِهِ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ اهـ أج وَإِلَّا فَالرَّشْحُ مِنْ غَيْرِ الْبُخَارِ كَالنَّشْعِ مُطْلَقٌ أَيْضًا اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ الْمُغْلَى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ بِبِنَائِهِ لِلْمَجْهُولِ مِنْ أَغْلَاهُ فَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْمِيمِ وَكَسْرُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الثَّلَاثِي أَيْ مِنْ غَلَاهُ وَأَصْلُهُ مَغْلُويٌ اجْتَمَعَتْ الْيَاءُ وَالْوَاوُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ أَيْ وَكُسِرَتْ اللَّامُ لِلْمُنَاسَبَةِ فَقَوْلُ الْعَامَّةِ جُبْنٌ مُغْلِيٌّ بِضَمِّ الْمِيمِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ لَحْنٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْمُ فَاعِلٍ اهـ رَحْمَانِيٌّ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَحْنًا إذَا كَانَ مُرَكَّبًا تَوْصِيفِيًّا فَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا لَمْ يَكُنْ لَحْنًا فَتَأَمَّلْ اهـ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ أَوْ قَيَّدَ) عَطْفٌ عَلَى رَشَحَ فَهُوَ مِنْ مَدْخُولِ الْغَايَةِ اهـ شَوْبَرِيٌّ لَكِنَّهَا فِي الْأَوَّلِ لِلرَّدِّ.
وَفِي الثَّانِيَةِ لِلتَّعْمِيمِ اهـ لِكَاتِبِهِ.
وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ قَوْلُهُ أَوْ قَيْدٍ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِلَا قَيْدٍ انْتَهَتْ فَعَلَيْهَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَقَيْدٍ اسْمًا بِوَزْنِ فَلْسٍ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مَا يُسَمَّى مَاءً وَقَوْلُهُ وَمَاءٍ لَا يُذْكَرُ إلَّا مُقَيَّدًا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِلَا قَيْدٍ إذْ هُوَ فِي النَّفْيِ يَنْصَرِفُ لِلَّازِمِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَنْطُوقِ الْمَتْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّمَا يُطَهِّرُ إلَخْ وَعَلَى مَفْهُومِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِحِ بِخِلَافِ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ إلَخْ لَكِنْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَنْطُوقِ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا بِمَنْطُوقِ الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَفْهُومِ فَفِيهَا خَفَاءٌ فَلِذَلِكَ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ فَلَوْ طَهَّرَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعِ إلَخْ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] الْآيَةَ تَشْمَلُ مَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ أَيْضًا لِأَنَّهُ نَزَلَ فِي الْأَصْلِ مِنْ السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون: 18] وَعَدَلَ عَنْ آيَةِ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] مَعَ أَنَّهَا أَصَرْحُ فِي الْمُرَادِ لِإِفَادَةِ أَنَّ الطَّهُورِيَّةَ غَيْرُ الطَّاهِرِيَّةِ وَلَيْسَ قَوْلُهُ طَهُورًا تَأْكِيدًا لِلْمَاءِ لِأَنَّ التَّأْسِيسَ أَكْثَرُ مِنْهُ فَائِدَةً لِإِفَادَتِهِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى مَا قَبْلَهُ فَالظَّاهِرِيَّة اُسْتُفِيدَتْ مِنْ الْمَاءِ لِعَدَمِ الِامْتِنَانِ بِغَيْرِهِ أَيْ بِغَيْرِ الطَّاهِرِ وَالطَّهُورِيَّةُ اُسْتُفِيدَتْ مِنْ طَهُورٍ فَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالطَّهُورِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاهِرًا لَا مُطَهِّرًا كَالْمُسْتَعْمَلِ وَقَدْ يَكُونُ مُطَهِّرًا لَا طَاهِرًا كَزَرْقِ الْحَمَامِ فِي الدَّبْغِ فَتَأَمَّلْ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمِيَاهِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ هَلْ هِيَ أَصْلُهَا فِي السَّمَاءِ أَمْ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ السَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: 21] وَالثَّانِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَاءً فِي الْأَرْضِ كَمَا خَلَقَ مَاءَ السَّمَاءِ فِيهَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مَخْلُوقَةً قَبْلَ السَّمَاءِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: 31] تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مَخْلُوقًا فِيهَا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ
وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] «وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْمَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُطْلَقِ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْفَهْمِ فَلَوْ طَهَّرَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ لَفَاتَ الِامْتِنَانُ بِهِ وَلَمَا وَجَبَ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِهِ وَلَا غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ وَتَعْبِيرِي بِمَا ذُكِرَ شَامِلٌ لِطُهْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا وَلِلطُّهْرِ الْمَسْنُونِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْأَصْلِ يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ
[حاشية الجمل]
الْأَرْضَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ السَّمَاءِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: 9] ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12] وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ أَوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ دَحَى الْأَرْضَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَقِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ زُمُرُّدَةً خَضْرَاءَ كَغِلَظِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ نَظَرَ إلَيْهَا نَظْرَةَ الْعَظَمَةِ فَانْمَاعَتْ فَصَارَتْ مَاءً ثُمَّ تَرَى الْمَاءَ دَائِمًا يَتَحَرَّكُ مِنْ تِلْكَ الْهَيْبَةِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ مِنْ الْبَحْرِ بُخَارًا وَهُوَ الدُّخَانُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَخَلَقَ السَّمَاءَ مِنْ الدُّخَانِ وَخَلَقَ الْأَرْضَ مِنْ الْمَاءِ وَخَلَقَ الْجِبَالَ مِنْ مَوْجِ الْمَاءِ وَمَاءُ الْبَحْرِ الْمِلْحِ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ مِنْهُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» هَذَا مَذْهَبُنَا وَنَقَلَ الْبَغَوِيّ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءِ الْبَحْرِ لِأَنَّهُ غِطَاءُ جَهَنَّمَ وَنَقَلَ ذَلِكَ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْهُمَا وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْبَحْرِ قَالَ وَعَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَدَّمُوا التَّيَمُّمَ عَلَيْهِ وَخَيَّرُوا بَيْنَهُمَا وَعَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يُتَوَضَّأُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَحْرَ غِطَاءُ جَهَنَّمَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: 25] فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ دُخُولَ النَّارِ اسْتَعْقَبَ الْغَرَقَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ لَنَارًا وَإِنَّ تَحْتَ النَّارِ لَبَحْرًا» الْحَدِيثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ كِتَابِ الْقَوْلِ الْمُفِيدِ فِي النَّيْلِ السَّعِيدِ لِلْعَلَّامَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْعِمَادِ.
(قَوْلُهُ حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ) هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَوْ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَاقْتَصَرَ حَجّ فِي التُّحْفَةِ عَلَى الثَّانِي لَكِنَّهُ قَيَّدَهُ بِالتَّمِيمِيِّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْإِصَابَةِ وَلِمَا فِي الْقَامُوسِ فَإِنَّهُ قَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا تَمِيمِيٌّ وَالثَّانِي يَمَانِيٌّ فَالْأَوَّلُ خَارِجِيٌّ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ وَالثَّانِي هُوَ الصَّحَابِيُّ الْبَائِلُ فِي الْمَسْجِدِ اهـ بِالْمَعْنَى فَلْيُرَاجَعْ وَعِبَارَتُهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ صَحَابِيٌّ وَهُوَ الْبَائِلُ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّمِيمِيُّ حَرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ ضِئْضِئُ الْخَوَارِجِ أَيْ أَصْلُهُمْ اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مَظْرُوفَ ذُنُوبٍ حَالَ كَوْنِهِ بَعْضَ الْمَاءِ فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهِيَ مَعَ مَدْخُولِهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ وَمَجِيءُ الْحَالِ مِنْ النَّكِرَةِ قَلِيلٌ اهـ مَدَابِغِيٌّ عَلَى خ ط.
وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ قَوْلُهُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَاءٍ تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِالذَّنُوبِ عَنْ مُطْلَقِ الدَّلْوِ وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ عَنْ اللُّغَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الدَّلْوِ مِنْ جُمْلَةِ إطْلَاقَاتِ الذَّنُوبِ وَعَلَيْهِ فَمِنْ مَاءٍ تَأْسِيسٌ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ اهـ وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مَظْرُوفَ ذُنُوبٍ وَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهِيَ مَعَ مَدْخُولِهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ اهـ عَمِيرَةُ اهـ زِيَادِيٌّ لَا يُقَالُ: لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ وَالذَّنُوبُ اسْمٌ لِلدَّلْوِ إلَخْ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَ الذُّنُوبُ لَهُ إطْلَاقَاتٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الدَّلْوِ فَقَطْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُمْتَلِئًا وَعَلَيْهِ بِقَيْدِ شَدِّ الْحَبْلِ عَلَيْهِ فَلِهَذَا قَيَّدَ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ مِنْ مَاءٍ انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً إذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى الذَّنُوبِ فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ مَاءٍ وَتَقْيِيدِهِ بِهِ تَأَمَّلْ وَيُجَابُ بِأَنَّ الذَّنُوبَ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الدَّلْوِ.
وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ الذَّنُوبُ الدَّلْوُ أَوْ وَفِيهَا مَاءٌ أَوْ الْمُمْتَلِئَةُ أَوْ الْقِرْبَةُ مِنْ الِامْتِلَاءِ انْتَهَتْ أَيْ فَيُحْمَلُ الذَّنُوبُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الدَّلْوِ فَقَطْ اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الدَّلْوَ مُؤَنَّثَةٌ وَفِي الْمُخْتَارِ إنَّهَا تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ) أَيْ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالْحَدِيثِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْمَاءُ يَنْصَرِفُ إلَخْ اهـ لِكَاتِبِهِ وَقَرَّرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْمَاءُ يَنْصَرِفُ إلَخْ رَاجِعٌ لِلْآيَتَيْنِ وَالْحَدِيثِ (قَوْلُهُ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْفَهْمِ) مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وَإِلَّا لَزِمَ إلْغَاءُ طَهُورًا أَيْ الْمُحَصِّلُ لِلطَّهَارَةِ لَا الطَّاهِرُ لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ اهـ ح ل (قَوْلُهُ لَفَاتَ الِامْتِنَانُ) أَيْ كَمَالُهُ وَالِامْتِنَانُ تَعْدَادُ النِّعَمِ وَهُوَ مِنْ اللَّهِ مَحْمُودٌ وَمِنْ غَيْرِهِ مَذْمُومٌ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَلَا غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ) فِيهِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا أَمَرَ بِغَسْلِ الْبَوْلِ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ إذْ ذَاكَ غَالِبًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى اخْتِصَاصِ
مَاءٌ مُطْلَقٌ.
(فَمُتَغَيِّرٌ بِمُخَالِطٍ) وَهُوَ مَا لَا يَتَمَيَّزُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ بِخِلَافِ الْمُجَاوِرِ (طَاهِرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ) كَزَعْفَرَانٍ وَمَنِيٍّ (تَغَيُّرًا يَمْنَعُ) لِكَثْرَتِهِ (الِاسْمَ) أَيْ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ تَقْدِيرِيًّا بِأَنْ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ مَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَاتِهِ كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا لَهُ فِي أَحَدِهَا
[حاشية الجمل]
الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَلَمْ تَثْبُتْ بِغَيْرِهِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ لِظُهُورِ الْفَارِقِ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ بِالنَّبِيذِ اهـ ح ل وَقَوْلُهُ لِظُهُورِ الْفَارِقِ إلَخْ عِبَارَةُ الْخَطِيبِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ وَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ الطُّهْرَ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ تَعَبُّدِيٌّ وَعِنْدَ غَيْرِهِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ انْتَهَتْ
قَوْلُهُ فَمُتَغَيِّرٌ بِمُخَالِطٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَاءً إلَخْ وَإِنَّمَا قَالَ: غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: غَيْرُ مُطْلَقٍ وَالْمُرَادُ الْمُتَغَيِّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ وَالرِّيحُ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِغَيْرِهَا كَالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَالتَّغَيُّرُ الْمُؤَثِّرُ اهـ إلَخْ اهـ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ) مُرَادُهُ بِالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ مَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ الْمُتَنَاثِرَةِ وَلَوْ رَبِيعِيَّةً وَإِنْ تَفَتَّتَتْ وَاخْتَلَطَتْ وَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِالثِّمَارِ السَّاقِطَةِ بِسَبَبِ مَا انْحَلَّ مِنْهَا سَوَاءٌ أُوقِعَ بِنَفْسِهِ أَمْ بِإِيقَاعٍ وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْوَرَقِ كَالْوَرْدِ أَوْ لَا اهـ شَرْحُ م ر أَيْ لِأَنَّ شَأْنَ الثِّمَارِ سُهُولَةُ التَّحَرُّزِ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَوْرَاقِ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ مَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَاتِهِ) أَيْ مَائِعٌ يُوَافِقُهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ التَّقْدِيرِيُّ إلَّا بِالْخَلِيطِ الْمَائِعِ وَقَوْلُهُ فِي صِفَاتِهِ أَيْ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا وَقَوْلُهُ مُخَالِفًا لَهُ أَيْ بِالْمُخَالِفِ الْوَسَطِ وَهُوَ لَوْنُ الْعَصِيرِ وَطَعْمُ الرُّمَّانِ وَرِيحُ اللَّاذَنِ وَقَوْلُهُ فِي أَحَدِهَا أَيْ الصِّفَاتِ وَالْمُرَادُ الْأَحَدُ الدَّائِرُ فَيَصْدُقُ بِكُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاقِعَ إنْ كَانَ مَفْقُودَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ لَا بُدَّ مِنْ عَرْضِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ مَفْقُودَ الْبَعْضِ كَمَاءِ وَرْدٍ لَهُ رَائِحَةٌ فَيُقَدَّرُ فِيهِ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَلَا يُقَدَّرُ الرِّيحُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُغَيَّرْ بِرِيحِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِ رِيحِ غَيْرِهِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِعُ لَهُ صِفَةٌ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ فُقِدَتْ فَإِنْ كَانَ كَمَاءِ وَرْدٍ مُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَالرُّويَانِيِّ فَالرُّويَانِيُّ يَقُولُ يُقَدَّرُ فِيهِ لَوْنُ الْعَصِيرِ وَطَعْمُ الرُّمَّانِ وَرِيحُ مَاءِ الْوَرْدِ فَيُقَدَّرُ الْوَصْفُ الْمَفْقُودُ فِيهِ لَا رِيحُ اللَّاذَنِ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ يَقُولُ: يُقَدَّرُ فِيهِ طَعْمُ الرُّمَّانِ وَلَوْنُ الْعَصِيرِ وَرِيحُ اللَّاذَنِ وَلَا يُقَدَّرُ رِيحُ مَاءِ الْوَرْدِ لِفَقْدِهِ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ مَاءُ الْوَرْدِ حِينَئِذٍ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ اهـ حف.
(قَوْلُهُ كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ كَمَائِعٍ فَتَفْرِضُهُ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ وَسَطًا فِي صِفَاتِهِ لَا فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ فَلَوْ ضُمَّ إلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَبَلَغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ صَارَ طَهُورًا وَإِنْ أَثَّرَ فِي الْمَاءِ بِفَرْضِهِ مُخَالِفًا انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ لَا فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ أَيْ لَا فِي حَالَةِ تَكْثِيرِهِ الْمَاءَ أَيْ فَلَا يَكُونُ كَالْمَائِعِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى فَرْضِهِ مُخَالِفًا وَسَطًا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ عِبَارَتِهِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا لَهُ فِي أَحَدِهَا) الْمُرَادُ بِالْأَحَدِ الْأَحَدُ الدَّائِرُ فَيَشْمَلُ كُلَّ أَحَدٍ أَيْ فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا لَهُ فِي كُلِّ صِفَةٍ لَا فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ اهـ ح ف وَصَرَّحَ بِهِ م ر.
وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ فِي أَحَدِهَا أَيْ فَإِنْ غُيِّرَ اكْتَفَى بِهِ وَإِلَّا عَرَضَ الْبَاقِيَ مِنْ الصِّفَاتِ لِيُوَافِقَ كَلَامَ م ر انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ ح ل بِمَعْنَى إنَّا نَعْرِضُ عَلَيْهِ مُغَيِّرُ اللَّوْنِ وَمُغَيِّرُ الطَّعْمِ وَمُغَيِّرُ الرِّيحِ فَبِأَيِّهَا حَصَلَ التَّغَيُّرُ تَقْدِيرًا اكْتَفَيْنَا بِهِ فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَاتِهِ مَا لَوْ وَافَقَهُ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَبَقِيَ فِيهِ الصِّفَتَانِ مَثَلًا كَمَاءِ وَرْدٍ مُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ لَهُ لَوْنٌ وَطَعْمٌ مُخَالِفَانِ لِلَوْنِ الْمَاءِ وَطَعْمِهِ فَهَلْ نَفْرِضُ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ أَوْ نَكْتَفِي بِفَرْضِ مُغَيِّرِ الرِّيحِ الَّذِي هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْخَلِيطِ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ شَيْخُنَا وَإِلَى الثَّانِي الرُّويَانِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ الْمَوْجُودَتَيْنِ لَمَّا لَمْ يُغَيِّرَا بِأَنْفُسِهِمَا لَا مَعْنَى لِفَرْضِهِمَا اهـ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. فَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَائِعٌ طَاهِرٌ يُوَافِقُهُ فِي صِفَاتِهِ فُرِضَ وَصْفُ الْخَلِيطِ الْمَفْقُودِ مُخَالِفًا فِي أَوْسَطِ الصِّفَاتِ كَلَوْنِ الْعَصِيرِ وَطَعْمِ الرُّمَّانِ وَرِيحِ اللَّاذَنِ كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِي الْمُسْتَعْمَلِ وَاعْتَبَرَ الرُّويَانِيُّ الْأَشْبَهَ بِالْخَلِيطِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَرْضِ جَمِيعِ الْأَوْصَافِ عَلَى الْمَاءِ انْتَهَتْ وَكَتَبَ ع ش عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَصْفُ الْخَلِيطِ الْمَفْقُودِ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخَالِفْ الْمَاءَ فِي الْأَصْلِ إلَّا فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِضَتْ دُونَ غَيْرِهَا كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ رِيحٌ فَقَطْ فَلَا يُقَدَّرُ غَيْرُهُ وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ خِلَافُهُ ثُمَّ قَضِيَّةُ تَأْخِيرِ قَوْلِهِ وَمَعْلُومٌ عَنْ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِمَا وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِكَلَامِ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ انْتَهَى وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ وَاعْتَبَرَ الرُّويَانِيُّ الْأَشْبَهَ إلَخْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ يُعْتَبَرُ أَوْسَطُ الصِّفَاتِ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ صِفَةَ الْوَاقِعِ فَمَاءُ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعُ الرَّائِحَةِ يُعْتَبَرُ عَلَى
(غَيْرُ مُطَهِّرٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ قُلَّتَيْنِ أَمْ لَا فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مِنْ ذَلِكَ
[حاشية الجمل]
كَلَامُهُ بِرِيحِ اللَّاذَنِ وَعَلَى كَلَامِ الرُّويَانِيِّ يُعْتَبَرُ بِمَاءِ وَرْدٍ لَهُ رَائِحَةٌ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمُخَالِطِ وَقَوْلُهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَرْضِ إلَخْ قَدْ يُخَالِفُ مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ فُرِضَ وَصْفُ الْخَلِيطِ الْمَفْقُودِ إلَّا أَنْ يُخَصَّ مَا هُنَا بِمَا لَوْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْأَصْلِ لَهُ الصِّفَاتُ الثَّلَاثَةُ وَفُقِدَتْ أَوْ لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ كَالْمُسْتَعْمَلِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ بَعِيدٌ اهـ.
وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ قَوْلُهُ فُرِضَ وَصْفُ الْخَلِيطِ الْمَفْقُودِ أَيْ بِفَرْضِ جَمِيعِ الْأَوْصَافِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَمَعْلُومٌ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَائِعٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَصْفٌ مَثَلًا فَفُقِدَ أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الصِّفَاتِ لَكِنْ ذَلِكَ الْعَرْضُ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْوَصْفِ الْمَفْقُودِ الَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْوُجُودُ كَالرِّيحِ فِي مَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةُ وَكَالطَّعْمِ فِي الْمِلْحِ الْجَبَلِيِّ لَا أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ بَدَلٌ عَنْ نَظِيرِهِ مِنْ الْمَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ وُجُودُهُ فِيهِ كَاللَّوْنِ فِي الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفُقِدَ حَتَّى يُقَدَّرَ فَرَجَعَتْ عِبَارَتُهُ إلَى قَوْلِ الْعُبَابِ وَلَوْ خَالَطَ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوْ الْكَثِيرَ مَائِعٌ طَاهِرٌ يُوَافِقُ أَوْصَافَهُ أَوْ خَالَطَ الْمَاءَ الْقَلِيلَ مُسْتَعْمَلٌ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فُرِضَ وَصْفُ الْخَلِيطِ الْمَفْقُودِ مُخَالِفًا وَسَطًا فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ اهـ فَجَعَلَ الْفَرْضَ لِلْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ بَدَلًا عَنْ خُصُوصِ الْوَصْفِ الْمَفْقُودِ وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ مَعَ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِهِ كَالشَّارِحِ أَنَّ الْمَائِعَ مُوَافِقٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ وَوَجْهُهُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَوَجْهُ تَقْدِيرُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا آلَ إلَى التَّقْدِيرِ يُسْلَكُ فِيهِ الِاحْتِيَاطُ أَلَا تَرَى أَنَّ وَصْفَ النَّجَاسَةِ الْمَفْقُودَ يُقَدَّرُ بِالْأَشَدِّ وَإِنْ كَانَ تَأْثِيرُهُ أَضْعَافَ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ الْمَفْقُودِ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي الشَّارِحِ كَالْعُبَابِ وَغَيْرِهِ تَعَرُّضٌ لِمَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَا يُوَافِقُهُ فِي بَعْضِ أَوْصَافِهِ وَيُخَالِفُهُ فِي بَعْضِهَا بَلْ كَلَامُهُمَا كَغَيْرِهِمَا يُفْهَمُ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ حِينَئِذٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
إذْ مِنْ الْبَعِيدِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مِلْحٌ جَبَلِيٌّ مَثَلًا بَاقِي الطَّعْمِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ بِطَعْمِهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ إلَّا هُوَ فِي الْوَاقِعِ إنَّا نَفْرِضُ لَهُ لَوْنًا أَوْ رِيحًا مُخَالِفًا وَكَلَامُهُمْ وَأَمْثِلَتُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ وَصْفٌ مَفْقُودٌ مِنْ شَأْنِهِ الْوُجُودُ حَتَّى تُقَدِّرَ بَدَلَهُ وَلَيْسَ الْمُخَالِطُ الطَّاهِرُ كَالنَّجَاسَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِيهَا الشِّهَابُ ابْنُ حَجٍّ مِنْ أَنَّهَا إذَا وَافَقَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ وَخَالَفَتْ فِي بَعْضِهَا أَنَّا نُقَدِّرُ الْأَوْصَافَ الْمُوَافَقَةَ إذَا لَمْ تُغَيِّرْ بِالْمُخَالَفَةِ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ وَهُوَ غِلَظُ أَمْرِ النَّجَاسَةِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْ هُوَ نَظِيرَهُ هُنَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الشَّارِحِ مِنْ دَعْوَى التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِهِ نَعَمْ تَأْخِيرُ قَوْلِهِ وَمَعْلُومٌ إلَخْ عَمَّا نَقَلَهُ عَنْ الرُّويَانِيِّ يُوهِمُ جَرَيَانَهُ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا) أَيْضًا يَعْنِي إنْ أُرِيدَ التَّقْدِيرُ وَإِلَّا فَلَوْ هَجَمَ شَخْصٌ وَتَوَضَّأَ بِهِ صَحَّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ شَاكٌّ وَنَحْنُ لَا نُؤَثِّرُ بِالشَّكِّ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ هُوَ مُخَالِطٌ أَوْ مُجَاوِرٌ أَوْ فِي كَثْرَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ غَيْرِ مُطَهِّرٍ) مَحَلُّهُ أَعْنِي كَوْنَهُ غَيْرَ مُطَهِّرٍ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمُخَالِطِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَهُوَ مُطَهِّرٌ لَهُ كَمَا لَوْ أُرِيدَ تَطْهِيرُ سِدْرٍ أَوْ عَجِينٍ أَوْ طِينٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَتَغَيَّرَ بِهِ تَغْيِيرًا كَثِيرًا قَبْلَ وُصُولِهِ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ بِوُصُولِهِ لَهَا وَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا كَثِيرًا لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ إلَّا بَعْدَ تَغَيُّرِهِ كَذَلِكَ هَكَذَا حَفِظْتُهُ مِنْ تَقْرِيرِ شَيْخِنَا الطَّبَلَاوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاعْتِمَادُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أُرِيدَ غُسْلُ الْمَيِّتِ فَتَغَيَّرَ الْمَاءُ الْمَصْبُوبُ عَلَى بَدَنِهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ سِدْرٍ تَغَيُّرًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَضُرُّ عَلَى الْمُتَّجَهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وِفَاقًا لِجَمَاعَةٍ فَتَأَمَّلْ اهـ سم اهـ ع ش (قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي خَلِيطُهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ وَهَذَا رَاجِعٌ لِلشِّقِّ الْأَوَّلِ مِنْ التَّعْمِيمِ وَقَوْلُهُ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي هُوَ قَوْلُهُ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضٍ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إنْ قَلَّ الْمُفِيدُ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا كَثُرَ يَكُونُ مُطَهِّرًا مَعَ أَنَّ جَمِيعَهُ مُسْتَعْمَلٌ فَبِالْأَوْلَى مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مُخَالِطًا لِمَاءٍ آخَرَ مُطْلَقٍ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ.
وَعِبَارَةُ الْأُجْهُورِيِّ قَوْلُهُ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي الَّذِي يَأْتِي هُوَ قَوْلُ الشَّارِحِ أَمَّا إذَا كَثُرَ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً بِأَنْ جَمَعَ إلَخْ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً) أَيْ لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ الْمَذْكُورَ وَلَوْ تَقْدِيرًا لَا يُسَمَّى مَاءً أَيْ بِلَا قَيْدٍ لَازِمٍ بَلْ بِقَيْدٍ لَازِمٍ كَمَاءِ الْخَرُّوبِ وَمَاءِ الزَّبِيبِ وَمَاءِ الْوَرْدِ اهـ ح ل بِزِيَادَةٍ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَاءً مَا لَوْ قَالَ هَذَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ مُزِجَ بِغَيْرِهِ وَتَغَيَّرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هَذَا الْمَاءُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا شَرِبَهُ عَلَى حَالَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مُزِجَ بِسُكَّرٍ أَوْ نَحْوِهِ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ
لَمْ يَحْنَثْ (لَا تُرَابٌ وَمِلْحُ مَاءٍ وَإِنْ طُرِحَا فِيهِ) تَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ أَوْ لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ بِالتُّرَابِ لِكَوْنِهِ كُدُورَةً وَبِالْمِلْحِ الْمَائِيِّ لِكَوْنِهِ مُنْعَقِدًا مِنْ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ أَشْبَهَ التَّغَيُّرُ بِهِمَا فِي الصُّورَةِ التَّغَيُّرَ الْكَثِيرَ بِمَا مَرَّ فَمَنْ عَلَّلَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: إنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِهِمَا غَيْرُ مُطْلَقٍ وَمَنْ عَلَّلَ بِالثَّانِي قَالَ: إنَّهُ مُطْلَقٌ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَوَّلُ أَقْعَدُ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ التَّغَيُّرُ بِمُجَاوَرٍ كَدُهْنٍ وَعُودٍ وَلَوْ مُطَيِّبَيْنِ وَبِمُكْثٍ وَبِمَا فِي مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ وَإِنْ مُنِعَ الِاسْمُ
[حاشية الجمل]
كَثِيرًا وَهَذَا التَّفْصِيلُ يُؤْخَذُ مِمَّا لَوْ حَلَفَ مُشِيرًا إلَى حِنْطَةٍ حَيْثُ فَرَّقُوا فِيهِ بَيْنَ مَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ فَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ صُورَتِهَا فَصَارَتْ دَقِيقًا أَوْ خُبْزًا وَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِنْهَا إذَا صَارَتْ دَقِيقًا أَوْ خُبْزًا اهـ ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ لَمْ يَحْنَثْ) يُفِيدُ عَدَمَ الْحِنْثِ شَرِبَ الْمُتَغَيِّرَ تَقْدِيرًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الطَّبَلَاوِيُّ اهـ سم عَلَى الْمَنْهَجِ اهـ ع ش عَلَى م ر.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ لَمْ يَحْنَثْ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ تَقْدِيرِيًّا وَوَافَقَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ أَيْ إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ لَا تُرَابٌ) أَيْ وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا كَمَا اعْتَمَدَهُ م ر اهـ سم وَقَوْلُهُ وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا وَأَمَّا الْمِلْحُ الْمَائِيُّ إذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مِلْحًا وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْمَاءُ وَلَوْ فُرِضَ مُخَالِفًا لِغَيْرٍ فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَجَدْتُهُ بِهَامِشِهِ (قَوْلُهُ وَمِلْحُ مَاءٍ) أَيْ لَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ وَإِلَّا فَهُوَ كَأَصْلِهِ فَيُقَدَّرُ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ الْمِلْحُ مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ وَغُيِّرَ تَغَيُّرًا كَثِيرًا ضَرَّ وَعَلَيْهِ فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِالتَّغَيُّرِ بِصِفَةِ كَوْنِهِ مِلْحًا نَظَرًا لِصُورَتِهِ الْآنَ حَتَّى لَوْ غُيِّرَ بِهَا وَلَمْ يُغَيَّرْ لَوْ فُرِضَ عَصِيرًا مَثَلًا فَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ أَوْ يُفْرَضُ مُخَالِفًا وَسَطًا نَظَرًا لِأَصْلِهِ فَلَا يَسْلُبُ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ جِدًّا انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَإِنْ طُرِحَا فِيهِ) هَذِهِ الْغَايَةُ لِلرَّدِّ بِالنِّسْبَةِ لِلتُّرَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكِ فِي الْمِنْهَاجِ الْخِلَافَ إلَّا فِيهِ وَأَمَّا الْمِلْحُ فَذَكَرَهُ م ر وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فَهِيَ لِلتَّعْمِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِلْحِ وَلِلرَّدِّ بِالنِّسْبَةِ لِلتُّرَابِ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ تَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ إلَخْ) قَضِيَّةُ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَالْعِلَّةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التُّرَابِ الطَّهُورِ وَالْمُسْتَعْمَلِ.
وَهُوَ مُتَّجَهٌ يَنْبَغِي الْأَخْذُ بِهِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا عَلَّلُوا بِهِ أَيْضًا مِنْ.
أَنَّ التُّرَابَ أَحَدُ الطَّهُورَيْنِ الْمُقْتَضِي لِخُرُوجِ الْمُسْتَعْمَلِ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ لَا تَقْتَضِي عَدَمَ الْأَخْذِ بِمُقْتَضَى الْمُطَّرِدَةِ فَاعْتِمَادُ الْأَذْرَعِيِّ إخْرَاجَ الْمُسْتَعْمَلِ أَخْذًا مِنْ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ مَعَ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْ هَذَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ مِمَّا قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ جِنْسَهُ أَحَدُ الطَّهُورَيْنِ فَلَا يُنَافِي خُرُوجَ بَعْضِ الْأَفْرَاد وَمَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ اعْتَمَدَهُ الطَّبَلَاوِيُّ اهـ سم (قَوْلُهُ التَّغَيُّرَ الْكَثِيرَ بِمَا مَرَّ) أَيْ بِالْمُخَالِطِ الطَّاهِرِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فَمَنْ عَلَّلَ بِالْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ تَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ وَقَوْلُهُ وَمَنْ عَلَّلَ بِالثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ أَوْ لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ بِالتُّرَابِ إلَخْ اهـ أج (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَقْعَدُ) أَيْ أَوْفَقُ بِالْقَوَاعِدِ أَيْ أَدْخَلُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ تَعْرِيفَ غَيْرِ الْمُطْلَقِ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ التَّغَيُّرُ بِمُجَاوِرٍ) وَتُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالْمُجَاوِرِ وَلَا تُكْرَهُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالْمُكْثِ اهـ ع ش (قَوْلُهُ كَدُهْنٍ وَعُودٍ) وَالْكَافُورُ نَوْعَانِ صُلْبٌ وَغَيْرُهُ فَالْأَوَّلُ مُجَاوِرٌ وَالثَّانِي مُخَالِطٌ وَمِثْلُهُ الْقَطِرَانُ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا فِيهِ دُهْنِيَّةٌ فَلَا يَمْتَزِجُ بِالْمَاءِ فَيَكُونُ مُجَاوِرًا وَنَوْعًا لَا دُهْنِيَّةَ فِيهِ فَيَكُونُ مُخَالِطًا وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ وَيُعْلَمُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ كَثِيرًا بِالْقَطِرَانِ الَّذِي تُدْهَنُ بِهِ الْقِرَبُ إنْ تَحَقَّقْنَا تَغَيُّرَهُ بِهِ وَأَنَّهُ مُخَالِطٌ فَغَيْرُ طَهُورٍ وَإِنْ شَكَكْنَا أَوْ كَانَ مِنْ مُجَاوِرٍ فَطَهُورٌ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرِّيحُ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ اهـ شَرْحُ م ر ثُمَّ رَأَيْت حَجّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَا فِي مَقَرِّهِ مَا نَصُّهُ وَمِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ الْقِرَبُ الَّتِي يُدْهَنُ بَاطِنُهَا بِالْقَطِرَانِ وَهِيَ جَدِيدَةٌ لِإِصْلَاحِ مَا يُوضَعُ فِيهَا بَعْدُ مِنْ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْقَطِرَانِ الْمُخَالِطِ اهـ ع ش عَلَيْهِ (قَوْلُهُ كَدُهْنٍ وَعُودٍ) أَيْضًا وَكَذَا مَا فِيهِ دُهْنِيَّةٌ كَأَحَدِ نَوْعَيْ الْقَطِرَانِ وَمِنْ الْمُتَغَيِّرِ بِالْمُجَاوِرِ الْمُتَغَيِّرِ بِالْبَخُورِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا اهـ ح ل.
(قَوْلُهُ وَلَوْ مُطَيِّبَيْنِ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ الثَّانِيَةِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ مُطَيِّبَيْنِ لِغَيْرِهِمَا وَيَجُوزُ مُطَيَّبَيْنِ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُطَيَّبَيْنِ بِغَيْرِهِمَا اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَبِمُكْثٍ) بِتَثْلِيثِ مِيمِهِ مَعَ إسْكَانِ كَافِهِ اهـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ وَبِمُكْثٍ) أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ مُحْتَرَزِ مُخَالِطٍ لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِغَيْرِ الْمُخَالِطِ يَصْدُقُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالْمُجَاوِرِ وَالْمُتَغَيِّرِ لَا بِمُجَاوِرٍ وَلَا مُخَالِطٍ اهـ ح ل هَذَا وَمُقْتَضَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَأَمَّا التَّغَيُّرُ بِالْبَقِيَّةِ إلَخْ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُكْثِ مِنْ جُمْلَةِ مُحْتَرَزِ قَوْلِهِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ وَبِمَا فِي مَقَرِّ الْمَاءِ إلَخْ) وَمِنْهُ مَا تُصْنَعُ بِهِ الْفَسَاقِيُ وَالصَّهَارِيجُ مِنْ الْجِيرِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ وَضْعِ الْمَاءِ فِي جَرَّةٍ وُضِعَ فِيهَا أَوَّلًا نَحْوُ لَبَنٍ أَوْ عَسَلٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ اهـ ع ش عَلَى م ر قَالَ سم: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ
وَالتَّغَيُّرُ بِمَا لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ لِقِلَّتِهِ فِي الْأَخِيرَةِ وَلِأَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُجَاوِرِ لِكَوْنِهِ تَرَوُّحًا لَا يَضُرُّ
[حاشية الجمل]
مِنْهُ التَّغَيُّرُ بِطَوَنُّسِ السَّاقِيَةِ لِلْحَاجَةِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا فِي الْمَقَرِّ اهـ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْمَقَرِّ وَالْمَمَرِّ مَا كَانَ خِلْقِيًّا فِي الْأَرْضِ أَوْ مَصْنُوعًا فِيهَا بِحَيْثُ صَارَ يُشْبِهُ الْخِلْقِيَّ بِخِلَافِ الْمَوْضُوعِ فِيهَا لَا بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ فَإِنَّ الْمَاءَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ مَا كَانَ خِلْقِيًّا فِي الْأَرْضِ أَوْ مَصْنُوعًا فِيهَا يَخْرُجُ مَا كَانَ مَصْنُوعًا فِي غَيْرِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ خِلْقِيًّا فِيهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا فِي الْمَقَرِّ وَالْمَمَرِّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْجِرَارِ الَّتِي كَانَ فِيهَا نَحْوُ عَسَلٍ أَوْ لَبَنٍ وَإِنْ مَا ذَكَرَهُ هُنَا لَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي التَّغَيُّرِ بِالْقَطِرَانِ الَّذِي تُدْهَنُ بِهِ الْقِرَبُ بَلْ هُوَ جَارٍ فِيهِ عَلَى قَاعِدَتِهِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا اهـ رَشِيدِيٌّ.
وَقَوْلُهُ لَا بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَقَعُ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ أَرْجُلِ النَّاسِ مِنْ غَسْلِهَا فِي الْفَسَاقِيِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ غَيْرَ الْمَقَرِّيَّةِ وَالْمَمَرِّيَّةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ وَالِدُ الشَّيْخِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تَنْفَصِلُ مِنْ أَبْدَانِ الْمُنْغَمِسِينَ فِي الْمَغَاطِسِ اهـ رَشِيدِيٌّ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِهِ عَلَى شَرْحِ م ر قَوْلُهُ لَا بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ فِي الْفَسَاقِي الْمَعْرُوفَةِ مِمَّا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْأَوْسَاخِ الَّتِي عَلَى أَرْجُلِ النَّاسِ فَإِنَّ المتغيرية غَيْرُ طَهُورٍ وَإِنْ كَانَ الْآنَ فِي مَقَرِّ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ خِلْقِيًّا وَلَا كَالْخِلْقِيِّ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ وَاقِعٌ بِمِصْرَ كَثِيرًا وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَفِيهِ شَيْءٌ بَلْ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ انْتَهَتْ.
(فَرْعٌ) لَوْ صُبَّ الْمُتَغَيِّرُ بِالْمُخَالِطِ الَّذِي لَا يَضُرُّ عَلَى مَا لَا تَغَيُّرَ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَتَغَيَّرَ بِهِ ضَرَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِمَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ وَيُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا مَاءَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُطَهِّرٌ عَلَى انْفِرَادِهِ وَإِذَا اجْتَمَعَا لَا يُطَهِّرَانِ اهـ أُجْهُورِيٌّ وَمِثْلُهُ شَرْحُ م ر.
وَعِبَارَةُ سم.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا حَجّ لِلْإِرْشَادِ مَا نَصُّهُ وَلَوْ وَقَعَ ذُبَابٌ فِي مَائِعٍ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ فَصُبَّ عَلَى مَائِعٍ آخَرَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِطَهَارَتِهِ الْمُسَبِّبَةِ عَنْ مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ اهـ أَقُولُ: ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الصَّبُّ قَبْلَ نَزْعِ الذُّبَابِ مِنْ الْمَصْبُوبِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَضُرُّ إلْقَاءُ الذُّبَابِ مَيِّتًا لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ تَابِعٌ لِإِلْقَاءِ الْمَائِعِ لَا مَقْصُودٌ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذُبَابٌ فِي قِنْدِيلٍ فِيهِ مَاءٌ وَزَيْتٌ وَمَاتَ فِيهِ ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ الزَّيْتُ وُضِعَ عَلَى الْقِنْدِيلِ زَيْتٌ آخَرُ قَبْلَ نَزْعِ الذُّبَابِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الضَّرَرِ هُنَا مُتَّجَهٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالضَّرَرِ هُنَاكَ لِمَحَلِّ الْحَاجَةِ إلَى وَضْعِ الزَّيْتِ لِلِانْتِفَاعِ بِالسِّرَاجِ فِي الْقِنْدِيلِ وَمَشَقَّةِ إخْرَاجِ الذُّبَابِ كُلَّمَا وَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ الزَّيْتَ أَمَّا إذَا قُلْنَا بِظَاهِرِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إلْقَاءُ الذُّبَابِ مَيِّتًا فَلَا تَوَقُّفَ فِي الطَّهَارَةِ فِيمَا إذَا أُلْقِيَ الْمَائِعُ الَّذِي فِيهِ الذُّبَابُ عَلَى مَائِعٍ آخَرَ فَتَأَمَّلْ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَالتَّغَيُّرُ بِمَا لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا بِأَنْ شَكَّ أَهُوَ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْكَثْرَةُ وَيَشُكُّ فِي زَوَالِهَا اهـ حَجّ وَخَالَفَ م ر فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ تَحَقَّقَتْ الْكَثْرَةُ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَكَذَا لَا يَضُرُّ مَشْكُوكٌ فِي كَثْرَتِهِ فَلَوْ زَالَ بَعْضُ التَّغَيُّرِ الْفَاحِشِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ وَشَكَّ فِي قِلَّةِ الْبَاقِي مِنْ الْمُتَغَيِّرِ فَطَهُورٌ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ اهـ سم.
وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ مُجَاوِرٌ وَمُخَالِطٌ وَشَكَّ هَلْ التَّغَيُّرُ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا لَمْ يَضُرَّ اهـ أُجْهُورِيٌّ (قَوْلُهُ وَالتَّغَيُّرُ بِمَا لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ) أَيْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّغَيُّرَ الْقَلِيلَ لَا يَضُرُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ هُوَ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ أَثَرُ عَجِينٍ» اهـ أج (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ تَرَوُّحًا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَنَّهُ يَضُرُّ وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا انْفِصَالَ شَيْءٍ مِنْهُ خَالَطَ الْمَاءَ وَغَيَّرَ كَثِيرًا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ كَالْكَتَّانِ وَالْمُشْمِسِ وَالْعِرْقُسُوس وَنَحْوِهَا أَنَّهُ يَضُرُّ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِمُخَالِطٍ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ قَضِيَّتُهُ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُجَاوِرِ لَا يَكُونُ إلَّا تَرَوُّحًا وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ مَعَ أَنَّهُ يُنَاقِضُ مَا سَيَأْتِي لَهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ الْبَخُورِ فَالْوَجْهُ أَنَّهُ جَرَى فِي هَذَا التَّعْلِيلِ عَلَى الْغَالِبِ انْتَهَى وَاَلَّذِي سَيَأْتِي لَهُ هُوَ قَوْلُهُ أَيْ م ر وَيَظْهَرُ فِي الْمَاءِ الْمُبَخَّرِ الَّذِي غَيَّرَ الْبَخُورُ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ عَدَمُ سَلْبِهِ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ انْحِلَالَ الْأَجْزَاءِ أَوْ الْمُخَالَطَةَ وَإِنْ بَنَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي دُخَانِ النَّجَاسَةِ انْتَهَى وَقَوْلُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي دُخَانِ النَّجَاسَةِ أَيْ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ الْمَاءَ قُلْنَا: هُنَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ التَّنَجُّسِ ثُمَّ قُلْنَا بِعَدَمِ سَلْبِهَا هُنَا
كَالتَّغَيُّرِ بِجِيفَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْمَاءِ وَأَمَّا التَّغَيُّرُ بِالْبَقِيَّةِ فَلِتَعَذُّرِ صَوْتِ الْمَاءِ عَنْهَا أَوْ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ لَا يَمْنَعُ تَغَيُّرُهُ بِهَا إطْلَاقَ الِاسْمِ عَلَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ الشَّبَهُ الْمَذْكُورُ وَالتَّصْرِيحُ بِالْمِلْحِ الْمَائِيِّ مِنْ زِيَادَتِي وَخَرَجَ بِالْمَائِيِّ الْجَبَلِيُّ فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ الْكَثِيرُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَقَرِّ الْمَاءِ أَوْ مَمَرِّهِ وَأَمَّا التَّغَيُّرُ بِالنَّجَسِ الْمَفْهُومِ مِنْ طَاهِرٍ فَسَيَأْتِي.
(وَكُرِهَ شَدِيدُ حَرٍّ وَبَرْدٍ) مِنْ زِيَادَتِي أَيْ اسْتِعْمَالُهُ لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ نَعَمْ إنْ فَقَدَ غَيْرَهُ وَضَاقَ الْوَقْتُ وَجَبَ أَوْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا حَرُمَ وَخَرَجَ بِالشَّدِيدِ الْمُعْتَدِلُ وَلَوْ مُسَخَّنًا بِنَجَسٍ فَلَا يُكْرَهُ (وَ) كُرِهَ (مُتَشَمِّسٌ بِشُرُوطِهِ) الْمَعْرُوفَةِ بِأَنْ يَتَشَمَّسَ
[حاشية الجمل]
لَكِنْ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ مُطْلَقًا وَالْفَرْقُ أَنَّ الدُّخَانَ أَجْزَاءٌ تَفْصِلُهَا النَّارُ وَقَدْ اتَّصَلَتْ بِالْمَاءِ فَتُنَجِّسُهُ وَلَوْ مُجَاوِرَةً إذْ لَا فَرْقَ فِي تَأْثِيرِ مُلَاقَاةِ النَّجَسِ بَيْنَ الْمُجَاوِرِ وَالْمُخَالِطِ بِخِلَافِ الْبَخُورِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ وَهُوَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إلَّا إنْ كَانَ مُخَالِطًا وَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُخَالَطَةُ اهـ ع ش عَلَيْهِ (قَوْلُهُ كَالتَّغَيُّرِ بِجِيفَةٍ) قَدْ يَمْنَعُ الْقِيَاسُ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ لِأَنَّ الْمُجَاوِرَ مُلَاقٍ لِلسَّمَاءِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ وَأَمَّا التَّغَيُّرُ بِالْبَقِيَّةِ) أَيْ بِالْمُكْثِ وَبِمَا فِي مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ وَقَوْلُهُ لَا يَمْنَعُ تَغَيُّرُهُ أَيْ تَغَيُّرُهُ الْكَثِيرُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ وُجِدَ الشَّبَهُ الْمَذْكُورُ أَيْ وَإِنْ شَابَهُ التَّغَيُّرُ بِهَا فِي الصُّورَةِ التَّغَيُّرَ الْمَانِعَ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ وَالتَّصْرِيحُ بِالْمِلْحِ الْمَائِيِّ مِنْ زِيَادَتِي) وَجْهُ دُخُولِهِ فِي كَلَامِ الْأَصْلِ أَنَّ الْأَصْلَ ذَكَرَ التُّرَابَ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَاءِ مَعَ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَاءِ اهـ أُجْهُورِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ شَدِيدُ حَرٍّ وَبَرْدٍ) أَيْ طِبًّا وَشَرْعًا وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَمُتَشَمِّسٌ اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ وَكُرِهَ مُتَشَمِّسٌ أَيْ شَرْعًا وَطِبًّا وَمِثْلُهُ الشُّرْبُ قَائِمًا وَسَهَرُ اللَّيْلِ فِي الْعِبَادَةِ يُكْرَهُ طِبًّا لَا شَرْعًا وَالنَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ شَرْعًا لَا طِبًّا وَمِمَّا يُسَنُّ طِبًّا وَشَرْعًا الْفِطْرُ عَلَى التَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَكُرِهَ شَدِيدُ حَرٍّ وَبَرْدٍ) أَيْضًا وَالْمِيَاهُ الْمَكْرُوهَةُ ثَمَانِيَةٌ: الْمُتَشَمِّسُ وَشَدِيدُ الْحَرَارَةِ وَشَدِيدُ الْبُرُودَةِ وَمَاءُ دِيَارِ ثَمُودَ إلَّا بِئْرَ النَّاقَةِ وَمَاءُ دِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ وَمَاءُ بِئْرِ بَرَهُوتَ وَمَاءُ أَرْضِ بَابِلَ وَمَاءُ بِئْرِ ذَرْوَانَ اهـ شَرْحُ م ر وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي وُضِعَ فِيهَا السِّحْرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ رَشِيدِيٌّ.
وَفِي ع ش عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَمَاءُ أَرْضِ بَابِلَ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْعِرَاقِ يُنْسَبُ إلَيْهِ السِّحْرُ وَالْخَمْرُ قَالَ الْأَخْفَشُ: لَا يَنْصَرِفُ لِتَأْنِيثِهِ وَتَعْرِيفِهِ وَكَوْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ اهـ مُخْتَارٌ.
وَفِي الْقَامُوسِ مَا نَصُّهُ فِي أَسْمَاءِ الْأَمْكِنَةِ وَالْبِقَاعِ بِئْرُ ذَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ ذَرْوَانُ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَقِيلَ: بِتَحْرِيكِهِ انْتَهَى (قَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِي) أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ بِتَمَامِهَا مِنْ زِيَادَتِهِ فَلَيْسَ فِي الْأَصْلِ إلَّا الْكَلَامُ عَلَى الْمُشَمَّسِ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ) أَيْ الْإِتْمَامَ وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِلَّةِ اخْتِصَاصُ الْكَرَاهَةِ بِالطَّهَارَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِ الْكَرَاهَةِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالضَّرَرِ كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ فِي الْبَدَنِ مُطْلَقًا اهـ ح ل وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَوْلَى اهـ ح ف (قَوْلُهُ لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ) أَيْ كَمَالَ إتْمَامِ الْوُضُوءِ وَإِلَّا فَلَوْ مَنَعَ إتْمَامَ الْوُضُوءِ مِنْ أَصْلِهِ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَيَحْرُمُ اهـ سم.
وَفِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ إسْبَاغَ الْوُضُوءِ إكْمَالُهُ وَإِتْمَامُهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ.
وَفِي الْمُخْتَارِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ إتْمَامُهُ اهـ فَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْ إكْمَالُهُ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ وَضَاقَ الْوَقْتُ) أَيْ عَنْ جَمِيعِ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ وَجَبَ أَيْ وَلَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِعْمَالِهِ حِينَئِذٍ وَقَوْلُهُ أَوْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا أَيْ مُسْتَنِدًا لِتَجْرِبَةٍ أَوْ لِإِخْبَارِ ثِقَةٍ بِذَلِكَ اهـ ح ل وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ تَجْرِبَةَ نَفْسِهِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ اهـ ح ف.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر نَعَمْ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذَا الْمُشَمَّسَ يَضُرُّهُ بِقَوْلِ طَبِيبٍ عَدْلِ الرِّوَايَةِ أَوْ بِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ فَقِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ مَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَنْ يَحْرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ أَوْ بِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ فَيُقَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ مَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَنْ يَحْرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ أَوْ بِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ أَيْ ظَنًّا لَا تَجْرِبَةً اهـ رَشِيدِيٌّ وَمِثْلُهُ ع ش (قَوْلُهُ أَوْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا حَرُمَ) وَلَهُ الِاشْتِغَالُ بِتَسْخِينِ الْبَارِدِ إذَا خَافَ مِنْهُ الضَّرَرَ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَشِيَ الضَّرَرَ مِنْ شَدِيدِ السُّخُونَةِ لَا يَصْبِرُ لِتَبْرِيدِهِ بَلْ إنْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّسْخِينَ مَقْدُورُهُ بِخِلَافِ التَّبْرِيدِ تَأَمَّلْ اهـ ع ش وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ التَّبْرِيدِ أَيْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ مَقْدُورُهُ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَقْدُورَهُ بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءً بَارِدًا اهـ ح ف (قَوْلُهُ وَلَوْ مُسَخَّنًا بِنَجَسٍ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر.
وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ كَرَاهَةِ مَا سُخِّنَ بِالنَّارِ وَلَوْ بِنَجَاسَةٍ مُغَلَّظَةٍ وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ وَقْفَةٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِ نَهْيٍ عَنْهُ وَلِذَهَابِ الزُّهُومَةِ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مُرَادُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَقَوْلُهُ فِيهِ وَقْفَةٌ أَيْ لِفُحْشِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ اهـ ع ش عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَكُرِهَ مُتَشَمِّسٌ) أَيْ وَلَوْ فِي بَدَنِ أَبْرَصَ خَوْفًا مِنْ كَثْرَتِهِ أَوْ اسْتِحْكَامِهِ اهـ ح ف وَضَابِطُ الْمُتَشَمِّسِ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ
فِي إنَاءٍ مُنْطَبِعٍ غَيْرِ نَقْدٍ كَحَدِيدٍ بِقُطْرٍ حَارٍّ كَالْحِجَازِ فِي بَدَنٍ وَلَمْ يَبْرُدْ خَوْفَ الْبَرَصِ لِأَنَّ الشَّمْسَ بِحِدَّتِهَا تَفْصِلُ مِنْ الْإِنَاءِ زُهُومَةً تَعْلُو الْمَاءَ فَإِذَا لَاقَتْ الْبَدَنَ بِسُخُونَتِهَا خِيفَ أَنْ تَقْبِضَ عَلَيْهِ فَتَحْبِسَ الدَّمَ فَيَحْصُلَ الْبَرَصُ فَلَا يُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ كَمَا مَرَّ لِذَهَابِ الزُّهُومَةِ بِهَا وَلَا مُتَشَمِّسٌ فِي غَيْرِ مُنْطَبِعٍ كَالْخَزَفِ وَالْحِيَاضِ وَلَا مُتَشَمِّسٌ بِمُنْطَبِعِ نَقْدٍ لِصَفَاءِ جَوْهَرِهِ وَلَا مُتَشَمِّسٌ بِقَطْرٍ بَارِدٍ أَوْ مُعْتَدِلٍ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ بَدَنٍ وَلَا إذَا بُرِّدَ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ اخْتَارَ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ عَدَمَ كَرَاهَةِ الْمُتَشَمِّسِ مُطْلَقًا وَتَعْبِيرِي بِمُتَشَمِّسٍ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِهِ بِمُشَمَّسٍ وَقَوْلِي بِشُرُوطِهِ مِنْ زِيَادَتِي.
(وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضٍ)
[حاشية الجمل]
السُّخُونَةُ بِحَيْثُ تَفْصِلُ مِنْ الْإِنَاءِ أَجْزَاءً سَمِينَةً تُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ لَا مُجَرَّدُ انْتِقَالِهِ مِنْ حَالَةٍ لِأُخْرَى بِسَبَبِهَا وَإِنْ نُقِلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ اهـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ فِي إنَاءٍ مُنْطَبِعٍ) أَيْ مَطْرُوقٍ بِالْمَطَارِقِ أَيْ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُطْرَقْ بِالْفِعْلِ اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ بِقَطْرٍ حَارٍّ) أَيْ فِي زَمَنِ الْحَرِّ ثُمَّ إنَّ الْعِبْرَةَ بِالْبَلَدِ وَإِنْ خَالَفَتْ وَضْعَ قَطْرِهَا وَالتَّعْبِيرُ بِالْقَطْرِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا يُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ فِي الطَّائِفِ اهـ ح ل وَأَقَرَّهُ ح ف (قَوْلُهُ فِي بَدَنٍ) وَمِنْ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْبَدَنِ غَسْلُ الثَّوْبِ بِهِ وَلُبْسُهُ حَالَ رُطُوبَتِهِ وَسُخُونَتِهِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْرُدْ) بِضَمِّ الرَّاءِ لَا غَيْرِ وَأَمَّا مَاضِيهِ فَفِيهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ع ش وَلَمْ يَبْرُدْ بِضَمِّ الرَّاءِ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سَهُلَ يَسْهُلُ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ أَوْ مِنْ بَابِ قَتَلَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ انْتَهَتْ ثُمَّ وَجَدْت فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ مَعْزِيًّا لع ش مَا نَصُّهُ بَرُدَ مِنْ بَابِ سَهُلَ اهـ مُخْتَارٌ وَأَمَّا بَرَدَ بَرْدًا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَيُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا يُقَالُ بَرَدَ الْمَاءُ وَبَرَدْتُهُ فَهُوَ بَارِدٌ وَمَبْرُودٌ ثُمَّ قَالَ وَبَرَّدْتُهُ بِالتَّفْعِيلِ مُبَالَغَةٌ اهـ (قَوْلُهُ خَوْفَ الْبَرَصِ) أَيْ حُدُوثِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ أَوْ اسْتِحْكَامِهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ تُفْصَلُ مِنْ الْإِنَاءِ زُهُومَةٌ تَعْلُو الْمَاءَ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ خُرِقَ الْإِنَاءُ مِنْ أَسْفَلِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الزُّهُومَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعْلُو الْمَاءَ تَظْهَرُ بِعُلُوِّهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا مُنْبَثَّةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ اهـ م د عَلَى الْخَطِيبِ وَالزُّهُومَةُ أَجْزَاءٌ تَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ كَالرَّغْوَةِ.
وَفِي الْمُخْتَارِ الزُّهْمَةُ الرِّيحُ الْمُنْتِنَةُ وَالزَّهَمُ بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرُ زَهِمَتْ يَدُهُ مِنْ الزُّهُومَةِ فَهِيَ زَهِمَةٌ أَيْ دَسِمَةٌ وَبَابُهُ طَرِبَ اهـ.
(قَوْلُهُ فَيَحْصُلُ الْبَرَصُ) فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَعْرِفَتِهِ أَوْ بِقَوْلِ طَبِيبٍ عَدْلٍ حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ إنْ فَقَدَ غَيْرَهُ أَيْ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَبْرُدَ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَكَانَ قِيَاسُ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُسَخِّنُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ أَنَّهُ يَصْبِرُ وَلَا يَتَيَمَّمُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ هَذَا الصَّبْرَ إلَى أَنْ يَبْرُدَ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ اهـ ح ل (قَوْلُهُ فَلَا يُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ) أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ تَبْرِيدِهِ وَقَدْ شُمِّسَ اهـ ح ل.
وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ فَلَا يُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ أَيْ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ الْمُشَمَّسِ إذَا سُخِّنَ بِالنَّارِ قَبْلَ تَبْرِيدِهِ فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ بَاقِيَةٌ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ وَهِيَ مَا لَوْ طُبِخَ بِهِ طَعَامٌ مَائِعٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ تَنَاوُلُهُ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ زَوَالِ الْكَرَاهَةِ بِالتَّسْخِينِ بَعْدَ تَشْمِيسِهِ وَقَبْلَ تَبْرِيدِهِ وَأَمَّا إذَا بُرِّدَ ثُمَّ سُخِّنَ فَإِنَّهَا أَيْ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ وَلَا تَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَتْ.
(فَرْعٌ) إذَا بُرِّدَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ فِي الْإِنَاءِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ تَشَمَّسَ ثَانِيًا فِي إنَاءٍ مِنْ خَزَفٍ مَثَلًا عَادَتْ الْكَرَاهَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ تَسْخِينِهِ بِالنَّارِ بَعْدَ تَبْرِيدِهِ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الزُّهُومَةَ كَامِنَةٌ فِيهِ فَإِذَا شُمِّسَ ثَانِيًا ظَهَرَتْ اهـ شَيْخُنَا ح ف (قَوْلُهُ لِصَفَاءِ جَوْهَرِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَغْشُوشًا بِنُحَاسٍ كَثِيرٍ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ اهـ ح ف.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْطَبِعُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِصَفَاءِ جَوْهَرِهِمَا فَلَا يَنْفَصِلُ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَلَا فَرْقَ فِيهِمَا وَفِي الْمُنْطَبِعِ مِنْ غَيْرِهِمَا بَيْنَ أَنْ يَصْدَأَ أَوْ لَا وَأَمَّا الْمُمَوَّهُ بِأَحَدِهِمَا فَالْأَوْجَهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ إنْ كَثُرَ التَّمْوِيهُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ انْفِصَالَ شَيْءٍ مِنْ الْإِنَاءِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ حَيْثُ انْفَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ يُؤَثِّرُ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْإِنَاءِ الْمَغْشُوشِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ بَدَنٍ) وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَرْضٍ أَوْ أَبْنِيَةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ طَعَامٍ جَامِدٍ كَخُبْزٍ عُجِنَ بِهِ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ السُّمِّيَّةَ تُسْتَهْلَكُ فِي الْجَامِدِ فَلَا يُخْشَى مِنْهَا ضَرَرٌ بِخِلَافِهَا فِي الْمَائِعِ وَإِنْ طُبِخَ بِالنَّارِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اهـ شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ أَوْ ثَوْبٌ هَذَا ظَاهِرٌ إنْ لَبِسَهُ يَابِسًا فَإِنْ لَبِسَهُ رَطْبًا فَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ وَبِهِ قَالَ الشِّهَابُ حَجّ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ) أَيْ الدَّالِّ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَيْ مِنْ جِهَةِ ضَعْفِهِ فَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ قَدْ ضَعُفَ عِنْدَهُ فَنَظَرَ إلَى ضَعْفِهِ فَقَالَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمَدُهُ الْكَرَاهَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ اهـ شَيْخُنَا وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ قَدْ ذَكَرَهُ م ر بِقَوْلِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ يَتَأَيَّدُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِهِ وَقَالَ أَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ) أَيْ الطَّهَارَةُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَدَثِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ الرَّفْعِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ فَشَمَلَتْ الْعِبَارَةُ قَوْلَهُ وَلَوْ مِنْ طُهْرِ صَاحِبِ ضَرُورَةٍ لَكِنَّهَا لَا تَشْمَلُ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِيهِ طَهَارَةُ حَدَثٍ لِأَنَّهُ يَجِبُ وَإِنْ مَاتَ الشَّخْصُ عَلَى طَهَارَةٍ فَحِينَئِذٍ يُزَادُ فِي عِبَارَتِهِ
مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى وَلَوْ مِنْ طُهْرِ صَاحِبِ ضَرُورَةٍ (غَيْرُ مُطَهِّرٍ إنْ قَلَّ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
[حاشية الجمل]
فَيُقَالُ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَقَوْلُهُ كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ إذْ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا الْأُولَى اهـ لِكَاتِبِهِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الشَّوْبَرِيِّ الْكَافَ إمَّا اسْتِقْصَائِيَّةٌ وَأَمَّا تَمْثِيلِيَّةٌ تَدْخُلُ الْمَسْحَةُ الْأُولَى اهـ (قَوْلُهُ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ) أَيْضًا أَيْ وَلَوْ حَدَثَ غَيْرِ مُمَيِّزٍ إذَا أُرِيدَ الطَّوَافُ بِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَاءِ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَمَّا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ حُكْمًا كَمَا لَوْ جَاوَزَ مَنْكِبَ الْمُتَوَضِّئِ أَوْ رُكْبَتَهُ أَوْ حِسًّا كَأَنْ انْفَصَلَ مِنْ يَدِ الْمُتَوَضِّئِ وَلَوْ إلَى يَدِهِ الْأُخْرَى أَوْ مِنْ رَأْسِ الْجُنُبِ إلَى نَحْوِ قَدَمِهِ مِمَّا لَا يَغْلِبُ فِيهِ التَّقَاذُفُ بِخِلَافِ انْفِصَالِهِ مِنْ نَحْوِ كَفِّ الْأَوَّلِ إلَى سَاعِدِهِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الثَّانِي إلَى صَدْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ وَنِيَّةُ الِاغْتِرَافِ مَانِعَةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ انْفَصَلَ وَمَحَلُّهَا إذَا أَدْخَلَ مَرِيدُ الطَّهَارَةِ يَدَهُ وَلَوْ الْيُسْرَى بِقَصْدِ الْغُسْلِ مِنْ الْحَدَثِ أَوَّلًا بِقَصْدٍ بَعْدَ نِيَّةِ الْجُنُبِ أَوْ تَثْلِيثِ غَسْلِ وَجْهِ الْمُحْدِثِ أَوْ بَعْدَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى إنْ قَصَدَ عَدَمَ التَّثْلِيثِ وَعَدَمُهَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ مُوجِبٌ لِلِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ لَمْ تَنْفَصِلْ يَدُهُ عَنْهُ لَكِنْ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ سَاعِدَهُ بِمَا فِي كَفِّهِ وَأَنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ فِيهِ لِيَحْصُلَ لَهُ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ اهـ ز ي. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ غَرَفَ الْمُحْدِثُ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ بِأَحَدِ كَفَّيْهِ قَبْلَ تَمَامِ غَسْلِ وَجْهِهِ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا وَكَذَا قَبْلَ تَمَامِ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ لَهُ إنْ قَصَدَهَا أَوْ بَعْدَ الْأُولَى إنْ نَوَى الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا وَكَانَ نَاوِيًا الِاغْتِرَافَ وَإِلَّا صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَلَوْ غَسَلَ بِمَا فِي كَفِّهِ بَاقِي يَدِهِ لَا غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ لِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ نَفْيُ رَفْعِ الْحَدَثِ انْتَهَتْ وَكَتَبَ عَلَيْهِ ع ش فَائِدَةً لَوْ اغْتَرَفَ بِإِنَاءٍ فِي يَدِهِ فَاتَّصَلَتْ يَدُهُ بِالْمَاءِ الَّذِي اغْتَرَفَ مِنْهُ فَإِنْ قَصَدَ الِاغْتِرَافَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَمِلْءِ هَذَا الْإِنَاءِ مِنْ الْمَاءِ فَلَا اسْتِعْمَالَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مُطْلَقًا فَهَلْ يَنْدَفِعُ الِاسْتِعْمَالُ لِأَنَّ الْإِنَاءَ قَرِينَةٌ عَلَى الِاغْتِرَافِ دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ بَعْدَ غَسْلَةِ الْوَجْهِ الْأُولَى مَنْ اعْتَادَ التَّثْلِيثَ حَيْثُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِقَرِينَةِ اعْتِيَادِ التَّثْلِيثِ أَوْ يَصِيرُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْعَادَةَ تُوجِبُ عَدَمَ دُخُولِ وَقْتِ غَسْلِ الْيَدِ بِخِلَافِهِ هُنَاكَ فَإِنَّ الْيَدَ دَخَلَتْ فِي وَقْتِ غَسْلِهَا فِيهِ نَظَرٌ وَيُتَّجَهُ الثَّانِي اهـ م ر وَلَوْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُ فِي التَّثْلِيثِ بِأَنْ كَانَ تَارَةً يُثَلِّثُ وَأُخْرَى لَا يُثَلِّثُ وَاسْتَوَيَا فَهَلْ يَحْتَاجُ لِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ بَعْدَ غَسْلَةِ الْوَجْهِ الْأُولَى فِيهِ نَظَرٌ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الِاغْتِرَافِ عِنْدَ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ فَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَلَا أَثَرَ لَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ ذَكَرَ خِلَافَ ذَلِكَ اهـ سم عَلَى الْبَهْجَةِ قُلْت: وَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَتْ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهَا عِنْدَ الِاغْتِرَافِ وَقَوْلُهُ إنْ قَصَدَهَا أَيْ أَوْ أَطْلَقَ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ز ي. وَقَوْلُهُ وَلَوْ غَسَلَ بِمَا فِي كَفِّهِ بَاقِي يَدِهِ إلَخْ أَيْ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ إحْدَى يَدَيْهِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ لَوْ أَدْخَلَهُمَا مَعًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِمَا فِيهِمَا بَاقِيَ إحْدَاهُمَا وَلَا بَاقِيَهُمَا وَذَلِكَ لِرَفْعِ الْمَاءِ حَدَثَ الْكَفَّيْنِ فَمَتَى غَسَلَ بَاقِيَ أَحَدِهِمَا فَقَدْ انْفَصَلَ مَا غَسَلَ بِهِ عَنْ الْأُخْرَى وَذَلِكَ يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا وَمِنْهُ يُعْلَمُ وُضُوحُ مَا ذَكَرَهُ سم فِي شَرْحِهِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ نِيَّةُ الِاغْتِرَافِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ بِأَنْ يَقْصِدَ أَنَّ الْيَدَ الْيُسْرَى مُعِينَةٌ لِلْيُمْنَى فِي أَخْذِ الْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ ارْتَفَعَ حَدَثُ الْكَفَّيْنِ مَعًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ سَاعِدَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ يَصُبَّهُ ثُمَّ يَأْخُذَ غَيْرَهُ لِغَسْلِ السَّاعِدِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ إفْتَاءِ الرَّمْلِيِّ مَا يُخَالِفُهُ وَأَنَّ الْيَدَيْنِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ فَمَا فِي الْكَفَّيْنِ إذَا غَسَلَ بِهِ السَّاعِدَ لَا يُعَدُّ مُنْفَصِلًا عَنْ الْعُضْوِ وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى وَمِثْلُ الْحَنَفِيَّةِ الْوُضُوءُ بِالصَّبِّ مِنْ إبْرِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاغْتِرَافِ أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الِاغْتِرَافَ دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ نِيَّتِهِ لِأَنَّ مَعْنَاهَا قَصْدُ إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ الْإِنَاءِ لِيَرْفَعَ بِهِ الْحَدَثَ خَارِجَهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الِاغْتِرَافَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ ضَرَّ وَبِهِ صَرَّحَ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ اهـ مَا كَتَبَهُ ع ش عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِمَا فِيهِمَا بَاقِيَ إحْدَاهُمَا إلَخْ هَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ وَالرَّاجِحُ مَا فَصَّلَهُ ق ل عَلَى الْخَطِيبِ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ فَلَوْ غَرَفَ بِكَفَّيْهِ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ وَفَصَّلَهُمَا عَنْهُ فَإِنْ كَانَ جُنُبًا مَثَلًا وَنَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ ارْتَفَعَ حَدَثُ كَفَّيْهِ مَعًا إنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِمَا فِيهِمَا مَا شَاءَ مِنْ بَقِيَّةِ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَبَقِيَّةَ بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالِهِ عَنْهُمَا اهـ. وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَكَانَ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُمَا مَعًا ارْتَفَعَ حَدَثُ كَفِّهِ الْيُمْنَى سَوَاءٌ أَقَصَدَهَا أَوْ أَطْلَقَ نَظَرًا لِطَلَبِ تَقْدِيمِهَا وَلَهُ إتْمَامُ غَسْلِهَا بِمَا فِي كَفِّهِ
لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ فِي أَسْفَارِهِمْ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ لِيَتَطَهَّرُوا بِهِ بَلْ عَدَلُوا عَنْهُ إلَى التَّيَمُّمِ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ فَإِنْ قُلْت: طَهُورٌ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِوَزْنِ فَعُولٍ فَيَقْتَضِي تَكَرُّرَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ قُلْت: فَعُولٌ يَأْتِي اسْمًا لِلْآلَةِ كَسُحُورٍ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَهُورٌ كَذَلِكَ وَلَوْ سُلِّمَ اقْتِضَاؤُهُ التَّكَرُّرَ فَالْمُرَادُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِجِنْسِ الْمَاءِ أَوْ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ وَالْمُسْتَعْمَلُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ مَنَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ تَعَبُّدًا فَهُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ الْمُطْلَقِ وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَثِمَ بِتَرْكِهِ أَمْ لَا، عِبَادَةً كَانَ أَمْ لَا فَيَشْمَلُ مَا تَوَضَّأَ بِهِ الصَّبِيُّ وَمَا اغْتَسَلَتْ بِهِ الذِّمِّيَّةُ لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا الْمُسْلِمِ أَمَّا إذَا كَثُرَ ابْتِدَاءً
[حاشية الجمل]
بِلَا انْفِصَالٍ وَإِنْ قَصَدَ الْيُسْرَى وَحْدَهَا ارْتَفَعَ حَدَثُ مَا لَاقَى الْمَاءَ مِنْهَا وَلَهُ إتْمَامُ غَسْلِهَا بِهِ وَإِنْ قَصَدَهُمَا مَعًا ارْتَفَعَ الْحَدَثُ عَمَّا لَاقَاهُ الْمَاءُ مِنْهُمَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْفَعَ بِهِ حَدَثَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ مَاءَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُخْرَى اهـ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَغَرَفَ بِهِمَا قَبْلَ نِيَّةِ الْغَسْلِ أَوْ بَعْدَهَا نَاوِيًا الِاغْتِرَافَ أَوْ مُحْدِثًا بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ عَلَى مَا يَأْتِي نَاوِيًا الِاغْتِرَافَ أَيْضًا فَالْبَاقِي طَهُورٌ وَيَجْرِي فِي الْمَاءِ الَّذِي فِي كَفَّيْهِ مَا تَقَدَّمَ اهـ م د عَلَى خ ط (قَوْلُهُ لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ) فِيهِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوهُ لِكَوْنِهِ قَلِيلًا بَعْدَ جَمْعِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ مَعَ كَثْرَةٍ وَمَعَ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ فَهُوَ مَعَ كَثْرَتِهِ لَمْ يَجْمَعُوهُ فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجْمَعُوا مَاءَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا تَخْتَلِطُ غَالِبًا بِمَاءِ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ مُسْتَعْمَلًا فَلَمْ يَجْمَعُوهُ لِذَلِكَ وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ) أَيْ مَعَ ضَعْفِهِ بِالْقِلَّةِ اهـ ح ل فَلَا يَرِدُ الْمُسْتَعْمَلُ الْكَثِيرُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْت طَهُورٌ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ قَبْلَهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَالْمُرَادُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَيْ الْعِلَّتَيْنِ وَالْآيَةِ اهـ شَيْخُنَا.
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ غَيْرَ مُطَهِّرٍ (قَوْلُهُ فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ) أَيْ حَتَّى الْقَلِيلِ مَعَ أَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ أَوَّلِ طَهَارَةٍ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ ثَانِيًا اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ قُلْت: فَعُولٌ يَأْتِي اسْمًا لِلْآلَةِ كَسَحُورٍ) فِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ طَهُور يَقْتَضِي تَكْرَارَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَهُوَ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ مِنْ مُطَهِّرٍ وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنْ طَاهِرٍ لَا مِنْ مُطَهِّرٍ فَمَعْنَاهُ تَكَرُّرُ الطَّاهِرِيَّةِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِتَكْرَارِهَا مَعْنًى حُمِلَ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ بِأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ اهـ رَشِيدِيٌّ (قَوْلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ) أَيْ جِنْسِ الْأَدِلَّةِ الصَّادِقِ بِالْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَ وَهِيَ قَوْلُهُ فِيمَا سَبَقَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ إلَخْ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] فَالْأَوَّلُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَالثَّانِي يَقْتَضِيهِ أَوْ يُقَالُ: الْجَمْعُ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ دَلِيلٌ وَهَذَا أَيْضًا لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ) أَيْ حَيْثُ مَرَّ مَعَ السَّيَلَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرِقَهُ الْهَوَاءُ وَكَذَا إنْ خَرَقَهُ الْهَوَاءُ وَانْتَقَلَ مِنْ الْكَفِّ إلَى السَّاعِدِ وَبِهِ أُلْغِزَ فَقِيلَ: مَا انْتَقَلَ مِنْ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إلَى بَعْضٍ بِحَيْثُ خَرَقَهُ الْهَوَاءُ وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ وَصُوِّرَ بِذَلِكَ اهـ ح ل (قَوْلُهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ) أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ لَازِمٍ بِهِ فَكَوْنُهُ غَيْرَ مُطْلَقٍ وَاضِحٌ اهـ ح ل (قَوْلُهُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ أَوْ فِي حِلِّ الْوَطْءِ لِوُضُوءِ الصَّبِيِّ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي صِحَّةِ عِبَادَتِهِ وَغُسْلُ الذِّمِّيَّةِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حِلِّ الْوَطْءِ.
(قَوْلُهُ فَيَشْمَلُ مَا تَوَضَّأَ بِهِ الصَّبِيُّ) وَشَمَلَ أَيْضًا وُضُوءَ الْحَنَفِيِّ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ النِّيَّةِ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ رَفَعَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخَالِفِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ إذَا مَسَّ فَرْجَهُ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ لِاشْتِرَاطِ الرَّابِطَةِ فِي الِاقْتِدَاءِ دُونَ الطَّهَارَاتِ وَاحْتِيَاطًا فِي الْبَابَيْنِ اهـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ مَا تَوَضَّأَ بِهِ الصَّبِيُّ) أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِيَطُوفَ بِهِ وَلِيُّهُ وَهَذَا دَخَلَ بِقَوْلِهِ أَمْ لَا الْأُولَى وَقَوْلُهُ وَمَا اغْتَسَلَتْ بِهِ الذِّمِّيَّةُ أَيْ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَهَذَا دَخَلَ بِقَوْلِهِ أَمْ لَا الثَّانِيَةُ لِأَنَّ غُسْلَهَا لَيْسَ عِبَادَةً وَنِيَّتُهَا لِلتَّمْيِيزِ فَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ أَحَدُ أُصُولِهَا وَزَوْجُهَا كَافِرٌ وَهِيَ مَجْنُونَةٌ بَطَلَ غُسْلُهَا وَحِينَئِذٍ يُلْغَزُ وَيُقَالُ لَنَا: غُسْلٌ صَحِيحٌ يَبْطُلُ بِكَلَامِ الْمُغْتَسِلِ أَوْ كَلَامِ غَيْرِهِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا الْمُسْلِمِ) أَيْ الَّذِي يَعْتَقِدُ تَوَقُّفَ حِلِّ وَطْئِهَا عَلَى غُسْلِهَا بِخِلَافِ غُسْلِهَا لِمَنْ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ كَحَنَفِيٍّ فَإِنَّهُ يَرَى حِلَّ الْوَطْءِ بِالِانْقِطَاعِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا وَفِيهِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيَّةِ اهـ ح ل (فَرْعٌ) : اغْتَسَلَتْ حَنَفِيَّةٌ لِتَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْحَنَفِيِّ فَمَاءُ غُسْلِهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا شَافِعِيًّا وَاغْتَسَلَتْ لِتَحِلَّ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ شَافِعِيَّةً وَزَوْجُهَا حَنَفِيًّا وَاغْتَسَلَتْ لِيَحِلَّ لَهَا التَّمْكِينُ كَانَ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا أَوْ لِتَحِلَّ لَهُ كَانَ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ حَرِّرْهُ اهـ س ل.
(قَوْلُهُ لِحَلِيلِهَا الْمُسْلِمِ) اقْتَضَى صَنِيعُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْغُسْلِ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا وَوَلِيُّهُ مُخَاطَبٌ بِمَنْعِهِ مِنْهُ وَبِالْغُسْلِ يَزُولُ هَذَا الْمَنْعُ اهـ شَيْخُنَا ح ف (قَوْلُهُ أَمَّا إذَا كَثُرَ ابْتِدَاءً) بِأَنْ تَوَضَّأَ شَخْصٌ فِي مَاءِ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّ هَذَا يُقَالُ لَهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ لَكِنَّهُ كَثِيرٌ
أَوْ انْتِهَاءً بِأَنْ جُمِعَ حَتَّى كَثُرَ فَمُطَهِّرٌ وَإِنْ قَلَّ بَعْدَ تَفْرِيقِهِ لِأَنَّ الطَّاهِرِيَّةَ إذَا عَادَتْ بِالْكَثْرَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فَالطَّهُورِيَّةُ أَوْلَى وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ كَمَاءِ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ فَمُطَهِّرٌ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَسَيَأْتِي الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ فِي بَابِهَا (وَلَا تُنَجَّسُ قُلَّتَا مَاءٍ
[حاشية الجمل]
ابْتِدَاءً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ أَلَا تَرَى أَنَّ فَسْقِيَّةَ الْأَزْهَرِ مَثَلًا يُقَالُ لَهَا مُسْتَعْمَلَةٌ لِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي فُرُوضٍ كَثِيرَةٍ وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ مِنْهَا قَطْعًا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْقَلِيلِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمَتْنِ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضٍ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إنْ قِيلَ: فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي فَرْضٍ مُطَهِّرٌ إنْ كَثُرَ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ أَوْ انْتِهَاءً بِأَنْ جُمِعَ حَتَّى كَثُرَ) أَيْ وَصَارَ قُلَّتَيْنِ أَوْ بَلَغَهُمَا بِمَائِعٍ اُسْتُهْلِكَ فِيهِ أَيْ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ لَا حِسًّا وَلَا تَقْدِيرًا فَإِنَّهُ طَهُورٌ اسْتِعْمَالًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيُزِيلُ النَّجَسَ إذَا كَانَ وَارِدًا وَيُلْغَزُ هُنَا بِنَظِيرِ مَا يَأْتِي فِي الْبَوْلِ فَيُقَالُ: جَمَاعَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَحْصِيلُ مَائِعٍ لِيَسْتَعْمِلُوهُ فِي وُضُوئِهِمْ وَغُسْلِهِمْ وَإِزَالَةِ نَجَاسَتِهِمْ اهـ ح ل وَهَذَا يُخَالِفُ مَا فِي شَرْحِ م ر وَنَصُّهُ وَلَا بُدَّ فِي انْتِفَاءِ الِاسْتِعْمَالِ عَنْهُ بِبُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ أَنْ يَكُونَا مِنْ مَحْضِ الْمَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ اهـ (قَوْلُهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَا انْضَمَّ إلَيْهِ طَهُرَ اهـ ع ش.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِمَا يَأْتِي قَوْلُ الْمَتْنِ فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ فَطَهُورٌ لِأَنَّ كَلَامَهُ هُنَا مَفْرُوضٌ فِي عَوْدِ الطَّاهِرِيَّةِ بِالْكَثْرَةِ وَكَلَامُ الْمُحَشِّي الْمَذْكُورُ فِي عَوْدِهَا بِزَوَالِ التَّغَيُّرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَالطَّهُورِيَّةُ أَوْلَى) أَيْ لِأَنَّ الطَّاهِرِيَّةَ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ الطَّهُورِيَّةِ لِدَفْعِهَا الْعَظِيمَ وَالْأَغْلَظَ وَهُوَ النَّجَاسَةُ بِخِلَافِ الطَّهُورِيَّةِ فَهِيَ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَدَمَهَا وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِذَا أَفَادَتْ الْكَثْرَةُ الطَّاهِرِيَّةَ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ الطَّهُورِيَّةِ فَتُفِيدُ الطَّهُورِيَّةَ بِالْأَوْلَى أَوْ يُقَالُ وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْكَثْرَةَ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ قَدْ حَصَّلَتْ شَيْئَيْنِ: وَهُمَا الطَّاهِرِيَّةُ وَالطَّهُورِيَّةُ وَالْكَثْرَةُ هُنَا قَدْ حَصَّلَتْ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ وَهُوَ الطَّهُورِيَّةُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِهِ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ لِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ اهـ لِكَاتِبِهِ (قَوْلُهُ وَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ) أَيْ وَلَوْ نَذَرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي شَيْءٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَيْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِنْ أَثِمَ بِتَرْكِهِ (قَوْلُهُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ) هِيَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ اهـ ع ش (قَوْلُهُ وَسَيَأْتِي الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ فِي بَابِهَا) وَهُوَ أَنَّ مَا أُزِيلَ بِهِ نَجَسٌ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهُ غَيْرُ طَهُورٍ إنْ قَلَّ لِأَنَّهُ أُزِيلَ بِهِ نَجَسٌ وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى إطْلَاقِ مَنْ قَالَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي نَفْلِ الطَّهَارَةِ طَهُورٌ وَعَلَيْهِ أُلْغِزَ فَقِيلَ: لَنَا مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي نَفْلِ الطَّهَارَةِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ اهـ ح ل.
وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ وَغُسَالَةٌ قَلِيلَةٌ مُنْفَصِلَةٌ بِلَا تَغَيُّرٍ وَزِيَادَةٍ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ طَاهِرَةٌ.
(قَوْلُهُ وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا مَاءٍ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا فَلَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ قُلَّتَانِ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَضُرَّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر شَمَلَ مَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ وَلِأَنَّا شَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَمْ جُمِعَ شَيْئًا فَشَيْئًا وَشَكَّ فِي وُصُولِهِ لَهُمَا كَمَا لَوْ شَكَّ الْمَأْمُومُ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَوْ جَاءَ قُدَّامَهُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ أَيْضًا وَيُعْتَبَرُ فِي الْقُلَّتَيْنِ قُوَّةُ التَّرْدَادِ فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي حُفْرَتَيْنِ فِي كُلِّ حُفْرَةٍ قِلَّةٌ وَبَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ مِنْ نَهْرٍ صَغِيرٍ غَيْرِ عَمِيقٍ فَوَقَعَ فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ نَجَاسَةٌ قَالَ الْإِمَامُ: فَلَسْت أَرَى أَنَّ مَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى دَافِعٌ لِلنَّجَاسَةِ وَاقْتَضَى إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ النَّجَاسَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا جَامِدَةً أَوْ مَائِعَةً وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا حَالَ الِاغْتِرَافِ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ لَهُ أَنْ يَغْتَرِفَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ حَتَّى مِنْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَى النَّجَاسَةِ وَلَوْ بَالَ فِي الْبَحْرِ مَثَلًا فَارْتَفَعَتْ مِنْهُ رَغْوَةٌ فَهِيَ طَاهِرَةٌ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهَا بَعْضُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَائِلِ بِنَجَاسَتِهَا عَلَى تَحَقُّقِ كَوْنِهَا مِنْ الْبَوْلِ وَإِنْ طُرِحَتْ فِي الْبَحْرِ هِرَّةٌ مَثَلًا فَوَقَعَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ بِسَبَبِ سُقُوطِهَا عَلَى شَيْءٍ لَمْ تُنَجِّسْهُ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ وَبَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ مِنْ نَهْرٍ صَغِيرٍ غَيْرِ عَمِيقٍ وَضَابِطُ غَيْرِ الْعَمِيقِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ حَرَّكَ مَا فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ لَا يَتَحَرَّك مَا فِي الْأُخْرَى وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ حِيَاص الأخلية إذَا وَقَعَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لَوْ حُرِّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَحَرَّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا وَهَكَذَا إلَى الْآخَرِ لَا يُحْكَمُ بِالتَّنْجِيسِ عَلَى مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ وَإِلَّا حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْجَمِيعِ وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ سم عَلَى حَجّ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِتَحَرُّكِ كُلِّ مُلَاصِقٍ بِتَحْرِيكِ مُلَاصِقِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهِ إذَا بَلَغَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ اهـ أَقُولُ وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِالتَّحَرُّكِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَنِيفٍ وَإِنْ خَالَفَ غَيْرُهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فَرَاجِعْهُ.
وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ مَا فِي كُلٍّ بِتَحْرِيكِ الْآخَرِ تَحَرُّكًا
وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا (بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا بِمُلَاقَاةِ نَجَسٍ) لِخَبَرِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا
[حاشية الجمل]
عَنِيفًا إلَخْ هَلْ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ عَنِيفًا بِقَوْلِهِ بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ أَوْ بِقَوْلِهِ بِتَحْرِيكِ الْآخَرِ وَيُتَّجَهُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ دَافِعٌ لِلنَّجَاسَةِ أَيْ النَّجَاسَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهِ وَقُوَّةُ هَذَا الْكَلَامِ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْحُفْرَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى طَهَارَتِهَا وَقَدْ يُشْكِلُ بِأَنَّ مَا فِي النَّهْرِ الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَّصِلٌ بِحُفْرَةِ النَّجَسِ فَيُنَجَّسُ مِنْهُ لِقِلَّتِهِ وَبِمَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى فَيُنَجِّسُهُ لِقِلَّتِهِ فَرَاجِعْهُ ثُمَّ رَأَيْت حَجّ صَرَّحَ بِنَجَاسَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ ع ش عَلَيْهِ (قَوْلُهُ قُلَّتَا مَاءٍ) أَيْ صِرْفٍ وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِتَكْمِيلِهِ بِطَاهِرٍ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ حِسًّا وَلَا تَقْدِيرًا فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمُلَاقَاةِ وَيُسْتَعْمَلُ بِانْغِمَاسِ الْمُحْدِثِ فِيهِ فَيَحْتَاجُ فِي اسْتِعْمَالِهِ بِدُونِ صَبٍّ إلَى نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ اهـ شَيْخُنَا وَمِثْلُهُ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) أَيْ فِي الْأَصَحِّ وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُمَا أَلْفُ رِطْلٍ وَقِيلَ: سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ وَقَوْلُهُ تَقْرِيبًا أَيْ فِي الْأَصَحِّ أَيْضًا وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْخَمْسَمِائَةِ تَحْدِيدٌ فَلَا يُغْتَفَرُ نَقْصُ شَيْءٍ اهـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) أَيْضًا أَيْ بِالْوَزْنِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ وَالْقُلَّتَانِ بِالْمِسَاحَةِ إلَخْ اهـ شَيْخُنَا قَوْلُهُ بَغْدَادِيٌّ نِسْبَةٌ إلَى بَغْدَادَ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَبِإِعْجَامِ الثَّانِيَةِ وَبِنُونٍ بَدَلَهَا وَبِمِيمٍ أَوَّلَهُ بَدَلَ الْبَاءِ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ اهـ شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ وَبِمِيمٍ أَوَّلَهُ أَيْ مَعَ النُّونِ فَقَطْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَنَصُّ عِبَارَتَهُ بَغْدَادَ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُعْجَمَتَيْنِ وَتَقْدِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَبَغْدَانُ وَبَغْدِينُ وَمَغْدَانُ مَدِينَةُ السَّلَامِ وَتَبَغْدَدَ إذَا انْتَسَبَ إلَيْهَا أَوْ تَشَبَّهَ بِأَهْلِهَا اهـ ع ش عَلَيْهِ (قَوْلُهُ بَغْدَادِيٍّ) أَيْضًا أَمَّا بِالدِّمَشْقِيِّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي رِطْلِ بَغْدَادَ فَإِنَّهُمَا مِائَةٌ وَثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَأَمَّا عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِيهِ فَهُمَا مِائَةٌ وَسَبْعَةُ أَرْطَالٍ وَسُبْعُ رِطْلٍ وَأَمَّا بِالْمِصْرِيِّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِيهِ فَإِنَّهُمَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَوَاحِدٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ وَثُلُثُ أُوقِيَّةٍ وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِيهِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ اهـ زي وَأَمَّا بِالْمَقْدِسِيِّ فَهُمَا ثَمَانُونَ رِطْلًا وَثُلُثُ رِطْلٍ وَرُبْعُ أُوقِيَّةٍ وَدِرْهَمَانِ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ وَثُلُثُ سُبْعِ دِرْهَمٍ وَبِالْأَمْنَانِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ لِأَنَّ الْمَنَّ رِطْلَانِ اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ تَقْرِيبًا) هُوَ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْخَبَرِ أَيْ وَالْقُلَّتَانِ تَقْرِيبُ خَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ أَيْ مُقَرَّبُهَا اهـ شَوْبَرِيٌّ أَيْ مُقَرَّبٌ مِنْهَا أَيْ قَرِيبٌ مِنْهَا اهـ لِكَاتِبِهِ.
(فَائِدَةٌ) الْمُقَدَّرَاتُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) مَا هُوَ تَقْرِيبٌ بِلَا خِلَافٍ كَسِنِّ الرَّقِيقِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ الْمُوَكَّلِ فِي شِرَائِهِ (الثَّانِي) تَحْدِيدٌ بِلَا خِلَافٍ كَتَقْدِيرِ مُدَّةِ مِسْحِ الْخُفِّ وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ وَغُسْلِ الْوُلُوغِ وَالْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ وَنَصْبِ الزَّكَوَاتِ وَالْأَسْنَانِ الْمَأْخُوذَةِ فِيهَا وَسِنِّ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَوْسُقِ فِي الْعَرَايَا وَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ وَتَغْرِيبِ الزَّانِي وَإِنْظَارِ الْمَوْلَى وَالْعِنِّينِ وَمُدَّةِ الرَّضَاعِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ.
(الثَّالِثُ) تَحْدِيدٌ عَلَى الْأَصَحِّ فَمِنْهُ تَقْدِيرُ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ رِطْلٍ الْأَصَحُّ أَنَّهُ تَحْدِيدٌ وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هُنَا وَفِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ تَصْحِيحُ عَكْسِهِ وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ (الرَّابِعُ) تَقْرِيبٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَسِنِّ الْحَيْضِ وَمِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ وَالْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَأَمْيَالِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ نَقَلَهُ أُسْتَاذُنَا ح ف عَنْ الْعَلَّامَةِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ) بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَبِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا مَعَ سُكُونِ الْجِيمِ وَبِفَتْحِ النُّونِ مَعَ ضَمِّ الْجِيمِ كَعَضُدٍ اهـ شَرْحُ م ر وع ش عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَفِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ: فَتْحُ النُّونِ مَعَ تَثْلِيثِ الْجِيمِ وَفَتْحُ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْجِيمِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ نَجِسَ الشَّيْءُ مِنْ بَابِ تَعِبَ فَهُوَ نَجَسٌ إذَا كَانَ قَذِرًا غَيْرَ نَظِيفٍ وَنَجَسَ يَنْجُسُ مِنْ بَابِ قَتَلَ لُغَةً وَثَوْبٌ نَجِسٌ بِالْكَسْرِ اسْمُ فَاعِلٍ وَبِالْفَتْحِ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ اهـ (قَوْلُهُ لِخَبَرِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا مَاءٍ وَقَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَخْ تَفْسِيرُ الْأُولَى وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ مَعَ مَا بَعْدَهَا مِنْ الضَّمِيمَةِ فَاسْتِدْلَالٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ وَقَوْلُهُ وَالْوَاحِدَةُ مِنْهَا إلَخْ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّانِيَةِ لَكِنْ فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ كَوْنَهُمَا تَقْرِيبًا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ فَأَقَلَّ إذْ غَايَةُ مَا قَالَ وَالْوَاحِدَةُ مِنْهَا لَا تَزِيدُ غَالِبًا فَنَفَى الزِّيَادَةَ وَهَذَا لَا يُفِيدُ اغْتِفَارَ النَّقْصِ اهـ شَيْخُنَا.
1 -
(قَوْلُهُ لِخَبَرِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» ) أَيْضًا وَرُوِيَ أَيْضًا «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ» فَبَيْنَ
أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ» وَالْوَاحِدَةُ مِنْهَا قَدَّرَهَا الشَّافِعِيُّ أَخْذًا مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ الرَّائِي لَهَا بِقِرْبَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ وَوَاحِدَتُهَا لَا تَزِيدُ غَالِبًا عَلَى مِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي زَكَاةِ النَّابِتِ وَهَجَرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْقُلَّتَانِ بِالْمِسَاحَةِ فِي الْمُرَبَّعِ ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ وَهُوَ شِبْرَانِ تَقْرِيبًا وَالْمَعْنَى بِالتَّقْرِيبِ فِي الْخَمْسِمِائَةِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي رَوْضَتِهِ لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي تَحْقِيقِهِ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيِّرَةِ (فَإِنْ غَيَّرَهُ) وَلَوْ يَسِيرًا أَوْ تَغَيُّرًا تَقْدِيرِيًّا (فَنَجَسٌ) بِالْإِجْمَاعِ الْمُخَصِّصِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «الْمَاءُ
[حاشية الجمل]
الْحَدِيثَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ فَعُمُومُ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَوْ لَا وَخُصُوصُهُ كَوْنُهُ قُلَّتَيْنِ وَعُمُومُ الثَّانِي سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَقَلَّ وَخُصُوصُهُ كَوْنُهُ مُتَغَيِّرًا فَتَأْخُذُ خُصُوصَ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَوْنُهُ قُلَّتَيْنِ فَتُقَيِّدُ بِهِ عُمُومَ الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَقَلَّ فَتَقُولُ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ أَيْ إذَا كَانَ قُلَّتَيْنِ وَتَأْخُذُ خُصُوصَ الثَّانِي فَتُقَيِّدُ بِهِ عُمُومَ الْأَوَّلِ فَتَقُولُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا أَيْ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ عِنْدَهُمْ مَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ اهـ أُجْهُورِيٌّ (قَوْلُهُ: أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ) عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الضَّيْمَ لَا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الْحَجَرَ لِثِقَلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ فَائِدَةٌ اهـ ح ل فَهُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمَعَانِي لَا حَمْلِ الْأَجْرَامِ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ فَائِدَةٌ أَيْ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطْلَقًا لَا يَحْمِلُ الْأَجْرَامَ بِهَذَا الْمَعْنَى بِمَعْنَى إنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فَوْقَهُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ» إلَخْ) بَقِيَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ «لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ أَخْذًا مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) بِفَتْحِ نُونِ مِنْ عَلَى الْأَفْصَحِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ إنَّهَا إنْ دَخَلَتْ عَلَى أَلْ وَجَبَ فَتْحُ نُونِهَا كَقَوْلِك مِنْ الدِّينِ وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى غَيْرِهَا جَازَ فِي نُونِهَا الْوَجْهَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ اهـ شَيْخُنَا.
فَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَإِذَا الْقُلَّةُ مِنْهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ اهـ خَطِيبٌ عَلَى الْغَايَةِ فَاحْتَاطَ الشَّافِعِيُّ فَحَسَبَ الشَّيْءَ نِصْفًا إذْ لَوْ كَانَ فَوْقَهُ لَقَالَ: تَسَعُ ثَلَاثَ قِرَبٍ إلَّا شَيْئًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ خَمْسَ قِرَبٍ وَالْمَجْمُوعُ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ اهـ شَرْحُ م ر وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ شَيْخَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يُونُسَ اهـ ع ش (قَوْلُهُ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ) أَيْ وَلَيْسَتْ هَجَرَ الْبَحْرَيْنِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْبَحْرَيْنِ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَعُمَانَ اهـ مِنْ تَقْرِيرِ بَعْضِهِمْ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى بِالتَّقْرِيبِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْأَلْفِ مَقْصُورًا بِكَسْرِ النُّونِ وَالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ كَذَا ضَبَطَهُ بِالْقَلَمِ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ) وَكَانَ اغْتِفَارُ الرِّطْلَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّهُمَا أَمْرٌ وَسَطٌ بَيْنَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقِلَّةِ وَهُوَ الْوَاحِدُ وَأَوَّلِ مَرَّاتِ الْكَثْرَةِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ) أَيْضًا لَا يُقَالُ هَذَا يَرْجِعُ إلَى التَّحْدِيدِ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ تَحْدِيدٌ غَيْرُ التَّحْدِيدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ اهـ سم عَلَى الْمَنْهَجِ اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ إنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ إلَخْ) كَأَنْ تَأْخُذَ إنَاءَيْنِ فِي وَاحِدٍ قُلَّتَانِ وَفِي الْآخَرِ دُونَهُمَا ثُمَّ تَضَعُ فِي أَحَدِهِمَا قَدْرًا مِنْ الْمُغَيِّرِ وَتَضَعُ فِي الْآخَرِ قَدْرَهُ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ وَإِلَّا ضَرَّ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِضَبْطِهِ اهـ خَطِيبٌ عَلَى الْغَايَةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَعْنَى إذَا مَا زَادَ عَلَى الرِّطْلَيْنِ يَظْهَرُ بِهِ التَّفَاوُتُ وَدُونَهُمَا لَا اهـ اج عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجَسٌ) أَيْ وَلَوْ حَصَلَ التَّغَيُّرُ بِمَا يَأْتِي مِنْ نَحْوِ الْمَيْتَةِ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ لَا يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا لِأَنَّهُ سَيَأْتِي لِأَنَّا نَقُولُ: قَوْلُهُ الْآتِي فَإِنْ غَيَّرَتْهُ الْمَيْتَةُ لِكَثْرَتِهَا إلَخْ مَفْرُوضُ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ تَأَمَّلْ اهـ ح ل (قَوْلُهُ فَإِنْ غَيَّرَهُ) أَيْضًا أَيْ حَالًا فَلَوْ لَمْ يُغَيِّرْهُ حَالًا بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ فَالْأَوْجَهُ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ إنْ عَلِمُوا وَإِلَّا فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ اهـ شَرْحُ الْإِرْشَادِ وَقَوْلُهُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ أَيْ وَلَوْ وَاحِدًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَيُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ حِينَئِذٍ لَا مِنْ حِينِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَتَأَمَّلْهُ اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِنْ غَيَّرَهُ) أَيْضًا أَيْ يَقِينًا اهـ ع ش وَهَذَا مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْيِيدٌ لِمَا سَبَقَ تَقْدِيرُهُ هَذَا إنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ وَفِي الْفِعْلِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى النَّجَسِ الْمُقَيَّدِ بِالْمُلَاقَاةِ فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِالْمُلَاقَاةِ الَّذِي فِي ضِمْنِ الضَّمِيرِ التَّغَيُّرُ بِجِيفَةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجَسٌ فِيهِ ضَمِيرَانِ بَارِزٌ وَمُسْتَتِرٌ فَالْبَارِزُ لِلْمَاءِ وَالْمُسْتَتِرُ لِلنَّجَسِ وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ غَيَّرَ النَّجَسُ الْمَاءَ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ أَوْ تَغَيُّرًا تَقْدِيرِيًّا) أَيْ أَوْ كَانَ تَغَيُّرًا تَقْدِيرِيًّا بِأَنْ كَانَ النَّجَسُ الْمُلَاقِي لِلْمَاءِ مُوَافِقًا لَهُ فِي صِفَاتِهِ فَيُفْرَضُ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ فَإِنْ وُجِدَ التَّغَيُّرُ وَلَوْ فِي صِفَةٍ اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ وَإِلَّا عُرِضَتْ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ إنْ وَافَقَ فِيهَا وَإِلَّا عُرِضَ الْمُوَافِقُ فَقَطْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الظَّاهِرِ وَذَلِكَ الْمُخَالِفُ هُوَ لَوْنُ الْحَبِّ وَرِيحُ الْمِسْكِ وَطَعْمُ الْخَلِّ وَهَذَا هُوَ الْمُخَالِفُ الْأَشَدُّ الَّذِي سَيَذْكُرُهُ وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ اهـ ح ل.
(قَوْلُهُ وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ) أَيْ وَالْمُخَصِّصُ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ إلَخْ فَالْإِجْمَاعُ قَدْ خَصَّصَ مَنْطُوقَ الْخَبَرَيْنِ وَبَقِيَ لِلْخَبَرِ الثَّانِي تَخْصِيصٌ آخَرُ مِنْ جِهَةِ صِدْقِهِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ
لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فَلَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ عَلَى الشَّطِّ لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا أَفْهَمَهُ التَّقْيِيدُ بِالْمُلَاقَاةِ وَإِنَّمَا أَثَّرَ التَّغَيُّرُ الْيَسِيرُ بِالنَّجَسِ بِخِلَافِهِ فِي الطَّاهِرِ لِغِلَظِ أَمْرِهِ أَمَّا إذَا غَيَّرَ بَعْضَهُ فَالْمُتَغَيِّرُ نَجَسٌ وَكَذَا الْبَاقِي إنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ (فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ) الْحِسِّيُّ أَوْ التَّقْدِيرِيُّ (بِنَفْسِهِ) أَيْ لَا بِعَيْنٍ كَطُولِ مُكْثٍ (أَوْ بِمَاءٍ) انْضَمَّ إلَيْهِ وَلَوْ نَجَسًا أَوْ أُخِذَ مِنْهُ وَالْبَاقِي قُلَّتَانِ (طَهُرَ) لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّنَجُّسِ وَلَا يَضُرُّ عَوْدُ تَغَيُّرِهِ إذَا خَلَا عَنْ نَجَسٍ جَامِدٍ أَمَّا إذَا زَالَ حِسًّا بِغَيْرِهِمَا كَمِسْكٍ
[حاشية الجمل]
فَلِمَفْهُومِ خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ السَّابِقِ الْمُخَصِّصِ لِمَنْطُوقِ خَبَرِ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ السَّابِقِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فَلَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ عَلَى الشَّطِّ) مَفْهُومُ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي غَيْرِ لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى النَّجَسِ الْمُلَاقَى وَقَوْلُهُ أَمَّا إذَا غَيَّرَ بَعْضَهُ إلَخْ مَفْهُومُ الضَّمِيرِ الْبَارِزِ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ الْمَاءُ كُلُّهُ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ أَمَّا إذَا غَيَّرَ بَعْضَهُ) هَذَا وَاضِحٌ فِي الرَّاكِدِ دُونَ الْجَارِي فَإِنَّ الْجَرْيَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي لَمْ تُلَاقِ النَّجَاسَةَ لَهَا حُكْمُ الْغُسَالَةِ اهـ ح ل (قَوْلُهُ فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ) دَخَلَ فِيهِ الرِّيحُ وَالشَّمْسُ وَبِهِ صَرَّحَ السُّبْكِيُّ اهـ سم اهـ شَوْبَرِيٌّ وَقَوْلُهُ أَوْ بِمَاءٍ انْضَمَّ إلَيْهِ وَلَوْ نَجَسًا وَتَنْكِيرُ الْمَاءِ لِيَشْمَلَ هَذَا وَلَا يُنَافِيهِ حَدُّهُمْ الْمُطْلَقُ بِأَنَّهُ مَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ لِأَنَّ هَذَا حَدٌّ لَهُ بِالنَّظَرِ لِلْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً اخْتَصَّ بِالْمُطْلَقِ وَمَا فِي الْمَتْنِ بِالنَّظَرِ لِمُطْلَقِ الْعُرْفِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُطْلَقِ وَغَيْرِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ) أَيْضًا أَيْ الْمَاءِ الْكَثِيرِ أَمَّا الْقَلِيلُ فَلَا يَطْهُرُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ اهـ ح ل أَيْ بَلْ يَطْهُرُ بِالْكَثْرَةِ (قَوْلُهُ أَوْ التَّقْدِيرِيُّ) بِأَنْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحِسِّيِّ لَزَالَ أَوْ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ لَوْ صُبَّ عَلَى مَاءٍ مُتَغَيِّرٍ حِسًّا لَزَالَ تَغَيُّرُهُ اهـ رَشِيدِيٌّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُعْرَفُ زَوَالُ تَغَيُّرِهِ التَّقْدِيرِيِّ بِأَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَنٌ لَوْ كَانَ تَغَيُّرُهُ حِسِّيًّا لَزَالَ عَادَةً أَوْ يُضَمُّ إلَيْهِ مَاءٌ لَوْ ضُمَّ إلَى الْمُتَغَيِّرِ لَزَالَ تَغَيُّرُهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِجَنْبِهِ غَدِيرٌ فِيهِ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ أَوْ بِمَاءٍ صُبَّ عَلَيْهِ فَيُعْلَمُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا زَالَ تَغَيُّرُهُ اهـ شَرْحُ الرَّوْضِ اهـ زي (قَوْلُهُ أَوْ أُخِذَ مِنْهُ وَالْبَاقِي قُلَّتَانِ) بِأَنْ كَانَ الْإِنَاءُ مُنْخَنِقًا بِهِ فَزَالَ انْخِنَاقُهُ وَدَخَلَهُ الرِّيحُ وَقَصَرَهُ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ وَلَا يَضُرُّ) أَيْ فِي الطَّهُورِيَّةِ عَوْدُ تَغَيُّرِهِ أَيْ التَّغَيُّرُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَبِالْأَوْلَى مَا لَوْ حَصَلَ بِهِ وَصْفٌ آخَرُ وَقَوْلُهُ إذَا خَلَا عَنْ نَجَسٍ جَامِدٍ أَيْ فَإِنْ كَانَ بِهِ ذَلِكَ النَّجَسُ الْجَامِدُ ضَرَّ التَّغَيُّرُ إحَالَةً لَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّجَسِ الْجَامِدِ وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ أَمْكَنَ إحَالَتُهُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ الَّذِي زَالَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَالْمُرَادُ خَلَا عَنْ نَجَسٍ جَامِدٍ كَانَ مَوْجُودًا بِهِ قَبْلَ زَوَالِ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ وَذَلِكَ التَّغَيُّرُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ اهـ ح ل.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَوْ زَالَ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ ثُمَّ عَادَ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً وَهِيَ فِيهِ فَنَجَسٌ وَإِنْ كَانَتْ مَائِعَةً أَوْ جَامِدَةً وَقَدْ أُزِيلَتْ قَبْلَ التَّغَيُّرِ الثَّانِي لَمْ يَنْجُسْ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً وَهِيَ فِيهِ فَنَجَسٌ أَيْ مِنْ الْآنِ وَعَلَيْهِ فَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ فَتَطَهَّرَ مِنْهُ جَمَعَ ثُمَّ عَادَ تَغَيُّرُهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي فَعَلُوهَا وَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ وَلَا ثِيَابِهِمْ لِأَنَّهُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ حُكِمَ بِطَهُورِيَّتِهِ وَالتَّغَيُّرُ الثَّانِي يَجُوزُ أَنَّهُ بِنَجَاسَةٍ تَحَلَّلَتْ مِنْهُ بَعْدُ وَهِيَ لَا تَضُرُّ فِيمَا مَضَى اهـ ع ش عَلَيْهِ (قَوْلُهُ إذَا خَلَا عَنْ نَجَسٍ جَامِدٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَامِدِ الْمُجَاوِرُ وَلَوْ مَائِعًا كَالدُّهْنِ وَبِالْمَائِعِ الْمُسْتَهْلَكُ اهـ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا زَالَ حِسًّا) أَيْ ظَاهِرًا بِغَيْرِهِمَا أَيْ بِغَيْرِ نَفْسِهِ وَبِغَيْرِ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ كَمِسْكٍ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الرِّيحَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ مُتَغَيِّرًا بِالرِّيحِ وَقَوْلُهُ وَتُرَابٌ فَإِنَّهُ يُزِيلُ اللَّوْنَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ مُتَغَيِّرًا بِاللَّوْنِ وَخَلٌّ يُزِيلُ الطَّعْمَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ مُتَغَيِّرًا بِالطَّعْمِ أَيْ لَمْ تُوجَدْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمِسْكِ وَلَا لَوْنُهَا بِالتُّرَابِ وَلَا طَعْمُهَا بِالْخَلِّ وَلَا بُدَّ أَنْ تَظْهَرَ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَلَوْنُ التُّرَابِ وَطَعْمُ الْخَلِّ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ التُّرَابَ بِأَنَّهُ يُكَدِّرُ الْمَاءَ وَالْكُدُورَةُ مِنْ أَسْبَابِ السِّتْرِ إذْ هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ بِعَدَمِ الطَّهُورِيَّةِ مِنْ طَهُورٍ كُدُورَةِ الْمَاءِ وَعَلَى قِيَاسِهِ لَا بُدَّ مِنْ طُهُورِ رِيحِ الْمِسْكِ وَطَعْمِ الْخَلِّ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ وَزَالَ التَّغَيُّرُ حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا لَوْ ظَهَرَتْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ ثُمَّ زَالَتْ حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ اهـ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَمْثِيلِهِمْ بِالْمُخَالِطِ أَنَّهُ لَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِوَاسِطَةِ مُجَاوِرٍ لَهُ رِيحٌ كَعُودٍ مُطَيَّبٍ ظَهَرَ رِيحُ طِيبِهِ حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ لَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ عَادَ طَهُورًا وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا لَا بُدَّ مِنْ احْتِمَالِ إحَالَةِ زَوَالِ التَّغَيُّرِ عَلَى الْوَاقِعِ فِي الْمَاءِ فَحَيْثُ احْتَمَلَ إحَالَتَهُ عَلَى اسْتِتَارِهِ بِالْوَاقِعِ فَالنَّجَاسَةُ بَاقِيَةٌ وَحَيْثُ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ فَهِيَ زَائِلَةٌ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ اهـ ح ل.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر أَوْ زَالَ تَغَيُّرُ رِيحِهِ بِمِسْكٍ أَوْ لَوْنِهِ بِسَبَبِ زَعْفَرَانٍ أَوْ طَعْمِهِ بِخَلٍّ مَثَلًا فَلَا يَطْهُرُ حَالَ كُدُورَتِهِ فَلَا تَعُودُ طَهُورِيَّتُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ أَوْ اسْتَتَرَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَتَرَ وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ صَفَا وَلَمْ يَبْقَ بِهِ تَغَيُّرٌ طَهُرَ وَيُحْكَمُ بِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا صَفَا الْمَاءُ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ تَكَدُّرٌ يَحْصُلُ بِهِ شَكٌّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ طَهُرَ
وَتُرَابٍ وَخَلٍّ فَلَا يَطْهُرُ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ أَوْ اسْتَتَرَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَتَرَ فَإِنْ صَفَا الْمَاءُ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ طَهُرَ.
(وَ) الْمَاءُ (دُونَهُمَا) أَيْ الْقُلَّتَيْنِ وَلَوْ جَارِيًا (يَنْجُسُ كَرَطْبٍ غَيْرَهُ) كَزَيْتٍ وَإِنْ كَثُرَ (بِمُلَاقَاتِهِ) أَيْ النَّجَسِ أَمَّا الْمَاءُ فَلِمَفْهُومِ خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ السَّابِقِ الْمُخَصِّصِ لِمَنْطُوقِ خَبَرِ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» السَّابِقِ.
[حاشية الجمل]
كُلٌّ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَاقِي عَنْ الَّذِي رَسَبَ فِيهِ التُّرَابُ قُلَّتَيْنِ أَمْ لَا نَعَمْ إنْ كَانَتْ عَيْنُ التُّرَابِ نَجِسَةً لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا كَتُرَابِ الْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ إذْ نَجَاسَتُهُ مُسْتَحْكِمَةٌ فَلَا يَطْهُرُ أَبَدًا وَكَانَ التُّرَابُ حِينَئِذٍ كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ فَإِنْ بَقِيَتْ كَثْرَةُ الْمَاءِ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَإِلَّا تَنَجَّسَ وَغَيْرُ التُّرَابِ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ إذَا احْتَمَلَ سِتْرَ التَّغَيُّرِ بِمَا طَرَأَ كَأَنْ زَالَتْ الرَّائِحَةُ بِطَرْحِ الْمِسْكِ أَوْ الطَّعْمُ بِطَرْحِ الْخَلِّ أَوْ اللَّوْنُ بِطَرْحِ الزَّعْفَرَانِ.
1 -
فَلَوْ تَغَيَّرَ رِيحُ مَاءٍ وَطَعْمُهُ بِنَجَسٍ فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِسْكٌ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ طَهُرَ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الزَّعْفَرَانَ لَا يَسْتُرُ الرِّيحَ وَالْمِسْكَ لَا يَسْتُرَ اللَّوْنَ فَعُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا فُرِضَ انْتِفَاءُ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ عَنْ شَيْءٍ قَطْعًا كَعُودٍ مَثَلًا أَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ رِيحُ الزَّعْفَرَانِ وَلَا طَعْمُهُ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ وُضِعَ مِسْكٌ فِي مُتَغَيِّرِ الرِّيحِ فَزَالَ رِيحُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ رَائِحَةُ الْمِسْكِ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَلَا بُعْدَ فِيهِ لِعَدَمِ الِاسْتِتَارِ وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِالشَّكِّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ أَوْ اسْتِتَارِهِ حَتَّى يُحْكَمَ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ تَغْلِيبًا لِاحْتِمَالِ الِاسْتِتَارِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ احْتِمَالِ إحَالَةِ زَوَالِ التَّغَيُّرِ عَلَى الْوَاقِعِ فِي الْمَاءِ مِنْ مُخَالِطٍ أَوْ مُجَاوِرٍ فَحَيْثُ احْتَمَلَ إحَالَتَهُ عَلَى اسْتِتَارِهِ بِالْوَاقِعِ فَالنَّجَاسَةُ بَاقِيَةٌ لِكَوْنِنَا لَمْ نَتَحَقَّقْ زَوَالَ التَّغَيُّرِ الْمُقْتَضِي لِلنَّجَاسَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ زَوَالَهُ وَاسْتِتَارَهُ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا وَحَيْثُ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ فَهِيَ زَائِلَةٌ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَعُلِمَ أَنَّ رَائِحَةَ الْمِسْكِ لَوْ ظَهَرَتْ ثُمَّ زَالَتْ وَزَالَ التَّغَيُّرُ حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّهَا لَمَّا زَالَتْ وَلَمْ يَظْهَرْ التَّغَيُّرُ عَلِمْنَا أَنَّهُ زَالَ بِنَفْسِهِ انْتَهَتْ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ رَسَبَ الشَّيْءُ رُسُوبًا مِنْ بَابِ نَفَذَ ثَقُلَ وَصَارَ فِي الْأَسْفَلِ وَرَسْبًا فِي الْمَصْدَرِ أَيْضًا اهـ (قَوْلُهُ مَا إذَا زَالَ حِسًّا) أَيْضًا أَيْ ظَاهِرًا وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ مَعَ قَوْلِهِ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ أَوْ اسْتَتَرَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ أَيْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَقَوْلُهُ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فَإِنْ صَفَا الْمَاءُ) أَيْ زَالَ رِيحُ الْمِسْكِ أَوْ لَوْنُ التُّرَابِ أَوْ طَعْمُ الْخَلِّ وَقَوْلُهُ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ أَيْ وَزَالَ التَّغَيُّرُ الْأَصْلِيُّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَقَوْلُهُ طَهَرَ أَيْ حَكَمْنَا بِطَهُورِيَّتِهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ اهـ ح ل وَطَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ اهـ شَرْحُ م ر وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ اللُّغَتَيْنِ فِي كُلِّ مَا قَامَتْ بِهِ الطَّهَارَةُ بَدَنًا كَانَ أَوْ ثَوْبًا.
وَفِي الْمِصْبَاحِ طَهَرَ الشَّيْءُ مِنْ بَابِ قَتَلَ وَقَرُبَ طَهَارَةً وَالِاسْمُ الطُّهْرُ وَهُوَ النَّقَاءُ مِنْ الدَّنَسِ وَالنَّجَسِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ بَابِ قَتَلَ وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ بَابِ قَرُبَ وَتَطَهَّرَتْ اغْتَسَلَتْ اهـ أَيْ فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا لَوْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الثَّوْبِ أَوْ نَحْوِهِ فَقِيلَ: طَهُرَ الثَّوْبُ أَوْ الْمَكَانُ اهـ ع ش عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَدُونَهُمَا يَنْجُسُ إلَخْ) اخْتَارَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا لِلتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ وَإِلَّا فَالدَّلِيلُ صَرِيحٌ فِي التَّفْصِيلِ كَمَا تَرَى اهـ حَجّ اهـ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ وَالْمَاءُ دُونَهُمَا إلَخْ) قِيلَ: الظَّرْفُ حَالٌ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَالْوَجْهُ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَنْجُسُ الْعَائِدِ لِلْمَاءِ اهـ سم اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَدُونَهُمَا أَيْ وَالْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِأَنْ نَقَصَ عَنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ رِطْلَيْنِ وَتَقْدِيرُنَا الْمَاءَ فِي كَلَامِهِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ لِيُوَافِقَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ وَجُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ لِأَنَّ دُونَ عِنْدَهُمْ ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ فَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً وَجَوَّزَهُ الْأَخْفَشُ وَالْكُوفِيُّونَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا أُضِيفَ إلَى مَبْنِيٍّ كَالْوَاقِعِ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَجَوَّزَ الْأَخْفَشُ بِنَاءَهُ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهِ إلَى مَبْنِيٍّ وَأَوْجَبَ غَيْرُهُ رَفْعَهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ وَلَوْ جَارِيًا) هَذِهِ الْغَايَةُ لِلرَّدِّ.
وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ م ر وَالْجَارِي كَرَاكِدٍ فِي تَنَجُّسِهِ بِالْمُلَاقَاةِ وَفِيمَا يُسْتَثْنَى.
وَفِي الْقَدِيمِ لَا يَنْجُسُ بِلَا تَغَيُّرٍ لِقُوَّتِهِ بِوُرُودِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ اهـ (قَوْلُهُ كَزَيْتٍ وَإِنْ كَثُرَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ جَارِيًا فَإِنَّهُ يَنْجُسُ جَمِيعُهُ اهـ ح ل حَتَّى لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي آخِرِ الْقَنَاةِ الْجَارِي فِيهَا الزَّيْتُ وَاتَّصَلَ الزَّيْتُ بِهَا تَنَجَّسَ جَمِيعُ مَا فِي الْقَنَاةِ وَلَوْ جُعِلَ حَائِلٌ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالزَّيْتِ بَعْدَ الِاتِّصَالِ تَنَجَّسَ مَا وَرَاءَ الْحَائِلِ الَّذِي لَمْ يُصِبْ النَّجَاسَةَ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ الْقَنَاةُ مُسْتَوِيَةً أَوْ قَرِيبَةً مِنْ الِاسْتِوَاءِ بِأَنْ كَانَ فِيهَا ارْتِفَاعٌ يَسِيرٌ فَإِنْ كَانَ فِيهَا ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ كَثِيرٌ فَلَا يَنْجُسُ الْمُرْتَفِعُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْمُنْخَفِضِ لِلنَّجَاسَةِ فَلَوْ جَعَلْنَا حَائِلًا لِلْمُرْتَفِعِ كَانَ طَاهِرًا اهـ ح ف وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَارِيَ مِنْ الْمَاءِ وَمِنْ رَطْبٍ غَيْرِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُسْتَوٍ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ الِاسْتِوَاءِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْحَدَرًا مِنْ مُرْتَفِعٍ جِدًّا كَالصَّبِّ مِنْ إبْرِيقٍ فَالْجَارِي مِنْ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا لَا يَنْجُسُ مِنْهُ إلَّا الْمُلَاقِي لِلنَّجِسِ مَاءً أَوْ غَيْرَهُ وَأَمَّا فِي الْمُسْتَوِي وَالْقَرِيبِ مِنْهُ فَغَيْرُ