كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
س129: ما هو الصيام لغةً وشرعًا؟
ج: أصل الصوم في اللغة: الإمساك، يقال: صام الفرس، إذا أمسك عن الجري.
قال الله تعالى أخبارًا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ الآية أي صمتًا؛ لأنه إمساك عن الكلام، وقال الشاعر:
خيل صيَامٌ وخَيلٌ غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجُمَا
يعني بالصائمة الممسكة عن الصهيل وصام النهار صومًا إذا قام قائم الظهيرة قال امرؤ القيس:
فدعها وسلِّ الهمَ عنها بحسرة ... ذمول إذا صام النهار وهَجَّرا
وفي الشرع: إمساك عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص؛ فأما الأشياء المخصوصة فهي مفسداته؛ وأما الزمن المخصوص فهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ وأما الشخص فهو المسلم العاقل غير الحائض والنساء.
س130: ما حكم صوم رمضان؟ وما الدليل عليه من الكتاب والسُّنة؟ وما هي الحكمة في صوم رمضان؟ ومتى فرض صومه؟
ج: حكم صوم رمضان أنه واجب، وأنه أحد أركان الإسلام من جحد وجوبه عالمًا كفر وإن كان جاهلاً يعرّف؛ فإن أصر بعد التعريف كفر ويقتل في الحالين كافرًا مرتدًا، والأصل في وجوبه: الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إلى قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ؛ وما السُّنة: فمنها ما ورد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» متفق عليه.
وعن طلحة بن عبد الله أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ما فرض الله عليّ من الصلاة، قال: «الصلوات الخمس إلا أن تطوع» ، قال: أخبرني ما فرض الله عليَّ من الصيام، قال: «شهر رمضان» ، قال: هل علي غيره، قال: «لا إلا أن تطوع شيئًا» الحديث متفق عليه.
وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان؛ وأما الحكمة في صومه فهي ما ذكر الله بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، افترض في السنة الثانية من الهجرة إجماعًا، قال ابن مسعود: «فصام رسول الله تسعة وعشرين أكثر مما صُمنا معه ثلاثين» رواه أبو داود.
س131: متى يجب صوم رمضان؟ وما هي الأدلة على ذلك؟
ج: يجب صوم رمضان برؤية هلاله أو بإكمال شعبان ثلاثين يومًا؛ أما الدليل على وجوبه برؤية الهلال، فمن الكتاب العزيز: قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، ومن السُّنة: ما ورد عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا؛ فإن غُمَّ عليكم فأقدروا له» متفق عليه.
وأما الدليل على وجوبه بإكمال العدة، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته؛ فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته؛ فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً» رواه أحمد والنسائي والترمذي بمعناه، وصححه، وفي لفظ للنسائي: «أكملوا عدة شعبان» . وعن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان؛ فإن غمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام» رواه أبو داود.
س132: ما هو يوم الشك؟ وما حكم صيامه؟ وما هي الأحكام التي تثبت تبعًا لوجوب الصوم؟ وإذا لم ير الهلال إلا واحد فما الحكم؟
ج: إذا لم ير مع صحو ليلة الثلاثين لم يصوموا؛ لأنه يوم الشك المنهي عن صومه؛ لما ورد عن عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - قال: «مَن صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -» رواه أبو داود والترمذي، وإذا ثبتت الرؤية أو أكمل شعبان ثلاثين يومًا تُصلى التراويح ويقع الطلاق والعتق المعلقين به وتنقضي العدة ومدة الإيلاء به، ويحلَّ الأجل المعلق بدخوله وتثبت رؤية هلاله بخبر مسلم مكلف عَدْل ولو عبدًا أو أنثى، نص عليه وفاقًا للشافعي، وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء؛ لحديث ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني رأيت الهلال، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمدًا رسول الله؟» قال: نعم، قال: «فأذن في الناس يا بلال، أن يصوموا غدًا» رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، ورجح النسائي إرساله.
وعن ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه» رواه أبو داود، ولا يقبل في بقية الشهور إلا رجلان عدلان.
قال في «الاختيارات الفقهية» :
وإن حال دون الهلال ليلة الثلاثين غيمٌ أو قَترٌ فصومه جائز لا واجب، ولا حرام، وهو قول طوائف من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة، والمنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وحكي عن أبي العباس أنه كان يميل أخيرًا إلى أنه لا يستحب، انتهى (ص107 منها) .
س133: ما المستحب قوله لمن رأى الهلال؟ وما هو الدليل على ذلك؟
ج: يستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما ورد عن ابن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الهلال، قال: «الله أكبر، اللهم أهِلَّهُ علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال رشد وخير» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
من النظم مما يتعلق بكتاب الصيام
وخُذْ في بيَان الصوم غيرَ مُقَصر ... عِبَادةَ سِرٍ ضِدَّ طَبْعٍ مُعَوَّدِ وصَبْرٌ لفَقدٍ الإلف مِن حالة الصبَا ... وفطم عَن المحبُوب والمتعوِّد فثق فيه بالوعد الكريم من الذي ... له الصوم يجزي غير مختلف موعد وَحَافظ على شهر الصيام فإنه ... لخامسَ أركان لِدِيْنِ مُحمَّدٍ تغلَّق أبوَاب الجحِيم إذا أتى ... وتُفتَح أبوَابَ الجِنَان لِعُبَّدِ ويُرفَعَ عَن أهْل القبور عذابهم ... وَيُصْفَدُ فيه كل شيطان مُعْتَد ويُبسَطُ فيه الرزق للخلق كلهم ... ويسهل فيه كل فعل تعبُّد
تُزَخْرَف جنَّات النعيم وحُورهَا ... لأهْل الرضا فيهِ وأهْل التهجُّد وقَدْ خَصَّه الله الكريم بليلةِ ... على ألف شَهر فضلت فلترصد فأرغم بأنف القاطع الشهر غافِلاً ... وأعظم بأجر المخلص المتعبدِ نقُمْ ليْله وأطْو نهاركَ صائِمًا ... وصُنْ صَومَهُ عَن كل مُوْهٍ ومُفسد
س134: إذا رأى أهل بلد الهلال، فهل يلزم غيرهم الصوم؟ واذكر ما تستحضره من دليل وتعليل أو خلاف؟
ج: إذا ثبتت رؤية هلال رمضان ببلد لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» وهو خطاب للأمة كافة؛ لأن الشهر في الحقيقة لما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام، فكذا الصوم.
وقال بعضهم:
إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها، كبغداد والبَصْرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وإن كان بينهما بُعد كالعراق والحجاز والشام، فلكل أهل بلد رؤيتهم.
وروي عن عكرمة أنه قال: لكل أهل بلد رؤيتهم؛ لما روى كريبٌ، قال: «قدمت الشام واستهلَّ عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه مسلم أيضًا.
س135: مَن رأى وَحْدَه هلال رمضان وردّ قوله فهل يلزمه الصوم؟ وإذا رأى وحده هلال شوال، فما الحكم؟ وضِّح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل والخلاف؟
ج: من رأى وحده هلال رمضان ورّد قوله لزمه الصوم، وجميع أحكام الشهر من طلاق وعتق وغيرهما معلقين به؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته» .
ولأنه يتيقن أنه من رمضان فلزمه صومه وأحكامه، بخلاف غيره من الناس، ومن رأى وحده شوال لم يفطر؛ لحديث: «الفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون»
رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن عائشة قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس»
رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.
وروى أبو رجاء عن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة، وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمر فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر، قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصُومَ، وقد رأيت الهلال، وقال الآخر: قال: إني صائم، قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر
والناس صِيَام، فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوْجَعْتُ رأسَكَ ثم نودِيَ في الناس أن أخرجوا.
أخرجه ورواه سعيد عن ابن عيينة عن أيوب، عن أبي رجاء، وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته وحده، ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه، ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده.
قال في «الاختيارات الفقهية» :
ومن رأى وحده هلال رمضان وردّت شهادته لم يلزمه الصوم ولا غيره، ونقله حنبل عن أحمد في الصوم، وكما لا يُعَرِّفْ ولا يُضَحِّي وحده والنزاع مبني على أصل، وهو أن الهلال هل هو إسْمٌ لما يطلع في السماء، وإن لم يشتهر، ولم يظهر أو لأنه لا يسمى هلالاً إلا بالاشتهار والظهور كما يدل عليه الكتاب والسُّنة.
انتهى (ص106) .
س136: إذا ثبتت البينة نهارًا بأن قامت البينة في أثناء النهار، فما الحكم؟ وإذا رؤي قبل الزوال أو بعده في آخر رمضان، فما الحكم؟
ج: إذا قامت البينة بالرؤية لهلال رمضان في أثناء النهار لزم أهل وجوب الصوم الإمساك ولو بعد فطرهم أي أكلهم في النهار لتعذر إمساك الجميع، فوجب أن يأتوا بما يقدرون عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ؛ ولحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولزم قضَاءُ ذلك اليوم على مَن لم يبيت النية لمستند شرعي لوجوب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب؛ وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: يمسك ولا يقضي وأنه لو يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب لم يلزمه القضاء، وإذا رؤى الهلال نهارًا قبل الزوال أو بعده، وكان في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته، وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس والأوزاعي ومالك والليث وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق؛ لما روى أبو وائل، قال: جاءنا كتاب عمر - رضي الله عنه - أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى تمسوا أو يشهد رجلان
مسلمان أنهما رأياه بالأمس عشية، رواه الدارقطني فعلى هذا لا يجب به صوم ولا يباح به فطر.
س138: إذا صاموا بشهادة إثنين ثلاثين يومًا أو بشهادة واحد ثلاثين يومًا، فما الحكم؟ وما شروط صحة الصوم؟ وما شروط وجوبه؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: إذا صاموا بشهادة إثنين عدلين ثلاثين يومًا ولم يروه أفطروا مع الصحو والغيم؛ لأن شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء فتبعًا لثبوت الصوم أولى؛ ولأنهما أخبرا بالرؤية السابقة عن يقين ومشاهدة فلا يقابلها الإخبار بنفي وعدم لا يقين معه لاحتمال حصول الرؤية بمكان آخر ولا يفطرون إن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا، ولم يروه؛ لحديث: «وإن شهد شاهدان مسلمان، فصوموا وافطروا» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
ولم يقل فيه مسلمان، ولأن الفطر لا يستند إلى شهادة واحد كما لو شهد بهلال شوال بخلاف الإخبار بغروب الشمس لما عليه من القرائن، وشروط صحته الإسلام والعقل والبقاء من الحيض والنفاس، والنية من الليل.
وأما شروط وجوبه فهي أربعة: الإسلام والبلوغ والعقل والإطاقة؛ أما كونه لا يجب إلا على مسلم ولا يجب على كافر سواء كان أصليًا أو مرتدًّا فلأنه عبادة لا تصح منه في حال كفره ولا يجب عليه قضاؤها؛ لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ؛ ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال كفره تنفير عن الإسلام.
وأما اشتراط البلوغ والعقل فلحديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يَستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل» رواه أحمد، ومثله من رواية عليَّ له، ولأبي داود
والترمذي، وقال: حديث حسن، فالصبي لا يجب عليه للحديث؛ وأما كونه لا يصح من المجنون فلِعَدمِ إمْكان النيَّة منه، وقد نظم العمريطي شروط وجوب الصوم، فقال:
شهر الصيام واجب الصيام ... بالعقل والبلوغ والإسلام وقدرة على أداء الصوم ... مع نيّة فرضًا لكل يوم وواجب تقديمه عن فجره ... وأجْزَءُوا في النفل قبل ظهره
س139: ماذا يعمل من اشتبهت عليه الأشهر؟ وما مثال الاشتباه؟
ج: إن اشتبهت الأشهر على من أسُرَ وطُمِرَ أو اشتبهت على من بمفازة ونحوه كمن أسلم بدار كفر وعلم وجوب صوم رمضان، ولم يدر أي الشهور يُسَمّى رمضان تحرى واجتهد، وصام ما غلب على ظنه أنه رمضان بأمارة؛ لأنه غاية جهده، ويجزي الصوم إن شك هل وقع صومه قبل رمضان أو بعده، كمن تحرى في غيم وصلى وشك، هل صلى قبل الوقت أو بعده، ولم يتبين له أنه صام أو صلى قبل دخول الوقت كما لو وافق صومه رمضان أو ما بعده من الشهور؛ أنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله، فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه كالقبلة عن واحد منهما لاعتبار نية التعيين، وإن صام شوال أو ذي الحجة؛ فإنه يقضي ما وافق عِيدًا أو أيام تشريق؛ لأنه لا يصح صومها عن رمضان ولو صام من اشتبهت عليه الأشهر شعبان ثلاث سنين متوالية، ثم علم الحال قضى ما فاته مرتبًا شهرًا على إثر شهر بالنية كالفائتة من الصلوات.
س140: ما الذي يلزم من عَجَزَ عن الصيام لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه؟
ج: مَن عجز عن الصوم لكبر كشيخ وهرم وعجوز يَجهَدهما الصوم
ويشق عليهما مشقة شديدة أو عجز عنه لمرض لا يُرجى برؤه أفْطَرَ وعَليه لا مَعَ عذر معتاد كسفر إطعامُ مسكين عن كل يوم ما يجزئ في كفارة مُدُّ من برأ ونصف صاع من غيره؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم.
رواه البخاري.
وروي أن أنس بن مالك ضَعُفَ عَن الصوم فصَنَعَ جَفْنَةً من تريد فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم.
ولأبي داود بإسناد جيد عن ابن أبي ليلى حدثنا أصحابنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، فذكره وألحق به «من لا يُرجى برؤ مرضه» ؛ فإن كان العاجز عنه لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه مسافر فلا فدية لفطره بعذر معتاد ولا قضاء لعجزه عنه فيعيا بها، فيقال: مسلم مكلف أفطر عمدًا في رمضان ولم يلزمه قضاء ولا كفارة، وهذه المسألة ألغز بها بعض العلماء، وأظنه محمد بن سلوم للشيخ عبد الرحمن الزواوي، فقال:
وعن مسلم حر تقي مكلف ... وساغ له فطر صحيحًا مسهلاً بمدة شهر الصوم من غير فدية ... وغير قضاء حل ما كان مشكلاً
فأجابه حلً للمسألة ... ... وإن سافر الشيخ المسنّ فلا قضا ... ولا فِدْيْةَ فافْهَمْ وإن كان ذا ملا وذو شبق أيضًا يكون مسافرًا ... فلا حرج في الدين فالله سهلاً
س141: إذا أيس من البريء ثم عوفي، فما الحكم؟ ومن الذي يُسنّ له الفطر؟ وهل يجوز الوطء لمن به مرض أو شبق؟ وإذا لم يمكنه إلا بإفساد صوم موطوءة، فما الحكم؟ وبيِّن حكم ما إذا سافر ليفطر؟ مع ذكر الدليل.
ج: من أيس من برئه ثم قدر على قضاء ما أفطره لمرضه، فكمعضوب حج عنه ثم عوفي فلا يلزمه قضاء ما أفطره وسن فطره، وكره صوم المسافر بسفر قصر ولو بلا مشقة؛ لحديث: «ليس من البر الصيام في السفر» متفق عليه، ورواه النسائي، وزاد عليكم برخصة من الله التي رخصها لكم فقبلوها وإن صام أجزأه؛ لحديث: «هي رخصه من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» رواه النسائي ومسلم.
فلو سافر من وجب عليه الصوم في رمضان ليفطر فيه حرمًا؛ أما الفطر المحرم، وسن فطر وكره صوم لخوف مرض بعطش أو غيره؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ ؛ ولأنه في معنى المريض لتضرره بالصوم وسُنَّ فطر وكره صوم لخوف مريض وحادث به مرض ضررًا بزيادته أو طوله بقول طبيب مسلم ثقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ وَجَاز وطء لمن به مرض ينتفع بالوطء فيه، أو به شبق ولم تندفع شهوته بدون الوطء ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ ولا كفارة، ويقضي ما لم يتعذر القضاء عليه لشبق، فيطعم لكل يومًا مسكينًا ككبير عاجز، ومتى لم يمكنه إلا بإفساد صوم مَوطُوءَةِ جاز له الوطوء ضرورة لداعي الضرورة كأكل مضطر ميتة.
س142: مَن الذي يباح له الفطر؟ وما الدليل على إباحته؟
ج: يباح الفطر لحاضر سافر أثناء النهار؛ لحديث أبي بصرة الغفاري أن ركب في سَفينة من الفسطاط في شهر رمضان، فدفع ثم قرب غداه، فلم يجاوز البُيُوت، قال حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب، قيل: ألست ترى البيوت؟ أترغبُ عن سُّنة محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فأكل، رواه أبو داود، وحديث أنس حسنه الترمذي: إذا فارق بيوت قريته العامرة، لما تقدم؛ ولأنه قبله لا يسمى مسافر والأفضل عدم الفطر تغليبًا لحكم الحضر وخروجًا من الخلاف ويباح الفطر للمسافر الذي له القصر وللمريض الذي يتضرر به والفطر لهما أفضل وعليهما القضاء.
قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس من البر الصيام في السفرة» متفق عليه.
وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، فأفطر فبلغه أن ناسًا صاموا، فقال: «أولئك العصاة» رواه مسلم.
وعن أبي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة فمنَّا من صام ومنَّا من أفطر ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: «إنكم مصبِّحوا عدوكم وفطركم أقوى لكم فأفطروا» فكانت عزمة فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر.
رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» رواه مسلم والنسائي (4، 5) .
ومِمّنْ يُبَاح له الفطر الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فيفطران ويقضيان كالمريض الخائف على نفسه، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا
وقضتا ولزم وَلى الولد إطعام مسكين لكل يوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ، قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا.
رواه أبو داود، وروى ذلك عن ابن عمر، ولا مخالفًا لهما في الصحابة في الكبير الذي يجهده الصيام، وتقدم في جواب سؤال 138.
س143: إذا قبل الرضيع ثدي غير أمه، فهل يجوز لها الفطر؟ وإذا تغير لبن المرضعة بسبب صومها، فهل للمستأجر الفسخ؟ وهل يجوز لمن له الفطر أن يصوم غيره فيه؟ ومتى يجب الفطر؟
ج: متى قبل رضيع ثدي غيرها وقدر أن يستأجر له لم تفطر أمه لعدم الحاجة إليه.
ومرضعة لولد غيرها كأم في إباحة فطر إن خافت على نفسها أو الرضيع؛ فإن وجب فعلى من يمونه فلو تغير لبن الظئر المستأجرة للرضاع بسبب صومها أو نقص بصومها فلمستأجرها الفسخ للإجارة دفعًا للضرر وتجبر على فطر بطلب مُسْتَأجِر إن تأذى الرضيع بصومها.
ويجب الفطر لمن احتاجه لإنقاذ معصوم من مهلكة كغرق؛ لأنه يمكنه تدارك الصوم بالقضاء بخلاف الغريق ونحوه، ويجب الفطر على الحائض والنفساء؛ للحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» متفق عليه.
ومن خاف تلفًا بصومه أجزأه وكره، صححه في «الإنصاف» ، وقال جماعة: يحرم صومه.
قال في الفروع: ولم أجدهم ذكروا في الأجزاء خلافًا وذكر جماعة في صوم الظهار يجب فطره بمرض ونحوه، وليس لمن أبيح له الفطر في رمضان صوم غير رمضان فيه؛ لأنه لا يسع غيره ما فرض فيه تتمة ولا فدية على المنقِذ ولا على المنقَذ في مسألة الفطر لإنقاذ الغريق وتهدمت قبل عشرة أسطر.
والله أعلم.
س144: تكلم بوضوح عن نيّة الصوم؟ واذكر ما في ذلك من خلاف؟
ج: يشترط لصوم كل يوم واجب نيِّة معينة ومعنى تعيينها أن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو قضائه أو نذرًا أو كفارة؛ لأن صيام كل عبادة مفردة، وتعتبر النية من الليل لكل صوم واجب، ولو أتى بعد النية بمناف للصوم لا للنية كأكل وشرب وجماع؛ ولأنه تعالى أباح الأكل والشرب إلى آخر الليل فلو بطلت به فات محلها؛ وأما الدليل للنية فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ؛ وأما الدليل على إيقاعها في الليل فهو ما ورد عن حفصة أم المؤمنين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لم يُبَيِّتِ الصيام قبل الفجر، فلا صيام له» رواه الخمسة، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه وصححه مرفوعًا ابن خزيمة وابن حبان.
وعن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعًا: «مَن لم يُبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» رواه الدارقطني، وقال: إسناده كلهم ثقات، وفي لفظ للزهري: «من لم يُبَيِّتِ الصيام من الليل فلا صيام له، ومن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم غدًا فقد نوى» ، وكذا الأكل والشرب بنية؛ لأن النية محلها القلب.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: هو حين يتعشى يتعشى عَشَاء من يريد الصوم؛ ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العبد وعشاء ليالي رمضان.
وقال في «الاختيارات الفقهية» : وتصح النية المتردة، كقوله: «إن كان غدًا من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل» وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويصح صوم الفرض بنية من النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا شهدت البيِّنة بالنهار (ص107) منها.
وإن قال ليلة الثلاثين من رمضان إن كان غدًا من رمضان ففرضي وإلا فأنا مضطر فيجزئه إن بان بأنه من رمضان؛ لأنه لم يثبت زواله؛ لأنه حكم صومه مع الجزم.
س145: بيِّن أحكام ما يلي: صَوم مَن جُن أو أغمي عليه؟ صائم نوى الإفطار؟ مَن قطع نيّة نذر أو كفارة ثم نوى نفلاً؟ صوم النفل في أثناء النهار؟ متى يحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه؟
ج: ولا يَصِحُّ صَوم ممن جن كل النهار أو أغمي عليه كل النهار؛ لأن الصوم: الإمساك مع النية؛ لحديث: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» فأضاف الترك إليه، وهو لا يضاف إلى المجنون والمغمى عليه فلم يجز، والنية وحدها لا تجزي ويصح الصوم ممن أفاق جزءًا منه حيث نوى ليلاً لصحة إضافة الترك إليه إذن.
ويفارق الجنون الحيض، بأنه لا يمنع الوجوب، بل يَمْنَع الصحة ويحرم فعله ويصح صَوْمُ من نام جميع النهار؛ لأن النوم عادة ولا يزول الإحساس به بالكلية؛ لأنه متى نُبِّه انتبه ويقضي مغمى عليه زمن إغمائه؛ لأنه مكلف ولأن مدة الإغماء لا نطول غالبًا، ولا تثبت الولاية على المغمى عليه ولا يقضي مجنون زمن جنونه لعدم تكليفه سواء كان زمن الجنون كل الشهر أو بعضه، ون نوى الإفطار فكمن لم ينوي الصوم لقطعه النية لا كمن أكل أو شرب فيصح أن ينوي صوم اليوم الذي نوى الإفطار فيه نفلاً بغير رمضًا، ومن قطع نية نذر أو كفارة أو قضاء، ثم نوى صومًا نفلاً صح نفله، وإن
قلبَ صائم نية نذر أو قضاء إلى نفل صح كقلب فرض الصلاة نفلاً وكره له ذلك لغير غرض ويصحُّ صومُ نفل بنية من النهار، ولو كانت بعد الزوال، وهو قول معاذ بن جل وابن مسعود وحذيفة ابن اليمان حكاه عنهم إسحاق في رواية حرب؛ لحديث عائشة قالت: دخل عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟» . فقلنا: لا، قال: «فإني إذًا صائم» مختصر رواه الجماع؛ ولأن اعتبار التبييت لنفل الصوم يفوت كثير منه؛ لأنه قد يبدو له الصوم بالنهار لنشاط أو غيره فسومح فيه بذلك كما سومح في نفل الصلاة بترك القيام وغيره ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . وما قبله لم يوجد فيه قصد القرية لكن يشترط أن يكون ممسكًا فيه عن المفسدات لتحقيق معنى القربة وحكمة الصوم في القدر المنوي فيصحّ تطوع من طهرت في يوم ومن أسلم في يوم لم يأتيا في ذلك اليوم بمفسد من أكل أو شرب ونحوهما كالجماع.
ومن مختصر النظم مما يتعلق بكتاب الصيام
وإن كملت تسع وعشرون ليلة ... لشعبان فارقب شهر صومك وارصد وإن رُوْيَ أوجِبَ صَومَه مطلقًا ولو ... برؤيَةِ عَدل في الأصح المؤكّد وكالذكر الأنثى بوجْه وَرْؤْيَة ... نهارًا لآتي ليْلَة في المؤكّد فإنْ لمْ يَرُوا في الصحْوِ يحرم صَوْمه ... وباثنين اثبت غير ذا الشهر واحدد ويلزمنا طُرًا برؤيةٍ بلدة ... كإلزَاِم رَاءٍ رَدّ في المتَأطّد ولا يُفطرن بعد الثلاثين صائم ... لغيم ولا عن قول فرد بأجود
ومَن يره في ليلة العيد وحده ... ليُفِطِرَ سِرًّا في القوي الموطّد وإيجابه يختص كل مُوحد ... قدير عليه عاقل بالغ طد وإن في نهار يثبت الشهر فاقضه ... وقولان في إمساكهم وكذا اعدد مريضًا برًا أو فادمًا مفطر كذا ... طهارة حيض أو نفاس لولّد وإن زال فيه الجن والكفر والصبا ... فكل ليمسك ثم يقضوا بأوكد وإنْ يَبلغن فيه المميز صائمًا ... أتمَّ ويقضيه على المذهب ازدد ويفطر عند العجز شيخ ومزمن ... بغير قصا والمد عن يومه أزيد وفطرًا في الأسفار أوْلى وَلوْ نوَى ... كمضني يقول الطب إن صمت يزدد وذو سفر أنشأه من بعد صومه ... يجوز له الإفطار منه بأوكد ومن خاف من جوع ومن عطش ومن ... أذى شبق يفطر ويقضي ولا يدي وفي فطر حلى حفظ طفل ومرضع ... قصَاء وتفكير بإطْعَام مرمد ومَن ينو صومًا ثم جن نهاره ... جميعًا كمن أغمى فصومها أفسد وإن نامهُ جمعًا فلا تلغ صومه ... ويقضي المغمى دون ذي الجن فاهتد وللواجب أنو الصوم في كل ليلة ... ولا يجب استحضار فرض بمقصد ونفلك مهما شئت في يومك انوه ... وعَن أحمد بعد الزوال ليصدد
18-
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
س146: اذكر ما تستحضره مما يُفسد الصوم مقرونًا بالدليل؟
ج: يُحرم على كل مسلم مكلف قادر تناول مفطرًا من غير عذر في نهار شهر رمضان؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صومه الدهر كله إن صامه» رواه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، وأخرجه البيهقي.
فمِمَّا يحرم على الصائم الأكل والشرب بعدما يتبين الفجر الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ، ومن المفطرات: القيء عمدًا ويفسد به الصوم ويقضيه ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه؛ لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء» رواه الخمسة، وأعله أحمد وقواه الدارقطني، ومما يفطر الصائم الحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا؛ لما روى شداد بن أوس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي، وعن ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل يحتجم في رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.
ومِمَّا يحرم على الصائم ويبطل به الصيام: الجماع، والمباشرة إذا أمنى؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ ؛ وأما الاكتحال والتداوي والاحتقان ومداواة المأمومة والجائفة وسائر الجروح والاستعاط، فقيل هذه الأشياء تفطر إذا علم وصولها الجوف والحلق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا
أن تكون صائمًا» ، وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل إلى خاشيمه أو دماغه، وقيس عليه ما وصل إلى جوفه، وروى أبو داود
والبخاري في «تاريخه» عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالإثمد المتروح، وقال: ليتقه الصائم، وقيل: إن هذه لا تفطر؛ لأنه لم يرد فيها دليل صحيح ولا هي في معنى الأكل والشرب، قال في «مجموع الفتاوى» (ج25) : وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليه ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك؛ فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى مَعرِفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور ممَّا حَرّمَها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلَّغُوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلاً علم أن لم يذكر شيئًا من ذلك، والحديث المروى في الكحل ضعيف، رواه أبو داود في «السنن» ولم يروه غيره، ولا هو في «مسند أحمد» ولا سائر الكتب المعتمدة، والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس وأقوى ما احتجوا به قوله: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» قالوا: فدل ذلك على أن ما وَصلَ إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة.
انتهى باختصار.
وأما الإبرة: فهي تنقسم إلى قسمين: إبرة دوائية، وإبرة غذائية، فإيصال الأغذية بالإبرة حَقْنًا في الدم أو شربًا أو إيصالها إلى الجوف بأي طريق فلا شك في فطره بها؛ لأنه في معنى الأكل والشرب من غير فرق؛ وأما إيصال الدواء بالإبرة، فعلى القول الأول: يفطر، وعلى ما اختاره الشيخ تقي الدين، فالذي يظهر لي أنها لا تفطر والذي تطمئن إليه النفس تجنبها؛ وأما الحبوب: فلا شك أنها تفطر الدوائية والمقوية والمشتركة بين الغذاء والدواء، وقال بعض المنتسبين للعلم من متعاطي كتب الطب للمطالعة بها والاسترشاد من حسنها، الإبر قسمان: قسم يؤخذ كغذاء
كالجلوكوز (سكر العنب) ويلحق بها الفيتامينات لأنها تؤخذ عن نقص في الغذاء كمن يفقد مادة غذائية أساسية؛ إما لعدم حصوله عليها، وإما لمانع في بدنه يمنعه من امتصاص خلاصة هذا الغذاء الذي يحتوي على الفيتامين؛ فإنه يعطي الفيتامين الذي فقده بدنه كتكملة للغذاء فهذا القسم الذي هو الفيتامينات والجلوكوز لاشك في تقطيرها للصائم، ونزيد القارئ إيضاحًا للجلوكوز من أقوال علماء الطب؛ فإنهم يقولون: إن كل مادة غذائية يتناولها الإنسان لا ينتفع بها بدنه حتى تتحول إلى جلوكوز، يمتصها الدم من خلال جدر المصارين، بل إنهم يعتمدون في المستشفيات على حقن (الجلوكوز) لكل من يتعذر عليه اأكل إما لورمن في الحنجرة أو في المريء يمنعه من الأكل لذلك قام مقام الأكل فهو مضطر كالأكل؛ وأما القسم الثاني من الإبر فهو ما يؤخذ دواء كحقن البريفيثينات، والبنسلين، ولِسْتِربتُومَايسين، والتَّرّمايسين وما شاكلها، وهي أنواع كثيرة (وتسمى المبيدات الحيوية) ففيها خلاف بين الأطباء؛ لأن منهم من يقول إنها تصل إلى القناة الهضمية ولكنها ليست مغذية، وربما يقول قائل إنها لا تصل إلى تجويف القناة الهضمية، ولكننا سنضرب لذلك مثلاً بأنبولات (الأمينين) وهي حقن تضرب في العضل لعلاج (الدسنتاريا) وهي داخل المصارين من ذلك يعرف أن الحقن وإن لم تكن حقنًا غذائية؛ فإنها تصل إلى القناة الهضمية لذلك أرى أن المتعالجين قسمان:
1- مرضى.
2- غير مرضى؛ فالمرضى يفرطون بالإبر وغيرها؛ لأن الإبر ليست هي كل الدواء ويقضون؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ؛ وأما القسم الثاني: وهم غير المرضى فخيرُ لم صيانة صيامهم حتى من الأشياء التي فيها خلاف بين الأطباء؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، والتفريق بين المريض ومن يخاف أنه مريض وليس مريضًا مرجعه الطبيب المسلم.
ومما يفطر الردة عن الإسلام أعاذنا الله منها قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ومما يفطر الموت؛ لحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» .
س147: تكلم عن أحكام ما يلي: مُجَامِعٌ لمْ يغتسل إلا بعد طلوع الفجر الثاني؟ مَنْ جَامَعَ عِندَما طلع الفجر؟ إعلام مَنْ أكل أو شرب ناسيًا في نهار رمضان ممن يجب عليه الصوم؟ مَن أفطر يظن أن الشمس قد غابت؟ من طال إلى حلقه غبار أو ذباب؟ من احتلم وهو صائم؟ المبالغة في المضمضمة والاستنشاق؟ المذي بتكرار النظر؟ الإنزال بتكرار النظر؟ سُقْ ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تفضيل؟
ج: يجوز لمن جامع بالليل أن لا يغتسل حتى يُطلعُ الفجر وصومه صحيح؛ لما ورد عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم» ، فقالت: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وعن عائشة وأم سلمة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان» متفق عليه.
وعن أم سلمة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبًا من جماع لا حلم، ثم يفطر ولا يقضي» أخرجاه؛ لكن يستحب لمن لزمه الغسل ليلاً من جنب وحائض ونفساء إنقطع دمهما، وكافر أسلم أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني، وإذا طلع وهو مجامع فاستدام الجماع فعليه القضاء والكفارة، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأنه وطء لم يصادف صومًا فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية ثم جامع، ووجه الأول أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم فوجبت به الكفارة كما لو وطئ بعد طلوع الفجر؛ وأما إذا نزع في الحال مع أول طلوع الفجر فعليه القضاء والكفارة على الصحيح من المذهب؛ لأن النزع جماع يتلذذ به أشبه الإيلاج، وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنه ترك للجماع فلا يتعلق بما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارًا وهو فيها فخرج منها، وقال مالك: يبطل صومه ولا كفارة عليه؛ لأنه لا يقدر على
أكثر مما فعله من ترك الجماع فأشبه المكره، وقال في «شرح أصول الأحكام» ، وقال ابن القيم: مَن طلع عليه الفجر وهو مجامع، فالواجب عليه النزع عينًا، ويحرم عليه استدامة الجماع والليث ولا شيء عليه، اختاره شيخنا وهو الصواب، والحكم في حقه وجوب النزع والمفسدة في حركة النزع مفسدة مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه، وأن استدام فعليه القضاء والكفارة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ لأنه جماع في شهر رمضان باختيار فلا فرق بين ابتدائه ودوامه، ولو أراد أن يأكل أو يشرب مَن وجب عليه الصوم وجب على مَن رآه إعلامُه؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يفطر إن فعل شيئًا ناسيًا أو مكروهًا، وبه قال عليّ وابن عمر؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مضن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه.
وللحام: «من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة» ؛ولقوله: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، ومن أفطر يظن أن الشمس قد غربت ولم يتبين له أنها لم تغرب لم يفسد صومه، فلا قضاء؛ لأنه لم يوجد يقين يزيل ذلك الظن كما لو صلى بالاجتهاد ثم شك في الإصابة بعد الصلاة، ومن طار إلى حلقه ذباب أو غبار من غير قصد لم يفطر، وكذا من قطّر في إحليله لا يفطر لعدم المنفذ، وإذا احتلم وهو صائم أو أنزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المنيُّ أو المذي لمرض لم يفطر، وإنما تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء فلم يبطل صومه؛ لأنه وصل بغير اختياره أشبه الذباب الداخل حلقه؛ فأما إذا زاد على ثلاث أو الغ فدخل الماء حلقه فعلى وجهين: أحدهما: لا يفطر؛ لأنه وصل من غير قصد، والثاني: يفطر؛ لأن فعل مكروهًا تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه أشبه الإنزال بالمباشرة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المبالغة فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل الصوم لم يكن للنهي عن المبالغة معنى؛ وأما إذا كرر النظر فأنزل، فقيل: إنه يفطر وبه قال عطاء والحسن ومالك؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به يمكن التحرز منه أشبه الإنزال باللمس والفكر لا يمكن التحرز
منه بخلاف النظر فلو أنزل مذيًا لم يفطر على المذهب وإن صرف بصره لم يفسد صومه أنزل أو لم ينزل، وقال جابر بن زيد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر: لا يفسد؛ لأنه من غير مُباشرة أشبه الإنزال بالفكر، وكما لو نام فاحتلم وهذا القول قوي جدًا فيما أرى.
س148: تكلم عن أحكام ما يلي: مَن شك في طلوع فجر ثاني؟ مَن أكل مُعتقًا أنه ليل فبان نهارًا؟ ومَن أصبح وفي فيه طعام فلفظه؟ مَن أكره على الأكل أو صُبّ في حلقه ماء ونحوه مكرهًا؟
ج: وإن أكل شاكًا في طلوع الفجر الثاني ولم يتبين طلوعه إذ ذاك لم يفسد صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن بان أنه طلع الفجر قضى، أو بان لمن أكل ونحوه ظانًا غروب شمس أنها لم تغرب قضى لِتَبيُّنِ خطته، ومَن أكل ونحوه شاكًا في غروب شمس ودام شكه قضى؛ لأن الأصل بقاء النهار وكما لو صلى شاكًا في دخول الوقت؛ فإن تبيّن له أن الشمس كانت غربت فلا قضاة عليه لتمام صومه، وإن أكل معتقدًا أنه ليل فبان نهارًا فعليه القضاء؛ لأن الله أمر بتمام الصوم إلى الليل ولم يتمه.
وعن أسماء أفطرنا على عهد رسول اله - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام بن عروة، وهو راوي الحديث أمروا بالقضاء، قال: لابد من قضاء، رواه أحمد والبخاري.
وحكي عن عروة ومجاهد والحسن وإسحاق لا قضاء عليه؛ لما روى زيد بن وهب قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان في زمن عمر بن الخطاب، فشربنا ونحن نرى أنه من ليل ثم انكشف السحاب، فإذا الشمس طالعة، قال: فجعل الناس يقولون: تقضي يومًا مكانه، فقال عمر: والله لا نقضيه ما تجانفنا الإثم؛ ولأنه لم يقصد الأكل في الصوم فلم يلزم.
قال في «الاختيارات الفقهية» : ومَن أكل في شهر رمضان معتقدًا أنَهُ ليلٌ فبان نهارًا فلا قضاء عليه، وكذا من جامع جاهلاً بالرفث أو ناسيًا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، انتهى (ص109) . منها: ومن أصبح وفي فمه طعام، فلفظه: أو شقّ لفظه فبلعه مع ريقه من غير قصد لم يفطر لعدم إمكان التحرز منه.
س149: ماذا يلزم من جامع في نهار رمضان، وضَّح ذلك مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: قد تقدم أن الجماع مما يحرم على الصائم ويفطر به (في جواب سؤال 121) ويلزم المجامع في رمضان القضاء والكفارة، وهي عتق رقبة؛ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ لما ورد عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله، الله هلكت، قال: «ما لك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «هل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» قال: لا، قال: «اجلس» ومكث النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينما نحن على ذلك، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَق فيه تمر –والعرق المكتل الضخم- قال: «أين السائل؟» قال: أنا، قال: «خذ هذا فتصدق به» فقال الرجل: أعلي أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها «يريد الحرتين» أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بَدَتْ أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» متفق عليه؛ وأما القضاء فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمجَامِع: «صُمْ يومًا مكانه» رواه أبو داود وابن ماجه؛ ولأنه إذا وجب القضاء على المريض والمسافر وهما معذوران فعلى المجامع أولى، ويجب عليه إمساك بقية يومه؛ لأنه أفطر بغير عذر؛ أما إذا كان المجامع ناسيًا فالمشهور أن عليه القضاء والكفارة كالعامد، وعن أحمد: لا قضاء ولا كفارة على من جامع ناسيًا، اختاره الآجري والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وفاقًا أبي حنيفة والشافعي.
س150: إذا كانت المرأةُ المجامَعَةُ ناسِيةً أو جَاهِلة أو مُكرَهَة أو نائمة فهل يلزمها كفارة؟ وهل بينها وبين الرجل فرق في الإكراه؟ وإذا جامع مَن نوى الصوم في سفره، فما الحكم؟ وماذا يلزم مَن جامع ثم كفّر ثم جامع في يومه، أو جامع في يوم ثم في آخر ولم يكفّر؟ وإذا جامع وهو معافى ثم مرض، فما الحكم؟
ج: إذا كانت المرأة المجامعة ناسية أو جاهلة أو نائمة أو مكرهة فلا كفارة عليها، والفرق بينها وبين الرجل في الإكراه أن الرجل له نوع اختيار بخلافها؛ وأما لنسيان، فقال ابن قندس: أن جهة الرجل في المجامعة لا تكون إلا منه غالبًا بخلاف المرأة، وكان الزجر في حقه أقوى فوجبَت عليه الكفارة في حالة النسيان دونها، إذا جامع مَن نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة؛ لأنه صوم لا يلزمه المضي فيه أشبه التطوع، ومَن جامع ثم كفَّر ثم جامع في يومه فعليه كفارة ثانية؛ لأنه وطء محرم، وقد تكرر فتتكرر هي كالحج، وقيل: لا كفارة عليه؛ لأن الجماع الثاني لم يصادف صومًا وهو رواية عن أحمد وفاقًا للثلاثة، وإن جامع في يومين فعليه كفارتان؛ لأن كل يوم عبادة منفردة تجب الكفارة بفساده ولو انفرد فإذا فسد أحدهما بعد الآخر وجب كفارتان كحجتين وعمرتين وكما لو كان رمضانين، ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط الكفارة عنه لاستقرار الكفارة؛ لأنه أفسد صيامًا واجبًا من رمضان بجماع تام، وكما لو لم يطرأ العذر، ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان؛ لأن النص إنما ورد بالجماع في رمضان وليس غيره في معناه لاحترامه وتعيينه لهذه العبادة، فلا يقاس عليه غيره؛ فإن لم يجد ما يطعمه للمساكين حال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب سقطت عنه كصدقة الفطر وكفارة الوطء في الحيض؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الأعرابي أخيرًا بها ولم يذكر لم بقاءها في ذمته، وقيل: لا تسقط بالإعسار، قالوا: وليس في الخير ما يدل على سقوطها عن المعسر، بل فيه ما يدل على استقرارها عليه، قالوا أيضًا: والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة وإن كفر عنه غيره بإذنه فله أكلها إن كان أهلاً لها، وكذا لو ملكه غيره ما يكفر به جاز له أكله مع أهليته لخبر أبي هريرة السابق.
والله أعلم.
19-
باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء
س151: بين ما الذي يكره للصائم؟ وما الذي تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: يكره جمع ريقه فيبتلعه، وذلك أنه اختلف في الفطر به وأقل أحواله أن يكون مكروهًا ويكره ذو طعام بلا حاجة؛ لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره ويكره مضغ علك لا يتحلل منه أجزاءٌ؛ لأنه يجمع الريق ويجلب البلغم ويورث العطش، وكره له ترك بقية الطعام بين أسنانه خشية خروجه فيجري به ريقه إلى جوفه؛ وأما القبلة فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبِّل أنزل أو أمذى، فهذا يحرم عليه؛ لأنها مفسدة لصومه أشبهت الأكل.
الثاني: أن يكون ذا شهوة؛ لكن لا يغلب على ظنه ذلك فتكره له؛ لأنه يُعرْض نفسه الفطر ولا تحرم في هذه الحال؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم وكان أملكم لإربه» متفق عليه.
الثالث: أن يكون ممن لا تحرك شهوته كالشيخ الكبير، ففيه روايتان: إحداهما: لا تكره وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رجُلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المباشر للصائم، فرخص له، فأتاه آخر فسأله، فنهاه، فإذا الذي ترخص له شيخٌ، والذي نهاه شاب أخرجه أبو داود، ويحرم مضغ العلك المتحلل إن بلغ ريقه وإلا فلا؛ لأن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه ولم يوجد وتكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ لما ورد عن لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
س152: ما الذي يجب على الصائم اجتنابه وما دليله؟
ج: يجب عليه اجتناب كذب وغيبة ونميمة وشتم وفحش، الكذب ما خالف الواقع؛ وأما الغيبة فقد سُئل عنها - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ذكرك أخاك بما يكره» ؛ وأما النميمة فهي نقل كلام بعض الناس إلى بعض على جهة الإفساد، والشتم السب، والفحش
كل ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي فكل هذه يجب اجتنابها في كل وقت؛ لعموم الأدلة ووجوب اجتناب ذلك في رمضان، ومكان فاضل كالحرمين آكد؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامهُ وشرابهُ» رواه البخاري، ومعناه: الزجر والتحذير؛ ولأن الحسنات تتضاعف بالمكان والزمان الفاضلين وكذا السيئات، وقد استثنى من الكذب والغيبة أمور؛ فأما الكذب، فقال النووي –رحمه الله-: أعلم أن الكذب وإن كان وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحيله إلا بالكذب جاز به الكذب، ثم إن كان تحيل ذلك المقصود مباحًا كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا كان الكذب واجبًا؛ فإذا اختفى مسلم عن ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وأخفى ماله، وسُئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة، وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائها، والأحوط في هذا كله أن يوري، ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب ولو ترك التورية وأطلق عِبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال، واستدل العلماء بجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا» متفق عليه، زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم، ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
انتهى.
وقد استثنى العُلماء من الغيبة أمور ستة: الأول: التظلم فيجوز أن يقول المظلوم فلان ظلمني وأخذ مالي؛ ولكن إذا كان ذكره لذلك شكاية على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها ودليله قول هند عند شكايتها له صلى الله عليه وسلم من أبي سفيان أنه رجل شحيح.
الثاني: الاستعانة
على تغيير المنكر بذكره لمن يطن قدرته على إزالته.
الثالث: التحذير للمسلمين من الاغترار كجرح الرواة والشهود.
الرابع: التحذير ممن
يتصدر للإفتاء والتدريس مع عَدَم الأهلية، ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بئس أخو العشيرة» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أما معاوية فصعلوك لا مال له؛ وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» الحديث.
الخامس: ذكر من جاهَر بالفسق أو البدع كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون غيره.
السادس: التعريف بالشخص بما فيه من العيب كالأعور والأعرج والأعمش ولا يريد به نقصه وعيبه وجمعها بعضهم في بيتين، فقال:
الذَّمُّ لَيْس بغيْبَة في سِتَّةِ ... متظلِم ومُعَرّفٍ ومحُذّرِ وَلمظهر فسْقًا ومُستفت وَمَن ... طَلب الإعانة في أزالته مُنكر
قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهدَ صَومهُ من لسانه ولا يُماري ويَصُونَ صومَه كانوا إذا صاموا قعدوُا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتب أحدًا، ولا يعمل عملاً يجرح به صومه.
س153: بيّن المسنونات للصائم مع ذكر ما تستحضره دليل أو تعليل؟
ج: يُسن له كثرة قراءة وكثرة ذكر وصدقة وكف لسانه عما يكره ويجب كفه عما يحرم ولا يفطر بنحو غيبة، قال أحمد: لو كانت تفطر ما كان لنا صوم.
وسن قول صائم جهرًا إن شتم: «إني صائم» لخبر الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب؛ فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم» . وسن لصائم تعجيل فطر إذا تحقق غروب شمس؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله عز وجل: إن أحب عبادي إليِّ أعجلهم فطرًا» رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن خزيمة وابن حبان، ويستحب أن يكون فطره على رطب؛ فإن عدم فتمر فإن عدم فماء؛ لما ورد عن أنس قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر على رطبات قبل أن يصلي؛ فإن لم تكن رطبات فتمرات؛ فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أفطر أحدكم فليفطر تمر؛ فإن لم يجد فليفطر على ماء؛ فإنه له طهور» رواه الخمسة إلا النسائي، ويستحب
قول الصائم عند فطره: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت؛ لما ورد عن معاذ ابن زهرة أنه بلغه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أفطر، قال: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» رواه أبو داود، ويستحب للصائم أن يَتَسحَّر؛ لما ورد عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تسحروا؛ فإن السحور بركة» رواه الجماعة إلا البخاري، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحَّرينَ» رواه الطبراني، وصححه ابن حبان، ويُسن تأخير السحور؛ لما ورد في البخاري عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: كنت أتسحّر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السحور مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» متفق عليه، وتحصل فضيلة السحور بأكل وشرب، وإن قلَّ؛ لحديث أبي سعيد: «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» رواه أحمد، وفيه ضعف، قاله في المبدع، ويستحب تفطير الصُّوام؛ لما في الحديث: «من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» ، قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطِّر الصائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يعطي الله هذا الثواب من فطّر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن» الحديث رواه ابن خزيمة، وصححه، ورواه البيهقي وأبو الشيخ وابن حبان، وقال الشيخ: المراد بتفطيره إشباعُه، قال الناظم:
وتركُ مَقَال الزور في الناس وَاجبٌ ... ولكنه عن صائم ذُو تَأكدِ فإن شتم أسرعْ قوله: أنا صائم ... لِتَذكير نفس أو لوعظ لمعتَدي ويشرع فطر التمر والماء لفقده ... وتعجيل فطر والسحور فبَعِّدِ وقل عند فطر لائقًا وأدْعُ ضارعًا ... وسَلهُ قبولاً ثم سبِّحهُ واحمدِ
20-
فصل في قضاء رمضان
س154: بَيّن حكم قضاء رمضان مع ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: يُسن قضاء رمضان فورًا متتابعًا إلا إذا بقي من شعبان قدر ما عليه فيجب عليه التتابع لضيق الوقت، ومن فاته رمضان قضى عَدَدَ أيامه تامًا كان أو ناقصًا كأعداد الصلوات الفائتة، فمن فاته رمضان فصام من أول الشهر أو أثنائه تسعة وعشرين يومًا وكان الفائت ناقصًا أجزأه عنه اعتبارًا بعدد الأيام، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع» رواه الدارقطني.
قال البخاري: قال ابن عباس: لا بأس أن يفرق؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، وعن عائشة قالت: نزلت ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات، فسقطت متتابعات، رواه الدارقطني، وعن عائشة قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواه الجماعة.
ويجزي قضاء يوم شتاء عن يوم صيف، وبالعكس بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء؛ لعموم الآية.
س155: إذا اجتمع نذر وقضاء رمضان فبأيهما يَبْدَأ؟ وما حكم التطوع قبل قضاء رمضان؟ وما حكم تأخير قضاء رمضان؟ واذكر ما تستحضره من خلاف.
ج: يُقدمُ قضاء رمضان وجوبًا على صوم نذر لا يخاف قوته لسعة وقته لتأكد القضاء؛ لوجوبه بأصل الشرع؛ فإن خاف فوت النذر قدمه لاتساع وقت القضاء، إلا أن يضيق الوقت عن قضاء رمضان بأن كان عليه مثلاً عشرة أيام من رمضان ونذر أن يصوم عشرة أيام من شعبان ولم يبق سوى العشرة فيصومها عن رمضان لِيتَعين الوقت لها؛ وأما التطوع
لمن عليه فرض، فقيل: يحرم ولا يصح تطوع قبل قضاء رمضان.
وروى حنبل عن أحمد بإسناد عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صَام تطوعًا وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه» ؛ ولأنه عبادة يدخل في جُبرانِها المال فلم يصح التطوع بها قبل أداء فرضها كالحج.
وروي عن أحمد يجوز له التطوّعُ؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع في أول وقتها قبل فعلها كالصلاة يتطوَّع في أول وقتها، وحرم تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر بلا عذر؛ لقول عائشة: «كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» متفق عليه.
وكما لا تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية؛ فإن أخر قضاءه إلى آخر بلا عذر قضى عدد ما عليه وأطعم لتأخيره، ويجزي إطعامه قبل القضاء وبعده ومعه؛ لقول ابن عَبّاس؛ فإذا قضى أطعم، رواه سعيد بإسناد جيد، قال المجد: الأفضل عندنا تقديمه مسارعة إلى الخير وتخلصًا من آفات التأخير.
س156: ما مقدار ما يُطعمُ من أخّر قضاء رمضان من غير عذر إلى رمضان آخر؟ وإذا كان التأخير لعذر، فما الحكم؟
ج: عليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ما يجزي في كفارة وجوبًا، رواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس والدارقطني عن أبي هريرة، وقال: إسناده صحيح، وذكره غيره عنجماعة من الصحابة، وإن أخر القضاء لعذر من سفر أو مرض قضى بلا إطعام؛ لأنه غير مفرّط وإن أخر البعض لعذر والبعض لغيره، فلكل حكمه ولا شيء على من أخر القضاء لعذر إن مات؛ لأن حق لله تعالى وجب بالشرع مات قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج، وإن أخره لغير عذر، فمات قبل أن أدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم
مسكين وهذا قول أكثر أهل العلم، وروى ذلك سعيد عن عائشة - رضي الله عنها - بإسناد جيد أنها سُئلت عن القضاء، فقالت: «لا، بل يطعم» .
وروى الترمذي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا بإسناد ضعيف، والصحيح وقفه عليه؛ ولأنه لا ندخله النيابة في الحياة فكذا بعد الموت، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وابن عليَّة وأبو عبيد في الصحيح عنهم، وقال أبو ثور والشافعي يصام عنه؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه.
قال الشيخ تقي الدين: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبره ونحوه، أو عن ميت وهما معسران توجّه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال.
انتهى.
وإن مات بعد أن أدركه رمضان فأكثر أطعم عنه لكل يوم مسكين بلا قضاء، هذا فيما إذا كان لغير عذر.
س157: تكلم بوضوح عمن مات وعليه نذر في الذمة لم يفعل منه شيئًا مع إمكان فعل منذور، مَن مات وعليه صوم من كفارة أو مُتعة؟
ج: مَن مَات وعليه نذر صوم في الذمة أو عليه نذر حج في الذمة أو عليه نذر صلاة في الذمة أو عليه نذر طواف في الذمة أو عليه نذر اعتكاف في الذمة، لم يفعل منه شيئًا مع إمكان فعل منذور غير حج، فيفعل عنه مطلقًا تمكن منه أولاً لجواز النيابة فيه حال الحياة وبعد الموت أولى سُنَّ لولي الميت فعل النذر المذكور عنه؛ لحديث ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وَعليها صوم نذر أفأصوم عنها، قال: «أرأيت لو كان على أمِّكِ دين فقضيته عنها، أكان ذلك يؤدي عنها» ، قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمِّكِ» متفق عليه، وفي رواية: إن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرًا فأنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك، فقال: «صومي عنها» رواه أحمد والنسائي وأبو داود، وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه.
ويجوز لغير الولي فعل ما على الميت من نذر بإذن الولي ودونه؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- شَبَّههُ بالدين والدين يصح قضاؤه من الأجنبي ويجزي صوم جماعة عن ميت نذرًا في يوم واحد، وإن خلَّف مالاً وجبَ فعل نذره على ما تقدم فيفعله وليه إن شاء أن يدفع مالاً لمن يفعل عنه ذلك، ويدفع في صوم عن كل يوم طعام مسكين في كفارة، ولا يقضي معين مات قبله، وإن مات في أثنائه يسقط الباقي، وإن لم يصم ما أدركه منه لعذر فكالأول، ومن مات وعليه صوم من كفارة أو متعة أو قران ونحوه أطعم عنه من رأس ماله أوصى به أولاً.
من النظم ممَّا يتعلق بقضاء رمضان
ومن رَمضان اقْضِ الفوات متابعًا ... وإما تشا فرقت غير مُفَسِّدِ وفي الحكم يكفي اليوم عن يومه قضى ... ولم يكفه مع دهره متعمد وإن فات كل الشهر أجزأه القضا ... لشهر هلاليٍّ بغير تقيد وإن يقض بالأيام فليقض كاملاً ... وقيل ثلاثين اقضه فيهما قد ومُرْج بلا عذر قضاء لقابل ... أثيم ويقضي الفوت مع قوت ومفرد ومسكينًا أطعم إن يَمت قبل قابل ... ولا شيء مع تأخير عذر ممهَّد ومُرْجى قضاء ثم صام تطوعًا ... يجوز وعنه لا يجوز فقيّد ويشرع أن يقضي عن الميت نذره ... كحج وصوم واعتكافَ بمسْجدِ ونذر صلاة النذر يقضي بأوكد ... ولو قيل يقضي فرضه لم أبَعِّدِ ويخرج من مال الفتى مع قضائهم ... عن المرء تكفير اليمين المؤكدِ
21-
باب صَوْمِ التطوع وما يتعلق به
س158: ما الأيامُ التي يُسَنُّ صيامها؟ وما الدليل على سُّنة صيامها؟
ج: في الصيام فضل عظيم؛ لحديث: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثاله إلى سبعمائة ضعف» ، فيقول الله تعالى: «إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به» .
وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم، وأفضل صيام التطوع صوم يوم وفطر يوم؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- لعبد الله بن عمرو: «صم يومًا، وافطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام» ، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: «لا أفضل من ذلك» متفق عليه.
والأيام التي يُسن صيامها:
أيام البيْض، والاثنين والخميس، وست من شوال، وشهر الله المحرم وآكده العاشر ثم التاسع، وتسع ذي الحجة، وآكده يوم عرفة لغير حاج، ولا يُسن صوم يوم عرفة لمن بعرفة.
أما الدليل على سنَيَّة أيام البيض التي هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فهو ما ورد عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صمت من الشهر ثلاثًا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وعن قتادة بن ملحان - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بصيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.
رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام» متفق عليه.
وأما الدليل على صيام يوم الاثنين والخميس، فهو ما ورد عن قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه، وأنزل عليَّ فيه» رواه مسلم.
وعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» روه الترمذي، وقال: حديث حسن، ورواه مسلم بغير ذكر الصوم.
وأما الدليل على سنَّية صيام ست من شوال، فهو ما ورد عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر» رواه مسلم.
وأما الدليل على سنَّية الشهر المحرم، فهو ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» متفق عليه.
وآكده العاشر وصوم عاشوراء كفارة سنة.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه.
متفق عليه.
وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع» رواه مسلم ويلي العاشر في الأفضلية التاسع، والدليل على أن العاشر كفارة سنة، ما ورد عن أبي قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم.
وأما الدليل على سنية صيام تسع ذي الحجة، فهو ما ورد عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيام أحب إلى الله أن يُتصدّق له فيها من أيام العشر وأن صيام يوم فيها ليعدل صيام سنة وليلة فيها بليلة القدر» رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث غريب.
وعن حفصة قالت: أربع لم يكن يَدَعهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام، والركعتين قبل الغداة» رواه أحمد والنسائي.
وأما الدليل على سنية صيام يوم عرفة لغير حاج، فهو ما ورد عن أبي قتادة قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم عرفة، قال: «يُكفرُ السنة الماضية والباقية» رواه مسلم.
وأما الدليل على أنه لا يُسن صوم يوم عَرفة لمن بعرفة فهو ما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
رواه أبو داود.
ولا روت أم الفضل أنها أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشرب، متفق عليه.
وأخبر ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه حج مع أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان - رضي الله عنهم - فلم يصمه أحد منهم.
من النظم مما يتعلق بصوم التطوع
وإنْ تبْغ أسنى الصوم نفلاً تصومه ... فيومًا ويومًا صوم داود فاقصد ومن كل شهر صم ثلاثة بيضه ... ويوم خميس ثم الاثنين فاعمد ومنّبع شهر الصوم صومًا بستة ... يَجُزْ سنةً مِن جامع ومُبدِّد وعامين يجزي صومُ يوم مُعَرِّفِ ... وعن يوم عاشورا عن العام فاسعد وفي عرفات يشرع الفطر قوةً ... على دعوات عند أفضل مشهد ويشرع صوم العشر والشهر كاملاً ... إذا كنت تبغي فالمحرم فاسرد فإن تقتصر صُمْ عشره ثم إن تهن ... فتاسعة مع عاشرًا ولذا قد
س159: تكلم بوضوح عن الأيام التي يكره صيامها مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: يكره إفراد رجب والجمعة والسبت؛ وأما الشك فقيل: يكره، والقول الثاني: أنه يحرم صومه، إلا أن يوافق يوم الجمعة أو السبت أو الشك عادة كأن وافق يوم عرفة يوم الجمعة أو يوم عاشوراء أو يصل يوم الشك بصيام قبله أو يتقدم عن رمضان بأكثر من يومين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه» متفق عليه.
من حديث أبي هريرة: أو يصوم يوم الشك عن قضاء أو نذر أو كفارة فلا كراهة.
أما إفراد رجب، فلما روى أحمد بإسناد عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وبإسناد عن أبي عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه.
وقال: صوموا منه وافطروا، وعن ابن عباس نحوه.
وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان، فقال: ما هذا، فقالوا: رجب نصومه، فقال: أجعلتم رجب رمضان؟ فأكفأ السلال وكسر الكيزان.
قال أحمد مَن كان يَصومُ السَّنة صامه وإلا فلا يصومه متواليًا بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان.
وأما الدليل على إفراد الجمعة، فهو ما ورد عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيَّام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» رواه مسلم.
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يصومنَّ أحدُكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده» متفق عليه.
وأما السبت فلما ورد عن عبد الله بن بسر عن أخته وإسمها الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه» رواه الخمسة إلا النسائي.
ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين لما تقدم قريبًا في حديث أبي هريرة، ويكره صوم الدهر؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صام من صام الأبد» متفق عليه، ولمسلم من حديث أبي قتادة بلفظ: «لا صام ولا أفطر» ويكره صوم يوم النيروز والمهرجَان وهما عيدان للكفار معروفان وصوم كل عيد لكفار أو يوم يفردونه بتعظيم قياسًا على يوم السبت ما لم يوافق عادة أو يصمه عن قضاء أو نذر أو نحوه، وفي «مجموع الفتاوى» : وقد روى البيهقي بإسناد صحيح في باب كراهة الدخول على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم والتشبه بهم ونيروزهم ومهرجانهم عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لا تعلموا رطابة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخط ينزل عليهم، فهذا عمر قد نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة يوم عيدهم فكيف من يفعل بعض أفعالهم أو قصد مما هو من مقتضيات دينهم ألَيْسَتْ موافقتهم في العمل أعظم من موافقتهم في اللغة أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم، وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك.
وقال ابن عمر: من صنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم، وقال: لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تعطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم؛ وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيه من تعظيم شعائر الكفر.
وقال –رحمه الله-، وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالوا: أعياد الكفار؛ فإذا كان هذا في شهودها من غير فعل فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في «المسند» و «السنن» أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» ، وفي لفظ: «ليس منَّا من تشبه بغيرنا» وهو حديث جيد فإذا كان هذا في التشبه بهم، وإن كان من العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك، وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالاً له فيما أهِلَّ لغير الله وما ذبح على النصب، وكذلك نهُوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة، وقالوا: إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحمًا ولا دمًا ولا ثوبًا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقالوا: وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك.
والله أعلم.
(ج25/325، 329، 331، 332) انتهى ملخصًا.
ويكره الوصال بأن لا يفطر بين اليومين فأكثر إلا من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، فقال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» ؛ فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم روا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم» حين أبوا أن ينتهوا، متفق عليه.
ولم يحرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع رفقًا ورحمة،
ولا يكره الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي حميد مرفوعًا: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» رواه البخاري، وترك الوصال إلى