[تجسم الملائكة والرد على النصراني في إنكار ذلك]
قال:" وفي سورة غافر يصف الملائكة حيث يقول: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا... (7) «1». قال ابن عطية في التفسير/: روى جابر بن عبد الله أن النبي «2» قال: «أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش: بين شحمة أذنه وعاتقه «3» مسيرة سبعمائة سنة» «4». قلت: إن كان إنكاره من هذا للإخبار بالعرش، أو لحملته أو لاستغفارهم للمؤمنين فهذا من الأسرار الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، كما سبق في المقدمة، فيجب تسلمها عن/ أهل الشرائع كما تلقيتم عن المسيح «5» أنه بعد بعثه
من الأموات صعد فجلس عن يمين أبيه.
وأنه يأتي يوم القيامة في مجد أبيه على السحاب، وحوله الملائكة.
«1» وإن كان انكاره لعظم خلقة هذا الملك المذكور فنقول «2» له: إن هذا حديث لم نعرفه إلا في كتاب" العظمة" «3» لأبي جعفر بن حيان «4»، وليس مثله مما تصادم «5» به الشريعة «6». وثانيا: إن هذا أمر ممكن قد أضيف إلى قدرة الله، وأخبر به الصادق فما ينكر من وقوعه؟ ثم إن الجبال والبحار، بل كرة الأرض، بل كرة العالم جميعه بأفلاكه ونجومه خلق عظيم من خلق الله فلا فرق بينه وبين هذا الملك إلا الشكل والحياة.
على أن الفلاسفة يرون الأفلاك ونجومها أحياء ناطقة متحركة بالإرادة فلا فرق إذن بينها وبين الملك المذكور، وهذه مشاهدة لكل بصير متبصر، فما وجه إحالة مثل هذا حتى يقدح به في كلام الأنبياء.
قال:" وفي سورة القصص «1»: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ... (88) يعني الله- سبحانه- «2» فجعل الفناء شاملا لما سوى الله تعالى من الملائكة والنفوس".
قلت: كأن وجه إيراده: أن الملائكة والنفوس مجردات عن المادة لا يتصور فناؤها بناء على ما قدم من ذلك.
وقد سبق جوابه، وأن الهلاك ممكن في الجميع، ثم ينشئه الله تعالى- كما أخبر-.
ثانيا: أو نقول: ليس المراد بالهلاك العدم المحض، بل هلاك هذه الهيئة التركيبية، كما أن الوعاء من زجاج أو ذهب إذا انكسر فقد هلكت وعائيته، لا زجاجيته وذهبيته وهذان قولان مشهوران/ للمتكلمين «3» وهو أن الأجساد تعدم عدما محضا ونفيا صرفا أو تتفرق مع بقاء أجزائها المفردة.
والمسألة مبنية على مسئلة الجوهر الفرد، وهو الجزء/ الذي لا يتجزأ «4». وهي مشهورة بين الفلاسفة والمتكلمين.
قال:" وفي أول سورة فاطر:... جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ....1 قلت: كأنه ينكر الأجنحة للملائكة لاستلزامها الجسمية بناء/ على ما سبق من تجردها عن المادة.
وقد سبق جوابه كافيا.
وقد دفع الله سبحانه «1» هذه الشبهة بقوله متصلا بالكلام المذكور:" يزيد في الخلق ما يشاء" أي لا تستغربوا ملكا له جماعة أجنحة فإن لله التصرف والقدرة على ما يشاء.
قال في سورة الزمر «2»: ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ... (68) وذكر قول ابن عطية عن السدي «3»:" استثنى جبريل وميكائيل وملك الموت ثم أماتهم بعد" «4». قال:" فصرح في هذه المواضع: أن الملائكة مجسمة وأن لها أجنحة وهي كما يبرهن عند العلماء: عقول بسيطة مجردة.
والموت مفارقة الروح الجسد، ولا أجساد للملائكة".
قلت: جواب هذا كله سبق عند أول مكان ادعى تجرد الملائكة والشياطين عن المادة «1». وبينا أن ذلك لا مذهب للأنبياء ولا الفلاسفة.
ثم يقال له: التجرد عن المادة إن كان صفة نقص وجب تنزيه الملائكة عنها لأنهم أولى بالكمال فيلزم أن يكونوا ذوي مادة، وإن كان صفة كمال.
فالله سبحانه إن لم يكن/ متجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة أكمل منه، وإن كان متجردا عن المادة فقد جوزتم عليه التلبس بالمادة حيث اعتقدتم اتحاد لاهوته بناسوت المسيح، أو جعلتم الثلاثة واحدا.
وقد سبق جميع هذا وإنما أعدناه بيانا.