الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 228-267
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشركة

صفحات 228-267
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

حيلة كأن يؤجر الأرض بأكثر من أجرتها ويساقيه على الشرج بجزء من مائة جزء فيحرم ذلك، ولا يصح عقد الإجارة والمساقاة.
قال المنقح: قياس المذهب بطلان عقد الحيلة مطلقًا سواء جمع بين عقد الإجارة والمساقاة أو عقد واحدًا بعد آخر؛ فإن قطع بعض الشجر المثمر والحالة هذه فإنه ينقص من العوض المستحق بقدر ما ذهب من الشجر سواء، قيل: بصحة العقد أو فساده وسواء قطعه المالك أو غيره، قاله الشيخ تقي الدين.
قال البهوتي: قلت: مقتضى القواعد أنه لا يسقط من أجرة الأرض شيء إذا قلنا بصحتها؛ لأن الأرض هي المعقود عليها ولم يفت منها شيء؛ وأما إذا فسدت فعليه أجرة مثل الأرض، ويرد الثمرة وما أخذه من ثمر الشجر وله أجرة مثل عمله فيها وما أخذه مستأجر من ثمر الشجر المساقي عليه أو تلف الثمر تحت يده، فمن ضمان المستأجر لفساد العقد وله أجرة مثل عمله.
ويباح لكل إنسان إلتقاط ما تركه حَصَّاد رغبةً عنه مِن سُنبلٍ وحب وغيرهما لجريان ذلك مجرى نبذِه على سبيل الترك ويحرم منعه على غير مالك يريده؛ أما إذا أراده المالك فله منع ملتقطه؛ لأنه ملكه وقد بدا له العود إليه بعد إعراضه عنه فكان له ذلك، وإذا غصب زرع إنسان وحصده الغاصب أبيح للفقراء السُنبل المتساقط كما لو حصده المالك، وكما يُباح رعي كلأ الأرض المغصوبة واستشكل بدخول الأرض المغصوبة، ومن سَقط حبه منه وقت حصادٍ فنبت بعام قابل فلرب الأرض مالكًا كان رب الأرض أو مستأجرًا أو مستعيرًا؛ لأن رب الحب أسقط حقه بحكم العرف وزال ملكه عنه؛ لأن العادة ترك ذلك لمن يأخذه، ومن باع قصيلًا فحصد وبقي يسير فصار سنبلًا، فهو لرب الأرض، ولا يجوز أن يدخل إنسان مزرعة أحد إلا بإذنه لغير كلأ ولا شوك، والمراد ولا ضرر بدخول مريدهما ولم تحوط الأرض، إما إذا كانت محوطة أو كان يتضرر

المالك بالدخول إلى أرضه لعِزَّةِ وجُود الكلأ والشوك ودعاء الحاجة إليه، فلا يجوز؛ لأنه نبت في ملكه وهو أحق به من غيره.
من النظم فيما يتعلق بالمساقاة

وفي النخل والأشجار والكرم جائز

مساقاتها مع عامل متعهدِ

إذا كان ذا ثمر ويؤكل عادة

كذا مبتغ الأوراق والزهر فاعدد

وألغ أبو يعلى معاملة هنا

وذوو الأرض مع غرس كذا الشفعة اعدد

وإن رضيا البقيا بأجر فجائز

وإن شاء رب الغرس قلعًا ليسعد

وإن يشترط جُزأ من الغرس لم يجز

وقيل بلى كالزرع في أرضه اهتدى

وإن يشترط جزأ من الأرض لم يجز

بغير خلاف عند كل مسدد

ولغو مساقاة على ثمر بدا

ولم يبد فيه من صلاح بأوكد

وإن يتساوى ملك عمال غرسهم

متى فاضلوا في الأجر وجهين أسند

وصحح على أرض مزارعة الفتى

ومن ربها أشرط بذرها في الموطد

وعن أحمد ما دل إن ليس لازمًا

وذا اختاره الشيخ الموفق قلد

ومن عامل أو منهما أو سواهما

بأرضهما في الكل قولين أسند

ويخرج هذا الخلف في بذر ثالث

وفي اثنين يعطي واحد بذره قد

وإن كان من عمرو عوامل حرثه

ومن عامل باقي الأمور فجود

وإن لم يكن من واحد غير مائة

فقولان في هذا بغير تردد

وذوو الأصل ألزمه بما فيه حفظه

كإجراء نهر أو كسد مهدد

وما منه ينمي الريع الزمه عاملًا

كسقي وإصلاح المسيل وموهد

وحرث وآلات له وعوامل

وقطع مضر النبت والحصد باليد

وزبر وتلقيح وإصلاح بيدر

ودوس وتشميس وذرى معود

وأن يحفظ الغلات حتى انقسامها

وأن يستقي الماء مطلقًا لم يقيد

وقيل وألزمه الجذاذ وقيل المدير

لدولاب الحراث فجود

وقيل على العمال كل مكرر

ويلزم أهل المال كلُ مُؤَيِّدُ

فصل في حكم المساقاة

وعقد المساقي والمزارع جائز

قبيل ظهور أو بعد ذلك فاهتد

وفسخ عمول قيل يسقط حقه

ومن مالك خذ أجرة منه وأرقد

وقد قيل كل لازم العقد فاشرطن

لها مدة فِيهَا صلاح المرصد

فإن كان لم تكمل بها فسدت وإن

لعاملها أجر نعم في المجودِ

وإن كان في المشروط عرف كمالها

فيعمل فلم تحمل فيحرم ويُبعد

وإن تتردد في الكمال فأفسدت

في الأقوى وأجر العامل ابذل بأجودِ

وللوارث التتميم إن مات عامل

فإن يأب فاستأجر من الإرث وأزيد

وبالقرض فاستعمل له أو مؤجل

إن أمكن لفقد المال أو بعه وزوّد

على عمل في الذمة إن قلت لازمًا

وأما على عين فبالموت أفسد

وللمالكين الأخذ عند تعذر

فبعد الظهور اقسم على الشرط تقصد

ويلزم عمالًا وثمة فعله

إلى قسمها أو من تُراث ملحدِ

وإن فسخوا قبل الظهور فاجرة

بوجه لعُمَّالٍ كذا في المُعَرَّدِ

ويأخذ رب المال أجرته متى

يباشر بإذن الحاكم المتقلدِ

فإن يتعذر إذنه فبشهد

ومن دون إذن يمكن أرجع بمبعد

كذا الحكم إن يفسد بحجر أو السفيه أو

ذهاب نُهىً من عاقد منهما اشهد

وإن قلت إن يزرع كذا أو سقى كذا

فنصف والأربع أبطل بأجود

وإن قلت ما تزرع من البر نصفه

لنا ومن الأرز ربع ففسد

كذا قوله ساقيت هذا بنصفه

على أن يساقي ذاك بالربع فازدد

ومن صح منه الفعل في ماله أجز

من المرء كلا منهما لا تردد

تعاملت أو لفظًا شقاق كليهما

وشبه في آجرت وجهين أورد

بمعلوم جزء من غلال بنسبة

وتعيينك المعمول فيه فقيدِ

ومن يشترط ممن يعامل آصعًا

نهى وكذا من يشترط فقد معدد

ومَن زارع الشخص الشريك بزائد

على حظه في الريع جوّز بأجور

وبالنقد أو عرض أجز أجر أرضه

ومعلوم قفزان سوى زرعها طد

50-

باب الإجارة

س50: تكلم بوضوح عن الإجارة مبينًا ما هي؟ وما سندها؟ مع ذكر شيء من محاسنها، وما هي أقسامها؟ وما الذي يستثنى من ذلك، وهل هي على وفق القياس؟ ومن الذي تصح منه؟ وما الألفاظ التي تنعقد فيها؟ وما هي أركانها؟ وما هي شروطها؟ ومتى وقت الخدمة؟ وما حكم ماء البئر؟ وهل للمستأجر أن يأذن لمن شاء في الدخول فيها؟ وما الذي يمنع من إحداثه فيها؟ وهل يذكر المكان والزمان في الإجارة؟ وإذا كان المحمول كتابًا فما الحكم؟ وهل للإنسان أن يستأجر الحرة أو الأمة، وما حكم النظر إليها والخلو بها؟ واذكر ما يحتاج إلى ذكره من تقاسيم ومحترزات وقيود وأدلة وتعليلات وخلاف وترجيح.

ج: الإجارة: مُشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا؛ لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته أو صبره عن معصيته.
والأصل في جوازها الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ووجه الدلالة منه أنَّ آتوهن أجورهن أمر، والأمر للوجوب، والإرضاع بلا عقد تبرع لا يوجب أجرة وإنما

يوجبها القد فتعين الحمل عليه، أي آتوهن أجورهن إذا أرضعن لكم بعقد، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ وروى ابن ماجه في «سننه» عن عتبة بن المنذر، قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ (طسم) حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «إن موسى –عليه السلام- آجر نفسه ثماني حجج أو عشرًا على عفة فرجه وطعام بطنه» . وقال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ . وأما السُّنة: فعن عائشة في حديث الهجرة، قالت: «واستأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلًا من بني الدَّيل هاديًا خريتًا، والخريتُ: الماهر بالهداية، وهو على دين كفار قريش، وأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا» رواه البخاري وأحمد، وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم» ، فقال أصحابه: وأنت.
قال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» رواه أحمد والبخاري، وعن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًّا من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي فساوَمنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له: «زمن وأرجح» رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «كنت أرحل للنبي صلى الله عليه وسلم رواحله، فقيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن فلانًا أحسن من عبد الله لرجل من الطائف، فجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - يرحل له مكاني بأجرة ... » الحديث.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره» ، وعن علي قال: «عملت كل ذنوب على تمرة، وأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأكل معي منها» رواه أحمد.
وله عن أبي سعيد: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره» . وعن أنس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى الحجام أجره» رواه البخاري.
وعن ابن عباس في قصة اللديغ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» رواه البخاري، وفي الحديث الآخر: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» . وأجمع أهل العلم في كل عصر وفي كل مصر على جواز الإجارة والعبرة أيضًا دالة عليها؛ فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا تخفى حاجة الناس إلى ذلك؛ فإنه ليس لكل أحد دار يملكها ولا يقدر كل مسافر على مركوب يملكه، ولا يلزم أصحاب الأملاك ولا يقدر كل مسافر على مركوب يملكه ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا، وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجرة ولا يمكن كل أحد عمل ذلك ولا يجد متطوعًا به، فلابد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله تعالى طريقًا إلى الرزق حتى إن أكثر المكاسب بالصنائع.
والإجارة شرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة، فخرج بقولنا مباحة المحرمة كالزنا والزمر وسائر المحرمات فلا يجوز، وخرج بقولنا معلومة المجهولة التي توجد شيئًا فشيئًا، مدة معلومة كيوم أو شهر أو سنة من عين معينة أو موصوفة في الذمة كسكنى هذه الدار سنة أو دابة صفتها كذا أو سيارة أو طيارة أو نحو ذلك، للحمل أو للركوب سنة مثلًا أو شهرًا أو على عمل معلوم كحمله إلى موضع كذا فتبين أن الإجارة قسمان: الأول: تقدم، وهو كون المدة معلومة، والثاني: كونها على عمل معلوم في الضربين، فالمعقود عليه المنفعة؛ لأنه التي تستوفي دون العين والعوض في مقابلتها، وإنما أضيف العقد

للعين؛ لأنها محل المنفعة كما تضاف المساقاة للبستان والمعقود عليه الثمر، ولو قال: آجرتك منفعة داري جاز، والانتفاع من قبل المستأجر تابع لمنفعة المعقود عليه إذ المنفعة لا توجد عادة إلا عقبه، وتستحق الأجرة بالعقد على المنفعة وتسليم العين أو بذلها وإن لم ينتفع بها، ويستثنى من القسم الأول وهو كون المدة معلومة صورتان: إحداهما: تقدمت في الصلح، والأخرى: ما فتح عنوة ولم يقسم بين الغانمين فيما فعله عمر - رضي الله عنه - في أرض الخراج؛ فإنه وقف أرض ذلك على المسلمين، وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها كل عام ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها.
وأركان الإجارة خمسة: المتعاقدان، والعوضان، والصيِّغة.
وشروطها أربعة: الأول: أنها لا تصح الإجارة إلا من جائز التصرف؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع، وتنعقد الإجارة بلفظ: آجرتك، وبلفظ: كراء كأكريتُك، واستأجرتُ، وأكتريتُ، وآجرتكها، وأكريتكها، وتنعقد بلفظ: أعطيتك نفع هذه الدار، أو ملكتُكَهُ سنة بكذا لحصول المقصود به، وكذا لو أضافه إلى العين: كأعطيتك هذه الدار سنة بكذا، وتنعقد بلفظ بيع إضافة إلى النفع نحو بعتك نفعها أو بعتك سكنى الدار ونحوه، أو أطلق؛ لأنها بيع فانعقدت به كالصرف؛ فإن أضيف إلى العين كبعتك داري شهرًا لم يصح، وقال الشيخ تقي الدين: التحقيق أن المتعاقدين إن عرَفا المقصودَ انعقدتْ بأي لفظٍ كان من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدان مقصودهما، وهذا عام في جميع العقود؛ فإن الشارع لم يحدَ حدًا لألفاظ العقود، بل ذكرها مطلقة، وكذا قال ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين» ،وصححه في «التصحيح» والنظم، وجزم به بمعناه في «الإقناع» ، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
ومن شروط الإجارة: وهو الشرط الثاني: معرفة المنفعة؛ لأنها هي المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع ومعرفتها إما بعرف، وهو ما يتعارفه الناس

بينهم كسكنى دار شهرًا؛ لأن السكنى متعارفة بين الناس والتفاوت فيها يسير فلم يحتج إلى ضبطه وكخدمة الآدمي سنة؛ لأن الخدمة أيضًا معلومة بالعرف، فلم تحتج إلى ضبط كالسكنى فيخدمه في الزمن يقتضيه العرف فيخدم من طلوع الشمس إلى غروبها، وبالليل ما يكون من خدمة أوساط الناس، فإذا كان لهما عرف أغنى عن تعيين النفع، وعن تعيين صفته وينصرف الإطلاق إلى العرف لتبادره إلى الذهن، فإذا كان عرف الدار السكنى واكتراها فله السكنى، وله وضع متاعه فيها ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به، ويستحق ماء البئر تبعًا للدار في الأصح، وللمستأجر أن يأذن لأصحابه وأضيافه في الدخول بها والمبيت فيها؛ لأنه العادة، وقيل لأحمد: زوار عليه أن يخبر صاحب البيت بهم، قال: ربما كثروا أرى أن يخبر، وقال: إذا كان يجيئه الفرد ليس عليه أن يخبره وليس للساكن أن يعمل فيها حِدادة ولا قصارة؛ لأنه ليس العرف جار به، وأيضًا يضر بجدرانها ويخلخل سقوفها ولا يجعلها مخزونًا للطعام؛ لأنه يضر بها والعرف لا يقتضيه ولا أن يسكنها دابة لتأثر الجدران بالأندية والرطوبة.
قال في «شرح الإقناع» : قلت: إن لم يكن قرينة كالدار الواسعة التي فيها اصطبل معد للدواب عملًا بالعرف ولا يدع المستأجر فيها رمادًا ولا ترابًا ولا زبالة ونحوها مما يضر بها؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» ، وللمستأجر إسكان ضيف وزائر؛ لأنه ملك السكنى فله استيفاؤها بنفسه وبمن يقوم مقامه؛ وإما بالوصف كحمل زبرة حديدة وزنها كذا إلى موضع معين، فلابد من ذكر الوزن والمكان الذي يحمل إليه؛ لأن المنفعة إنما تعرف بذلك، وكذا كل محمول؛ فإن كان المحمول كتابًا فوجد المحمول إليه غائبًا فله الأجرة لذهابه ورده، وإن كان وجده فالمسمى فقط ويرده؛ لأنه أمانة بيده، قال في «شرح الإقناع» : ولعل الفرق في الموت ليس من فعل الميت بخلاف الغيبة فكان

الباعث مفرط بعدم الاحتياط.
اهـ. قال أحمد: يجوز أن يستأجر الأجنبي الأمة والحرة للخدمة؛ لأنها منفعة مباحة؛ ولكن يصرف وجهه عن النظر للحرة، ليست الأمة مثل الحرة، فلا يباح النظر لشيء من الحرة بخلاف الأمة فينظر منها إلى الأعضاء الستة أو إلى ما عدا عورة الصلاة على ما يأتي في النكاح، والحاصل أن المستأجر لهما كالأجنبي، ولا يخلو المستأجر مع الحرة في بيت ولا مع الأمة؛ لما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يخلوَنَّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» متفق عليه.
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والدخول على النساء!» فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» متفق عليه.
ولا ينظر إلى شعرها المتصل بها؛ لأنه عورة من الحرة.
51- مسائل حول استئجار الأجير للبناء أو الأرض للزرع أو للغرس إلخ

س51: تكلم بوضوح عن الإجارة على البناء، وبأي شيء يقدر البناء، ووضح ما لابد من ذكره، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، إذا اتسأجر إنسان إنسانًا ليبني له بناء معلومًا فسقط، إذا استأجره لبناء أذرع معلومة فبنى بعضها ثم سقط، الاستئجار لتطيين الأرض ونحو ذلك، إجارة أرض معينة أو غرس أو بناء الاستئجار لضرب اللبن أو على عم لمعلوم، وما حول ذلك من المسائل التي تتعلق بذلك؟ إذا استأجر للركوب، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.

ج: تصح الإجارة لبناء دار ونحوها؛ لأنه نفع مباح ويقدر البناء بالزمن كيوم وشهر، وإن قدر بالعمل بأن استأجر لبناء حائط، فلابد من ذكر طول الحائط وعرضه وسمكه وهو تخانته وغلظه وهو في الحائط بمنزلة العمق في غير المنتصب، وآلة البناء من طين ولبن وآجر وجص وأسمنت وشيد؛ لأن معرفة المنفعة لا تحصل إلا بذلك والغرض يختلف فلم يكن بد من ذكره، وإذا استؤجر لحفر بئر عشرة أذرع طولًا وعشرة أذرع عرضًا وعشرة أذرع عمقًا فحفر الأجير خمسة طولًا في خمسة عرضًا في خمسة عمقًا واردت أن تعرف ما يستحقه من الأجرة المسماة له فاضرب عشرة في عشرة تبلغ مائة ثم اضرب المائة في عشرة تبلغ ألفًا فهي التي استؤجر لحفرها واضرب خمسة في خمسة بخمسة وعشرين، ثم اضربها في خمسة بمائة وخمسة وعشرين وذلك الذي حفره، وإذا نسبت ذلك إلى الألف وجدته ثمن الألف، فله ثمن الأجرة؛ لأنه وفي بثمن العمل إن وجب له شيء م الأجرة بأن ترك العمل لنحو صخرة منعته الحفر، وإن استأجره ليبني له بناء معلومًا كجدار موصوف بما تقدم أو ليبني له في زمن معلوم كيوم أو أسبوع فبناه الأجير ثم سقط البناء فقد وفي الأجير ما عليه واستحق الأجرة كاملة؛ لأن سقوطه ليس من فعله ولا تفريطه هذا إن لم يكن سقوطه من جهة العامل؛ فأما إن كان سقوطه من جهته بن فرط أو بناه محلولًا أو نحو ذلك فسقط عليه إعادته وغرامة ما تلف منه لتفريطه، وإن استأجره لبناء أذرع معلومة فبنى بعضها، ثم سقط على أي وجه كان فعليه إعادة ما سقط وعليه تمام ما وقعت عليه الإجارة من الأذرع مطلقًا؛ لأنه لم يوف بالعمل وعليه غرم ما تلف إن فرط، ويصح استئجار لتطيين الأرض والسطوح والحيطان، ويصح الاستئجار لتجصيصها وتمشيتها وتسميتها وترخيمها ونحو ذلك، وتصح إجارة أرض معينة

برؤية لزرع كذا من بر أو قطن أو نحو ذلك، ولا يجوز إجارتها لزرع دخان وحشيش أو نحوهما من المحرمات، وتصح إجارة أرض معينة برؤية؛ لأن الأرض لا تنضبط بالصفة لزرع أو شعير أو نحوهما أو غرس معلوم أو بناء معلوم أو بناء معلوم كدار وصفها أو لزرع ما شاء أو لغرس ما شاء أو لبناء ما شاء أو لزرع ما شاء وغرس ما شاء وبناء ما شاء، كآجرتك لتزرع ما شئت أو آجرها لغرْسٍ، ويسكت أو لبناء وزرع ويسكت أو آجر الأرض، وأطلق فلم يعين هذه الصور للعلم المعقود عليه.
قال الشيخ تقي الدين: إن أطلق، أو قال: انتفع بها ما شئت فله زرع وغرس وبناء ويجوز الاستئجار لضرب اللبن والبلك على عدة كيوم وشهر أو على عمل معلوم؛ فإن قدره بالعمل احتاج إلى تعيين عدده، وإلى ذكر قالب وموضع الضرب؛ لأنه يختلف باعتبار التركيب والماء؛ فإن كان هناك قالب معروف لا يختلف جاز، كما لو كان المكيال معروفًا وإن قدره بالطول والعرض والسمك جاز لانتفاء الغرر، ولا يكتفي بمشاهدة قالب الضرب إذا لم يكن معروفًا؛ لأن فيه غررًا وقد يتلف كالسلم ولا يلزم الأجير إقامة اللبن ليجف؛ لأنه إنما استؤجر للضرب لا للإقامة ما لم يكن شرط أو عرف فيرجع إليه، وإن استأجر للركوب ذكر المستأجر المركوب فرسًا أو حمارًا أو بعيرًا أو بغلًا أو سيارة أو قطارًا أو طائرة، ويذكر جنسها لاختلاف الأجرة باختلافها.
وذكر ما يركب عليه من سرج وشداد ونحو ذلك؛ لأن ضرر المركوب يختلف باختلافه وذكر كيفية سيره من هملاج وغيره؛ لأنه يختلف باختلافه، ولا يشترط ذكر ذكورية المركوب وأنوثيته ونوعه، فلا يشترط في الفرس أن يقول حجر أو حصان ولا عربي أو برذون ونحوه؛ لأن التفاوت بين ذلك يسير ويشترط في إجارة لحمل ما يخشى عليه

ضرر بكثرة الحركة أو يفوت غرض المستأجر باختلاف ما يحمل عليه إذا حمل كزجاج وأزيار وصين وخزَف ونحو ذلك معرفة حامله من آدمي أو بهيمة أو سيارة أو طائرة أو قطار أو سفينة أو مركب، ويشترط معرفة الحامل بنفسه أو على دابته أو سيارة لمحمول برؤية أو صفة إن كان زجاجًا أو خزفًا أو نحوه؛ لأنه فيه غرضًا، وذكر جنسه وقدره إن لم يكن خزفًا ونحوه بأن كان حديدًا أو قطنًا أو غيره.
52- مسائل حول استئجار الأجير والمرضعة إلخ

س52: تكلم بوضوح عن الشرط الثاني من شروط الإجارة مبينًا حكم ما كان عينًا وما كان بذمة، واستئجار دار بسكنى دار أخرى، وبخدمة، وبتزويج من معين، وحلي، بأجرة، وأجبر ومرضعة بطعامهما وكسوتهما، وبين حكم ما إذا تنازع الأجير والمرضعة مع مستأجرهما، وما الذي يسن لمن استرضع أمة لولده أو حرة، وهل تسقط نفقة الأجير باستغنائه، وإذا احتاج الأجير لدواء فعلى من يكون، وهل للعقد على الحضانة أو اللبن، وإذا أطلقت الحضانة أو خصص رضاع، فهل يشمل الآخر؟ اذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.

ج: الشرط الثاني: معرفة الأجرة؛ لأنها عوض في عقد معاوضة فاعتبر علمه كالثمن، وقد روي عنه –عليه السلام- من استأجر أجيرًا فليعلم أجره، ويصح أن تكون الأجرة في الذمة، وأن تكون معينة فما بذمة من أجرة حكمه كثمن فما صح أن يكون ثمنًا بذمة صح أن يكون أجرة في الذمة، وما عين من أجرة كمبيع معين فتكفي مشاهدة نحو صبرة وقطيع وإن جهل قدره لجريان المنفعة مجرى الأعيان لتعلقها بعين حاضرة، ويصح استئجار دار بسكنى دار أخرى سنة ونحوه للعلم بالعوضين، ويصح استئجار

دار خدمة من معين وبتزويج من معين، وكذا استئجار آدمي لخدمة بتزويج امرأة لمُعين لقصة شعيب وموسى –عليهما السلام-، وحديث: «أن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه» رواه ابن ماجه.
لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ولأن الأصل في الفائت بقاؤه والنسخ خلاف الأصل، ولا يصح استئجار دار بعمارتها للجهالة وإن آجرها بأجرة معينة وما تحتاج إليه بنفقة مستأجر بحسابه من الأجرة، صح؛ لأن الإصلاح على مالك وقد وكله فيه، وإن شرطه خارجًا عن الأجرة لم يصح، وإن دفع عبده إلى نحو خياط ليعلمه بعمل الغلام سنة جاز، ويصح استئجار حلي الذهب أو فضة بأجرة من جنسه للبس أو عارية؛ لأن الأجرة في مقابلة المنفعة، وقيل: لا يصح، وهذا القول هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
وأما إذا كانت الأجرة من غير جنسه فيصح قولًا واحدًا، قاله في «الإنصاف» ؛ لأنه عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقائها فجازت إجارته كالأراضي، ويصح استئجار أجير ومرضعة أم أو غيرها بطعامهما وكسوتهما ولو لم يوصف الطعام والكسوة، وكذا لو استأجرهما بدراهم معلومة وشرط معها طعامهما وكسوتهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وإن لم ترضع، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ والوارث ليس بزوج، ويستدل للأجير بقصة موسى وأبي هريرة وتقدمتا، وبأنه روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم، ولم يظهر لهم نكير، فقام العرف فيه مقام التسمية كنفقة الزوجة والأجير والمرضعة

في تنازع مع مستأجرهما في صفة طعام أو كسوة أو قدرهما كزوجة فلهما نفقة وكسوة مثلهما؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فلا يطعمان إلا ما يوافقهما من الأغذية، وإن شرط للأجير لخدمة أو رضاع طعام غيره وكسوته موصوفًا صح للعلم به والمشروط للأجير نفسه إن شاء أطعمه للغير أو تركه؛ لأنه في مقابلة نفعه، ولا تسقط نفقة أجير عن مستأجر باستغناء الأجير وعجزه عن الأكل لنحو مرض أو غيره، وله المطالبة بها؛ لأنها عوض فلا تسقط بالغنى عنه كالدراهم؛ فإن احتاج الأجير لدواء لمرض لم يلزم المستأجر؛ لأنه ليس من النفقة كالزوجة، بل يلزم المستأجر بقدر طعام الصحيح يدفعه له فيصرفه بما أحب من دواء أو غيره وإن دفع المستأجر لأجير قدر الواجب فقط، أو دفع إليه أكثر منه وملكه إياه وأراد أجير بعد أن قبض طعامه أن يفضل بعضه لنفسه من طعامه الذي قبضه ولا ضرر على مستأجر جاز؛ لأنه ملكه ولا حق للمستأجر ولا ضرر عليه أشبه الدراهم، وإلا بأن دفع المستأجر للأجير أكثر من الواجب ليأكل منه قدر حاجته ويفضل الباقي منع منه فلا يجوز له التصرف فيه؛ لأنه لم يملكه إياه وإنما أباح أكل قدر حاجته وإن حصل باستفضاله ضرر بأن ضعف عن العمل أو قل لبن مرضعة منع منه أيضًا؛ لأن على المستأجر ضررًا بتفويت بعض ماله من منفعة فمنع منه كالجّمال إذا امتنع من عمل الجمَّال، وإن قدم المستأجر إلى الأجير طعامًا فنهب أو تلف قبل أكله، وكان الطعام على مائدة غير خاصة بالأجير فالطعام من ضمان مكثر؛ لأنه لم يسلم إليه وإن قدم المستأجر للأجير طعامًا وخصه به وسلمه إليه ثم نهب أو تلف، فمن ضمان أجير؛ لأنه تسليم عوض على وجه التمليك أشبه البيع، ويجب على مرضعة أن تأكل وتشرب ما يدرّ لبنها ويصلح به ولمكثر مطالبتها بذلك؛ لأنه من تمام التمكين من الرضاع، وفي تركه إضرار بالطفل، وإن لم

ترضعه؛ لكن سقته لبن الغنم أو غيرها أو أطعمته أو دفعته لخادمها أو صديقتها فأرضعته فلا أجر لها؛ لأنها لم توف بالمعقود عليه وإن اختلفا، فقالت: أنا أرضعته وأنكر المُسْتَرضِعُ أنها أرضعته، فالقول قولها بيمينها؛ لأنها مؤتمنة، وسن عند فطام لموسر استرضع أمة لولده ونحوه إعتاقها ولموسر استرضع حرة لولدها إعطاؤها عبدًا أو أمة؛ لما روى أبو داود بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: «الغرة العبد أو الأمة» ، قال الترمذي: حسن صحيح.
قال الشيخ تقي الدين: لعل هذا في متبرعه بالرضاعة، قال ابن عقيل: إنما خص الرقبة بالمجازاة بها دون غيرها؛ لأن فعلها في إرضاعه وحضانته سبب حياته وبقائه وحفظ رقبته، فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة ليناسب ما بين النعمة والشكر؛ ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أمًا، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيعتقه» وأما كونه يستحب إعتاقها إن كانت أمة؛ فإنه يحصل بالمجازاة التي جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مجازاة للوالد من النسب، ويصح استئجار زوجته لرضاع ولده كالأجنبية، ولو كان ولده منها؛ لأن كل عقد صح أن تعقده مع غير الزوجة صح أن تعقده مع الزوج كالبيع؛ ولأن منافعها في الحضانة والرضاع غير مستحقة للزوج بدليل أنه لا يملك إجبارها عليه، وهذا القول من «المفردات» ، قال ناظمها:

زوجٌ على زوجته حيثُ عَقَدْ ... إجارةً جاز لإرضاع الوَلَدُ

وقال أبو حنيفة وغيره: لا يصح؛ لأنه استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض، فلا يجوز أن يلزمه عوض لذلك.
وقال أهل القول الأول: عن قولهم إنها استحقت عوض الحبس والاستمتاع هذا غير الحضانة واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر، كما لو استأجرها أو لا ثم تزوجها، والقول الأول هو الأرجح عندي.
والله أعلم.

ويصح استئجارها لأجل حضانة الولد سواء كان منها أو من غيرها وحرم أن تسترضع أمة لغير ولدها قبل ريِّ ولدها؛ لأن الحق للولد وليس لسيد إلا ما فضل عن الولد من اللبن، ويجوز للرجل وللمرأة أن يؤجر كل منهما أمته ولو أم ولد للإرضاع؛ لأنها ملكه ومنافعها له وليس لها إجارة نفسها لرضاع ولا غيره؛ لأنها لا تملك منافعها إلا بإذن سيدها، وإن كانت الأمة متزوجة بغير عبد سيدها، لم يجز له إجارتها للرضاع إلا بإذن الزوج؛ لأنه فيه تفويتًا لحقه وإن أجرها السيد للرضاع صح النكاح، ولا تفسخ الإجارة بالنكاح كالبيع، وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغها من الرضاع والحضانة لسبق حق المستأجر والعقد في الرضاع على اللبن؛ لأنه المقصود دون الخدمة، ولهذا لو أرضعته بلا خدمة استحقت الأجرة، ولو خدمته بلا رضاع فلا شيء لها؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فرتب إيتاء الأجر على الإرضاع، فدل على أنه المعقود عليه؛ ولأن العقد لو كان على الخدمة لما لزمها سقي لبنها وجواز الإجارة عليه رخصه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه لضرورة حفظ الآدمي، وإن أطلقت حضانة بأن استأجرها لحضانته وأطلق لم يشمل الرضاع أو خصص رضاع بالعقد، بأن قال: استأجرها لحضانته وأطلق، لم يشمل الرضاع أو خصص رضاع بالعقد، بأن قال: استأجرتك لرضاعه لم يشمل الحضانة لئلا يلزمها زيادة عما اشترط عليها وإن وقع العقد على رضاع انفسخ بانقطاع اللبن لفوات المعقود عليه والمقصود منه، وكذا إن وقع العقد على رضاع وحضانة جميعًا انفسخ العقد بانقطاعه لفوات المعقود عليه والمقصود منه.

53- استئجار الدابة بعلفها أو سلخها بجلدها أو استعمل حمالًا أو دلالًا أو ركب مركبًا بلا عقد

س53: ما هي الشروط المشترطة في استئجار الرضاع؟ وما حكم إرضاع مسلمة طفلًا لكتابي أو مجوسي، أو استئجار دابة بعلفها أو سلخها بجلدها، أو رعيها بجزء من نمائها، أو إعطاء صانعًا ما يصنعه، أو استعمل حمالًا أو دلالًا أو نحوه بلا عقد، أو ركب في سفينة أو مركب أو طيارة أو سيارة، أو دخل حمامًا، أو دفع ثوبًا لخياط، وقال: إن خطته اليوم فبدرهم أو إن خطته روميًا فبدرهم، وإن خطته غدًا أو فارسيًا فبنصفه، وإن زرعتها برًا فبخمسة أو ذرة فبعشرة، أو إن قعدت فيه خياطًا فبخمسة أو حدادًا فبعشرة؟ بين ذلك بيانًا واضحًا مع ذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.

ج: شرط في استئجار لرضاع أربعة شروط: 1- معرفة مرتضع بمشاهدة لاختلاف باختلاف الرضيع كبرًا وصغرًا ونهمة وقناعة.
2- عرفة عوض.
3- أمد رضاع إذ لا يكن تقديره إلا بالمدة؛ لأن السقي والعمل فيها يختلف.
4- معرفة مكان الرضاع؛ لأنه يشق عليها في بيت المستأجر ويسهل في بتها، ولا يصح استئجار دابة بعلفها فقط؛ لأنه مجهول ولا عرف له يرجع إليه؛ فإن وصفه من معين لشعير وقدره بمعلوم جاز، وقيل: يصح، اختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله وجزم به القاضي في التعليق، وقدمه في «الفائق» ، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ولو استأجر من يسلخ له بهيمة بجلدها لم يجز؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليمًا أو لا؟ وهل هو ثخين أو رقيق؛ ولأنه لا يجوز أي يكون عوضًا في البيع، فلا يجوز أن يكون عوضًا في الإجارة كسائر المجهولات؛ فإن سلخه بذلك فله أجر مثله،

وإن استأجره لطرح ميتة بجلدها فهو أبلغ في الفساد؛ لأن جلد الميتة نجس لا يجوز بيعه، وقد خرج بموته عن كونه ملكًا وتقدم الكلام على جلد الميتة في باب الآنية، وذكر الخلاف في طهارة جلدها في أول الجزء الأول، ولو استأجر راعيًا لغنم بثلث درها وصوفها وشعرها ونسلها أو نصفه أو جميعه، لم يجز؛ لأن الأجر غير معلوم ولا يصح عوضًا في بيع ولا يدري أيوجد أو لا؟ وأما جواز دفع الدابة لمن يعمل عليها بجزء من ربحها فلأنها عين تنمي بالعمل فأشبه المساقاة والمزارعة؛ وأما هنا فالنماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمل فيها، فلا يلحق بذلك والذي يترجح عندي أنه يجوز كما لو دفع دابته أو عبده بجزء من كسبه.
والله أعلم.
وإن استأجره لرعيها بجزء معين من عينها صح، ولا يصح استئجار على طحن كُرٍّ كبقفيز منه؛ لحديث الدارقطني مرفوعًا: «أنه نهى عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان» ولأنه جعل له بعض معموله أجرَ عمله فيصير الطحن مستحقًا له، وعليه ولأن الباقي بعد القفيز مطحونًا لا يدري كم هو فتكون المنفعة مجهولة، والقول الثاني - وهو الراجح عندي: جوازه بمقدار معلوم، والجواب عن الحديث كما قال بعض العلماء: بأن مقدار القفيز مجهول أو أنه كان الإستئجار على طحن صبرة بقفيز منها لا يعلم كيلها.
والله أعلم.
ومن أعطى صانعًا ما يصنعه كثوب ليصبغه أو يخيطه أو يغسله أو حديدًا ليضربه سيفًا ونحوه، ففعل فله أجر مثله، ومثله من استعمل حمالًا وحلاقًا أو دلالًا بلا عقد معه فله أجر مثله على عمله سواء وعده كقوله أعمله وخذ أجرته أو عرَّض له كقوله: اعمَلْ وأنا أعلم أنك لا تعمل بلا أجرة أو أنا أعلم أنك إنما تعمل بأجرة، ولو لم تجر عادة الحمال والدلال والحلاق ونحوه بأخذ الأجرة؛ لأن عمل له بإذن لما لمثله أجرة ولم يتبرع، أشبه ما لو وضع يده على ملك غيره بإذنه، ولا دليل على تمليكه إياه أو إذنه في إتلافه؛ لأن الأصل في قبض

مال غيره أو منفعته الضمان، وهذا في المنتصب لذلك وإلا فلا شيء له إلا بعقد أو شرط أو تعريض، وكذا ركوب سفينة ودخول حمام فيجب أجرة المثل؛ لأن شاهد الحال يقتضيه، وكذا من أعطى نجارًا ما يعمله وكذا قابلة في ولادة فيه أجرة المثل وشرب ماء ممن هو بيده أو قهوة أو شاه ونحوهما من المباحات، وما يأخذه البائع ثمن الماء أو القهوة أو الشاه وأجرة الآنية والساقي والمكان جائز بلا شرط؛ لأنه عمل لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة ومَن دفع ثوبًا لخياط، وقال: إن خطته اليوم فبدرهم، أو إن خطته روميًا فبدرهم وإن خطته غدًا فبنصه أو إن خطته فارسيًا فبنصف درهم لم يصح، كما لو قال: آجرتك الدار بدرهم نقدًا أو درهمين نسيئة أو استأجرت هذا منك بدرهم أو هذا بدرهمين لعدم الجزم بأحدهما، وله أجر مثله، وقيل: يصح؛ لأنه سمى لكل عمل عوضًا معلومًا فصحَّ، كما لو قال: كل دلو بتمرة، وهذا القول عندي أنه أرجح.
والله أعلم.
وإن دفع أرضه إلى زارع، وقال: إن زرعتها برًا فبخمسة، وإن زرعتها ذرة فبعشرة ونحوه لم يصح كما لو استأجره لحمل كتاب إلى الكوفة، وقال: إن أوصلته يوم كذا فلك عشرون، وإن تأخرت بعد ذلك فلك عشرة، وقيل: يصح، وهذا القول هو الذي يترجح عندي؛ لأنه لم يظهر لي دليل المنع.
والله أعلم.
وكذا لو قال: آجرتك الحانوت شهرًا إن قعدت فيه خياطًا فبخمسة أو حدادًا فبعشرة؛ لأنه ليس من قبل بيعتين في بيعة المنهي عنه فيما يظهر لي، فلهذا يترجح عندي صحتها.
والله أعلم.
من النظم مما يتعلق بكتاب الإجارة

وعقد على نفع مباح إجارة

بآجرت أو أكريت أو نحوه أعقد

كذا بعت في الأرداء ويلزم عقدها

من الحائزين الأمر في ما لهم قد

ويشرط علم العاقدين بنفعها

بعرف له أو وصف نفع مقيد

كخدمته شهرًا وسكناه جمعة

وحمل كذا رطلًا بتعيين مقصد

وطولًا وعرض الحائط اذكر وسمكه

وآلته واللبن بالقالب احدد

وموضعه إن تكتري لبنًا كذا

وإن تكتري يومًا فعن شرطه اصدد

وإن تبنه فانهار دون تفرط

لك الأجر والبعض إن بنى فهوى أردد

وبالوقت لا الفعل المعين فاضبطن

إجارة تطيين البنا لا تقيد

وما ذكر سكنى الدار شرط لكيفها

سوى في محل غرفة ذا تعدد

ويشرط علم الأرض والغرس والبنا

وزرع كذا إن يكتري للمعددِ

وعلم بمركوب كبيع الركوب

كسرج أو طاءٍ معود

وعلم المتاع اشرطه لا حاملًا له

سوى مستضيء كالزجاج المشرد

وإن عين الجمال من جنسه ولم

يفت ببديل مبتغى مكتري اظهد

وإن يكتري نصف الطريق وعقبة

يصح بعرف للركوب مقيد

ويشرط أيضًا علم أجرة نفعه

بما تعلم الأثمان في كل معقد

متى جعلت في ذمة ومتى يكن

معينة مثل المبيع لتعدد

وإن جهل المقدار فيها كصبرة

مشاهدة صحت على المتجودِ

وبالأكل واللبس الإجارة جوزت

وعنه لإرضاع وعنه ليرددِ

ووجهين في إلزام ظئر حضانة

بمطلق عقد في الإجارة أسند

ويشرط علم الأجر والطفل يا فتى

ومدة إرضاع وموضعه احدد

وفي الأجر ذو المقصود بالعقد درها

والإرضاع لا حضن ومبدأ مقصد

ويلزمها استطعام مصلح درها

وإن عينت إن تستنب فيه تصدد

وندب عطاها حين تفطم غرة

وإعتاقها إما تكن أمة زد

وليس له الإنفاق إلا بشرطه

وجوزه أن يوصف بغير تردد

وأن يغني عنه أو ثوى قبل قبضه

يعوض وعن تفصيل مؤد ليصدد

وللسيد إيجار الرقيق مراصعًا

سوى ولد ينقضن ري المعود

وأجرة خياط وقصار خرقة

وخمامهم والفلك كالمتعود

وأشباههم مع فقد فهو إجارة

ويحرم من لم ينتصب للمعددِ

وليس عليهم من ضمان لتالف

بغير تعد من صحيح ومفسدِ

ولك أجر حمل الكتب حتى متى إلى

فلان توى أو غاب عود بأجودِ

وإيجار شيء للمنافع جائز

كدار لسكناها وتزويج نهد

وإن تكتري طحان كر بثلثه

وأشباههن صححه في المتأكد

وإن تكتري في الشهر عنسًا بدرهم

فما زاد تعطي بالحساب فجود

وامض إن بعين كل شهر بدرهم

في الأولى وترعى كل دلو به طد

ويلزم في الوقت المبدي بعقدهم

وفيما يليه بالتلبّس أطد

وكل له فسخ إذا تم شهره

وقيل إلى تكميل يوم بل امدد

وعشرين شهرًا كل شهر بدرهم

أجز وبه ذا الشهر واحسب وزيد

يصح في الأولى دون خلف وأول

الأخيرة والوجهين في المتزيدِ

ومن يكتري للبيت حمال صبرة

مشاهدة صحح بغير تردد

كذا حولتها كل كُرِ بدرهم

كذا كل مفهم حمل أجمعها اعدد

ويشرط قصد النفع شرعًا وجُله

اختيارًا وبقيل العين وقت التعقد

ومقدار محمول ورؤية راكب

وطفل له استأجرت ظئرًا فقيد

54- إذا أكره دابة، وقال: إن رددتها اليوم فبخمسة وغدًا بعشرة أو عينا لكل يوم أو شهر شيء معلوم

س54: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا أكره دابة، وقال لمستأجر: إن رددت الدابة اليوم فبخمسة وغدًا فبعشرة أو عينًا زمنًا وأجرة، واكترى دابة لمدة غزاة، إذا عُين لكل يوم أو شهر شيء معلوم، كل دلو بتمرة أو اكتراه لحمل زبرة إلى محل كذا على أنها عشرة

أرطال، وإن زاد فلكل رطل درهم، إذا لم يفسخ أحدهما بعد دخول أول المدة، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: من أكرى دابة، وقال لمستأجرها: إن رددت الدابة اليوم فبخمسة، وإن رددتها غدًا فبعشرة صح، أو عين العاقدان زمنًا وأجرة كمن استأجر دابة عشرة أيام بعشرة، وقالا: ما زاد فلكل يوم درهم مثلًا، صح نصًا.
ونقل ابن منصور عنه فيمن اكترى دابة من مكة إلى جدة بكذا؛ فإن ذهب إلى عرفات فبكذا، فلا بأس؛ لأن لكل عمل عوضًا معلومًا به، فصح كما لو استقى له كل دلو بتمرة، ولا يصح أن يكتري نحو دابة لمدة غزاته لجهل المدة والعمل، كما لو استأجر الدابة لمدة سفر في تجارة؛ ولأن مدة الغزاة قد تطول وتقصر، والعمل فيها يقل ويكثر؛ فإن تسلم المؤجر فعليه أجرة المثل، فلو عين لكل يوم شيء معلوم كما لو استأجرها كل يوم بدرهم، أو عين لكل شهر شيء معلوم، بأن استأجرها كل شهر بدينار، صح؛ لأن كل شهر أو يوم معلوم مدته وأجرته، فأشبه ما لو قال: آجرتكها شهرًا كل يوم بكذا أو سنة كل شهر بكذا أو لنقل هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، ولا بد من تعيين كونها لركوب أو حمل معلوم، وإن اكتراه ليسقي كل دلو بتمرة صح؛ لحديث علي قال: «جعتُ مرة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا بامرأة قد جمعت بُدرًا بله، فقاطعتها على كل دلو بتمرة، فعددت ستة عشرة نوبًا، فعددت لي ستة عشر تمرة، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فأكل معي منها» رواه أحمد.
وروي عنه وعن رجل من الأنصار «أنه قال ليهودي: اسق نخلك، قال: نعم، كل دلو بتمرة، واشترط الأنصاري أن لا يأخذ خِدرَة ولا نارزة ولا حشفة، وأن لا يأخذ جلدة فاستقى بنحو من الصاعين، فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -» رواه ابن ماجه في «سننه» ؛ ولأن الدلو معلوم وعوضه معلوم، فجاز كما لو سمَّى دلاءً معروفة، ولابد من معرفة الدلو والبئر

وما يستقي به؛ لأن العمل يختلف، وقوله: بدرًا –بالباء والدال- جلد السخلة، وإن اكتراه لحمل زبرة إلى محل كذا على أنها عشرة ارطال وإن زادت فلكل رطل درهم صح لما تقدم، ولكل من المتأجرين فيما إذا استأجره كل يوم أو شهر بعوض معلوم الفسخ أول كل يوم، إذا قال: كل يوم بكذا، أو أول كل شهر إذا قال: كل شهر بكذا في الحال؛ فإن مضى زمن يتسع ولم يفسخ لزمت فيه؛ لأن تمهله دليل رضاه بلزوم الإجارة فيه.
قال المجد في «شرحه» : وكلما دخلا في شهر لزمهما حكم الإجارة فيه؛ فإن فسخ أحدهما عقب الشهر انفسخت الإجارة انتهى من «المغني» و «الشرح» . أن الإجارة تلزم في الشهر الأول؛ ولأن الشروع في كل شهر مع ما تقدم من الاتفاق يجري مجرى العقد كالبيع بالمعاطاة، فإذا ترك التلبس به فكان الفسخ، وفي «الرعاية الكبرى» أو يقول: إذا مضى هذا الشهر فقد فسختها، وتقدم أنه يصح تعليق فسخ بشرط.
ولو آجره دارًا أو نحوها شهرًا غير معين لم يصح العقد للجهالة، وقيل: يصح وابتداء المدة من حين العقد، وهذا القول عندي أنه أرجح من الأول.
والله أعلم.
ولو قال: آجرتك هذا الشهر بكذا، وما زاد فبحسابه صح العقد في الشهر الأول فقط؛ لأنه المعلوم دون ما بعده، وقيل: يصح في كل شهر تلبس به، وهذا القول أقرب عندي إلى الصحة ولم يظهر فيه جهالة.
والله أعلم.
وإن قال: آجرتك داري عشرين شهرًا من وقت كذا كل شهر بدرهم صح، قال في «المبدع» بغير خلاف نعلمه؛ لأن المدة والأجر معلومان، وليس لواحد منهما الفسخ بغير رضى الآخر؛ لأنها مدة واحدة أشبه ما لو قال: آجرتك عشرين شهرًا بعشرين درهمًا، ولو قال للأجير: أحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وانقل صبرة أخرى في البيت بحساب ذلك كل قفيز بدرهم، وعلما ما في البيت مشاهدة أو وصفًا صح العقد، فيهما للعلم بهما، ولو قال

له: أحمل لي هذه الصبرة والصبرة التي في البيت بعشرة وكانا يعلمان ما في البيت صح فيهما بالعشرة، ولو قال له: أحمل لي إلى كذا قفيزًا من الصبرة بدرهم وما زاد على القفيز فبحساب ذلك، والمعنى مهما حملته من باقيها فلك بكل قفيز درهم، فقيل: لم يصح للجهالة، والذي يترجح عندي صحتها؛ لأنه لم يتضح لي فيه جهالة.
والله أعلم.
ولو قال له: أحمل إلي كذا هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، فقيل: لم يصح للجهالة؛ لأن من للتبعيض وكل للعدد، فكأنه قال: لتحمل منها عددًا بخلاف ما لو أسقط منها، والذي يترجح عندي الصحة؛ لأنه لم يتبين لي دليل على عدم الصحة ولم يظهر لي فيها جهالة كما قالوا.
والله أعلم.

55- أمثلة لما يصح استئجاره وما لا يصح

س55: تكلم بوضوح عن الشرط الثالث من شروط الإجارة واذكر ما يشترط له، وحكم إجارة المصحف وإجارة دار تجعل مسجدًا يصلي فيه المسلمون، ومثل لكل ما يصح استئجاره وما لا يصح استئجاره، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.

ج: الشرط الثالث: كون نفع معقود عليه مباحًا لغير ضرورة بخلاف ما يباح للضرورة أو للحاجة كأواني الذهب والكلب مقصودًا: 1- عرفًا بخلاف آنية التجمل، متقومًا.
2- بخلاف نحو تفاح لشم.
3- يستوفي من عين مؤجرة دون استهلاك الأجزاء بخلاف شمع لشعل وصابون لغسل.
4- مقدورًا عليه بخلاف ديك ليوقظه للصلاة، فلا يصح؛ لأنه يقف على فعل الديك، فلا يمكن استخراجه منه بضرب ولا غيره، ولا تصح إجارة آبق أو شارد إلا لقادر على تحصيلهما كما في البيع، ولا تصح إجارة مغصوب لغير قادر على أخذه عن غاصبه؛ لأنه لا يمكن تسليم المعقود عليه، فلا تصح

إجارته كبيعه، وكذا طير في الهواء، ولا تصح إجارة طير لحمل كتب، ولا تصح إجارة مركوب لمن يريد الخروج عليه ويترك حضور الجمعة أو الجماعة إذا كان ممن وجبت عليه، وليس بآت بها في طريقه؛ لأن تأجيره إعانة على المعصية.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، ومن كان له مال حلال وله مال حرام، واستأجر أجيرًا فلا يجوز له أن يعطيه أجرته من المال الحرام، وإنما يعطيه من الحلال؛ فإن أعطاه ولم يشعر أنه من الحرام جاز له التصرف ولا إثم عليه وإثمه على المستأجر؛ لأنه غره.
5- لمستأجر فلا يصح استئجار دابة لركوب مؤجر وذلك الذي يصح استئجاره ككتاب حديث أو فقه أو شعر مباح أو لغة أو صرف لنظر وقراءة ونقل وتجويد خط بأن كان به خط حسن يكتب عليه ويتمثل منه؛ لأنه تجوز إعارته لذلك فجائز إجارته وإجارة المصحف مبنية على حكم بيعه، وتقدم في أول الجزء الرابع وكدار تجعل مسجدًا يصلى فيه، وإذا تمت المدة بقي بأجرة المثل إن وافق المؤجر وكدار تسكن؛ لأنه نفع مباح مقصود وكاستئجار حائط لحمل خشب معلوم وكبئر يستقي منها أيامًا معلومة؛ لأن فيها نفعًا مباحًا بمرور الدلو والماء يؤخذ على أصل الإباحة وكحيوان لصيد كفهد وباز وصقر وكقرد لحراسة مدة معلومة؛ لأن فيه نفعًا مباحًا، وتجوز إعارته لذلك، ولا تصح إجارة كلب وخنزير مطلقًا؛ لأنه لا يصح بيعهما، وكاستئجار شجر لنشر عليه وجلوس بظله؛ لأنه منفعة مباحة مقصودة كالحبال والخشب، وكما لو كانت مقطوعة وتقدم في الصلح، ولغير مالك جدار استناد إليه، وإسناد قماشه وجلوسه بظله بلا إذن مالكه.
قال الشيخ: العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقًا.
اهـ. وكاستئجار بقر لحمل وركوب؛ لأنها منفعة مقصودة لم يرد الشرع بتحريمها أشبه ركوب البعير، وكثير

من الناس من الأكراد وغيرهم يحملون على البقر ويركبونها، والذي تطمئن إليه نفسي أنه لا يجوز استئجار البقر للركوب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها، فقالت: إني لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث» متفق عليه.
والله أعلم.
وفي بعض البلاد يحرث على الإبل والبغال والحمير، ومعنى خلقها للحرث أن معظم الانتفاع بها فيه، وذلك لا يمنع الانتفاع بها في شيء آخر كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة، ويباح أكلها واللؤلؤ للحلية ويتداوى به.
ويصح استئجار غنم لدياس زرع معلوم أو أيامًا معلومة، ويصح استئجار بيت معين في دار مدة معلومة بأجر معلوم، ولا يقدح في صحة الإجارة لو أهمل فلم يذكر استطراقه إذ لا يمكن الانتفاع به إلا بالإستطراق، وهذا شيء متعارف، ويصح استئجار آدمي لقَوْد أعمى أو مركوب مدة معلومة؛ لأنه نفع مباح يقصد وكذا ليدل على طريق؛ لحديث عائشة، قالت: «واستأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلًا من بني الدَّيل هاديًا خريتًا، والخريت: الماهر بالهداية، وهو على دين كفار قريش وأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فأتاهم براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا» رواه البخاري وأحمد، وليلازم غريمًا يستحي ملازمته، ويصح الاستئجار على النسخ كمن استأجر إنسانًا لينسخ له كتب فقه أو حديث وسجلات وكتب توحيد وتفسير ونحو ومعاني وبيان ومذكرات ونحوهما، ويقدر بالمدة أو العمل؛ فإن قدر بالعمل ذكر عدد الأوراق وقدرها وعدد السطور في كل ورقة وقدر الحواشي ودقة القلم وغلظه؛ فإن عرف الخط بالمشاهدة جاز وإن أمكن ضبطه بالصنعة ضبطه، ويجوز تقدير الأجرة بأجزاء الفرع أو بأجزاء الأصل، وإن قاطعه على النسخ للأصل بأجر واحد جاز ويعفي عن خطأ يسير معتاد، وإن أسرف في الغل بحيث يخرج

عن العادة فهو عيب يُرد به، قال ابن عقيل: وليس له محادثة غيره حال النسخ ولا التشاغل بما يشغل سره ويوجب غلطه ولا لغيره تحديثه وشغله، وكذا كل الأعمال التي تختل بشغل السر والقلب كالقصارة والنساجة ونحوهما؛ لأن فيه إضرار بالمستأجر، ويصح استئجار شبكة وفخ لصيد مدة معلومة، وفي البركة التي يدخل فيها السمك فيحبس ثم يصاد منها ويصح استئجار عنبر وصندل ونحوهما، مما يبقى لشم مدة معينة ثم يرده؛ لأنه نفع مباح كالثوب للبس، ولا يصح استئجار ما يسرع فساده من الطيب كرياحين لتلفها عن قريب فتشبه المطعومات، ويصح استئجار دراهم ودنانير لتجمل ووزن، وكذا احتياج كأنف وربط سن فقط مدة معلومة كالحلي، للتجمل؛ لأنها نفع مباح مقصود يستوفي دون الأجزاء، وكذا قليل وموزون وفلوس ليعاير على المذكور، ولا تصح إجارة على زنا أو لواط أو زمرًا وغناه.
قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- في «إغاثة اللهفان» : قال أبو إسحاق في «التنبيه» : ولا تصح –يعني الإجارة- على منفعة محرمة كالغناء والزمر وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافًا، وقال في «المهذب» : ولا يجوز على المنافع المحرمة؛ لأنه محرم فلا يجوز أخذ العوض كالميتة والدم، فقد تضمن كلام الشيخ أمورًا: أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أن أكل المال به أكل مال باطل بمنزلة أكله عوضًا عن الميتة والدم.
الرابع: لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني، ويحرم عليه ذلك؛ فإنه بذل ماله في مقابلة محرم وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.
الخامس: أن الزمر حرام وإذا كان الزمر حرامًا الذي هو أخف آلات اللهو فكيف بما هو أشد منه كالعود والطنبور واليراع، ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحري ذلك، فأقل ما فيه أنه من شعائر الفساق وشاربي الخمور.
انتهى كلامه.
ويحرم نوح أو تشغيل

آلات لهو، وكذا نسخ كتب بدع وشعر محرم وذلك كالهجاء ورعي خنزير ونحوه؛ لأن المنفعة المحرمة لا تقايل بعوض في بيع، فكذا في الإجارة، وذكر ابن المنذر إجماعًا، متفق عليه في المغنية والنائحة، ولا تصح إجارة فحل لضراب «لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن عسب الفحل» متفق عليه؛ ولأن المقصود الماء الذي يخلق منه الولد، وهو عين لا قيمة لها؛ فإن احتيج إليه جاز ذلك بذل الكرى، وليس للمطرق أخذه ذكره في «المغني» ، وإن أطرق محله بلا إجارة ولا شرط، وأهديت له هدية فلا بأس؛ لأنه فعل معروفًا فجازت مجازاته عليه، ولا تصح إجارة دار أو دكان يجعل كنيسة أو بيعة أو صومعة راهب أو بيت نار تُعبد أو لبيع خمر أو لقمار أو لبيع المجلات الخليعة أو لبيع آلات الملاهي كالسينما والتلفزيون أو الراديو، أو لبيع الصور مجسدة أو غير مجسدة أو لبيع الدخان أو لأهل الشيش أو لحلاق اللحى أو لحلاقي رؤوس النساء أو قصه للتشبه باليهود والنصارى أو للمطربين أو للمطربات أو لبيع الإسطوانات أو لسكنى المصورين وسواء شرط في العقد أو لم يشرط، وعلم بقرينة؛ لأنه فعل محرم فلم تجز الإجارة عليه كإجارة عبده للفجور به، ولما ينشأ عن تأجير هؤلاء من الأضرار المتعدية التي لا يعلم مدى ضررها إلا الله، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . وبسط الأدلة الدالة على تحريم المذكورات له مواضع أخرى من تدبر الكتاب والسُّنة وأقوال العلماء المحققين وجده في مثل «إغاثة اللهفان» لابن القيم، ورسالة الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي في حكم شرب الدخان، و «الأدلة الكاشفة» للشيخ عبد العزيز بن باز، ورسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وكتب الشيخ حمود التويجري، و «نصيحة المسلمين» للشيخ عبد الله السليماني بن حُميد والشهب المرمية للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله التويجري ونحو هذه الكتب.
وإن استأجر

ذمي من مسلم دارًا وأراد بيع الخمر فيها فله منعه؛ لأنه محرم، ولا يصح استئجار لحمل ميتة ودماء محرمة لأكلها لغير مضطر إليه، ولا يجوز استئجار لحمل خمر لشربها ولا أجرة له لما تقدم؛ لأن المنفعة المحرمة لا تقابل بعوض؛ فإن كان حمل الميتة لأكل المضطر إليها صحت، وتصح إجارة لحمل ميتة وخمر لإلقاء وإراقة لدعاء الحاجة إليه، ولا تندفع بدون إباحة الإجارة عليه ولا يكره أكل أجرة ذلك، ويصح الاستئجار لكسح الكنفي وشفط البلاليع والمستنقعات الوسخة، ولحمل النجاسات لتُلْقى خارج البلد، ويصح استئجار لإلقاء ميتة بشعر على جلدها، ومن أعطى صيادًا أجرة ليصيد له سمكًا ليختبر بخته أي حظه، فقد استأجره ليعمل بشبكته، قاله أبو البقاء.
ولا تصح الإجارة على طير لسماع صوته؛ لأن منفعته ليست متقومة ولا مقدورًا على تسليمها؛ لأنه قد يصيح وقد لا يصيح ويصح، إجارة طير لصيد كصقر وباز مدة معلومة؛ لأنه نفع مباح معلوم متقوم، ولا تصح على تفاح لشم؛ لأن نفعها غير متقوم؛ لأن من غصب تفاحًا فشمه ورده لم يلزمه أجرة شمه، ولا تصح على شمع لتجمل أو شمع لشعل، والذي يترجح عنيد أن التفاح للشم والعنبر والشمع يجوز.
والله أعلم.
ولا تصح على طعام ليتجمل له على مائدته ثم يرده؛ لأن منفعة ذلك غير مقصودة ولا على طعام لأكل أو شرب أو صابون لغسل ونحو ذلك مما لا ينتفع إلا بإتلاف عينه؛ فإن استأجر شمعًا لشعل منه ما شاء ويرد بقيته وثمن الذاهب وأجرة الباقي لم يصح لشموله بيعًا وإجارة والمبيع مجهول فيلزم الجهل بالمستأجر فيفسد العقدان، ولا تصح الإجارة على حيوان لأخذ لبنه أو صوفه أو شعره؛ لأن المعقود عليه في الإجارة النفع.
والمقصود هنا العين وهي لا تملك ولا تستحق بالإجارة، واختار الشيخ تقي الدين جوازها في الشمع ليشغله والحيوان لأخذ لبنه، وهذا القول

هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ويصح استئجار ظئر وهي الآدمية للإرضاع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ . ولو غار ماء بئر مؤجرة أو تغير بحيث يمنع الشرب والوضوء ثبت لمستأجر الفسخ، ولا تصح إجارة في جزء مشاع من عين يمكن قسمتها أولًا مفردًا عن باقي العين لغير شريكه بالباقي؛ لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه ولا ولاية للمؤجر على مال شريكه، وكذا لو كانت لجمع فآجر أحدهم نصيبه لواحد منهم بغير إذن الباقين لم يصح، وتصح إجارة العين الواحدة المملوكة لواحد لعدد اثنين فأكثر، بأن آجر داره أو دابته لهما أو لهم، وإن استأجر شريك من شريكه أو آجرا معًا لواحد صحت وإن تفاوتت الأجرة؛ فإن أقاله أحدهما صح، وبقي العقد في نصيب الآخر، ولا تصح إجارة امرأة ذات زوج بلا إذنه؛ لأن في ذلك تفويتًا لحق الزوج في الإستمتاع لاشتغالها عنه بما استؤجرت له، فلم يجز إلا بإذنه، ولا يقبل قولها بلا بينة بعد أن أجّرت نفسها أنها متزوجة في بطلان الإجارة، ولا يقبل قول من تزوجت ثم ادعت أنها مؤجرة قبل نكاح، لا يقبل بلا بينة؛ لأنها متهمة في الصورتين، والأصل عدم ما تدعيه، ولا يجوز أخذ الأجرة على عقد النكاح؛ فإن عقد لهم وأعطوه بدون شرط ولا استشراف نفس ولا سؤال فلا بأس بأخذه، والأولى تركه ليتم أجره، ولا يجوز أخذ الأجرة على العزيمة التي تعلق على المريض ونحوه، وترك الكتب أولى، ولو لم يأخذ شيئًا والمشروع أن يرقيه بالأدعية النافعة من الكتاب والسُّنة.

من النظم فيما يتعلق بالشرط الثالث من شروط الإجارة

ويشرط قصد النفع شرعًا وجعله اختيارًا

وبقيًا العين وقت التعقد

ومقدار محمول ورؤية راكب

وطفل له استأجرت ظئرًا فقيد

فيحرم إيجار لنفع محرم

ويلغي كنوح أو غناء لذي اردد

ودارًا لنفع الخمر أو نحوه من الحرام

ونسخ الفحش والمذهب الردي

وإن يكتري الذمّي دار المسلم

فيقصد بيع الخمر فيها ليصدد

وإيجار فحل للضراب محرم

في الأقوى كحضر القرد والدب للدد

وفي حمل ميتات وخمر لطاعم

وآلات شراب ومغصوب معتدي

مقالات والتجويز في ذا مُنكَّر

ولا سيما في حملها لموَحِّد

وجوز على المشهور حمل إراقة

ونبذ الميتات وكسح الأذى الردي

ويكره كالحجام أكل أجوره

لحر وأطعم للرقيق وأعبد

56- إجارة العين وما يشترط في إجارتها وحكم استئجار الزوجة والذمي والوقف إلخ

س56: تكلم بوضوح عن أقسام إجارة العين وما يشترط في إجارتها، واذكر المحترزات وبين حكم استئجار الإنسان زوجته لرضاع ولده وعلى حضانته، وحكم استئجار الذمي لعمل أو لخدمة، وحكم إجارة العين من مستعير ووقف من ناظر، وحكم ما إذا مات مستحق وقف آجره أو مؤجر إقطاعه، وما الذي يترتب على ذلك، وبين حكم ما إذا آجر الناظر العام لعدم الخاص، أو آجر سيد رقيقه أو ولى يتيم آجر يتيمًا محجورًا له ثم عتق الرقيق أو بلغ اليتيم؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.

ج: الإجارة سمان: القسم الأول: أن تقع على منفعة عين، ولها صورتان: إحداهما: أن تكون إلى أمد معلوم، والأخرى: أن تكون إلى عمل معلوم، وستأتيان إن شاء الله تعالى، ثم العين تارة معينة كاستأجرت منك هذا العبد يخدمني سنة بكذا، أو ليخيط لي هذا الثوب بكذا، وتارة تكون موصوفة في الذمة، كاستأجرت منك حمارًا صفته كذا وكذا لأركبه سنة بكذا وكذا أو إلى بلد كذا بكذا، ولكل من القسمين شروط.
وإليك الشروط الموصوفة التي ذكر العلماء وشرط استقصاء صفات سلم في عين موصوفة بذمة؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الصفات؛ فإن استقصيت الصفات كان أقطع للنزاع وأبعد من الغرر، وإن جرت إجارة على عين موصوفة بذمة بلفظ سلم، كأسلمتك هذا الدينار في خدمة عبد صنته كذا وقَبِلَ المؤجر اعتُبر قبضُ أجرة بمجلس جرَى فيه العقد لئلا يصير بيع دين بدين واعتبر تأجيل نفع إلى أجل معلوم، وإن كان بلفظ الإجارة جاز التصرف قبل القبض.

وشرط في إجارة عين معينة خمسة شروط: الأول: كونها يصح بيعها كالأرض والدار والعبد والبهيمة والثوب والخيمة والخيل والجمل والسيف والرمح والفرس والإناء والكتاب والمكائن والسيارات والفرش وأشباه ذلك، فلا تصح إجارة كلب وخنزير لحراسة أو لصيد ولا لغير ذلك سوى موقوف وأم ولد وحر وحرة، فتصح إجارتها؛ لأن منافعها مملوكة ومنافع الحر تضمن بالغصب فجازت إجارتها كمنافع القن، وكذا يصح إجارة جلد عقيقة؛ لأنه يصح بيعه فإجارته أولى، والقاعدة: أن ما حرم بيعه فإجارته تحرم؛ لأنها نوع من البيع إلا ما استثنى قريبًا وأجنيبية أجرت لغير محرمها في نظر مستأجرها إليها وفي خلوته بها لغيرها من الأجانب.
قال المجد: وإذا استأجر امرأة أجنبية حرة أو أمة لشغل مباح لعمل جاز، وكذا حكم النظر إليها والخلوة بها على ما كان عليه قبل الإجارة.
قال الإمام أحمد: يجوز أن يستأجر الأجنبي الأمة والحرة للخدمة؛ ولكن يصرف وجهه عن النظر للحرة، وليست الأمة مثل الحرة، فلا يباح النظر لشيء من الحرة، بخلاف الأمة فينظر منها إلى الأعضاء الستة أو إلى ما عدا عورة الصلاة على ما يأتي بيانه إن شاء الله في النكاح، والحاصل أن المستأجر لهما كالأجنبي فلا يجوز له أن يخلو مع أحدهما في بيت إلا مع ذي محرم؛ لحديث ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» وكره استئجار أصله كأمه وجده وجدته وإن علوا لخدمته؛ لما فيه من إذلال للوالدين بالحبس على خدمة الولد، والذي يترجح عندي تحريم إستئجار أصله إن حصل لهم إهانة وإذلال؛ لأنه عقوق، وهو محرم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويصح استئجار زوجته لرضاع ولده ولو منها.
وقال القاضي: لا يجوز إذا كانت بحباله، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين وهو قول أبي حنيفة وغيره؛ لأنه استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض،

فلا يجوز أن يلزمه عوض أجر لذلك، وقال أهل القول الأول: دليلنا أن كل عقد صح أن تعقده مع غير الزوج صح أن تعقده معه كالبيع؛ ولأن منافعها في الحضانة والرضاع غير مستحقة للزوج بدليل أنه لا يملك إجبارها عليه، قالوا: وقول أهل القول الثاني: إنها استحقت عوض الحبس والاستمتاع، قلنا: هذا غير الحضانة واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاق منفعة أخرى سواها بعوض آخر، كما لو استأجرها أولًا ثم تزوجها، والقول أن يصح استئجارها أي الزوجة لرضاع ولده من «مفردات الذهب» ، قال ناظمها:

زوجٌ على زوجْتِه حيثُ عقَدْ ... إجارةً جاز لإرضاع الوَلدْ

والذي تطمئن إليه نفسي القول الثاني الذي اختاره شيخ الإسلام.
والله أعلم.
ويصح استئجار ذمي مسلمًا لعمل معلوم في الذمة كقصارة ثوب وخياطته أو إلى أمد كأن يبني به له شهرًا أو نحوه، ولا يصح أن يستأجر ذمي مسلمًا لخدمته لتضمنها حبس المسلم عند الكافر وإذلاله واستخدامه مدة الإجارة أشبه بين المسلم للكافر بخلاف إجارته لغير الخدمة فلا تتضمن إذلاله، قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ . والشرط الثاني: معرفة العين المؤجرة للعاقدين برؤية أو صفة كالبيع لاختلاف الغرض باختلاف العين وصفاتها، والشرط الثالث: قدرة مؤجر على تسليم العين المؤجرة كمبيع؛ لأنها بيع منافع أشبه ببيع الأعيان وتقدم أنه لا تصح إجارة الآبق والشارد ولا مغصوب ممن لا يقدر على أخذه.
والشرط الرابع: اشتمال العين على النفع، فلا تصح إجارة بهيمة زمنة لحمْل، والزمانة: مرض يدوم طويلًا، ولا يصح إجارة أرض سبخة لزرع؛ لأنه لا يمكن

تسليم هذه المنفعة من هذه العين، ولا يصح إجارة دار خربة أو دكان خرب لتعذر استيفاء المنفعة إلا أن إستأجر أرضهما، ولا تصح إجارة أخرس لتعلم منطوق ولا إجارة أعمى لحفظ شيء يحتاج إلى رؤية؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن تسليم هذه المنفعة من هذه العين.
والخامس: كون مؤجر يملك النفع بملك العين أو استئجارها أو مأذونًا بطريق له الولاية كحاكم يؤجر ما، نحو سفينة أو غائب أو وقفًا لا ناظر له أو من قبل شخص معين كناظر خاص، ووكيل في إجازة؛ لأنها بيع منافع فاشترط فيها ذلك كبيع الأعيان، فتصح من مستأجر لغير حر أن يؤجره لمن يقوم مقام المستأجر؛ لأن موجب عقد الإجارة ملك المنفعة والتسلط على استيفائها بنفسه أو بمن يقوم مقامه بخلاف مستأجر الحر كبيرًا كان أو صغيرًا، فليس له أن يؤجره؛ لأن اليد لا تثبت عليه وإنما هو يسلم نفسه إن كان كبيرًا أو يسلمه وليه وتصح إجارتها، ولو لم يقبضها المستأجر؛ لأن قبضها لا ينتقل به الضمان إليه فلا يقف جواز التصرف عليه بخلاف بيع المكيل ونحوه قبل قبضه حتى لمؤجرها يجوز إجارتها عليه؛ لأن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز معه كالبيع ولو بزيادة عما أجرها به أو نقص؛ لأنه عقد يجوز برأس المال فجاز بنقص وزيادة ما لم يكن حيلة كعينة بأن استأجرها بأجرة حالة نقدًا ثم آجرها بأكثر منه مؤجلًا، فلا يصح حسمًا لمادة ربا النسيئة، وليس للمؤجر الأول مطالبة المستأجر الثاني بالأجرة؛ لأن غريم الغريم ليس بغريم.
قال في «شرح الإقناع» : قلت: إن غاب المستأجر الأول أو امتنع فللمؤجر رفع الأمر إلى الحاكم فيأخذ من المستأجر الثاني، ويوفيه أجرته أو من مال المستأجر الأول إن كان؛ فإن فضل شيء حفظه للمستأجر، وإن بقي له شيء فمتى وجد له مالًا وفاه منه كما يأتي في القضاء على الغائب إن شاء الله تعالى وإذا تقبل الأجير في

ذمته عملًا بأجرة كخياطة أو غيرها، فلا بأس أن يقبله بأقل من أجرته ولو لم يعنْ فيه بشيء من العمل؛ لأنه إذا جاز أن يقبله بمثل الأجر الأول أو أكثر جاز بدونه كالبيع وكإجارة الين، وتصح إجارة عين من مستعير بإذن معير في مدة يعينها المستعير للإجارة؛ لأنه لو أذن له في بيعها لجاز، فكذا في إجارتها؛ لأن الحق له؛ فإن لم يعين فكوكيل مطلق يؤجر العرف وتصير العين المؤجرة أمانة بعد أن كانت مضمونة على المستعير لصيرورتها مؤجرة، والأجرة لربها؛ لأنه مالكها، ومالك نفعها وانفسخت العارية بالإجارة؛ لأنها أقوى منها للزومها، وتصح إجارة في وقف من ناظره؛ لأنه إما مستحق فمنافعه له فله إجارتها كالمستأجر وإلا فبطريق الولاية كالولي يؤجر عقار موليه، وإن مات مستحق وقف أجره وهو ناظر بشرط بأن وقفه عليه، وشرط له النظر لم تنفسخ الإجارة بموته؛ لأنه أجر بطريق الولاية أشبه الأجنبي، وإن آجر المستحق لكونه أحق بالنظر مع عدم الشرط لكون الوقف عليه لم تنفسخ الإجارة، كما لو آجر وليُّ مال موليه أو ناظر أجنبي، ثم زالت ولايته.
قال المنقح في «الإنصاف» : صححه في التصحيح والنظم، وجزم به في «الوجيز» ، وقدمه في «الفروع» و «الرعاية الكبرى» ، وشرح ابن رزين، قال القاضي في «المجرد» : هذا قياس المذهب.
وقال في «التنقيح» : وإن مات المؤجر انفسخت إن كان المؤجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، وقيل: لا تنفسخ قدمه في «الفروع» وغيره، وجزم به في «الوجيز» وغيره كملكه وهو أشهر، وعليه العمل.
انتهى من «المنتهى وشرحه» . والقول الأول: وهو أنه إذا مات المؤجر وانتقل إلى من بعد أنها تنفسخ؛ لأن البطن الثاني يستحق العين بجميع منافعها تلقيًا من الوقف بإنقراض الأول، بخلاف الطلق؛ فإن الوارث يملكه من جهة الموروث فلا يملك إلا ما خلفه وحق المورث لم ينقطع عن ميراثه بالكلية، بل آثاره باقية، ولهذا قالوا: تقضي منه ديونه وتنفذ وصاياه، هو الذي تطمئن

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل