[فوائد النكاح وفضيلته]
وأما ما ذكر من قذارة/ النكاح، فنقول: لا نسلم أن فيه قذارة، بل فيه مصالح: منها: سرور النفس به، وانشراحها للعبادة، ولعل بدونه لا تنشرح لذلك.
ومنها: تحصين الفرج عن الزنا المحرم «1» بإجماع أهل الملل والعقول.
ومنها: تحليل فضلات البدن المحتقنة فيه، وانعاش الحار الغريزي «2» به، فيخف بذلك البدن وينشط.
ولهذا بعض الناس يمرض بتركه وتكثر في بدنه الجراحات «3» والدماميل ونحوها «4».
ومنها: أنه يحسن الخلق، ويبسط بشرة الوجه «1». وقد نص" جالينوس" «2» على أن سبب سوء خلق الخصيان، وتعبيس وجوههم وانتهارهم لمن كلمهم: ترك «3» الجماع، لاحتباس الماء، وتعفنه في أبدانهم.
ولئن سلمنا أن فيه قذارة فالجواب من وجهين: أحدهما: أن قذارته شرعية أو طبيعة؟ إن قلت: شرعية.
فهو ممنوع فإن الذي «4» يصلح أن يضاف إليه الاستقذار في الجماع/ هو: المنيّ «5»،
والمذي «1»، ورطوبة فرج المرأة «2». وهذه الأشياء طاهرة عند كثير من أهل الشرع.
ومن قال بنجاستها منهم عفا «1» عن يسيرها دفعا للحرج والمشقة فأما مخرج البول والغائط فلا وطء «2» فيه «3»، والحيض يحرم الوطء «4» في زمنه.
فأين القذارة إذن في الجماع؟.
وإن قلت: طبعيّة لم يلزم من ذلك وجوب اجتنابها عقلا، ولا شرعا، لأن هذه الأشياء كالبصاق، وبلغم المعدة والرأس والمخاط وعرق الحمى.
بل مطلق العرق.
فإن هذه كلها فضلات تحللها الحرارة من البدن، وهي تورثه خفة ونشاطا وصحة، ومعتمد العلاج الطبي تنقية «5» البدن من المواد التي ليس من شأنها أن تكون فيه.
الثاني: سلمنا أن فيه قذارة بكل حال.
لكن مفسدة تلك القذارة مغمورة بما فيه من المصالح العظيمة الدنيوية والأخروية «6». والعقول/ الصحيحة لا ترجح إعدام مفسدة واحدة خفيفة خصوصا وقد باشرها الأنبياء والصديقون أجمعون،- إلا من شذ منهم- على وجود مصالح كثيرة جمة النفع.
ثم أين قذارة الجماع من قذارة الغائط؟ الذي يتعبد مخاييس «1» النصارى ببقائه على أبدانهم، حتى تغالي فيه النصارى، فجعلوا يتهادونه يتبركون ويستشفون به من الأمراض، بناء منهم «2» على فهمهم الفاسد لكلام المسيح في الفصل الثامن والعشرين/ من إنجيل متى «3» حيث يقول:" ليس النجس ما دخل الفم ثم خرج مستحيلا من المخرج.
إنما النجس ما خرج من الفم من الكلام السيئ، لأنه يدل على نجاسة القلب" هذا معنى كلامه «4». ومن أنكر من النصارى أنهم يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف منكر لما يعلم- كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء «5» في الدبر- وهو
منصوص في كتبهم وعن أئمتهم «1».