[رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له]
قال:" ومن ذلك قوله في سورة يوسف: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ... (100) إلى قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً... (100) «3» وتقرير السؤال من وجهين:
أحدهما: أنه أخبر أن أبوي يوسف حضرا عنده ذلك الوقت، وقد ثبت في التوراة: أن راحيل أم يوسف ماتت في نفاسها ببنيامين ودفنت ببيت لحم «1». قبل أن يطرأ ليوسف ما طرأ «2». والثاني: أنه ذكر أنهم سجدوا ليوسف، ولم يذكر في التوراة.
غير أن يعقوب لما رأى يوسف فتح ذراعيه، وعانقه باكيا «3» ". قلت: والجواب عن الأول من وجوه: أحدها: الجواب العام، وهو: عدم الوثوق بالتوراة، وقد بينت في التعليق عليها «4» من التناقض والتهافت ما تبين لكل عاقل أنها مما لا يعتمد عليه.
الثاني: أني تأملت هذا الحكم في التوراة على جهة التفصيل فوجدته مختلفا مشتبها جدا وذلك أنه ذكر فيها أن راحيل أم يوسف ماتت على طريق بيت لحم عند قدوم يعقوب من عند خاله" لابن" وذلك قبل أن يرى يوسف الرؤيا بمدة «1»، وذكر فيها: أن يعقوب بعد اجتماعه/ بيوسف بمصر «2» قال له:" وإني حين/ أقبلت من فدان «3» آرام- يعني قدومه من عند خاله" لابن" من حوران «4» - ماتت راحيل أمك في أرض كنعان «5» فقبرتها في بيت لحم «6» " فهذان نصان يقتضيان: أن أم يوسف ماتت قبل أن يرى الرؤيا، وذكر فيها: أن يوسف لما جاءه
إخوته يطلبون الميرة «1»، فعرفهم وهم له منكرون، اتهمهم بالجاسوسية وجعل ذلك ذريعة إلى سؤالهم عن عدتهم، حتى انتهى إلى ذكر" بنيامين" فقال: ائتوني به لأعلم صدقكم، فرجعوا إلى أبيهم فقالوا: أرسل معنا بنيامين، فقال لهم يعقوب: " إن أخاه قد مات ولم يبق لأمه غيره ولعله تصيبه في الطريق" «2». وظاهر هذا: أن أمه الآن حيه، وأنه خاف على وجع قلبها وقلبه لفقده وكذلك ذكر فيها: أن إخوة يوسف قالوا له حين سألهم عن عدتم «3»:" إن لنا أبا شيخا، وله ابن صغير، وهو ابن كبره، ومات أخوه، وهو واحد لا غير لأمه وأبيه، وأبوه يحبه «4» ". وهذا قاطع في أن أم" بنيامين" حية إلى الآن «5» - وهي أم يوسف- وهذا تهافت في التوراة «6» كما تراه.
فمن احتج بالنص الأول على موتها قبل هذا الحال
احتججنا عليه بهذا القاطع «1» أنها باقية إلى هذا الحال.
ونؤكده بقول يعقوب ليوسف حين قال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ4«2» فزجره يعقوب وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجئ أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض"/ «3». فنقول: إن كانت أم يوسف التي ولدته حية الآن فهو يناقض ما في التوراة من أنها ماتت قبل ذلك ودفنت ببيت لحم.
وإذا وقع التناقض فيها سقط الاحتجاج بها «4»، وليس للخصم مستند في ذلك غيرها، وإن كانت قد ماتت فقد سمى يعقوب ليوسف بعد أمه أما، فتلك هي التي سجدت له مع يعقوب عند تأويل الرؤيا، سواء كانت هي والدته، أحياها الله حينئذ تصديقا/ لرؤياه «5»، كما قال
الحسن البصري «1»، أو كانت خالته وسميت أما مجازا، كما قال بعض المفسرين «2». وكما قد ثبت في الإنجيل: أنهم كانوا يسمون مريم ويوسف: أبوي المسيح، في غير موضع، وقالت له مريم لما تخلف عنها في أوراشليم «3»:" يا بني لم تخلفت عنا وتركتني وأباك نطوف عليك «4» "؟ فكما سمى يوسف أبا المسيح لكونه زوج أمه مجازا «5»، فكذا سميت زوجة يعقوب أما ليوسف مجازا،
خصوصا وكانت زوجة أبيه أخت أمه نسبا وهي" ليا/ بنت لابن" فقرب المجاز وزال الإشكال.
والله أعلم بالصواب.
الثالث: أن المراد بأبويه: أبوه وخالته، والعرب تسمي الخالة أما، والعم أبا كما روى أبو إسحاق «1» عن البراء «2» عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «3». وعن ابن عمر «4»: أن رجلا قال:
يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك من أم؟» قال: لا.
قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم.
قال: «فبرها».
أخرجه الترمذي أيضا «1». وقال الله تعالى حكاية عن بني يعقوب أنهم قالوا له: نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً «2» فسموا إسماعيل أباه، وإنما هو عمه، وتكملة هذا الوجه قد سبق في الذي قبله.
الرابع: ما ذكره الحسن وهو أن الله- سبحانه- أحيا راحيل أم يوسف حتى سجدت له تحقيقا لرؤياه.
وقول القائل:" إن هذا ونحوه لم يذكر في التوراة": جهالة، وضيق عطن «3» في العلم، فإن التوراة التي عندكم- إن صح أنها التي جاء بها موسى-
فهو جزء «1» يسير من علم الله، وتضمنت يسيرا مما جرى للقوم، وقد جرى لهم جزئيات وتفاصيل لم تذكر، فلعل هذا منها.
والله- سبحانه- يفضل من شاء على من شاء في العلم والجسم والمال والعقل وغير ذلك «2». فما المانع أن يكون/ الله- سبحانه- اختص محمدا من العلم بما لم يخصكم «3» كما خصه باذلالكم وإرغام أنوفكم، وأخذ الجزية منكم، نحو ثمانمائة سنة «4». والجواب عن الثاني- وهو سجودهم له- من وجوه: أحدها: هذا بعينه، وهو أن في القرآن زيادة علم لم تبلغكم، تخصيصا من الله لغيركم عليكم.
الثاني: أن السجود المذكور في القرآن ليس المراد به وضع الجباه على الأرض بل هو الإيماء بالرءوس، والانحناء على جهة التعظيم، وكانت تلك تحية الملوك عندهم، فلعله لخفاء صورته وعدم ظهور تأثيره في هيئة الإنسان الانتصابية «5» لم يذكر في التوراة اعتبارا/ بصورته، وذكر في القرآن اعتبارا بمعناه، وهو التعظيم «6».
على أنه قد صرح في التوراة «1» بأن إخوة يوسف لما عرفهم وهم له منكرون" خروا له سجدا".
ثم لما «2» عادوا المرة الثانية" خروا له سجدا" «3»، وأن يوسف لما جاء بابنيه" ميشا" «4» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرّك عليهما، سجدا له «5». وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «6» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له:
قد وهبناها لك، خر لهم ساجدا «1» على جهة الشكر حيث ياسروه ولم/ يعاسروه.
وسألهم أن يأخذوا منه ثمنها.
فقد كان السجود عندهم سهلا متعارفا في هذه المواطن اليسيرة الخطب، وهو من ملة أبيهم إبراهيم «2». وفي التوراة:" أن يعقوب لما التقى بأخيه العيص سجد له «3» بالأرض سبع مرات" «4»، فما ظنك بحال الدخول على يوسف من قوم متشوقين إليه، وخجلين منه بعد سنين متطاولة، فإن العقول تجزم بأن هذا المقام أولى بالسجود من كل مقام، خصوصا لشخص قد أحياهم الله به، وقد غمرهم بإحسانه بعد أن بالغوا في الإساءة إليه.
ففي السجود له فوائد «5». منها: إقامة رسم الملك بفعل تحيته «6». والثانية: التوصل إلى إزالة ما في نفسه.
والثالثة: إظهار المحبة ليوسف والطاعة له ليرضى/ عنهم يعقوب، ويطيب قلبه بتصافيهم.
الرابعة: مكافأته على بعض إحسانه.
الخامسة: تصحيح رؤياه، فإن" رؤيا الأنبياء وحي «1» ". الثالث: أنه ذكر في التوراة «2» أن يوسف لما قص رؤياه على يعقوب زجره لما قصها، وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ " وكان يعقوب قد وعى معنى الرؤيا.
قلت: وإنما أراد أن يصد عنه كيد إخوته له باستبعاده ذلك وإنكاره «3». قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له.
وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام.
وأيضا: فإن في التوراة «4» أن يوسف رأى رؤيا أخرى وهي أنه رأى أنه وإخوته جمعوا حزما في المزرعة، وقد قامت حزمته، وجاءت حزم إخوته، فسجدت لها.
وهذا يدل على سجودهم له، لما التقوا لأن الرؤيتين دلتا على حكم واحد، وهو السجود.
الرابع: أنه يجوز حمل ما في القرآن على أن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «1» جملة.
وقوله: وخَرُّوا جملة مختص ضميرها بإخوة يوسف لم يتناول أبويه، فيكون ذلك موافقا لرؤيا الحزم، فإنها إنما تضمنت ما يدل على سجود الإخوة فقط دون أبويه، ويصير هذا قريبا جدا «2» لأن إخوته سجدوا له قبل ذلك مرتين بنص التوراة، وهذه تكون ثالثة ووقتها أولى بالسجود من غيره على ما سبق وإنما ترك ذكره في التوراة اكتفاء عنه بالمرتين الأوليين، وتنبيها عليه بطريق أولى.
قلت: وفي ورود/ القرآن برؤيا النجوم دون رؤيا الحزم أقوى دليل على صدق محمد- عليه السلام- وأن القرآن وحي من الله، وأنه إنما أخبر بما أوحى إليه، وإلا فلو كان ينقل ذلك من كتب/ الأولين لتتبعها/ ولظفر برؤيا الحزم، ولذكرها خشية أن يطعن عليه بالنقص والزيادة فاعلم ذلك.