[البعث والمعاد والرد على المنكر لذلك]
وأما الثالثة: فهي مبنية على رأي" أبي علي" «5» في أن المعاد لا يكون إلا روحانيا، فلا تتصور «6» اللذات الحسية.
إذ شرط ادراكها/ تعلق النفس بالبدن وحجته على ذلك «7»، ما حكاه الإمام فخر الدين «8» في المباحث المشرقية:" أن
البدن لو أعيد لكان إما أن يعاد في زمن ابتدائه، أو في غيره.
فإن أعيد في زمن ابتدائه، لزم اتحاد الزمنين، مع ما بينهما من الفواصل الكثيرة والأزمنة المتعددة، وهو «1» محال.
وإن أعيد في غيره لم يكن المعاد هو عين المبتدأ" «2». قلت: وهذا وهم قبيح من مثل ذلك الفاضل العلامة.
لأنه كأنه يوهم أن الزمان داخل في حقيقة البدن، أو أن اتحاد الزمن شرط في صحة الإعادة.
وليس كذلك، ولا دليل عليه.
ومذهب المسلمين/ قاطبة: القول بالمعاد البدني،/ وإدراك اللذات الحسية والعقلية.
ولذلك مناسبة حسنة، وهي: أن العالم على ثلاثة أضرب.
عقل محض كالملائكة، وشهوة محضة كالبهائم، ومركب من الأمرين وهما الثقلان.
فالطرفان لا مشقة عليهم.
أما البهائم فلعدم التكليف وأما الملائكة فلعدم الشهوة المعارضة لعقولهم، والثقلان واسطة، عليها المشقة لتنازع العقل والشهوة في مراديهما.
فيتعب «3» الإنسان بينهما كالمخلص بين متخاصمين.
فلا جرم أن الملائكة لما عبدوا الله بالعقل المجرد الخالي عن معارضة الشهوة كانت لهم اللذة العقلية، والبهجة
الروحانية.
والبهائم لما خلت عن عقل تعبد الله به تمتعت باللذات الحسية الشهوانية مدة بقائها في استعمال المكلفين لها ثم يوم القيامة، تصير ترابا بعد أن يقتص لبعضها من بعض «1»، لأنه لا عبادة لها تستحق بها يوم القيامة لذة عقلية ولا حسية.
وعند مصيرها ترابا يقول الكافر: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (40) «2» وبنو آدم لما تعبدوا فيما بين العقل والشهوة وجب بمقتضى هذه المناسبة أن يجمع لهم في الآخرة بين اللذتين العقلية بمقتضى العقل الذي عبدوا الله وعرفوه به، والحسية بمقتضى الشهوة التي صبروا على خلافها في طاعة الله- سبحانه- ولو في التوحيد وهذا معنى قوله تعالى: وجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيراً (12) «3» أي بما صبروا على الطاعات وعن الشهوات «4». هذا آخر الجواب عما يستحق أن يجاب عنه من هذا السؤال من الآيات والأخبار الصحيحة، فأما ما ذكره من ضعيف الأخبار.
وكلام" أبي حامد" «5» وغيره: فلا يلزمنا/ الجواب عنه، ولا هو ممن يستحق ذلك".