[المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع]
المقدمة الثانية: إنه من المعلوم عندنا وعندهم: أن الله- سبحانه- إنما خلق العباد ليعبدوه كما صرح بذلك في القرآن الكريم حيث يقول: وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «4». لكن لما كانت عبادة المعبود تستدعي تقدم معرفته، خلق لهم العقول ليعرفوه بها، ويوطدوا بها قواعد العبادة ومقدماتها.
فظهر من هذا التقرير ما قاله المحققون من أهل العلم بالأصول، وهو أن
العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده «1»، الذي وافقنا عليه النصارى لفظا لا معنى «2»، وحدوث العالم وجواز إرسال الرسل والدليل على صدقهم، وهو المعجز الذي به تثبت النبوة «3». فإذا ثبتت ثبت الشرع، ووجب قبول ما جاء به.
ثم إن كان مما يدركه العقل فلله الحمد.
وإن كان مما لا
يدركه- وهو المسمى في عرف فقهاء الإسلام: تعبدا- وجب تسليمه، وتقليد «1» الشارع فيه، وبثبوت الشرع ينعزل العقل كما ينعزل بقدوم السلطان من سفره من كان استنابه موضعه في بلده.
وسر هذه المقدمة: ما قررته في" القواعد الصغرى «2» " وهو: أن العبادات والتكاليف مستلزمة للمشقة على أهل التكليف.
لكن المشقة تارة تكون عملية كما في الصلاة والصيام والحج والجهاد «3»، وتارة علمية كما في الإيمان بالغيب.
وهو
كلما غاب عن العيان كالله «1» - سبحانه- وملائكته وأحكام الآخرة.
وهذا أشق التكليفين «2». ولهذا بدأ الله- سبحانه وتعالى- به في وصف المؤمنين حيث قال/: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ...3«3» فالأول: تكليف علمي.
والثاني: عملي.
وكذلك قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ... (19) «4» ولذلك المسيح وغيره من الأنبياء/ إنما بدءوا بدعاء الناس إلى الإيمان بهم، وأنهم من عند الله.
ووجه المشقة في الإيمان بالغيب: هو أن النفس الناطقة مطبوعة مفطورة على حب إدراك الأمور بحقائقها، فإذا رأت ما لا تدرك حقيقته تألمت واضطربت، كما يشاهده كل عاقل من غيره، ويجده من نفسه، حتى في أيسر الأشياء.
ولهذا يحدث «5» للنفس العجب، وهو عرض يلحقها لخفاء سبب الأمر الحادث، فإذا ظهر لها سبب الأمر «6» بطل العجب، واستراحت.
فحاصل الأمر: أن الإنسان مركب من هيكل ونفس، وأن التكليف واقع على جزئيه كليهما، على هيكله عملا، وعلى نفسه اعتقادا وعلما.
هذا كله مع اتفاق العقلاء «1» على أن الشرع لم يأت بما ينافي العقل، ولا يجوز فيه، بل بما قد لا يدركه العقل مع إمكانه في نفسه.
ولهذا قال" أرسطو «2» " على ما حكى عنه هذا النصراني في كتابه هذا الذي نحن بصدد مناقضته في بيان ضرورة النبوة للخلق قال/:" إن الحال في عقولنا عند النظر إلى المبادي الأولى «3»، كحال الخفاش «4» عند النظر إلى الشمس أعني أن الشمس في غاية الظهور في نفسها، وهي خفية عند الخفاش لضعف إبصاره".
وحكى أيضا هذا النصراني عن" ابن رشد «1» المالكي من المسلمين أنه قال:" لم يقل أحد «2» في العلوم الإلهية قولا يعتد به، ولم يعصم أحد من الخطأ فيها، إلا من عصمه الله «3» بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء «4» ". وحكى عن" أرسطو" أيضا أنه قال في كتابه" الأسباب" أنه قال:" العلة الأولى «5» أعلى من أن توصف، ولا تعجز الألسنة عن وصفها، إلا لأنها فوق كل علة «6» ".
وحكى عن أبي حامد/ هو الغزالي «1» - شيئا في معنى ذلك عزاه إلى" كيمياء السعادة" وإلى" المقصد السني «2». قلت: فالحاصل من هذا أن إدراك الشيء (قد يمتنع تارة لضعف المدرك كبصر الخفاش، وتارة لخفاء المدرك كالسهى «3» عند بعض الناس، كما أن التأثير «4») قد يمتنع في الأمور الفعلية والانفعالية تارة لضعف الفاعل.
كالسيف الكال وتارة لصعوبة القابل «5» أو ملابسة مانع له كالجسم الصلب إذا ضرب بسيف «6» ونحوه.
وفائدة هذه المقدمة: أن نحيل عليها بالجواب عن كل حديث أورده هذا السائل من السنة الإسلامية مما يقصر العقل عن إدراك مضمونه أو يدركه على تعسف، أو بتأويل بعيد.
وقد ساعدنا هو على ذلك بما ذكره عن الحكيم" أرسطو" فكان هذا الخصم كالجادع مارن أنفه بكفه «1»، والباحث عن حتفه بظلفه «2». وأيضا: فإن من الطرق العامة التي لا يستغنى عنها في كل شريعة، أو غالب الشرائع: أن يقال فيما اشتملت عليه من التعبدات العملية أو العلمية: هذا ممكن أخبر به الصادق، وكل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع.
فهذا المشار إليه حق/ واقع.
والنزاع في هذا الدليل يقع في أمرين: أحدهما: كون الأمر المشار إليه ممكنا، وقد بينا: أن الشرع لم يأت بما ليس ممكنا.
والثاني: في كون المخبر به صادقا.
وعلى أهل كل ملة بيانه بالدليل.
ونحن سنبين صدق محمد- عليه السلام- في أثناء هذا الكتاب، حيث يناسب ذكره،- إن شاء الله تعالى- على وجه يقبله كل منصف عاقل.