[الحشر والحساب يوم القيامة والرد على النصراني في إنكاره]
ومنها: في كتاب الزكاة «1»: حديث أبي هريرة: «ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة/ صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه» «2». وفي الحديث الآخر: «من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا «3» يأخذ بلهزمته «4» ثم يقول له: أنا مالك.
أنا كنزك.
ثم تلا: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «5» الآية «6».
وفي حديث أبي ذر: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي حقها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر «1»، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس» «2». وحديث أبي سعيد «3»: «تكون/ الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ «4» أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة.
فأتى رجل من اليهود.
فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم «5». ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى.
قال: تكون الأرض خبزة واحدة،
كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنظر النبي- صلى الله عليه وسلم «1» - إلينا وضحك «2» حتى بدت نواجذه ثم ذكر أن إدامهم بالام ونون «3» وهما ثور ونون يأكل من زائدة «4» كبدهما سبعون ألفا» «5». وحديث: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين «6»، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتمسى «7» معهم حيث أمسوا» «8» وفيه:" يقتص للشاة الجماء «9» من القرناء «10»، والعود لم خدش العود؟ " «11».
وحديث ابن عباس وعائشة: «يحشر الناس «1» حفاة عراة غرلا» «2» وحديث أبي هريرة: «إذا كان يوم القيامة دفع الله «3» إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فداؤك «4» من النار» «5». ثم قال:" فانظر إلى هذه الأحاديث، وما تضمنته من الأخبار بأن مال الإنسان الذي يبخل به يصير صفائح من نار، ويصير أيضا شجاعا أقرع.
وكيف أخبر عن حشر الحشرات والبهائم والعيدان، وأن الله يقتضي «6» بينهن.
وكيف تمشي الجمال والبقر على الناس؟ وكيف يحشر الناس «7» على الجمال ركابا؟ ".
قلت: والجواب عن هذا/ من وجوه: أحدها: أن كل هذا ممكن، لا شك في إمكانه وقد أخبر به الصادق فيجب قبوله.
الثاني: أنه ليس عندك في إنكاره إلا كونه لم يذكر في كتابك/ ونحوه وقد قدمنا: أن هذا استناد إلى الجهالة، واعتماد على الضلالة، ونحن عندنا أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم أكمل الأنبياء وأشرفهم، فلا يمتنع أن يختص من العلم بما لم يعلموه، على أن أصول دين الإسلام مشتركة بين سائر الأديان لقوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أَنْ أَقِيمُوا/ الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ «1». ولكن ذلك بدّل وغير في كتبكم لتطاول العهد، واعتوار «2» اللغات والألسنة عليه «3».
الثالث: أن هذا من الأمور الإلهية التي اعترفت أنت وحكيت عن أرسطو: " أن قوتنا بالنسبة إلى ادراكها، كإبصار الخفاش إلى الشمس" «1» وأن فائدة النبوات تعريف مثل ذلك، فليس لك أن تعترف بقصور عقلك عن أمر تعود فتنكره بناء على أن عقلك لا يدركه، بل إن اعترفت بأن الشرائع وردت بما يقصر عنه العقل البشري، لزمك تسليم مثل هذا إذا أخبر به صادق، ولا يبقى لك نزاع إلا في صدقه وعلينا بيانه، وإن أنكرت ذلك فلست من أهل الشرائع حتى نتكلم معك، لأن أهل الشرائع أجمعوا على خلافك «2». الرابع: أن العالم بأسره لما أنكر عليكم دعواكم: أن الله هو المسيح وأنه عبارة عن ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس، إله واحد، لجأتم إلى إمكان ذلك في قدرة الله، مع أن دعواكم إذا حققت كانت باطلة قطعا عند كل عاقل، وتمحلتم «3» لاثباتها بتشبيهه بالشمس المتحدة في نفسها المشتملة على جرم وضوء وشعاع، وبالزبرة «4» المحماة المشتملة/ مع وحدتها على حديد ونار وشرر، وأشباه هذا من الأشياء التي لا حاصل لها واستروحتم «5» إلى ذلك، مع أنه مكابرة جبناء فنحن أولى أن نلجأ في هذه الأمور الغائبة عنا، الممكنة في نفسها بلا خوف إلى قدرة الله سبحانه.
الخامس: أن هذه الأحاديث ممكنة وفيها فوائد وحكم، ومن أتى بشيء ممكن فيه حكمة وفائدة وجب قبوله منه، نبيا كان أو غيره، ما لم يقم دليل على «1» بطلانه.
أما امكانها فظاهر.
وأما فائدتها: أما في حديث الصفائح والشجاع الأقرع، فتخويف الناس وحضهم على أداء حقوق الفقراء من أموالهم «2». وفيها: حق لله، وهو تعبدهم بإخراج المال المحبوب، ووجه الجمع بينهما: إما بأن يحمل على أن بعض الناس يكوى بماله، وبعضهم يمثل له شجاعا، أو بأن مال الإنسان الواحد يكوى به تارة، ويمثل له شجاعا أخرى، ومعنى تمثيله له شجاعا: أن الله- سبحانه- يرسل عليه حية يعاقبه بها على ترك الزكاة.
وقوله:" أنا مالك، أنا كنزك" أي عقاب مالك، وجزاء منع حق كنزك.
أو أن الله يخلق من الذهب والفضة شكل حية، ثم ينفخ فيها الروح/ فتفعل ذلك «3»، كما أنه نفخ الروح في خشبة بيد موسى، فصارت حية تلقف ما
صنعوا «1». وأما بطح صاحب الأنعام لها حتى تطأه وتنطحه فظاهر الامكان وفائدته: ما ذكر.
وأما حديث «تكون الأرض خبزة» فهو شيء قد أخبر به النبي- صلى الله عليه وسلم- «2» ووافقه عليه حبر من أحبار اليهود، ولهذا فرح النبي- عليه السلام- بموافقته لئلا يستبعد ذلك منه جلف مثلك، وذلك يدل على أن اليهود يجدون ذلك في التوراة/ وهي حجة عليك.
فإن قلت: لم نجد/ هذا في التوراة عندنا الآن، ثم يجوز أن اليهودي واطأه على ذلك، أو خاف من مخالفته لئلا يقتله.
قلت: الجواب عن الأول: أن التوراة حرفت عما كانت في ذلك العصر فلا يلزم من عدم وجدانكم له عدمه حينئذ.
وعن الثاني: بأن اليهود «3» كانوا يوردون عليه المسائل ويمتحنونه، ويصدقونه في شيء ويكذبونه في أشياء، وما نقل عنه: أنه قتل منهم على ذلك أحدا، بل إنما كان يقتلهم في المحاربة «4»، ولو كان قاتلا أحدا منهم على شيء من ذلك لقتل
" ابن صياد" «1» لما قال له:" أتشهد «2» أني رسول الله؟ " قال أنت رسول الأميين.
ثم قال له ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ " فقال:" آمنت بالله ورسله" فقال له عمر بن الخطاب: دعني أقتله يا رسول الله- وكانوا يرونه الدجال- فقال:" لا" إنه إن يك هو فلن «3» تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا
خير في قتله" «1». ولقتل" لبيد بن الأعصم" الذي سحره حتى اضطرب حالة السحر «2»، ثم لما ظهر عليه عفا عنه «3»، وكم بلغه السب والشتم من اليهود وغيرهم فعفا عنهم عن قدرة.
وأما حشر الناس على الإبل والدواب، واقتصاص بعضها من بعض فتحقيقا لإقامة العدل، في كل شيء من خلقه، والآخرة لا تقلب الحقائق، فكما يركب الناس الدواب الآن يركبونها هناك.
وهذا يكون في الأرض لأن الله- سبحانه- يطوي السموات والأرض بيمينه «4» ويبدل الأرض غير الأرض «5».
وأما حشر الناس حفاة غرلا، فتحقيقا لقوله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا «1». وأما كونه يدفع إلى كل/ مسلم يهودي أو نصراني، يكون فداءه من النار، فلأن اليهود قتلوا الأنبياء وكذبوهم «2»، وصلبوا إلهكم المسيح بعد ظهور الخوارق على يده «3»، والنصارى «4» ادعوا إلهيته وإنما هو نبي كريم «5». فأولئك فرطوا فيه وهؤلاء أفرطوا فيه «6»،/ وكفرتم جميعا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- «7» بعد مجيئه بالبينات والهدى «8» وما جزاء من يفعل ذلك إلا النار.
وأنا أرجوا أن تكون أيها العلج فدائي من النار، لما حصل بيني وبينك من النظر والجدال في الله فنحن خصمان اختصموا في ربهم إن شاء الله تعالى «9».
ومنها: حديث: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» «1». وفي سورة آل عمران «2»: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169). وذكر عن تفسير ابن عطية «3»، حديث: «إن أرواح الشهداء على باب الجنة في أجواف طير خضر» «4» في أشياء مما يتعلق بهذا.
قلت: وذلك مما لا إشكال فيه.
فإن الأرواح عندنا أجسام لطيفة فلا يمتنع أن يكرم الله الشهداء بأن يعلقها بأشكال الطيور «5»، ليدوم نعيمها حتى القيامة جزاء على جودهم بأنفسهم في سبيل الله.
وأما بقية الشهداء، فهم شهداء تسمية: إما باعتبار أن لهم كأجر الشهداء في سبيل الله تفضلا «1»، أو لأن ملائكة شهداء المعركة تشهدهم [أو غير ذلك.
لا حكما.
بدليل أحكام شرعية افترق فيها القبيلان «2»، كالغسل والصلاة «3» ومغفرة الذنب بأول قطرة من دم] «4»، حتى الدّين يعفى له عنه على مقتضى حديث روي في ذلك «5»، دون بقية الشهداء/.