كتاب الحج والعمرة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
العقبة: «الْقطْ لي حَصىَ» فَلَقَطتُ له سبعَ حصيات من حصى الخذف فجعل يقبضهنَّ في كفه، ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا» ، ثم قال: «أيها الناس، إياكم والغلوَّ في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوَّ في الدين» رواه ابن ماجه.
وكان ذلك بمنى، قاله في «الشرح الكبير» .
ولا يُسنَّ غسل الحصَى، قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، ولا يرمي بحَصىَ قد رُميَ به، والسُّنة التقاطُ سبع في اليوم الذي يرمي به جمرة العقبة اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أما الأيام الثلاثة فيلتقط كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاثة.
ولا تجزي صغيرة جدًا أو كبيرة، ولا بغير الحصى كجوهر وزمرد وياقوت وذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى بالحصى، وقال: «خذوا عني مناسككم» ، فإذا وصل منى وهو ما بين وادي محسَّر وجمرة العقبة بَدأ بها فرماها راكبًا أو ماشيًا كيفما شاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها على راحلته، رواه جابر وابن عمر وأمَّ أبي الأحوص وغيرهم.
وقال جابر: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعَلي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم.
وقال نافع: وكان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، رواه أحمد في «المسند» .
ويرميها بسبع واحدة بعد أخرى؛ لحديث جابر حتى إذا أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، ويشترط الرمي للخبر، فلا يجزي الوضع في المرمى؛ لأنه ليس برمي، ويجزي طرحها، ويشترك كون الرمي واحدة بعد واحد، فلو رمى أكثر من حصاة دفعة واحدة لم يجزئه إلا عن حصاة واحدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى سبع رميات،
وقال: «خذوا عني مناسككم» ويشترط عِلْمُهُ بحصولها في المرمى في جمرة العقبة، وفي سائره الجمرات؛ لأن الأصل بقاء الرمي في ذمّته فلا يزول بالظن ولا بالشك فيه، ووقت الرمي من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله؛ لحديث عائشة مرفوعًا: «أمَرَ أمَّ سَلمَةَ ليلة النحر فرمت جمرة العَقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» رواه أبو داود.
وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة مع صلاة الفجر احتج به أحمد؛ ولأنه وقت للدفع من مزدلفة أشبه ما بعد طلوع الشمس.
وقال في «المغني» : وَلرَمي هذه الجمرة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء؛ فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس.
قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رماها ضحى ذلك اليوم.
وقال جابر: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» أخرجه مسلم.
وقال ابن عباس: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُغَيْلمَةَ بني عبد المطلب على أحْمِرَاتٍ لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: «يا بني عبد المطلب، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» رواه ابن ماجه، وكان رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع وكان أولى.
وأما وقت الجواز، فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى عكرمة بن خالد والشافعي، وعن أحمد أنه يجزي بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال مجاهد والثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس؛ لما روينا من الحديث، انتهى.
فإن غربت شمس يوم النحر قبل الرمي؛ فإنه يرمي تلك
الجمرة من غد بعد الزوال؛ لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد، ويستحب أن يكبر مع كل حصاة؛ لما في حديث جابر: «يكبر مع كل حصاة منها، وأن يقول مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا» .
لما روى حنبل عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد الله استبطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر، ثم قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا فذكره، فسألته عما صنع، فقال: حدثني أبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى جمرة العقبة من هذا المكان ويقول: كلما رمى مثل ذلك ويستحب أن يرميها من بطن الوادي ويجعل في حالة الرمي البيت عن يساره ومنى عن يمينه؛ لما ورد عن عبد الله بن مسعود أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: «هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» متفق عليه.
ولمسلم في رواية جمرة العقبة، وفي رواية لأحمد: أنه انتهى إلى الجمرة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب يكبر مع كل حصاة، وقال: «اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا» ، ثم قال: «هاهنا كان الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» ويرفع يمناه إذا رمى حتى يرى بياض إبطه؛ لأنه معونة على الرمي ولا يقف عندها.
لما أخرجه البخاري عن الزهري قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان إذا رمى الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم ينحدر أمامها فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه ويدعو، وكان يطيل الوقوف، ويأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات ويكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل البيت رافعًا يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رماها بحصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها» .
وروى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف» رواه ابن ماجه، ولضيق المكان، وله رمي جمرة العقبة من فوقها لفعل عمر لما رأى من الزحام عندها.
ويقطع التلبية بأول الرمي؛ لحديث ابن عباس أن أسامة كان ردف النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، وكلاهما قال: «لم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي حتى رمى جمرة العقبة» ، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة، رواه حنبل في «المناسك» .
ثم ينحر هديًا معه واجبًا كان أو تطوعًا؛ لقول جابر: «ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر وأشركه في هديه» ؛ فإن لم يكن معه هدي وعليه واجب اشتراه، وإذا نحرها فرقها لمساكين الحرم أو أطلقها لهم.
ثم يحلق؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وسّنَّ اسِتقبالُ محلوِق رأسه للقبلة كسائر المناسك، وسن بداءة بشقه الأيمن؛ لما ورد عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر نسكه، ثم دعا بالحلاق وناوله الخالق شقه الأيمن، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناول الشق الأيسر، فقال: «احلق» ، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: «اقسمه بين الناس» . متفق عليه.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيامن في شأنه كله.
ويُسن أن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصدغ من الوجه؛ لأن ابن عمر كان يقول للحالق: أبلغ العظمين، أفصل الرأس من اللحية، وكان عطاء يقول: من السُّنة إذا حلق أن يبلغ العظمين، قال جماعة: ويدعو، قال الموفق وغيره: ويكبر وقت الحلق؛ لأنه نسك، وإن قصَّر فمن جميع شعر رأسه
لا من كل شعرة بعينها؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وهو عام في جميع شعر الرأس، وقد حلق - صلى الله عليه وسلم - جميع رأسه فكان ذلك تفسيرًا لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير، فيجب الرجوع إليه.
والمرأة تقصر من شعرها قدر أنملة، فأقل من روس الضفائر؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» رواه أبو داود؛ ولأنه مثلة في حقهن.
ويُسن أخذ أظفاره وشاربه وعانته وإبطه، قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه قلَّم أظفاره، وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره ثم قد حلِّ له كل شيء من الطيب وغيره، إلا النساء؛ لحديث عائشة مرفوعًا قال: «إذا رَمَيتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» رواه سعيد، وقالت عائشة: «طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» متفق عليه.
س253: تكلم عما يلي: ترك الحلق والتقصيرظ تأخيرهما عن أيام منى؟ تقديم الحلق على الرمي أو الحلق على النحر أو النحر قبل الرمي أو طاف للزيارة قبل الرمي، وبأي شيء يحصل التحلل الأول؟ وبأي يحصل التحلل الثاني؟ ومتى وقت خطبة الإمام بمنى؟ وما موضوعها؟ وما دليلها؟
ج: والحلق والتقصير نسك في حج وعمرة في تركهما معًا دم؛ لأنه تعالى وصفهم بذلك، وامتن عليهم به فدل على أنه من العبادة ولأمره –عليه الصلاة والسلام- بقوله: «فليقصر ثم ليحلل» ، ولو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه، ودعا –عليه الصلاة والسلام- للمقصرين والمحلقين وفاضل بينهم، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء؛ ولما وقع التفاضل فيه إذ لا مفاضلة في المباح،
ولا دم عليه إن أخر الحلق أو التقصير عن أيام منى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ .
فبيَّن أول وقته دون آخره فمتى أتى به أجزأه كالطواف؛ لكن لابد من نيَّتِهِ نسكًا كالطواف، وإن قدم للحلق على الرمي أو على النحر أو طاف للزيارة قبل رميه أو نحر قبل رميه جاهلاً أو ناسيًا فلا شيء عليه، وكذا لو كان عالمًا؛ لما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح، ولا حَرَج» ، وجاء آخر، فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرم، قال: «ارم ولا حرج» متفق عليه.
وعن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: «لا حرج» متفق عليه.
ويحصل التحلل الأول بإثنين من ثلاثة: رمي لجمرة العقبة، وحلق أو تقصير وطواف إفاضة، ويحصل التحلل الثاني بما بقي منها مع السعي من متمتع مطلقًا ومفرد وقارن لم يسعيا مع طواف قدوم؛ لأنه ركن.
ثم يخطب الإمام أو نائبه بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي للجمرات؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «خطب الناس يوم النحر –يعني بمنى» أخرجه البخاري، وقال أبو أمامة: سمعت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى يوم النحر، رواه أبو داود.
وعن أبي بكرة قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير إسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير
اسمه.
فقال: «أليس ذو الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «أيُّ بَلدٍ هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير إسمه، فقال: «أليست البلدة؟» قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟» .
قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» رواه البخاري وأحمد.
ومن مختصر النظم مما يتعلق بصفة الحج والعمرة
وفي الثامن الإحرام من متمتع ... بحج كحلال الحريم المجددِ وإحرامه في الحل صح ولا دم ... وأفضله من بطن مكة فاقتدِ فسيستقبلون الظهر والعصر في منى ... وباتوا وساروا مطلع الشمس في غد إلى عرفات مجمع الوفد كلهم ... وكل سوى الإحرام سُّنة مرشدٍ ويجمعُ بين الظهر والعصر أهله ... بتأذين فرض والإقامة عدد وفي يومهم باتوا إلى عرفاتهم ... وفي الصخرات الفرض أرض التغمد فيا عرفات الخير كلك موقف ... ويا عرَنيًا ليس يجزيك فاصعدِ وقف راكبًا أولى وقد قيل عكسه ... وهلِّل وأكثر من دعائك واجهد ولبِّ وحمِّد وأكثر الذكر واقفًا ... وبعد غروب الشمس فادفع تحمد وركن وقوف المرء في عرفاته ... بأيسر وقت كان من حين يبتدى مؤخر فجر يوم تعريفه إلى ... مؤخِّر فجري عيد نحر المقلد وليس لسكران ومغمى عليه من ... وقوف ومجنون لفقد التقصُّد ومن سار منها قبل مغرب شمسه ... عليه دم ما لم يعد قبل فاشهد وبعد غروب الشمس يدفع طالبًا ... لجمعٍ وسرْ سيْرَ السكينةِ تقتدي
وسر في سبيل المأزمين فإن تجد ... إذًا فرجةٍ أسرع ولا تَتأوّدِ فإن جئتها صلَّ العشاءين جامعًا ... ولو مُفردًا للنَّدب لا الحتم فاقتد وبت ثم صل الصبح أول وقتها ... وأوجب لنصف الليل بيتوتة قد ومَن جاء بعد الفجر يلزمه دم ... كذا الدفع قبل النصف في المتأطّد وقف أوتر فوق أشرف مشعرٍ ... وكبّر وسل تعط الرغائب وأحمد إلى غاية الإسفار ثم قبيل أن ... تلوح ذكا فادفع ولا تتردد فسر مسرعًا إن جئت وادي محسِّر ... كرميك في الصحراء يومًا يجلد وخذ من رُبَى جمع حصى الرمي أو من ... الطريق وسيعين أقدر الكل واعدد وبادر منى نحو العقيبة راميًا ... بسبع على الترتيب مُنتَصبَ اليدِ بواحدة من بعد أخرى ارم يا فتى ... وإن ترْمِ سَبعًا دُفَعةً فكَمُفْرَدِ بمثل حصاة الخذف فارمِ ولا تقف ... ولا تجزئُ الكبرى وصغرى بل اقتدي ولا يجزئ المرمي به مرةً ولا ... بغير الحصا من فضة أو زبرجد وكبر مع رفع الحصاة ودع إذا ... بدأت برمي قول لبِّيك ترشد ومن بعد نصف الليل رميك مجزئ ... وبين طلوع الشمس والميل جوِّد ولا تقفن والأفضل الرمي ماشيًا ... ومن بعد ذا نحر الهدايا لتقصد وبعد احلقن أو قصّر الشعر كله ... وعنه اجتزئ بالبعض كالمسح تهتد وللنسوة التقصير فرض معين ... بأنملة من كله في المؤكد ومن بعد ذا غير النساء محلل ... وعنه سوى وطء الفروج استبح قد وللحلق والتقصير نسك ويحصل الـ ... ـتحلل به والرمي أو طوف مقتدي ففي يوم عيد النحر فعل لسُّنة ... وقوفهمو في المشعر المتمجد وقصد منى والرمي والنحر بعده ... وحلق النواصي والطواف المؤكد فمن لم يرتِّبها فلا دم مطلقًا ... وفيه مقال آخر في التعَمُّدِ ويخطب يوم النحر في المتأكد ... لنحر ورمي والإفاضة أرشد ومن بعد هذا فاقصد البيت طائفًا ... بنية طوف الفرض شرك مؤكد
وهذا هو الركن المثنى مكمل ... لحجك فاحلل كل حلّك واحمد ومن بعد نصف ليل النحر أول وقته ... وفي يومه أولى وإن شئتَ بعد
س254: تكلم بوضوح عما يلي: متى أول وقت طواف الإفاضة؟ ومتى وقت الأفضلية؟ وهل يلزم تعيينه؟ وتكلم عن الشرب من ماء زمزم؟ وما ينبغي قوله لمن شرب منها؟
ج: ثم يفيض إلى مكة؛ لقول عائشة - رضي الله عنها - حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفيّة، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها أفاضت يوم النحر، قال: «أخرجوا» . متفق عليه.
ويطوف القارن والمفرد بنيّة الفريضة طواف الزيارة، ويقال: طواف الإفاضة ويعيِّنه بالنية؛ لعموم: «إنما الأعمال بالنيات» .
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى الطواف بالبيت صلاة، وهي لا تصح بدونها ويكون بعد وقوفه بعرفة؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- طاف كذلك، وقال: «خذوا عني مناسككم» وهو ركن لا يتم الحج إلا به إجماعًا، قاله ابن عبد البر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ .
وكذا المتمتع يطوف للزيارة فقط، كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة؛ فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد وأول وقته بعد نصف ليلة النحر، لمن وقف قبل ذلك بعرفة وإلا فبعد الوقوف، والأفضل فعله يوم النحر؛ لحديث ابن عمر: «أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر» متفق عليه.
(وتقدم الكلام على أول وقت الرمي في جواب سؤال 250) .
ويستحب أن يدخل البيت، فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين بين العمودين تلقاء وجهه، ويدعو الله عز وجل؛ لحديث ابن عمر قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت، وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول مَن ولج، فلقيت بلالاً، فسألته: هل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة، قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين.
رواه الشيخان، ولفظه للبخاري.
وأما ما رواه الشيخان عن أسامة أيضًا، والبخاري عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في الكعبة فجوابه أن الدخول كان مرتين، فلم يصل في الأولى، وصلى في الثانية، كذا رواه أحمد في «مسنده» .
وذكر ابن حبان في «صحيحه» ، وإن أخَّر طواف الزيارة عن أيام منى، جاز؛ لأنه لا آخر لوقته عند أحمد والشافعي، وعند أبي حنيفة أيام التشريق، ومالك ذي الحجة، والتعجيل أفضل عن أيام منى.
وقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يكون في أيام التشريق؛ فإن تأخر ذلك فيه نزاع، والذي يترجح عندي قول من يقول بعدم جواز تأخيره عن أيام التشريف؛ لأنه لم ينقل فيما بلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه أنهم أخروه.
والله أعلم.
قال في «الإنصاف» ، وقال في الواضح: عليه دم إذا أخره عن يوم النحر لغير عذر، وخرَّج القاضي وغيره رواية بوجوب الدم إذا أخَّره عن أيام منى ولا شيء عليه كتأخير السعي.
ثم يسعى متمتع بحجه؛ لأن سعيه الأول لعمرته؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئل عن متعة الحج، فقال: أهَلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي» فطفنا بالبيت والمروة، وأتينا النساء
ولبسنا الثياب، وقال: «من قلد الهدي؛ فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله» ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج؛ فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وهو صريح في سعي المتمتع مرتين، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يكفيه سعي عمرته الذي بعد طوافه.
قال في «الاختيارات الفقهية» : والمتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة وهو إحدى الروايتين عن أحمد نقلها عبد الله عن أبيه، ويسعى من لم يسع مع طواف القدوم من مفرد وقارن، ومن سعى منهما لم يعده.
عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك» رواه مسلم.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد» رواه وابن ماجه، وفي لفظ: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأ طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب؛ ولأنه لا يستحب التطوع به كسائر الأنساك إلا الطواف؛ فإنه كصلاة.
ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه ويرش على بدنه وثوبه، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاء رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال: فشربت منها كما ينبغي؟، قال: وكيف؟ قال: شربت منها فاستقبل الكعبة وذكر إسم الله عز جل؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من زمزم» أخرجه ابن ماجه والدارقطني، واللفظ لابن ماجه، ويقول: «بسم الله، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا وشفاءً من كل داء واغسل به قلبي واملأه من خشيتك» ، زاد بعضهم: «وحكمتك» ؛ لما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ماء زمزم لما شُرب له» رواه ابن ماجه، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته يشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقَطْع ظمئك قطعه الله، وهو عزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل» رواه الدارقطني.
س255: ماذا يفعل بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي؟ وتكلم عن صفة رمي الجمرات الثلاث؟ وبأيها يبدأ؟ وحكم ترتيبها؟ وحكم ما إذا أخل بحصاة من الأولى، أو جهل من أيها تركت؟ ومتى وقت رميها؟ واذكر ما تستحضره من دليل؟
ج: ثم يرجع فيصلي ظهر يوم النحر بمنى؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: «أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى» متفق عليه.
ويبيتُ بمنى ثلاث ليال إن لم يتعجل وإلَّا فليلتين ويرمي الجمرات الثلاث بمنى أيام التشريق إن لم يتعجل كل جمرة منها بسبع حصيات واحدة بعد أخرى، ولا يجزي رَميُ غير سقاة ورعاة إلّا نهارًا بعد الزوال؛ فإن رمى ليلاً أو قبل الزوال لم يجزئه؛ لحديث جابر: رأيت رسول اله - صلى الله عليه وسلم - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم» .
وعن ابن عمر قال: كنا نتَحَيَّنَ فإذا زالت الشمس رمينا، رواه البخاري وأبو داود.
وعن ابن عباس قال: رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمار حين زالت الشمس، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
وسن رميه قبل الصلاة، أي صلاة الظهر؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر» رواه ابن ماجه.
ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى، وهو مسجد الخيف؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع ثم يتقدم عنها قليلاً بحيث لا يصيبه الحصى، فيقف يدعو ويطيل رافعًا يديه مستقبل القبلة.
ثم يأتي الجمرة الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها ويستقبل القبلة ويدعو رافعًا يديه ويطيل، ثم يأتي جمرة العقَبَة فيرميها بسبع ولا يقف عندها لضيق المكان؛ لحديث عائشة قالت: «أفاض الرسول من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» رواه أبو داود.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاه ثم يتقدم، ثم يسهل، فيقوم فيستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها ثم ينصرف» ، فيقول: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله.
رواه البخاري.
وترتيبها شرط؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رماها كذلك، وقال: «خذوا عني مناسككم» كالعدد؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- رمى كلاً منها بسبع كما مر؛ فإن أخل بحصاه من الأولى لم يصح رمي الثانية ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية لم يصح رمي الثالثة لإخلاله بالترتيب؛ فإن ترك حصاة فأكثر وجهل من أيها تركت الحصاة بنى على اليقين، فيجعلها من الأولى فيتمها، ثم
يرمي الأخيرتين مرتبًا لِتَبْرَأ ذمته بيقين، وكذا إن جهل أمن الثاني أو الثالثة فيجعلها من الثانية.
س256: تكلم عن حكم تأخير الرمي وترتيبه، وترك المبيت،
وترك حصاة؟ وترك حصاتين؟ ومَن الذي يس عليهم مبيت بمنى، وإذا غربت الشمس وهم فيها فمَن يلزمهم المبيت؟ وهل له أن ينوب من يرمي عنه؟
ج: وإن أخر رمي يوم ولو كان يوم النحر إلى غده أو أكثر أجزأه أو أخر رمي الكل إلى آخر أيام التشريق ورماها بعد الزوال أجزأ رميه أداء؛ لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي؛ فإذا أخره عن أول وقته إلى آخره أجزأه كتأخير الوقوف بعرفة إلى آخر وقته.
ويجب ترتيب الرمي بالنية كمجموعتين وفوائت الصلوات؛ فإذا أخر الكل مثلاً بدأ بجمرة العقبة فنوى رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة ناويًا عن أول يوم التشريق، ثم يعود فيبدأ من الأولى حتى يأتي على الأخيرة ناويًا عن الثاني، وهكذا عن الثالث.
وفي تأخيره عن أيام التشريق كلها دم لفوات وقت الرمي فيستقر الفداء؛ لقول ابن عباس: من ترك نسكًا أو نسيه فليهرق دمًا كترك مبيت ليلة غير الثالثة لمن تعجل فيجب به دم، وكذا لو ترك المبيت لياليها كلها، وفي ترك حصاة واحدة ما في إزالة شعرة طعام مسكين، وفي ترك حصاتين ما في إزالة شعرتين مثلاً ذلك، وهذا إنما يتصور في آخر جمرة من آخر يوم وإلا لم يصح رمي ما بعدها، وفي أكثر من حصاتين دم، ومَن له عذر من نحو مرض وحبس جاز أن يستنيب من يرمي عنه، والأولى أن يشهد إن قدر.
ولا مَبيتَ على سُقاة ورعاة؛ لحديث ابن عمر: «أن العباس استأذَن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له» متفق عليه؛ ولحديث مالك: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرعاة الإبل في البيوتة أن يرموا يوم النحر، يجمعوا رمي يومين بعد النحر يرمونه في أحدهما، قال مالك: «ظننت أنه قال في أول يوم منها ثم يرمون يوم النفر» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والمريض ومن له مال يخاف عليه ونحوه كغيره؛ فإن غربت الشمس والرعاة والسقاة بمنى لزم الرعاة المبيتُ فقط دون السقاة، لفوات وقت الرعي بالغروب بخلاف السقي، وقيل: أهل الأعذار من غير الرعاة كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوه، حكمهم حكم الرعاة في ترك البيتوتة، وهذا القول قوي فيما أرى.
والله أعلم.
س257: تكلم عن خطبة الإمام ثاني أيام التشريق؟ وإذا غربت الشمس ومُربدُ التعجل فيهما، فما الحكم؟ وما حكم رمي اليوم الثالث عن المتعجل؟ وهل له أن يرجع إلى منى بعد حصول الرخصة؟ وإذا أراد الخروج من مكة، فما يعمل؟
ج: يُستحب خطبة إمام أو نائبه في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال يعلمهم فيها حكم التعجل والتأخير، وحكم توديعهم؛ لحديث أبي داود عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بين أوْسَطِ أيام التشريق، ونحن عند راحلته.
وعن أبي نضرة قال: حدثني مَن سمع خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيام التشريق، فقال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى! أبلغتُ؟» قالوا: بَلَّغَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواه أحمد.
ولحاجة الناس إلى بيان الأحكام المذكورات.
ولغير الإمام المقيم للمناسك التعجيل في ثاني أيام التشريق بعد الزوال والرمي وقبل الغروب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .
ولحديث رواه أبو داود وابن ماجه: «أيام منى ثلاثة» وذكر الآية وأهل مكة وغيرهم فيه سواء؛ فإن غربت الشمس ومُرْيدُ التعجل بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال.
قال ابن المنذر: ثبت أن عمر قال: من أدرك المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس؛ ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، ويسقط رمي اليوم الثالث عن متعجل لظاهر الآية والخبر، وكذا مبيت الثالثة ولا يضر رجوعه إلى منى لحصول الرخصة، فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع إذا فرغ من جميع أموره؛ لقول ابن عباس: أمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت طوافًا، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، متفق عليه.
س258: تكلم عن ما يلي: ماذا يعمل بعد طواف الوداع، إذا ودَّعَ ثم اشتغل بشيء أو أقام بعد الوداع؟ مَن أخَّر طواف الزيارة أو القدوم فطافه عند الخروج فهل يجزي عن الوداع؟ إذا خرج قبل الوداع فهل يرجع إليه؟ وماذا يعمل بعد وداعه؟
ج: يُسنّ بعد طواف الوداع تقبيل الحجر الأسود وركعتان كغيره؛ فإن وَدَّعَ ثم اشتغل بشيء غير شدِّ رحل ونحوه كقضاء حاجة في طريقه أو شراء زاد أو شيء لنفسه أو أقام بعده أعاد طواف الوداع؛ لأنه إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت، ومَن أخَّر طواف الزيارة ونصه أو القدوم فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع؛ لأن المأمور أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل؛ ولأنها عبادتان من جنس فأجزأت إحداهما
عن الأخرى كغسل الجنابة عن غسل الجمعة وعكسه؛ فإن خرج قبل الوداع رجع إليه وجوبًا، بل إحرام إن لم يبعد عن مكة؛ لأنه لإتمام نسك مأمور به كما يرجع لطواف الزيارة ويحرم بعمرة إن بُعد عن مكة، ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يودع عند خروجه؛ فإن شق رجوع من بَعدَ ولم يبلغ المسافة أو بَعُد عنها مسافة قصر، فعليه دم؛ لقول ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم بلا رجوع دفعًا للحرج.
ولا وداع على حائض؛ لحديث ابن عباس: إلا أنه خفَّف عن المرأة الحائض، متفق عليه.
ولما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أحابستنا هي؟» قلت: يا رسول الله، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: «فلتنفر إذًا» متفق عليه.
والنفساء في معنى الحائض لا وداع عليها، إلا أن تطهر الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة، فيلزمها العود؛ لأنها في حكم المقيم، بدليل أنها لا تستبيح الرخص قبل المفارقة؛ فإن لم تعُدْ لِعُذرٍ أو غيره فعليها دم.
ثم بعد وداعه يقف في الملتزم وهو أربعة أذرع بين الركن وباب الكعبة ملصقًا بالملتزم جميعه بأن يلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: طفت مع عبد الله، فلما جاء دبر الكعبة، قلت: ألا تتعوذ؟ قال: تعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب فوضع صدره وذراعيه وكفيه وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل، رواه أبو داود.
وعن مجاهد إذا أردت أن تنفر فأدخل المسجد وطف بالبيت سبعًا، ثم ائت المقام فصل ركعتين، ثم اشرب من ماء زمزم، ثم ائت ما بين الحجر والباب، فالصق صدرك وبطنك بالبيت وادع الله عز وجل، واسأل ما أردت، ثم عد إلى الحجر فاستلمه ثم انفر.
وعن إبراهيم، قيل له: بأي شيء يكون آخر عهده بالبيت؟ قال: بالحجر، أخرجهما سعيد بن منصور، ويقول إذا وقف في الملتزم: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسَيْرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسكي؛ فإن كنت رضيت عني فأزدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان إنصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا بيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني، وأجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، ويدعو بعد ذلك بما أحب، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويأتي الحطيم وهو تحت الميزاب، فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم.
قال الشيخ تقي الدين: ويستلم الحجر ويقبله.
ومن النظم في أحكام المناسك
ومن زمزم فاشرب لما شئت ممنعًا ... وسم وسل ما تبتغي وتزودِ وبعد طواف للزيارة لا تبت ... بمكة إن تبغي المنى فمنى اقصد وفي الغد خذ إحدى وعشرين فارمها ... لذي جمرات تطف جمرة موقد فتبدأ في الأولى بسبع وقف بها ... مطيل الدعاء وَقف المشوق بمعهد وتفعل في الوسطى كذا ولجمرة ... العقيبة بالسبع إرم ثم تبعّد وتجعل أولاها يسارًا وغيرها ... يمينك فاستقبل وقف وادع واجهد ويفعله بعد الزوال ثلاثةً ... ومَن يتعجّل يرم يومين يرشد ومن يمس حتى تغرب الشمس فليبت ... فليرميها بعد الزوال من الغد وقبل زوال رميهم غير مجزئ ... وفي ثالث الأيام قولين أسند وليس بمجز رمي ثانية متى ... تركت من الأوُلى حصاة لنردد وخذ بيقين إن شككت ومُرجئٌ ... إلى آخر التشريق رمى المعدد أجزْه بلا شيء وقد فات سُّنة ... وفي الرمي رتبه بنية مقصد وإن لم تبت في الأولين على منى ... أو أرجأت عن أيامها الرمي فاقتد وليس على أهل السقاية والرّعا ... مَيْتٌ ورمى الليل جوّز لهم قد وإما تغب شمس بها قليبت بها ... رعاء ورب السقى أطلق يقيد وإن أخر الرمي الرعاء بأول ... ليقضوه في الثاني فصَوّبْ وسَدد وفي ثاني التشريق يخطب خطبة ... لتعلم مَا يحتاجه والترشُّد وندبٌ له أن يدخل البيت حافيًا ... ويكثر من نفل به وتعُّبد وعند خروج طف طواف مودع ... وقف بعدُ بين الركن والباب ترشد وناد كريمًا قد دعا وفده إلى ... جوائزة في بيته فادع واجهد وقل يا إلهي قد أتيناك نرتجي ... مواعيد صدق من كريم معود
وهذا مقام المستخيرين من لظى ... بعفوك يا منِّان يا ذا التّغمد بعفوك جئنا فوق كل مُسَخّر ... فجد بالرضا يا رب قبل التبعد فذا أوان السير عن بيتك الذي ... نفارقه كرهًا متى شئت تعتدي فراق اضطرار لا فراق زهادة ... ولا رغبة عنه ولا عنك سيدي وليس لنا والحمد لله رغبة ... سواك فأصحبنا بمغني التزُّود ولا تجعلنه آخر العهد بيننا ... وهوّن علينا السير في كل فَدفد وسل كُلَّ ما تبغي من الدين والدنا ... تنله متى تَدْعو بصدق تقصد وذاكر تطواف الزيارة ساعة الوداع ... كفاه عن طواف الترود ومن ترك التوديع أو عاد بعده ... لشغل يعد وليهد إن لم يردد وليس على ذات النفاس وحائض ... وداع ولا هدي عليها له اشهد ولكن لها ندب وقوف مؤمل ... على الباب فلندع الكريم وتجْهدِ
س259: تكلم عن زيارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - واذكر ما تستحضره من دليل، وتكلم عما يتعلق بهذا المقام بوضوح هذه الأدلة؟
ج: تُسنَّ زيارة المسجد النبوي، وهي في مواسم الحج وفي غيره سواه؛ لما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه مسلم والنسائي وابن ماجه، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه البخاري.
واللفظ له ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه.
وعن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا» أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وعن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه» أخرجه أحمد وابن ماجه.
فإذا وصل الزائر إلى المسجد النبوي استحب له أن يقدم رجله اليمنى، ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، كما يقول ذلك إذا دخل سائر المساجد، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، والأولّى أن يصليها في الروضة الشريفة؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» أخرجاه، وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين منبري إلى حجرتي روضة من رياض الجنة، وإن منبري على ترعة من ترع الجنة» ، وفي رواية من حديث عبد الله بن زيد: «ما بين هذه البيوت –يعني بيوته- إلى منبري روضة من رياض الجنة» أخرجهما أحمد، وعن أم سلمة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قواعد منبري رواتب في الجنة» أخرجه أحمد، ثم بعد فراغ الإنسان من تحية المسجد يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبري صاحبية أبي بكر وعمر فيقف قبالة وجهه بأدب وخفض صوت، ثم يسلم عليه الصلاة والسلام، قائلاً: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من أحد يسلم علي إلّا ردّ الله علي روحي حتى أرد عليه» رواه أبو داود.
قال ابن القيم –رحمه الله-:
فإذا أتينا المسجد النبوي ... صَلّيْنا التحية أولاً ثِنتان بتمام أركان لها وخشوعها ... وحضور قلب فعل ذي إحسان ثم الثنينا للزيارة نقصد القبر ... الشريف ولو على الأجفان فتقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السرَّ والإعلان فكأنه في القبر حي ناطق ... فالواقفون نواكس الأذقان ملكتهُمو تلك المهابة فاعترت ... تلك القوائم كثرة الرجفان وتفجّرت تلك العيون بمائها ... ولطالمَا غاضت على الأزمان وأتى المسلم بالسلام بهَيْبةٍ ... ووقار ذي علم وذي إيمان لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلا ولم يسجد على الأذقان كلا ولم ير طائفًا بالقبر ... أسبوعًا كأن القبر بيتٌ ثان ثم أنثنى بدعائه متوجهًا ... لله نحو البيت والأركان هذه زيارة من غدا متمسكًا ... بشريعة الإسلام والإيمان
ثم يتقدم قليلاً فيسلم على أبي بكر، ثم يتقدم فيسلم على عمر - رضي الله عنهما -، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: السلام عليك يا أبتاه، وهذه الزيارة تشرع للرجال خاصة، أما النساء فلا؛ لما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن زّورات القبور» أخرجه الترمذي؛ وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والدعاء فيه ونحوه مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع، ويحرم الطواف بالحجرة النبوية، ولا يجوز لأحد أن يتمسح بها أو يقبلها.
قال الشيخ تقي الدين: اتفقوا على أنه لا يقبّله ولا يتمسح به؛ فإنه من الشرك وكذا مسَّ القبر أو حائطه ولصق صدره به وتقبيله، وليست زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بواجبة ولا شرطًا في الحج، كما يظنه بعض الجهال، بل هي مسنونة في حق من زار مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كان قريبًا
منه؛ أما البعيد له شد الرحيل لقصد زيارة القبر؛ للحديث المتقدم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، ولو كان شد الرحل لقصد قبره –عليه السلام- أو قبر غيره مشروعًا لدلّ الأمّة عليه وأرشدهم إلى فضله؛ لأنه أنصح الناس وأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية وقد بلّغ البلاغ المبين ودل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر.
ويُستحب لزائر المدينة أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه؛ لما في «الصحيحين» من حديث ابن عمر قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا ويصلي فيه ركعتين» ، وعن سهل بن حنيف - رضي الله عنه -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، واللفظ له والحاكم.
ويُسن لزائر المدينة أن يزور قبور البقيع وقبور الشهداء، وقبرة حمزة - رضي الله عنه -؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزورهم ويدعو لهم؛ ولقوله: «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة» أخرجه مسلم، وتقدم ما يُسن قوله: إذا زار القبور في آخر كتاب الجنائز، ويُسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجهًا إلى بلده: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ لما في البخاري عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض، ثم يقول: فذكره، ولا بأس أن يقال للحاج إذا قدم: تقبل الله نسكك وأعظم أجرك وأخلف نفقتك، رواه سعيد عن ابن عمر.
قال في «المستوعب» : وكانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب.
انتهى.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج» رواه البزار، والطبراني في «الصغير» ، وابن خزيمة
في «صحيحه» ، والحاكم، ولفظهما قال: اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحجاج والعّمار وفد الله إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» رواه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، ولفظهما قال: «وفد الله ثلاثة الحاج والمعتمر والغازي» . والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقد نظم بعضهم من لا يرد دعاؤهم، فقال:
وسَبْعةٌ لا يَرُد اللهُ دَعْوَتُهم ... مَظلومُ والدُ ذو صَوْم وذو مَرضِ ودَعوةٌ لأخ بالغَيْبِ ثُم نبي ... لأمّةٍ ثم ذو حَجٍّ بذاك قضِى
س260: تكلم بوضوح عن صفة العمرة من المكي وغيره؟ وبين من أين يحرم لها؟ وحكم تكرارها ومتى يحل منها؟ وهل الأفضل العمرة في رمضان أو في أشهر الحج؟ وهل تجزي عمرة القارن وعمرة التنعيم عن عمرة الإسلام، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: من أراد العمرة وهو بالحرم مكيًّا أو غيره خرج فأحرم من الحل وجوبًا؛ لأنه ميقاته ليجمع بين الحل والحرم، والأفضل إحرامه من التنعيم لأمره - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم، وقال ابن سيرين: بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت لأهل مكة التنعيم فيلي التنعيم الجعرَّانة فالحديبية فأبعد عن مكة، وحرام إحرام بعمرة من الحرم لتركه ميقاته، وينعقد إحرامه وعليه دم، ثم يطوف ويسعى لعمرته، ولا يحل منها حتى يحلق أو يقصّر، ولا بأس بها في السُّنة مرارًا.
روي عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة، واعتمرت عائشة مرتين، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» متفق عليه.
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة» رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحهما» ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وكره الشيخ تقي الدين الخروج من مكة للعمرة إذا كان تطوعًا، وقال: هو بدعة؛ لأنه لم يفعله –عليه أفضل الصلاة والسلام- ولأصحابي على عهده إلا عائشة لا في رمضان ولا في غيره اتفاقًا، والعمرة في غير أشهر الحج أفضل منا في أشهر الحج وأفضلها في رمضان؛ لحديث: «عمرة في رمضان تعدل حجة» متفق عليه.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة - أو حجة مَعي» متفق عليه، وقيل: أن العمرة في الحج أفضل، واختاره ابن القيم -رحمه الله- في «الهدي» (ص361) .
والمقصود أن عُمَرةُ كُلها كانت في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين؛ فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجور، وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك؛ وأما المفاضلة بينه وبين الاعتمار في رمضان فموضع نظر، فقد صح عنه أمَرَ أمِّ معْقِل، لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان، وأخبرها «أن عُمْرةً في رمضان تعدل حجة» ، وأيضًا: فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان وأفضل البقاع؛ ولكن لم يكن الله ليختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في عمره لا إلى الأوقات وأحقها بها فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة وجعلها وقتالها والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمن كان عنده فضل علم، فليرشد إليه.
انتهى.
قال أنس: حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة واحدة واعتمر أربع عمر واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة، إذًا قسم غنائم حنين.
متفق عليه.
ولا يكره إحرام بالعمرة يوم عرفة ولا يوم النحر ولا أيام التشريق؛ لعدم نهي خاص به وتجزي عمرة القارن عن عمرة الإسلام، وتجزي عمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام؛ لحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة، قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حلّت منهما: «قد حللت من حجك وعمرتك» ؛ وإنما أعمرها من التنعيم قصدًا لتطييب خاطرها وإجابة لمسألتها.
س261: ما هي أركان الحج؟ وما هي واجبات الحج؟ وماذا على من ترك ركنًا أو واجبًا أو سُّنة؟ وما هي أركان العمرة؟ وما هي واجباتها؟ واذكر ما تستحضره من دليل؟
ج: أركان الحج أربعة: الوقوف بعرفة؛ لحديث: «الحج عرفة» رواه أبو داود.
والثاني: طواف الزيارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ . والثالث: الإحرام وهو نية الدخول في النسك، فلا يصح بدونها؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» .
الرابع: السعي بين الصفا والمروة؛ لحديث عائشة: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاف المسلمون -يعني بين الصفا والمروة- فكانت سُّنة فلعمري ما تم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة، رواه مسلم؛ ولحديث: «اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي» رواه أحمد وابن ماجه وواجباته الإحرام من الميقات، لما تقدم.
الثاني: وقوفُ من وقف بعرفة نهارًا إلى غروب الشمس من يوم عرفة ولو غلبه نوم بعرفة وتقدم.
والثالث: المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل إن وَافَىَ مُزْدلفة قبَل نصف الليل وتقدم موضحًا.
والرابع: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق لفعله –عليه الصلاة والسلام- وأمره به.
والخامس: رمي الجمار مرتبًا وتقدم مفصلاً.
والسادس: الحلق أو التقصير؛ لأن الله تعالى
وصفهم بذلك وامتن به عليهم، فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به، فقال: «فليقصِّر ثم ليحلل ودعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة» متفق عليه.
وفي حديث أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر وجعل يعطيه الناس، رواه أحمد ومسلم، وتقدم أكثر الأدلة.
السابع: طواف الوداع؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض» متفق عليه.
وأركان العمرة ثلاثة: الأول: الإحرام بها لما تقدم في الحج.
والثاني: طواف.
والثالث: سعي.
وواجباتها: شيئان، إحرام من الميقات أو الحل، وحلق أو تقصير كالحج، فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه حجًا أو عمرة، ومن ترك ركنًا غيره أو نيته لم يتم نسكه إلا به ومَن ترك واجبًا فعليه دَم؛ فإن عدمه فكصوم مُتعة يَصوم عشرة أيام في الحج وسبعةَ إذا رجع وتقدم.
والمسنون من أفعال الحج وأقواله كالمبيت بمنى ليلة عرفة وطواف القدوم والرمل والاضطباع في موضعهما وكاستلام الركنين وتقبيل الحجر والخروج للسعي من باب الصفا وصعوده عليها وعلى المروة والمشي والسعي في مواضعهما والتلبية والخطبة والأذكار والدعاء في مواضعهما والاغتسال في مواضعه والتطيب في بدنه وصلاته قبل الإحرام وصلاته عقب الطواف، واستقبال القبلة حال رمي الجمار لا شيء في تركه.
تتمة
يعتبر في أمير الحاج كونه مطاعًا ذا رأي وشجاعة وهداية وعليه جمعهم وترتيبهم وحراستهم في المسير والنزول والرفق بهم والنصح ويلزمهم طاعته في ذلك ويصلح بين الخصمين ولا يحكم إلا أن يفوض إليه، فتعتبر أهليته له.
قال في «الاختيارات الفقهية» : ومن اعتقد أن الحج يسقط ما عليه من الصلاة والزكاة؛ فإنه يستتاب بعد تعريفه إن كان جاهلاً؛ فإن تاب وإلا قتل ولا يسقط حق الآدمي من مال أو عرض أو دم بالحج إجماعًا (ص119) .
أركان الحج وواجباته
ووقفة تعريف وطوف زيارة ... وسعي وإحرام فأركانه قَدِى وواجبه رمي وطوفُ مَوَدعِ ... وحَلقٌ وإحرام مِن المتجدد وبَيْتوتَةٌ في مَشْعر وَمِنىً إلى ... بُعَيْدَ انتصافِ الليل يا ذا الترشد ووقفةُ من وافى إلى عَرَفاتهِ ... نهارًا إلى إتيان ليل المُعَيِّدِ لغير سقاة في الأخير أو الرعا ... وبَاقي الذي قد مَرِّ سُنة مرشد
أركان العمرة وواجباتها
وأركانها الإحرام والطواف يا فتى ... وسعي على خلف كحجٍّ به ابتدى واجبها الإحرام ميقاتها افهمن ... وحلق أو التقصير للرأس اعدِدِ ولا شيءَ في ندْبٍ وفي واجبٍ دمٌ ... بإهماله والركنُ حتم التعَبدِ
35-
باب الفوات والإحصار
س262: ما هو الفوات وما هو الإحصار؟ ومتى يفوت الحج؟ وإذا فات فماذا يعمل إذا وقف كل الحجيج الثامن أو العاشر خطأ فما الحكم؟ وإذا وقف بعضهم الثامن أو العاشر خطأ فما الحكم؟ وتكلم عمن منع البيت؟
ج: الفوت مصدر فات يفوت كالفوت، وهو سبق لا يدرك فهو أخص من السبق، والحَصْرُ المنْعُ والتضييق حَصَرَهُ يحصُرهُ حَصرًا ضَيَّقَ عليه وأحاط به والحصر الضيق، والحبس والحصير المحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ أي محبسًا، وقوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي ضاقت، مَن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة في وقته لعذر من حصر أو غيره؛ فإنه الحج ذلك العام؛ لقول جابر: «لا يفوت حج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع» ، قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك؟ قال: «نعم» رواه أحمد والأثرم؛ ولحديث: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع، فقد تم حجه» فمهومه فوت الحج بخروج ليلة جمع، وسقط عنه توابع الوقوف كمبيت بمزدلفة ومنى ورمي جمار، وانقلب إحرامه بالحج إن لم يختر البقاء عليه ليحج من قابل عمرة قارنًا كان أو غيره فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصّر، وعنه لا ينقلب إحرامه عمرة، بل يتحلل بطواف وسعي فقط.
قال ناظم المفردات:
من فاته الوقوف خاب الأربُ ... بعمرة إحرامه يَنقلبُ وعنه بل إحرامه لا يبطلُ ... مِن حجه ويلزم التحللُ
وعلى مَن لم يشترط أوّلا بأن لم يقل في ابتداء إحرامه: وإن حبسني
حابسٌ فمحلي حيثُ حَبَسْتني قضاء حَجٍّ فاته حتى النفل؛ لقول عمر لأبي أيوب لما فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت؛ فإن أدركت قابلاً فحج واهد ما استيسر من الهدي، رواه الشافعي، وللبخاري عن عطاء مرفوعًا نحوه.
وللدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: «من فاته عرفات فقد فاته الحج، وليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل» وعمومه شامل للفرض والنفل والحج يلزم بالشروع فيه فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات، وأما حديث: «الحج مرة» ، فالمراد الواجب بأصل الشرع والمحصر غير منسوب إلى تفريط بخلاف من فاته الحج.
وعلى من لم يشترط أولاً هدي من الفوات يؤخر إلى القضاء؛ فإن عدم الهدي زمن الوجوب، وهو طلوع فجر يوم النحر من عام الفوات صام كمتمتع لخبر الأثرم أن هبَّار بن الأسود حج من الشام، فقدم النحر، فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم يوم عرفة، قال: فانطلق إلى البيت، فطف به سبعًا، وإن كان معك هَدية فانحرها، ثم إذا كان قابل فاحجج؛ فإن وجدت سعة فاهد، ومفرد وقارن مكي وغيره في ذلك سواء.
وإن وقف كل الحجيج الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، أو وقف الحجيج إلا يسيرًا الثامن أو العاشر من ذي الحجة خطأ أجزأهم؛ لحديث الدارقطني عن عبد العزيز بن جابر بن أسيد مرفوعًا: «يوم عرفة الذي يُعرِّف الناس فيه» ، وله ولغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: «فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون» ؛ ولأنه لا يؤمن مثل ذلك فيما إذا قيل بالقضاء وظاهره سواء أخطؤا لغلط في العدد أو الرؤية أو الاجتهاد في الغيم، وقال في «المقنع» : وإن أخطأ بعضهم؛ فإنه الحج، والوقوف مَرّتين.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: بدعة لم يفعله السلف.
ومَن مُنِعَ البيت ولو كان منعه بعد الوقوف بعرفة أو كان المنع في إحرام عمرة ذبح هديًا بنية التحلل وجوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ولأنه –عيه الصلاة والسلام- أمر أصحابه حين حصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا وسواء كان الحصر عامًّا للحاج أو خاصًا كمن حبس بغير حق أو أخذه نحو لص؛ لعموم النص ووجود المعنى؛ فإن لم يجد هديًا صام عشرة أيام بنية التحلل قياسًا على المتمتع وحل ولا إطعام في الإحصار؛ لعدم وروده.
ولو نوى المحصر التحلل قبل ذبح الهدي إن وجده أو الصوم إن عدمه لم يحل لفقد شرطه وهو الذبح أم الصوم بالنية واعتبرت النية في المحصر دون غيره؛ لأن من أتى بأفعال النسك أتى بما عليه فحل بإكماله، فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصر؛ فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها، فافتقرت إلى نيَّة، ولزم من تحلل قبل الذبح والصوم دم لتحلله، وقيل: لا يلزمه دم؛ لذلك جزم به في «المغني» و «الشرح الكبير» .
س263: تكلم عما يلي: محصر تحلل قبل فوات الحج؟ مَن جن أو أغمي عليه، مَن أحصر عن طواف الإفاضة؟ مَن حصر عن واجب؟ مَن صد عن عرفة؟ مَن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة أو ضل الطريق؟ مَن اشترط في ابتداء إحرامه أنَّ محَليِّ حيث حبستني؟
ج: ولا قضاء على محصر تحلل قبل فوات الحج؛ لظاهر الآية لكن إن أمكنه فعل الحج في ذلك العام لزمه ومثله في عدم وجوب القضاء مَن جن أو أغمي عليه ومَن حصر عن طواف الإفاضة فقط لم يتحلل حتى يطوف للإفاضة، ويسعى إن لم يكن سعى، ومَن حصر عن فعل واجب لم يتحلل وعليه دم بتركه، كما لو تركه اختيارًا وحَجُّه صحيح لتمام أركانه؛ ومَن صدَّ عن عرفة في حج تحلل بعُمْرة مجانًا، ومَن أحصر بمرض أو بذهاب نفقة بقي محرمًا حتى يقدر على البيت؛ فإن فاته الحج تحلل بعمرة؛ لأنه
لا يستَفيدَ بالإحلال الانتقال من حال إلى حال خير منها ولا التخلص من أذى به بخلاف حصر العدو؛ ولأنه –عليه الصلاة والسلام- لما دخل على ضباعة بنت الزبير، وقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية، قال: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» فلو كان المرض يبيح التحلل لما احتاجت إلى شرط؛ ولحديث: «من كسر أو عرج فقد حلّ» متروك الظاهر؛ فإنه لا يصير بمجرده حلالاً؛ فإن حملوه على إباحة التحلل حملنا على ما إذا اشترط، على أن في الحديث كلامًا؛ لأن ابن عباس يرويه ومذهبه بخلافه، وهذه رواية اختارها الخرقي، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ومروان، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، والرواية الثانية له التحلل بذلك، وروي نحوه عن ابن مسعود وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كسر أو عرج فقد حلّ، وعليه حجة أخرى» رواه النسائي.
ولأنه محصور فيدخل في عموم قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ يحققه أن لفظ الإحصار: إنما هو للمرض ونحوه، يُقال: أحصره المرض إحصارًا، فهو محصور، وحصره العدو فهو محصور، فيكون اللفظ صريحًا في محل النزاع، وحصر العدو مقيس عليه؛ ولأنه مَصْدُودٌ عن البيت أشبه مَن صده العدو، وكذا من ضل الطريق.
وفي «الاختيارات الفقهية» : والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة كالمحصر بعدو، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها ورجعت ولم تطف لجهلها، وجوب طواف الزيارة أو لعجزها عنه أو لذهاب الرفقة.
انتهى (ص120 منها) .
ومن شرط ابتداء إحرامه أن محليِّ حيث حبستني، فله التحلل مجانًا في الجميع من فوات وإحصار ومرض ونحوه، ولا دم عليه؛ لظاهر خبر ضباعة؛ ولأنه شرط صحيح، فكان على ما شرط.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
ومما جاء من النظم في ذلك
ومَن جاء يوم النَّحر والفجر طالع ... إلى عرفات آب أوبة مُكمدِ ولم يتحلل منه إلا بعمرة ... مُكمّلة في الظاهر المتأطّد ويقضي بلا شرط ولو نفل حجه ... ويلزمه هَدْيٌ على المتأكد ومَن بعد إحرام يصدّ ولم يجد ... طريقًا لينحر هَدْيَهُ حيث مصدَدِ وإن هو لم ينو الخروج بنحره ... من النسك لم يحلل بغير تردُّد فإن لم يجد هديًا فصومه عشرة ... ومَن ينو حلاً قبل هذا ليفتدي ومَن صُدًّ عن تعريفه حَسْبُ فاحكمن ... بإحلاله بالعمرة افهم تُسدَّد وفي حصر سقم أو توَى المال أو خَفَي ... الطريق ليبقى مُحرمًا في المسدّد فإن فاته حج تحلّلْ بعمّرة ... وهذا إذْ لم يشترط حين يبتدِي
ومما رأى أنه من المناسب سوقه في هذا الموضع الأبيات التي تلي من منظومة ابن القيِّم المسماة «الميمية» وهي تتعلق بالحج:
أما والذي حَجّ المُحبَّونَ بَيته ... ولبُّوا له عِندَ المهَلِّ وأحْرَموا وقد كشَفوا تِلكَ الرؤوس تواضعًا ... لِعزّةِ مَنْ تعْنُوا الوجُوهُ وتُسْلِمُ يُهلُّونَ بالبطحَءِ لبيكَ رَبّنا ... لكَ الحمدُ والملكُ الذي أنت تعلمُ دَعَاهم فلبُّوهُ رضًا ومحَبّةً ... فلما دَعوهُ كانَ أقرَبَ منهُمُو تراهم على الأنضَاءِ شُعثًا رؤسهمْ ... وغُبْرًا وهم فيها أسَرُّ وأنعَمُ وقد فارقُوا الأوطانَ والأهلَ رغبةً ... ولم تَثْنِهمْ لذّاتهمْ والتّنَعَمُ يَسيرونَ في أقطارها وفجاجهَا ... رجالاً وركبانًا وللهِ أسْلمُوا ولما رأتْ أبصارُهم بيتَهُ الذي ... قلوبُ الوَرَى شوقًا إليهِ تصوَّمُ كأنهموا لم يَنصِبوا قَطُّ قَبَلهُ ... لأنّ شقاهم قد ترَحّلَ عنهُمو وقد غرِقتْ عَينُ المحِب بدمعها ... فينظرُ مِن بينَ الدموع ويَسجمُ فلله كم مِنْ عَبْرةٍ مُهرَاقةٌ ... وأخرى على أثارِها تتقّدِّمُ إذا عايَنْتهُ العَين زالَ ظَلامُها ... وزالَ عن القلبِ الكئيبِ التألم فلا يَعرفُ الطرفُ المُعَاينُ حُسْنَه ... إلى أن يَعُودَ الطرفُ والشّوقُ أعظمُ ولا عجبًا مِن ذا فحينَ أضافهُ ... إلى نفسه الرحمنُ فهوَ المعَظمُ كساهُ مِن الإجلالِ أعظمَ حُلة ... عليها طرازٌ بالملاحة مُعْلَمُ فمن أجل ذا كل القلوب تحبُّهُ ... وتخْشَعُ إجلالاً لهُ وتُعَظم ورَاحوا إلى التعريف يرجونَ رحمه ... ومغفرةً ممن يَجودُ ويُكْرمُ فلله ذاكَ الموقِفُ الأعظم الذي ... كموقف يوم العرض بل ذاكَ أعظمُ ويَدْنو به الجبَّارُ جلَّ جَلاله ... يُباهِي بهم أملاكه فهوَ أكرَمُ يَقولُ عِبادي قد أتوني مَحَبِّةً ... وإني بهمْ برٌّ أجودُ وأرْحَمُ
وشهدكم أني غفرت ذنوبّهمْ ... وأعطيتهُم ما أملّوه وأنعَمُ فبُشْرَاكمُ يا أهل ذَا الموقفِ الذي ... به يَغفر الله الذنوبَ ويَرحَمُ فكم من عتيق فيه كمّل عَتْقهُ ... وآخر يستشفي ورَبّك أرَحمُ وما رُؤْي الشيطانُ أحقَر في الورى ... وَأدْحرَ منه عِندهَا فهوَ ألْوَمُ وذاك لأمرٍ قد رآهُ فغَاظهُ ... فأقبَلَ يَحثو للترابِ ويَلطِمُ ومَا عايَنتْ عَيناهُ من رحمة أتت ... ومغفرة مِن عند ذِي العرش تُقسم بنَى مَا بنَى حتى إذا ظنّ أنهُ ... تمكنَ مِن بُنيانِه فهوَ مُحْكُم أتى الله بُنيانًا له مِن أسَاسِهِ ... فخرَّ عليهِ سَاقِطًا يتهَدّم وكم قدرَ ما يَعلو البناءُ وينتهي ... إذا كانَ يَبنيهِ وذو العرش يهدمُ وراحوا إلى جمعٍ وبانوا بمشعر ... الحَرامِ وصلوا الفجرَ ثم تقدّموا إلى الجمرة الكبرى يُريدونَ رَميها ... لِوقْتِ صلاة العيد ثم تَيمّموا منازلهم للنّحر يَبْغونَ فضْلهُ ... وإحياءَ نُسْكٍ من أبيهم يُعَظموا فلو كان يُرْضي الله نحْرُ نفوسهم ... لجادُوا بها طوْعًا وللأمر سلّموا كما بذَلوا عِند الجِهاد نُحورهم ... لأعدائه حتى جرى منهمُ الدمُ ولكنهم دَانوا بوَضع رءوسهمْ ... وذلكَ ذلٌّ للعَبيد ومِيَسمُ ولما تقَضَّوا ذلكَ التفتَ الذي ... عليهم وأفَوا نذرَهم ثم تمّموا دعاهمْ إلى البيت العتيق زَيارَةً ... فيا مَرْحبًا بالزائرين وأكرمُ فلله ما أبهَى زِيارتهم لهُ ... وقد حصلتْ تلك الجوائز تقسم ولله إفضال هناكَ ونِعَمةٌ ... وبرٌّ وإحسانٌ وجودٌ ومَرْحمُ وعادوا إلى تلكَ المنازل من منًى ... وقالوا مُناهُم عِندها وتنَعّموا أقاموا بها يَومًا ويَومًا وثالثًا ... وأذٍّنَ فيهم بالرحِيل وَأعلِموا وراحوا إلى رَمي الجمار عَشيّةً ... شِعارهُم التكبير والله معهم
ولو أبْصرت عَيناكَ موقفهم بها ... وقد بسطوا تلك الأكف ليُرحموا يُنادونه يا ربِّ يا ربِّ إننَا ... عبيدك لا نرجوا سِوَاكَ وتعلم وهانحن نرجوا منك ما أنت أهله ... فأنت الذي تعطي الجزيلَ وترحم ولما تقَضوا من منى كل حاجةٍ ... وسالت بهم تلكَ البطاحُ تقدموا إلى الكعبةِ البيت الحرام عشية ... وطافوا بها سبعًا وصلوا وسلموا ولما دَنا التوديع منهم وأيقَنوا ... بأن التداني حبله متَصَرِّمُ ولمْ يَبق إلا وقفةً لمُوادِعِ ... فلله أجفانٌ هناك تسَجَّم ولله أكبادٌ هنَالِكَ أودعَ الغَرام ... بها فالنار فيها تضَرّشم وللهِ أنفَاسٌ يكادُ بحَرِّهَا ... يذوب المحبُّ المستهَام المتَيَّم فلم ترَ إلا باهِتًا متَحَيِّرًا ... وآخرَ يبْدِي شَجْوَه يترَنمُ رَحلْتُ وأشوَاقي إليكم مقيمةٌ ... ونار الأسَى مِني تشبُ وتضرم أوَدِّعكم وَالشوق يثني أعِنّي ... إليكم وَقلبي في حَمَاكم مخَيم هنَالكَ لا تثريب يومًا على امرئٍ ... إذا مَا بَدَا منه الذي كانَ يُكتَمُ
هذا آخر ما تيسر لي جمعه في هذا الجزء الثاني من الأسئلة والأجوبة الفقهية مبتدأ به من كتاب الزكاة ومنتهيًا به إلى آخر كتاب الحج والعمرة.
ويليه الجزء الثالث منه إن شاء الله تعالى، وأوله كتاب الأضاحي.
وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء الثاني المذكور الساعة 11 ونصف من يوم الجمعة المبارك أول ربيع الأول سنة 1385هـ خمس وثمانين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية الشريفة الموافق 30/6/1965م.
والله المسئول أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به نفعًا عامًا إنه سميع قريب مجيب على كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا،،،
عبد العزيز المحمد السلمان
المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض
وقف لله تعالى من استغنى عن الانتفاع به فليدفعه إلى من ينتفع به من طلبة العلم وغيرهم
وَقْفٌ للهِ تَعَالَى
تَأْلِيفُ عبد العزيز المحمد السلمان المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزء الثالث
طُبِِعَ عَلَى نَفَقَةِ مَنْ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ وَالدَار الآخرةَ فجَزاهُ اللهُ عن الإسلام والمسلمينَ خيرًا وغَفَر له ولوالديه ولمن يُعيدُ طِبَاعَتَه أو يُعِيْنُ عليها أو يَتَسبَب لها أو يُشِيرُ على مَنْ يُؤمِلُ فيه الخيرَ أن يَطبَعَه وقفًا للهِ تعالى يُوزَّع على إخوانِهِ المسلمين ... اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم
من أراد طباعته ابتغاء وجه الله تعالى (لا يريد به عرضًا من الدنيا) ؛ فقد أُذن له، وجزى الله خيرًا من طبعه وقفًا أو أعان على طبعه أو تسبب لطبعه وتوزيعه على إخوانه المسلمين؛ فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله» الحديث رواه أبو داود.
وورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» الحديث رواه مسلم.
وعن زيد بن خالد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا» متفق عليه.
يا طالبًا لعلوم الشرع مُجتهدًا ... تَبغي الفوائدَ دَانِيها وقاصِيها في الفقه أسئلةٌ تُهدَى وأجوبَةٌ ... أَلْمم بها تَرتوي من عَذب صافيها كَم حُكْمُ شَرْعِ بقال الله مُقترنًا ... أو قالهُ المُصْطَفى أودَعْتُهُ فِيها
طُبِع على نفقة من يَبْتَغِي بذلك وجه الله والدار الآخرة فجزاه اللهُ عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وكثر من أمثاله في المسلمين ... اللهم صل على محمد وآله وسلم.