[بين القرآن والنصارى فيما أوتي سليمان عليه السلام]
قال:" ولقد قال «3» في إخباره عن ملك سليمان خرافات.
أفصح بها القرآن من ذلك في سورة النمل: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ إلى قوله:... وأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (44) «4» وذكر كلاما يتعلق بتفسير ذلك عن ابن عطية حكاه عن ابن سلام وابن عباس وغيرهما.
ثم قال:" فانظر بعقلك أيها المسترشد إلى هذه الحكاية، وما تحتوي عليه من الأمور التي لو كانت لسليمان أو بعضها لسبق ذكر ذلك في المصاحف لأنها من العجائب التي تتوفر الدواعي على نقلها.
فعلم أن تلك خرافات/ موسوسة".
قلت: أما ما ذكره ابن عطية وغيره من المفسرين فلسنا بصدد الجواب عنه، لأنا لسنا على يقين من صحته، وهم ليسوا معصومين.
وإنما نحن بصدد الجواب عن القرآن الكريم، الصادر عن المعصوم «1» على لسان المعصوم بواسطة المعصوم «2». والجواب: أن ما ذكر في سورة النمل وغيرها من سور القرآن من الحكايات «3» / والقصص والعجائب ممكن أخبر به الصادق.
وكل ممكن أخبر به
الصادق فهو حق واقع.
فما ذكر في سورة النمل وغيرها حق واقع.
أما إمكانه فلا نزاع فيه عند من سمعه من العقلاء.
إذ الممكن ما لا يلزم من فرض وقوعه محال.
وأما/ كون الذي أخبر به صادقا فلوجوه: أحدها: ظهور المعجزات الخوارق على يديه.
وسنذكرها، وبرهان إثباتها فيما بعد عند قدحك في القرآن في شرط المعجز.
الثاني: ما اشتهر من أن قريشا ما كانت تسميه منذ كان صبيا حتى ادعى النبوة إلا الأمين «1» وإنما كذبوه فيما بعد ذلك، لكونه أخبرهم بحقائق إلهية لم تدركها عقولهم.
وذلك جهل منهم بأحكام الشرائع.
وأنت قد قدمت عند بيان ضرورة النبوة: أن العقل لا يستقل بمعرفة الحقائق الإلهية بدون تأييد إلهي وكتكذيب اليهود للمسيح، وكان صادقا.
الثالث: الطريق التي استدل بها" هرقل" «2» ملك الروم على صحة نبوته.
وأنا أسردها بكمالها تكميلا لفائدتها: قال البخاري: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع «3»، قال: أخبرنا
شعيب «1» عن الزهري «2» قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود «3» أن عبد الله بن/ عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب «4» أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مادّ «1» فيها «2» أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء «3» فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا.
قال: ادنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره.
ثم قال لترجمانه: قل «4» لهم إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبا لكذبت عنه.
ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا.
قال: فأشرف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة «5» لدينه بعد أن يدخل فيه «6»؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في/ مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال: ولم تمكّني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت:
الحرب بيننا وبينه سجال «1»، ينال منا وننال منه.
قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب/ وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك؟ هل أحد منكم قال هذا القول؟ فذكرت أن لا.
فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي «2» بقول قيل قبله.
وسألتك: هل كان من آبائه من «3» ملك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه.
وسألت: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا.
فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله./ وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد سخطه لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا.
وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب «4». وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا.
وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا
وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.
فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين.
وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت «1» لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدمه" «2». قلت: فهذا حديث صحيح ثابت بإجماع المسلمين، ويستحيل عادة اختلاق مثله.
ثم لو سلم أنه مختلق، لكن هذه القضايا التي فيه مشهورة مثل أنه لم يكن في قومه/ نبي «3» ولا ملك، وأنه غير كاذب ولا غادر ونحوها.
ووجه الاستدلال منها ظاهر جدا، فلو وفق النصارى كلهم لما وفق له هذا الملك «4»، لأفلحوا كل الفلاح، ثم مقصودنا منه: استدلاله على صدقه بقوله: " لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله"./ وهكذا النجاشي ملك الحبشة لما سمع ما أنزل على محمد في سورة مريم من صفة المسيح حيث يقول: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) «5»
الآيات.
قال:" ما عدا المسيح ما قال هذه" يعني عوده في يده «1»، وبكى في حديث طويل، وهو حديث أم سلمة «2» عند هجرتهم إلى الحبشة، وفيه وفي أصحابه أنزل الله سبحانه «3»: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى... إلى قوله: وإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ... (83) «4».
فهؤلاء ملوك النصارى يعترفون بالحق، ويصيرون إليه، فلا عبرة بقدح حثالتهم ورعاعهم.
وإنما قلنا: إن كل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع لوجهين: أحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن لأحد وثوق بإخبارات الله ورسله وليس كذلك.
الثاني: لو لم يكن كذلك لم يكن المخبر صادقا.
لكنا فرضناه صادقا.
هذا خلف.
وأما قوله:" لو كانت هذه الأمور لسليمان لسبق «1» ذكرها في المصاحف" فجوابه سبق في غير موضع.
وهو أن هذا استدلال «2» على الوجود المحض بالعدم المحض وهو جهالة.
وكم من واقعة عظيمة وغيرها قد وقعت/ في ملك الله لم تذكر في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن.
وقد قال الله سبحانه لمحمد- عليه السلام- في القرآن: ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) «3» وقال لليهود لما سألوه عن الروح:... قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) «4».