تواريك قال:؛ فما قربها «1»؟ " قلت: شجرة مثلها أو قريب منها.
قال: فاذهب إليهما فقل: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «2» يأمركما أن تجتمعا بإذن الله" قال: فاجتمعنا، فبرز لحاجته ثم رجع فقال:" اذهب إليهما فقل لهما" إن رسول الله يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها فرجعت «3». قال: وكنت معه ذات يوم جالسا إذ جاء جمل يخب حتى برك بين يديه ثم ذرفت «4» عيناه فقال:" ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا"/ قال: فسألت فوجدته «5» لرجل من الأنصار، فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ قال: لا أدري، عملنا «6» عليه ونضحنا عليه «7» حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال:" فلا تفعل هبة لي، أو بعنيه" قال «8»: بل هو لك يا
رسول الله.
قال: فوسمه بسمة الصدقة «1» ثم بعث به «2». ومنها: أنه صح أن قتادة بن النعمان قلعت عينه في حرب فقال: يا رسول الله إن لي امرأة وأنا أحبها وأخاف أن تبغضني لعوري أو كما قال «3»، وكانت قد سالت على خده.
فأعادها النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانها فكانت أحسن عينيه بعد «4». وروى البكري «5» في سيرته: أن جابر بن عبد الله الأنصاري دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته في حفر «6» الخندق" وقد ذبح له شاة وطبخها وكان له ابنان صغيران،/
فقال أحدهما للآخر: قم حتى أفعل بك، كما فعل أبونا بالشاة، فذبحه ثم جاء «1» ليجعله في التنور، وهو مسجور، فوقع الآخر على رأسه فيه فاحترق، فوقع الصائح في دار جابر.
فأخبر النبي بذلك فدعا بهما، فشملهما بكساء أو نحوه، ثم توضأ وصلى ودعا الله، فقاما حيين «2». إلا أن هذا لم يثبت ثبوت غيره من الخوارق «3». ومنها: أنه- عليه السلام- يوم حنين لما ولى أصحابه نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال:" شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله.
وقسم رسول الله غنائمهم «4» بين المسلمين" رواه مسلم «5»./
وفي بعض الروايات أنه قال لبغلته: الصقي بالأرض فلصقت، فأخذ ترابا ثم قامت.
وهذا لا ينافي قوله في رواية مسلم: نزل عن البغلة، لأنها لما لصقت بالأرض صار كالنازل عنها بالأرض، فشبه على الراوي فظنه نزولا حقيقيا خصوصا في ذلك الوقت الذي تشتبه الحقائق فيه على الإنسان لاشتغاله بالحرب والقتال «1». ومنها: قوله لأصحابه:" إني لأراكم من وراء ظهري «2» ". ومنها: ما تواتر عنه من نبع «3» الماء من بين أصابعه كالعيون في مرات كثيرة يطول- عليّ- ذكرها «4». ومنها: ما أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال: كنا مع
النبي صلى الله عليه وسلم في «1» مسير،/ فنفدت أزواد القوم، حتى هموا بنحر بعض جمالهم.
فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها ففعل.
قال: فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره، فدعا عليها/ حتى ملأ القوم أزودتهم.
فقال عند ذلك:" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما «2» إلا دخل الجنة" «3». وفي أفراده أيضا: من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله فجمعنا تزوادنا «4» فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم «5» فإذا هو كربضة العنز ونحن أربع
عشرة مائة.
قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا.. «1» ". قلت: وهاتان قضيتان لوجهين: أحدهما: أن الحديث الأول كان بإشارة عمر، وهذا كان ابتداء من النبي- صلى الله عليه وسلم- «2» على ظاهر الحديث.
الثاني: أنه تبين في غير هذا الطريق أن إشارة عمر كانت «3» في غزوة تبوك وكان عسكرهم فيها فوق ثلاثين ألفا «4»، وهذا الحديث أخبر أنهم كانوا أربع عشرة مائة.
إلى قضايا كثيرة غير «5» هذه، حصل لنا من مجموعها العلم الجازم
بظهور الخارق المطلق على يديه، وإن لم يحصل العلم بوجود كل واحدة واحدة من هذه القضايا الجزئية بعينها، فهذا هو التواتر المعنوي.
وهذا المذكور في إطعام الخلق الكثير من زاد قليل، أعظم مما حكاه النصارى في الإنجيل عن المسيح أنه أطعم أربعة آلاف رجل وامرأة من خمس خبزات وحوتين، وفضل اثنتا «1» عشرة سلة «2»، لأن العسكر كان في تبوك فوق ثلاثين ألفا.
فإن قيل: هذا إنما تواتر عند المسلمين، ولم يتواتر عندنا.
قلنا: لا يخلوا إما أن تشترطوا في التواتر ما اشترطه اليهود من أن المخبرين به لا يجمعهم دين واحد أولا تشترطوا ذلك،/ فإن اشترطتموه لئلا يلزمكم تواتر هذه الخوارق لمحمد، لزمكم مثله لليهود فإنهم يقولون: ما تواترت عندنا خوارق المسيح.
والنصارى متهمون.
وإن لم تشترطوه فهذه خوارق قد تواترت عند المسلمين في شرق الأرض وغربها، فيلزمكم التصديق بها.
ثم نفرض الكلام معكم في هذا الخارق الخاص: وهو إطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير.
فنقول: كما لم يتواتر ذلك/ عندكم عن محمد، كذلك/ لم يتواتر عندنا عن المسيح، بل إنجيلكم رأيناه، فإن سلمتم سلمنا، وإن منعتم منعنا.
فإن قلتم: نمنع وتمنعون، ثم نرجع إلى ما سلمتموه من إحياء الموتى ونحوه فأنتم إلى ماذا ترجعون؟.
قلنا: أما أولا «1»: فنحن ما سلمنا معجزات المسيح المطلق الذي تعتقدونه أنتم إلها أو ابن إله.
وتعتقده اليهود: ابن يوسف النجار، أو لبغيّة «2»، وإنما سلمنا معجزات المسيح، الذي بشر بمحمد وشهد له بالرسالة، وأمر من أدركه منكم باتباعه.
أما مسيحكم «3» الذي تعنونه فلا نسلم أنه كان له وجود فضلا عن أنه أتى بمعجز أو غيره «4». ولو سلمنا ذلك لكم للزمنا أن نعتقد إلهيته كما اعتقدتم.
وذلك خروج عن دين الإسلام والسلام.
وأما ثانيا: فإنا نرجع إلى القرآن، وسنبين وجه كونه معجزا.
وقوله:" إن أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم القيامة".
قلنا: هذا سوء أدب لا يليق على عامة الناس، بل أشرافهم، فضلا عن الأنبياء أرباب الأديان العامة والنواميس المشهورة.
ولكن هذا النصراني قد يعذر طبعا في هذا السفه، فإنه قد عاش في أرض الإسلام عمره ذليلا مهانا عليه الجزية، ملتزما أحكام الملة،/ لم يقدر على شفاء غيظ، ولا إراقة فيض، فشفى غيظه بالسفه خفية، كما قال بعضهم: " أوسعتهم سبا، وراحوا بالإبل «1» " وكما قالت العامة في المثل: ألستم في الهوى، والصفع في القفا؟ «2» قوله:" وأهل الحق القليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى الحياة الدائمة".
قلنا: هذا مستدرك من وجهين: أحدهما: قولك: إنكم قليلون بالنسبة إلى المسلمين.
إن عنيت في دار
الإسلام فهو صحيح.
لكن مرادك خلافه بمقتضى كلامك: يتبعون سيدنا المسيح، فإن هذا يعم- بزعمك- كل نصراني ينتحل دين المسيح، فيكون التهافت على هذا التقدير بين لفظك ومرادك.
وإن عنيت مطلقا، فالنصارى أكثر الأمم فإنهم استقلوا بالبلاد الشامية «1»، وأطراف السواحل، وهم أهل الحبشة وملاكها، وبهم وبيأجوج ومأجوج «2» تمتلئ جهنم إن شاء الله.
الوجه الثاني: قولك:" سيدنا المسيح".
من سيدك المسيح؟ لعمري إن مع التحقيق سيدك المسيح ضاع.
لأن المسلمين قالوا: ما قتل ولا صلب، بل رفعه الله إليه.
وأنتم تقولون: قتل وصلب ودفن وقام «3» بعد ثلاث من الأموات، واليهود وافقوكم على صلبه، وخالفوكم في قيامه.
فعلى قولهم سيدكم المسيح قد صار رميما، ثم إذا كان يوم القيامة كان لكم أشد
الناس خصما لكذبكم وافترائكم عليه واتخاذه إلها،/ ومخالفتكم لوصاياه من بعده.
ثم يلزمه من هذا الكلام تناقض آخر: وهو أنه قد سبق منه انكار النعيم الحسي في الآخرة من الأكل والشرب والنكاح «1». ثم قد/ أثبت هاهنا جهنم، وذكرت في الإنجيل في مواضع كثيرة، تارة بلفظها وتارة بمعناها، فيقول:" هنالك تكون الظلمة، وصرير الأسنان «2» " وهذا عذاب حسي.
فالحكمة تقتضي اتحاد جنس الثواب والعذاب.
فإما أن يكونا حسيين، وهو نقض لما سبق منه من إنكار النعيم الحسي، وإما عقليين، كما احتج عليه في طرف «3» النعيم بقول" ابن سينا" في" الإشارات" فيلزمه أن يكون العذاب عقليا، كما قرره الفلاسفة.
وفي ذلك ترك ما صرح به الإنجيل من العذاب الحسي.