الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 15-54
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 15-54
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

كخمر، وما لا يباح إلا عند الاضطرار كالميتة، وما لا يباح اقتناؤه إلا لحاجةَ كالكلب، فيجوز بيع بغل وحمار وعقار ومأكول ومشروب وملبوس ومركوب ودقيق؛ لأن الناس يتبايعون ذلك وينتفعون به في كل عصر من غير نكير، وقياسًا لما يرد به النص على ما ورد.
ويصح بيع دود قز وبزرة قبل أن يدب؛ لأنه يخرج من الحرير الذي هو أفخر الملابس، بخلاف الحشرات التي لا نفع فيها.
ويصح بيع طير لقصد صوته، كبلبل وكهزار وببغاء؛ لأن فيها نفعًا مباحًا.
ويصح بيع نحل منفردًا عن كوراته؛ لأنه حيوان طاهر يخرج من بطونه شراب فيه منافع للناس، فهو كبهيمة الأنعام، وكذا يصح بيعه خارجًا عنها معها، بشرط كونه مقدورًا عليه، وإلا لم يصح بيعه للغرر، ويصح بيعه فيها معها إذا شوهد داخلاً إليها، ويصح بيعه في كوراته بدونها إذا شوهد داخلاً إليها، ولا يصح بيع الكوارة بما فيها من عمل ونحل للجهالة، ولا يصح بيع ما كان مستورًا من النحل بأقراصه، ولم يفرق للجهالة.
ويجوز بيع سباع بهائم كالفهد، وبيع فيل وجوارح طير كصقر وباز يصلحان لصيد بأن تكون معلمة أو تقبل التعليم؛ لأن فيها نفعًا مباحًا.

ويجوز بيع هرٍ؛ لما في الصحيح: «أن امرأة دخلت النار في هرة لها حبستها» والأصل في اللام الملك؛ ولأنه حيوان يباح نفعه واقتناؤه مطلقًا أشبه البغل، والقول الثاني: لا يجوز بيعه، اختاره في «الهداية» و «الفائق» وصححه في «القواعد الفقهية» ؛ لحديث مسلم عن جابر أنه سُئل عن ثمن السنور، فقال: زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
وفي لفظ: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن السنور» رواه أبو داود.
وهذا القول عندي أنه أرجح.
والله سبحانه أعلم.
ويصح بيع قرد لحفظ؛ لأن الحفظ من المنافع المباحة، ولا يصح بيع قرد العب.
ويصح بيع قن مرتد وجانٍ عمدًا أو خطأ على نفس أو ما دونها ذكرًا أو أنثى، ويصحُ بيع مريضٍ، وقاتل في محاربة متحتم قتله بعد القدرة عليه؛ لأنه ينتفع به إلى قتله، ويعتقه، فيجر ولاء ولده.
ويصح بيع أمة لمن به عيب يفسخ به النكاح كجذام وبرص؛ لأن البيع يُراد للوطء وغيره، بخلاف النكاح.
ويصح بيع لبن آدمية انفصل منها؛ لأنه طاهر ينتفع به كلبن الشاة؛ ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر، فيضمنه متلفه، ويكره للمرأة بيع لبنها، قال في «الإنصاف» : والوجه الثاني لا يصح

مطلقًا، قال المصنف والشارح: ذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه، وجزم به في «المنور» وقدمه في «المحرر» فعليه، لو أتلفه متلف ضمنه على الصحيح من المذهب، ويحتمل أن لا يضمنه، كالدمع والعرق، قال القاضي: ونقله في شرح «المحرر» للشيخ تقي الدين.
اهـ. وعندي أن القول الأول أرجح.
والله أعلم.
ولا يجوز بيع الكلب؛ لما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب، وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا.
رواه أحمد وأبو داود، وعن جابر - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب والسنور» رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو، قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن» رواه الجماعة.
ولأنه حيوان نهى عن اقتنائه في غير حال الحاجة، فأشبه الخنزير.
قال في «الإنصاف» ، وقال الحارثي في شرحه في كتاب «الوقف» عند قول المصنف: «ولا يصح وقف الكلب» : والصحيح اختصاص النهي عن البيع بما عدا كل الصيد، بدليل رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب، والسنور، إلا كلب صيد» .

والإسناد جيد، قال: فيصح وقف المعلم؛ لأن بيعه جائز.
انتهى.
والذي يترجح عندي القول الأول؛ لأنه أحوط.
والله أعلم.
وأما حديث جابر، فقال في «الشرح الكبير» : وأما حديثهم، فقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث، وقال الدارقطني: الصحيح أنه موقوف على جابر، وفي «نيل الأوطار» : قال في «الفتح» : ورجال إسناده ثقات، إلا أن طعن في صحته.
ومن قتل كلبًا يباح اقتناؤه أساء؛ لأنه فعل محرمًا، ولا غرم عليه؛ لأن الكلب لا يملك، ولا قيمة له، ويحرم اقتناء كلب، كما يحرم اقتناء خنزير، ولو لحفظ في البيوت ونحوها، إلا كلب ماشية أو صيد أو حرث؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «من اتخذ كلبًا، إلا كلب ماشية، أو صيد، أو زرع، نَقَصَ من أجره كل يوم قيراط» متفق عليه.
وإنما يجوز اقتناء الكلب للماشية والصيد والحرث إن لم يكن أسود بهيمًا أو عقورًا، ولا يصح بيع منذور عتقه نذر تبرر؛ لأنه عتقه وجب بالنذر، فلا يجوز إبطاله ببيعه.
ولا يجوز بيع ميتة، ولا شيء منها ولو طاهرة، كميتة الآدمي، إلا سمكًا وجرادًا ونحوهما.
ولا يصح بيع دم وخنزير وصنم؛ لما ورد عن جابر أنه سمع

النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام» ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام» الحديث رواه الجماة.
ولا يصح بيع سرجين نجس، ولا بيع أدهان نجسة العين من شحوم الميتة وغيرها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه» ولا يحل الإنتفاع بها في استصباح ولا غيره؛ لحديث جابر: قيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام» متفق عليه.
ولا يصح بيع أذهان متنجسة، قياسًا على شحم الميتة؛ لحديث: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه» رواه الشيخان مختصرًا، ويجوز الاستصباح بها على وجه لا تتعدى نجاسته في غيْرِ مسجد؛ لأنه يؤدي إلى تنجسه.
ولا يجوز بيع سم قاتل.
وأما بيع المصحف، فقيل: يحرم بيعه، قال أحمد: لا نعلم في بيع المصحف رخصة، قال ابن عمر: وَددْتُ أن الأيدي تقطع في بيعها؛ ولأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذال له، وترك لتعظيمه.

قال في «الشرح» : وممن كره بيعه: ابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى، وسعيد بن جبير، وإسحاق, انتهى.
والقول الثاني: يجوز بيع المصاحف؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سُئل عن بيع المصاحف، فقال: لا بأس، يأخذون أجور أيديهم.
وروي عن الحسن والحكم؛ ولأنه ينتفع به، أشبه كتب العلم؛ ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، وقول ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيعها، يحمل على مَن يمتهنها ولا يحترمها، وهذا القول عندي أرجح.
والله أعلم.
ولا يكره شراء المصحف ولا يكره إبداله لمسلم بمصحف آخر؛ لأنه لا يدل على الرغبة عنه.
ويجوز نسخه بأجرة، ويجوز وقفه وهبته والوصية به، ويلزم لمن احتاج إلى القراءة فيه ولم يجد مصحفًا.
ولا يصح بيع المصحف لكافر، وإن ملكه بإرث أو غيره ألزم بإزالة يده عنه، لئلا يمتهنه، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السفر بالمصحف لأرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، فأولى أن لا يبقى بيد كافر.
ويدخل المصحف في ملك الكافر ابتداء بالإرث وبالرد عليه لنحو عيب وبالقهر.
ذكره ابن رجب.
ويصح شراء كتب الزندقة ليتلفها، وكذلك كتب المبتدعة، ولا

يصح بيع آلة لهو، ولا يصح بيع الحر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ... » وذكر منهم: «رجلاً باع حرًا أكل ثمنه» متفق عليه.
ولا بيع ما ليس بمملوك، ككلأ وماء ومعدن قبل حيازتها وتملكها؛ لفقد الشرط.
ويصح بيع نجس يمكن تطهيره، ولو باع أمة حاملاً بِحُرِّ قبل وضعه، صح البيع فيها؛ لأنها معلومة، وجهالة الحمل لا تضر.
من نظم ابن عبد القوي فيما يتعلق ببعض شروط البيع

بسبعة أشراط يصح فعن رضى ... سوى مكره من حاكم ذي تقلد ومن باعَا في مال لإكراه ظالم ... فصحح على كره شراه بأوكد وثانيه كون العقد من جائز له ... عقول مليك بالغ مترشد وعقد سفيه والمميز جائز ... بإذن ولي في الأصح كمزهد وجوز شرا الأعمى بوصف وبيعه ... وبيع مريض وارثٍ غير مسعد وثالثها مالية العين وهي ما ... حوت حل نفع لاضطرار المظهد

كبغل وحمر دود قز وبزره ... ومعلوم نحل في المحل ومفرد وهو وقيل الحرب مع كل صائد ... في الأولى سوى كلب وبع ذاالتعدد هزارًا وقمريًا وقال أبو الوفا ... كراهة بيع القرد في نص أحمد لمن كان لَعَابًا به وهو جائز ... لمن رَامَ حفِظًا للمتاع المنضَد وما صح فيه البيع بيعت صغاره ... كبيض حرام للفراخ بأوطد وبع قاتلاً عمدًا ولو في حرابة ... وألبان أمٍ بل نساء بأجود وحرم وعنه كره إجارة مصحف ... كبيع وفي الأبدال قولان أسند أيكره أم لا هكذا في اشترائه ... متى ما كرهت البيع غير مشدد وإيجاره حرم كبيع لكافر ... بغير خلافٍ وانتزعه وهدد ويحرم بيع الحر والوقف غير ما ... تعطا والأصنام دون تقيد ويحرم إيجار الكلاب وبيعها ... بغير خلاف عند ذا لم يقيد وقنيتها للصيد والمنع من أذى ... أَجز واقتنا جرو لهذا بأجود وقتل المباح الإقتنا احظره مطلقًا ... وحلل له قتل العقور وأسود وليس على مُرِدي الكلاب

ضمانها ... وضمن مجاز البيع حتمًا كأفهد ويحرم بيع العبد مع نذر عتقه ... وقيل قبيل الشرط بعه إن تقيد وبزرة قز في وجيه وميتة ... حرام وأجزاها وسِرْ جِيْنَة الردي كذا حشرات مع دم وبهائم ... وطير سوى المأكول والمتعدد كذا نجس الأدهان يحرم بيعه ... ولو الكفور مستبيح بأوطد فخرج على القولين في الاستضا بها ... أو الغسل حل البيع عن كل أصدُد

شرط البيع الرابع وما يتعلق به من أحكام

س7: تكلم بوضوح عن أحكم ومعاني ما يلي: الرابع أن يكون مملوكًا له من باع ملك غيره، أو اشترى لغيره، بيع ما لا يملكه، بيع الأرض الموقوفة مما فتح عنوة وإجارتها، ماء عد.
ما في معدن جار، بيع ما نبت من كلأ وشوك، الدخول لأخذه بغير إذن رب الأرض، منع مستأذن لذلك، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر المحترزات والأدلة.

ج: معناه: أن يكون المبيع مملوكًا لبائعه ووقت العقد ملكًا تامًا؛ لما ورد عن حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل يسألني البيع، ليس عندي أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق، فقال: «لا تبع ما ليس عندك» رواه الخمسة.
حتى الأسير يصح بيعه

لملكه إذ الأسر لا يزيل ملكه، أو يكون البائع مأذونًا له في البيع من مالكه أو من الشارع، كالوكيل وولي الصغير وناظر الوقف ونحوه وقت العقد، ولو ظن المالك والمأذون له عدم الملك أو الإذن في بيعه كأن باع ما ورثه غَيْرَ عَالم بانتقاله إليه، أو وكل في بيعه ولم يعلم فباعه؛ لأن الاعتبار في المعاملات بما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلف، فلا يصح تصرف فضولي ببيع أو شراء أو غيرهما، ولو أجيز تصرفه بعد وقوعه إلا إن اشترى في ذمته، ونوى الشراء لشخص لم يسمه، فيصح، سواء نقد الثمن من مال الغير أم لا؛ لأن ذمته قابلة للتصرف؛ فإن سماه، أو اشترى للغير بعين ماله، لم يصح الشراء.
والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أن بيع الفضولي وشراءه صحيح إذا أجازه من تصرف له، وهو قول مالك وقول أبي حنيفة في البيع.
وهذا القول عندي أنه أرجح، وذلك لما روي عن عروة بن الجعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه دينارًا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدينار وبالشاة، فأخبرته، فقال: «بارك الله لك في صفقة يمينك» رواه الإمام أحمد والأثرم؛ ولأنه عقد له مُجِيز حالَ وقوعه؛ ولأن تعليل المنع يزول في هذه الحالة، والله أعلم.
ثم إن أجاز المشتّري لَهُ مَلَكَهُ من حين اشترى له، وإلا يجزه مَن اشترى له وَقَع الشِّراء

لمشترٍ، ولزمه حُكمُهُ، كما لو لم ينوِ غَيْرَهُ، ولَيْس له التصرُّف فيه قبل عرضِهِ على من اشترى له، ولا يصحُّ بيعُ مالاً يملكُه البائع، ولا إذن له؛ لحديث حكيم بن حزام مرفوعًا: «لا تبع ما ليس عندك» رواه ابن ماجه والترمذي، إلا موصوفًا لم يعين إذا قبض، أو قبض ثمنه بمجلس عقد؛ فإن لم يقبض أحدهما فيه لم يصح؛ لأنه بيع دين بدين، وقد نهى عنه.
ولا يصح بلفظ: «سَلَمَ» أو «سلف» ولو قبض ثمنه بمجلس عقد؛ لأنه سلم.
ولا يصح حالاً والموصوف المعين، كـ: «بعتك عبدي فلانًا» ، ويستقصي صفته فيصح، ويجوز التصرف فيه قبل قبض له، أو ثمنه كبيع حاضر بالمجلس، وينفسخ عقد عليه برده، فقد صفة من الصفات المشروطة فيه، لوقوع العقد على عينه، بخلاف الموصوف في الذمة فله رده وطلب بدله.
وينفسخ العقد على موصوف معين تلف قبل قبض، لفوات محل العقد، ولا يصح بيع أرض موقوفة مما فتح ولم يقسم، كمزارع مصر والشام، وكذا العراق؛ لأنها موقوفة أقرت بأيدي أهلها بالخراج، غير الحيرة –مدينة قرب الكوفة- وَغْيرَ ألَّليْسَ- مدينة بالجزية.
قال أبو النجم:

لم تُرْعَ ألَّيْس ولا عضاها ... ولا الجزيرات ولا قُراها

وغير بانقيا –ناحية بالنجف دون الكوفة- قال الأعشى:

قد طُفْتُ ما بين نِقْيَا إلى عَدَنٍ ... وطال في العجم ترحالي وتسياري

وغير أرض بني صلوبا كلها أماكِنُ معروفة بالعراق؛ لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين، وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام، ولم يُقَدر عمر مدتها لعموم المصلحة فيها.
ويصح بيع المساكن الموجودة حال الفتح أو حدثت بعده، وآلتها منها أو من غيرها؛ لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر، وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير، فكان كالإجماع.
ويصح بيع إمام للأراضي الموقوفة مما فتح عنوة لمصلحة رآها، كاحتياجها للعمارة، ولا يعمرها إلا من يشتريها كصحة وقفه لها، وإقطاعه إياها تمليكًا، ويصح بيعها إذا كان البائع غير الإمام، وحكم به من يرى صحته.
وتصح إجارة الأرض الموقوفة مما فتح عنوة مدة معلومة بأجر معلوم، لما تقدم من إقرارها بأيديهم، وضرب عمر الخراج عليها وجعله أجرة لها، والمستأجر له أن يؤجر، وقيل: يجوز البيع والإجارة، وهو رواية عن أحمد، اختاره الموفق والشارح، وفاقًا للشافعي، وفي

«الاختيارات» : يصح بيع ما فتح عنوة ولم يقسم من أرض الشام ومصر والعراق، ويكون في يد مشتريه بخراجه، قال: ومعنى وقفها: إقرارها على حالها، وضرب الخراج عليها مستمرًا في رقبتها، وليس معناه الوقف الذي يمنع من الملك في الرقبة، بل يجوز بيعها كما هو عمل الأمة، ومن اشتراها صارت عنده خراجية، وذكر أنها تنقل في أصح قولي العلماء، ولا يجوز بيع وباع مكة، وهي المنازل ودار الإقامة، ولا الحرم كله، وكذا بقاع المناسك، كالمسعى والمرمى والموقف ونحوها، ولا تصح إجارة ذلك، وقيل: يجوز بيع رباعها وإجارة لها.
قال في «الشرح الكبير» : اختلفت رواية في رباع مكة وإجارة دورها، فروي أن ذلك غير جائز، وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأبي عبيد، وكرهه إسحاق؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة: «لا تباع رباعها ولا تكري بيوتها» رواه الأثرم، وعن مجاهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مكة حرام بيع رباعها، حرام إجارتها» رواه سعد بن منصور في «سننه» . وروي أنها كانت تدعى السوائب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكر مسدد في «مسنده» : ولأنها فتحت عنوة ولا تقسم، فصارت موقوفة، فلم يجز بيعها كسائر الأرض التي فتحها المسلمون عنوة ولم

يقسموها، ودليل أنها فتحت عنوة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار» متفق عليه.
وروت أم هانئ أنها قالت: أجَرْتُ حَمَوَيْن لي، فأرادَ عَلي قتلهما، فأتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله، إني أجرت حموين لي، فزعم ابن أمي علي أنه قاتلهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قد أجرنا مَن أجَرْتِ، وأمَّنَّا مَن أمَّنْتِ» متفق عليه.
وكذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل أربعة، فقتل منهم: ابن خطل ومَقِيْس بن ضُبابة، فدل على أنها فتحت عنوة.
والرواية الثانية: أنه يجوز ذلك، روي ذلك عن طاووس وعمر بن دينار، وهو قول الشافعي وابن المنذر، وهو أظهر في الحجة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لما قيل له: أين تنزل غدًا؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع!؟» متفق عليه.
يعني أن عقيلاً باع رباع أبي طالب؛ لأنه ورثه دون إخوته، لكونه كان على دينه دونهما، ولو كانت غير مملوكة، لما أثر بيع عقيل شيئًا؛ ولأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم دور بمكة لأبي بكر والزبير وحكيم ابن حزم وأبي سفيان وسائر أهل مكة، فمنهم من باع، ومنهم من نزل داره، فهي في يد أعقابهم، وقد باع حكيم بن حزام دار الندوة، فقال له ابن الزبير: بعث مكرمة قريش، فقال: يا ابن أخي، ذهبت المكارم إلا التقوى، أو كما قال.
واشترى معاوية منه دارين،

واشترى عمر - رضي الله عنه - دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف، ولم يزل أهل مكة يتصرفون في درهم تصرف الملاك بالبيع وغيره، ولم ينكره منكر، فكان إجماعًا، وقد قرره النبي - صلى الله عليه وسلم -، بنسبة دورهم

إليه، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» وأقرهم في دورهم رباعهم، ولم ينقل أحدًا عن داره، ولا وُجد منه ما يدل عل زوال أملاكهم، وكذلك من بعده من الخلفاء، حتى أن عمر مع شدته في الحق؛ لما احتاج إلى دار للسجن لم يأخذها إلا بالبيع؛ ولأنها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة، فجاز بيعها كسائر الأرض، وما روي من الأحاديث في خلاف هذا فهو ضعيف؛ وأما كونها فتحت عنوة فهو صحيح لا يمكن دفعه، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر أهلها فيها على أملاكهم ورباعهم، فيدل ذلك على أنه تركها كما ترك لهوازن نساءهم وأبناءهم.
وعلى القول الأول: من كان ساكن دار أو منزل فهو أحق به، يسكنه ويسكنه، وليس له بَيْعُه ولا أخذ أجرته، ومن احتاج إلى مسكن فله بذل الأجرة فيه، وإن احتاج إلى الشراء فله ذلك، كما فعل عمر - رضي الله عنه -، وكان أبو عبد الله إذا سكن أعطاهم أجرتها؛ فإن سكن بأجرة جاز أن لا يدفع الأجرة إن أمكنه؛ لأنهم لا يستحقونها، وقد روي أن سفيان سكن في بعض رباع مكة، وهرب ولم يعطيهم أجرة، فأدركوه منه، وذكر لأحمد فعل سفيان فتَبَسَّمَ، فظاهر هذا أنه أعجبه., قال ابن عقيل: وهذا الخلاف في غير مواضع المناسك؛ أما

بقاع المناسك كموضع المسعى والرمي فحكمه حكم المساجد بغير خلاف.
اهـ (4/22-23) . وفي «الاختيارات الفقهية» : ومكة المشرفة فتحت عنوة، ويجوز بيعها لا إجارتها؛ فإن استأجرها فالأجرة ساقطة يحرم بذلها.
اهـ. والذي تميل إليه النفس جواز بيع رباع مكة؛ لأنه إنما يستحق التقدم على غيره بهذه المنفعة، واختص بها لسبقه وحاجته، وجواز البيع لوروده على المحل الذي كان البائع اختص به عن غيره وهو البناء، فلو زال لم يكن له أن يبيع الأرض، كما أنه ليس له أن يؤجرها، وله أن يَبْنيها ويُعيدها كما كانت، وهو أحق بها يَسكنُهْا ويُسكنُها من شاء، وكذا تجوز إجارَةُ بُيوتِ مكة، والآثار الواردة في المنع من ذلك يُقابلها مثلُها، ولم يَزل عمل أهل مكة على ذلك قبل الإسلام وبعده، الحاجة تدعو إلى ذلك، وفي المنع من ذلك ضيق وحرج، وقد رفع الله عن هذه الأمة الحرج.
والله أعلم.
ولا يصح بيع ماء عدّ، كماء عين ونقع بئر؛ لقوله –عليه الصلاة والسلام-: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» رواه أبو داود وابن ماجه.
ولا يصح بيع ما في معدن جار إذا أخذ منه شيء خلفه غيره،

كقار ونفط.
ولا يصحُ بيع نابت من كلأ وشوك ونحو ذلك، ما لم يجزه، فلا يدخل في بيع أرض؛ لأنه مشترك بين المسلمين حتى يحاز، ومشتري الأرض أحق به، ومن أخذه ملكه بحوزه، ويحرم دخول لأجل أخذ ذلك بغير إذن رب الأرض إن حوطت، وإن لم تحوط جاز دخوله لأخذه، لدلالة الحال على الإذن فيه إذا لم يتضرب رب الأرض؛ فإن تضرر بالدخول حرم، وحرم على رب الأرض منع مستأذن في دُخول إن لم يحصَل منه ضرر بدخوله.
وطلول بأرض تجني منه النحل ككلأ في الحكم، وأولى بالإباحَةِ، ونحل رب الأرض أحق بِطَلّ في أرضه؛ لأنه في ملكه.
والمصانع المعدة لمياه الأمطار يملك ربها ما يحصل فيها منها، والمصانع المعدة لها إذا جرى إليها ماء نهر غير مملوك يملك ماؤها الحاصل فيها بحصوله فيها؛ لأن ذلك حيازة لها، ويجوز لمالكه بيعه إذا كان معلومًا، وهبته والتصرف فيه بما شاء؛ لعدم المانع، ولا يحل لأحد أخذ شيء منه بغير إذن مالكه؛ لجريان ملكه عليه كسائر أملاكه.

من النظم مما يتعلق بالشرط الرابع من شروط البيع

ويشرط في تصحيح بيعك ملكك ... الْمبيع وملك المشتري الثمن اشهدِ وإن بعت أو تشري بمال بلا رضى ... الْمليك فأبطله وعنه إن رضي طدِ وإن بات بعد العقد أنك مالك الْمبيع ... أو التوكيل فيه تردد وإن تشتري في ذمة لامرئ بلا ... رضى إن يجز يملك وأبطل بأوكدِ وإن لم يجز يلزمك مع جهل بائع ... ومع علمه أفسد وللحلِّ جِدَدِ وحَظِّر تْعاطي كل عَقْدٍ مُفَسْدٍ ... أضح مقتضى شرعًا وإن لم تعددِ وإن يَبع الإنسان ما ليس عنده ... ليبتاعه ثمت يسأل فأوردِ وليس صحيحًا بيع مفتوح عنوة ... لوقف الإمام العَبْقَرِيّ بأوكدِ كذا كل مفتوح بها إن وقفته ... بمطلقها أو باختيار المقلدِ وإن يتصل حكم بما بيع أو يرى الإمام ... صلاحًا بيع شيء فأطد وعن أحمد يروي كراهة بيعها ... وتجويز أن يبتاع فافهم وذا اعْضِدِ وإيجارها في النص جوزه مطلقًا ... كما جوَّز وابيع المساكن تهتدي

وقولان في بيع الرباع بمكة ... وقولان أيضًا في إجارتِها امْهَدِ وما بَيْعُ جارِ الماء في الملك جائز ... ولا معدن جار وبع ذا التَّجَمُدِ وكل مباح لا تبع قبل حوزه ... وعنه إن يكن في الملكِ بعه بأبعدِ ومِن غير إذنِ المالك احظر دخوله ... ويملك ما يحتاز مع فعل معتد وما حزت من مال وجمعت من كلاً ... فملكك بعه إن تشأ لم تفند وكره بلا حظر مبايعة امرئٍ ... تمول من حل وحظر منكد فمعلوم حظر منه حظر وحله ... مباح وفي الشبهات مُبْهَمَهُ اعدد ويزداد طورًا أو يقل اشتباهه ... ولكن دعوى المشتري الحظر فاردد وليس بمحظور عطايا ملوكنا ... فقد قبلوا منهم صحابة أحمد

شروط البيع الخامس وما يتعلق به من أحكام

س8: تكلم بوضوح عن الشرط الخامس من شروط البيع، مبينًا حكم بيع السمك بالماء، والطير في الهواء، والمغصوب لغاصبه.

ج: الخامس: القدرة على تسليم المبيع، وكذا الثمن المعين؛ لأن غير المقدور على تسليمه كالمعدوم، فلا يصح بيع آبق، ولا جعله ثمنًا، علِم الآخذُ له مكانه أو جهله؛ لما روى أحمد عن أبي سعيد «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شراء العبد وهو آبق» رواه أحمد وابن ماجه، ولا نحو جمل شارد، علم مكانه أو لا؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» رواه الجماعة إلا البخاري.
ولا يصح بيع سمك في ماء؛ لأنه غرر، إلا سمكًا مرئيًا لصفاء الماء بماء محُوْز يَسْهُل أخذه منه كحوض، فيصح لأنه معلوم يمكن تسليمه؛ فإن لم يَسهل بحيثُ يَعجز عن تسليمه، لم يصح بيعه، وكذا إذا لم يكن مرئيًا، أو لم يكن محوزًا، كمتصل بنهر.
ولا يصح بيع طائر يصعب أخذه، إلا إذا كان بمكان مغلق ولو طال زمن الأخذ؛ لأنه مقدور على تسليمه.

ولا يصح بيع مغصوب إلا لغاصبه؛ لانتفاء الغرر، أو لقادر على أخذ المغصوب من غاصبه، فيصح البيع لعدم الغرر وإمكان قبضه؛ فإن عجز عن تحصله، فله الفسخ لتأخر التسليم.
مما يتعلق بالشرط الخامس من شروط البيع من النظم

وإمكان تسليم المبيع اشتراط فلا ... تبع في الهوا طيرًا وحوتًا بمزبد ولا آبق مع شارد وغصيبه ... سوى لمطيق القبض أو غاصب قد فإن يعجز المبتاع عن قبضه إذًا ... فخيره في إمضائه أو ليردد وينفذ تزويج الإما مع غصبها ... لفقد ضمان النفع بالبضع باليد

الشرط السادس وما يتلق به من أحكام

س9: تكلم بوضوح عن الشرط السادس من شروط البيع مبينًا بأي شيء حصل معرفة مبيع، وإذا سبق العقد ما تحصل به المعرفة، فما الحكم؟ وإذا تغير المبيع، فهل لمشتري الخيار؟ وما يسمى هذا الخيار؟ وما حكم بيع الحمل في البطن، والصوف على الظهر، والنوى في التمر، وعسب الفحل؟ وما حكم بيع اللفت قبل القلع؟ والفجل

والجزر، والمسك في فأرته، والعطاء والمعدن وحجارته، والثوب المطوي، والمنسوج بعضه؟ واذكر الدليل والتعليل والترجيح.
ج: الشرط السادس: معرفة مبيع؛ لأن الجبالة غرر، فيشمله النهي عن بيع الغرر؛ ولأنه بيع فلم يصح مع الجهل بالمبيع كالسلم، والعلم به يحصل برؤوية متعاقدين مقارنة لجميعه، أو بِرؤْية ٍ لبعضٍ يدل على بقيته، كرؤية أحد وجهي ثوب غير منقوش، وظاهر الصبرة المتساوية، ووجه الرقيق، وما في ظروف وأعدال من جنس واحد متساوي الأجزاء ونحوها؛ لحصول العلم بالمبيع بذلك.
وما عُرِفَ بلمسِهِ أو شمِّه أو ذَوْقِهِ فكرؤيته، ولا يصح البيع إن قال: بعتك هذا البغل، فبان فرسًا، أو هذه الناقة فبانت جملاً، للجهل بالمبيع؛ وإما بوصف ما يصح سلم فيه بوصف يكفي في السلم، بأن يذكر ما يختلف به الثمن غالبًا؛ فإن اشترى ما لم يره، أو رآه جهله، أو وصف له بما لا يكفي سلمًا لم يصح، وقيل: يصح.
وللمشتري خيار الرؤية، قال في «الشرح» : اختلفت الرواية عن أحمد -رحمه الله- في بيع الغائب الذي لم يوصف، ولم تتقدم رؤيته؛ فالمشهور عنه أنه لا يصح بيعه، وبهذا قال الشعبي والنخعي والحسن والأوزاعي ومالك وإسحاق، وهذا أحد قولي

الشافعي، وفي رواية أخرى أنه يصح، وهو مذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي، واحتج من أجازه بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وبما روي عن عثمان وطلحة أنهما تبايعا داريهما، إحداهما بالكوفة، والأخرى بالمدينة، فقيل لعثمان: إنك قد غُبِنْتَ! فقال: ما أُبالي، إني بعتث ما لم أره! وقيل لطلحة، فقال: لي الخيار؛ لأنّني اشتريت ما لم أره، فتحاكما إلى جبير، فجعل الخيار لطلحة، وهذا اتفاق منهم على صحة البيع؛ ولأنه عقد معاوضة، فلم تفتقر صحته إلى رؤية المعقود عليه كالنكاح؛ ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه نهى عن بيع الغَرر» رواه مسلم.
ولأنه بيع، فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، والآية مخصوصة بما ذكرنا من الأصل؛ وأما حديث عثمان وطلحة، فيحتمل أنهما تبايعا بالصفة، ومع ذلك فهو قول صحابي، وقد اختلف في كونه حجة، ولا يعارض به حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والنكاح لا يقصد منه المعاوضة، ولا يفسد بفساد العوض ولا بترك ذكره، ولا يدخله شيء من الخيارات، وفي اشتراط الرؤية

مشقة على المخدرات وإضرار بهن؛ ولأن الصفات التي تعلم بالرؤية ليست هي المقصودة بالنكاح، فلا يضر الجهل بها بخلاف البيع؛ فإن قيل: فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه» والخيار لا يثبت إلا في عقد صحيح، قلنا: هذا يرويه عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث.
ويحتمل أنه بالخيار بين العقد وتركه، فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، كداخل الثوب وشعر الجارية ونحوهما.
اهـ (4/28، 29) . والذي تميل إليه النفس القول بالصحة لما تقدم، وهو الذي اختاره الشيخ تقي الدين –رحمه الله-.
ولا يصح البيع إن سبقت الرؤية العقد بزمن يتغير فيه المبيع ظاهرًا.
ويصح بيع الأعمى وشراؤه فيما يعرف بلمس أو شم أو ذَوق أو وصف بعد إتيانه بما يعتبر في ذلك، كما يصح توكيله في بيع وشراء مطلقًا، ثم إن وجد مُشتر ما وصِفَ له، أو تقدَّمتْ رؤيتُه العقد، مُتغيرًا بزمنٍ لا يتغير فيه المبيع تغيرًا ظاهرًا، فلمشترٍ الفسخ؛ لأن ذلك بمنزلة عيبه، ويحلف مُشْتَرٍ إن اختلفا في نقصه صفة أو

تغيره عما كان رآه عليه؛ لأن الأصل براءته من الثمن، وهو على التراخي، فلا يسقط خياره إلا بما يدل على الرضا من مشتر، ينقص صفته أو تغيره أو سوم ونحوه.
ولا يسقط خياره بركوب دابة مبيعة بطريقة ردِّها؛ لأنه لا يدل على الرضا بالنقص أو التغير، ويُسمى هذا الخيار خيار الخلف في الصفة.
وإن أسقط مشتر حقه من الرد ينقص صفة شرطت، أو تغير بعد رؤيته، فلا أرش له؛ لأن الصفة لا يعتاض عنها، ويجوز تقديم الوصف في بيع الأعيان على العقد، كما يجوز تقديم الرؤية، ذكره القاضي محل وفاق.
ولا يصح بيع حمل في بطن مفردًا عن أمه إجماعًا؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع المضامين والملاقيح» رواه البزار، وفي إسناده ضعف.
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع» الحديث رواه ابن ماجه، والبزار، والدارقطني بإسناد ضعيف.
قال أبو عبيد: الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول؛ فكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة، وما يضرب الفحل في عامه أو في أعوام.
وروى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المَجْر» ، والمَجْر:

اشتراء ما في الأرحام؛ ولأن الحمل غير مقدور على تسليمه، ولا تعلم صفاته ولا حياته.
ولا يصح بيع الحمل أيضًا مع أمه بأن يعقد عليه معها؛ لعموم ما سبق، ومطلق البيع يشمله تبعًا لأمه كالبيض واللبن، قياسًا على أسِ الحائط، ويغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال.
ولا يصح بيع حَبَلِ الحَبَلة؛ لما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع حَبَلِ الحبلة» رواه أحمد ومسلم والترمذي، وفي رواية: نهى عن بيع حبل الحَبَلة، وحَبْل الحبلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت، رواه أبو داود.
وفي لفظ: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حَبَلِ الحبلة، وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحم لالتي نَتَجَت، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، متفق عليه.
قال أحمد والترمذي وأكثر أهل اللغة: هو بيع ولد الناقة الحامل، قال: والعمل عليه عند أهل العلم؛ لكونه مَعْدُومًا ومجهولاً وغير مقدور على تسليمه، فهو من بيع الغرر.
ولا يصح بيع لبن في ضرع؛ لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى

تضع، وعن بيع ما في ضروعها» الحديث رواه ابن ماجه، والبزار، والدارقطني بإسناد ضعيف.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر ولا لبن في ضرع» رواه الطبراني في «الأوسط» ، والدارقطني، وأخرجه أبو داود في المراسيل لعكرمة، وأخرجه أيضًا موقوفًا على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي، ولجهل صفته وقدره أشبه الحمل.
ولا يصح بيع نوى بتمر، قال في «الشرح» : ولا يجوز بيع النوى في التمر، والبيض في الدجاجة للجهل بهما، ولا نعلم في هذا اختلافًا، ولا يصح بيع صوف على ظهر؛ لحديث ابن عباس السابق؛ ولأنه متصل بالحيوان، فلم يجز إفراده بالبيع كأعضائه، إلا إذا بيع الحمل أو النوى أو اللبن أو الصوف تبعًا للحامل وذات اللبن والتمر وذوات الصوف، فيصح بيع شاة ذات لبن وصوف وتمر فيه نوى؛ لأنه يغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال، وكذا بيع دار يدخل فيما أساسات وحيطان، وقال الشيخ تقي الدين: إن باعه موصوفًا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة جاز.
ولا يصح بيع عسب الفحل؛ لما روى ابن عمر، قال: «نهى

النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن عسب الفحل» رواه أحمد، والبخاري، والنسائي، وأبو داود، وعن جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ضراب الفحل» رواه مسلم والنسائي، وعن أنس أن رجلاً من كلاب سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عسب الفحل، فَنَهاه، فقال: يا رسول الله، إنا نطرق الفحل فنكْرَمُ، «فرخَّص له في الكرامة» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
ولا يصح بيع مسك في فأرته، وهو الوعاء الذي يكون فيه، قال الشاعر:

إذا التاجِرُ الهِنْديُّ راحَ بفأرَةٍ ... من المِسْكِ راحتْ فيَ مفارقِهم تجْري

وتسمى: النافجة، وهي جلدة يكون فيها المسك، وأصله دمَ يجتمع في بَجْرة، أي: كيس في سرة الظبية، ثم يتقور ويسقط، وقد يَبِسَ الدم فصار كالفُتات، وقد ذكره المتنبي، فقال:

فإن تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ منهم ... فإنَّ المِسْكَ بعضُ دمِ الغَزالِ

فإن فتح وشاهد ما فيه جاز بيعه، وإن لم يشاهد لم يجز بيعه للجهالة، كلؤلؤ في صدف.
قال في «الشرح» : وقال بعض الشافعية: يجوز لأن في بقاءه في

فأرته مصلحة له؛ فإنه يحفظ رطوبته وذكاء رائحته أشبه ما مأكوله في جوفه، ولنا أنه يبقى خارج وعائه من غير ضرورة، وتبقى رائحته، فلم يجز بيعه مستورًا كالدر في الصدف، وما مأكوله في جوفه إخراجه يفضي إلى تلفه، وفي «الفروع» : ويتوجه تخريج يجوز؛ لأنه وعاء له يصونه ويحفظه.
انتهى.
واختار الشيخ وابن القيم جواز بيع المسك في فأرته، والذي يترجح عندي القول الأول لما تقدم.
والله أعلم.
ولا يصح بيع لفت وفجل وجزر ونحوه قبل قلع، لجهالة ما يُراد منه، واختار الشيخ الصحة، واختاره في «الفائق» وهو مذهب مالك.
اهـ. قال الطوفي في «شرح الخرقي» : والاستحسان جوازه؛ لأن الحاجة داعية إليه، والغرر يندفع باجتهاد أهل الخبرة والدراية به.
ولا يصح بيع ثوب مطوي، أو ثوب نُسِجَ بعضُه، على أن ينسج بقيته للجهالة.
قال في «شرح المنتهى» : حيث لم ير منه ما يدل على بقيته؛ فإن الناس لم يزالوا في جميع الأمصار والأعصار يتبايعون الثياب المطوية، ويكتفون بتقليبهم منها ما يدل على بقيتها.
اهـ. فإن أحضر البائع ما نسجه من الثوب، وبقية السُدى واللُّحمة، وباعها مع الثوب، وشرط على البائع نسجها؛ صح البيع والشرط.

ولا يصح بيع العطاء قبل قبضه؛ لأن العطاء مْغَيَّب، فيكون من بيع الغرر، والعطاء: قسطه من الديوان، ولا يصح بيع رقعة به؛ لأن المقصود بيع العطاء.
ولا يصح بيع معدن وحجارته قبل حوزه إن كان جاريًا، لما تقدم، وكذا إن كان جامدًا وجهل.
بيع الملامسة والمنابذة والحصاة والغرر

س10: تكلم عن معاني وأحكام ما يلي: الملامسة، المنابذة، بيع الحَصَاة، وما مثاله؟ بيع ما لم يعين، وما مثاله؟ بيع ما شوهد، الاستثناء في البيع، بيع أمة حامل بحرٍ، بيع ما مأكوله في جوفه، بيع الحب المشتد في سنبله، بيع قفيز من هذه الصبرة، بيعها جزافًا، بيع رطل من دَنَّ زيت، أو من زبرت حديد ونحوه، إذا تلفت الصبرة أو ما في الدن، إذا فوق قفزانًا وباع واحدًا منها، بيع ثمرة شجرة إلا صاعًا، من باع ثمرة بستان واستثنى، بيع جريب من أرض أو ذراع من ثوب، استثناء ذلك، استثناء حمل مبيع أو شحمه أو رطل لحم، وما الذي لا يصح استثناؤه إذا أبى مشتر ذبح المأكول المستثنى منه؟ اذكر بقية ما يتعلق بهذا الشرط من مسائل، وأدلة، وتعليلات، وخلاف، وترجيح.

ج: الملامسة: مفاعلة من لَمِس يَلْمُسُ إذا أجرى يده على الشيء.
ولا يصح بيع الملامسة كبعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته

فعليك بكذا، أو على أنك إن لمسته فعليك بكذا، أو أيَّ ثوب لمَسْتَهُ فهو عليك بكذا.
والمنابذة: مُفاعَلة من نَبَذَ الشيء ينبذه: إذا ألقاه.
ولا يصح بيع المنابذة، كقوله: متى نَبَذْتُ هذا الثوب فلك بكذا، أوْ: إن نبذت هذا الثوب ونحوه فلك بكذا، أو: أي ثوب نبذته فلك بكذا.
عن أبي سعيد قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الملامسة والمنابذة في البيع» والملامسة: لمُس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يُقلبه.
والمنابذة: أن يَنْبُذَ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويَنْبُذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك ببيعهما من غير نظر ولا تراض، متفق عليه.
وعن أنس، قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمخاطرة، والمنابذة، والملامسة، والمزابنة» رواه البخاري.
وأما بيع الحصاة فاختلف في تفسيره، فقيل: هو أن يقول إرم هذه الحصاة، فعلى أيّ ثوب وقعت، فهو لك بدرهم، وقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، وقيل: هو أن يقول: بعتك هذا بكذا، على أني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع، وكل هذه البيوع فاسدة لا تصح؛ لما فيها من الغرر والجهل.
عن أبي هريرة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» رواه الجماعة إلا البخاري، وقال الوزير: اتفقوا على أن بيع الحصاة والملامسة والمنابذة باطل.
ولا يصح بيع ما لم يُعَيُّن، كعبد من عبيد، وكشاة من قطيع، وكشجرة من بستان، لما فيْه من الجهالة والغرر، وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر» . ولا يصح: بعتك هؤلاء العبيد إلا واحدًا غير معين، ولا بعتك هذا القطيع إلا شاة غير معينة، ولا هذا البستان إلا شجرة مبهمة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن الثُّنيا إلا أن تُعلم» . قال الترمذي: حديث صحيح.
- الثَّنيا: هي أن يستثنى في عقد البيع شيء مجهول.- ولأن ذلك غرر ويفضي إلى التنازع، وإن استثنى معينًا من ذلك يعرفه جاز وصح البيع والاستثناء؛ لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، لكون المستثنى معلومًا، فانتفى المفسد.
ويصح بيع ما شوهد من حيوان كقطيع يشاهده كله.
ويصح بيع ما شوهد من ثياب معلقة أو لا ونحوها، وإن جهل المتعاقدان عدد المبيع المشاهد بالرؤية؛ لأن الشرط معرفته لا معرفة عدده.
ويصح بيع أمة حامل بحرٍ؛ لأنها معلومة، وجَهالة الحمل لا

تضرُّ.
وقد يستثنى بالشرع ما يستثنى باللفظ، كبيع أمة مزوجة؛ فإن منفعة البضع مستثناة بالشرع، ولا يصح استثناؤها باللفظ.
ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كبيض ورمان، لدعاء الحاجة إلى بيعه، ولكنه من مصلحته ويفسد بإزالته.
ويصح بيع الباقلاء واللوز والجوز ونحوه، كالحمص والفستق في قشره؛ لأن ساتره من أصل الخلقة، أشبه البيض.
ويصح بيع حب مشتد في سنبله، لما تقدم؛ ولأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الاشتداد غاية للمنع، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فوجب زوال المنع، ويدخل الساتر لنحو جوز وحب مشتد من قشر وتبن تبعًا، كنوى تمر؛ فإن استثنى القشر أو التبن بطل البيع؛ لأنه يصير كبيع النوى في التمر.
ويصح بيع تبن بدون حبة قبل تصفيته منه؛ لأنه معدوم بالمشاهدة.
ويصح بيع قفيز من هذه الصبرة إن تساوت أجزاؤها وزادت على القفيز؛ لأن المبيع حينئذ مقدر معلوم من جملة متساوية الأجزاء.
ويصح بيع رطل من دن نحو عسل أو زيت أو من زبرت حديد ونحوه، وإن تلفت الصبرة أو الدن أو الزبرة إلا قفيزًا أو

رطلاً واحدًا فهو المبيع، فيأخذه المشتري، ولو فرق قفزانًا من صبرة متساوية الأجزاء، وباع منها واحدًا مبهمًا أو اثنين فأكثر، صح البيع كما لم يفرقها؛ لأنه لا يفضي على التنازع.
ويصح بيع صبرة جزافًا؛ لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتى ينقلوه.
رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه.
ويجوز بيعها جزافًا مع جهلهما أو علمهما بقدرها، لعدم التغرير، ومع علم بائع وحده قدرها يحرم عليه بيعها جزافًا؛ لما روي عن الأوزاعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من عرف مبلغ شيء، فلا يبعه جزافًا حتى يعينه» ولأنه لا يعدل على البيع جزافًا مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير ظاهرًا.
ويصح البيع مع التحريم، لعلم المبيع بالمشاهدة، ولمشْترٍ الرد؛ لأن كتمه ذلك غش وغرر، وكذا مع علم مشتر وحده بقدر الصبرة، فيحرم عليه شراؤها جزافًا مع جهل بائع به، ولبائع الفسخ به لتغرير المشتري له.
ويحرم على بائع جعل صبرة على نحو حجر أو ربوة مما ينقصها، ويثبت به لمشتر لم يعلمه الخيار؛ لأنه عيب، وإن بان تحتها حفرة لم

يعلمها البائع فله الفسخ، ويصح بيع صبرة علم قفزانها على قفيزًا؛ لأنه –عليه السلام- نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وهذه معلومة.
ولا يصح بيع ثمرة شجرة إلا صاعًا، لجهاله آصعها، فتؤدي على جهالة ما يبقى بعد الصاع، قال في «الشرح الكبير» : إذا باع صرة واستثنى منها قفيزًا، أو أقفزة، أو باع ثمرة بستان، واستثنى منها صاعًا، أو آصعًا، لم يصح في ظاهر المذهب.
روي ذلك عن سعيد ابن المسيب، والحسن والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وفيه رواية أخرى أنه يجوز، وهو قول ابن سيرين وسالم بن عبد الله ومالك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وهذه معلومة؛ ولأنه معلوم أشبه إذا استثنى منه جزءًا مشاعًا، ووجه الأولى ما روى البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا؛ ولأن البيع إنما علم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء بغير حكم المشاهدة؛ لأنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة، فلم يجز، ويخالف الجزء؛ فإنه لا يعتبر حكم المشاهدة، ولا يمنع المعرفة بها، وكذلك إذا باع ثمرة شجرة، واستثنى أرطالاً، فالحكم فيه على ما ذكرنا (4/34) ، وإن استثْنى من الحائط شجرة بعينها جاز؛ لأن المستثنى معلوم، ولا يؤدي إلى الجهالة في المستثنى منه.

ولا يصح بيع جريب من أرض مبهمًا، أو ذراع من ثوب مبهمًا؛ لأنه ليس معينًا أو مشاعًا، إلا إن علما ذرع الأرض والثوب، فيصح البيع، ويكون الجريب أو الذراع مشاعًا؛ لأنه إذا كان الثوب أو الأرض مثلاً عشرة، وباعه واحد منها، فهو بمنزلة بيع العشر.
ويصح استثناء جريب من أرض، وذراعٍ من ثوبٍ، إذا كان المستثنى مُعينًا بابتداء وانتهاء معًا؛ لأنها ثنيا معلومة؛ فإن عين أحدهما دون الآخر لم يصح.
وفي كتاب «المهذب» : وإن قال بعتك عشرة أذرع ابتداؤها من هذا المكان، ولم يبين المنتهى، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن أجزاء الأرض مختلفة، وقد ينتهي إلى موضع يخالف موضع الابتداء، والثاني: أنه يصح؛ لأنه يشاهد السمت.
اهـ. قلت: والوجه الثاني عندي أنه قوي، وإن قال: بعتك من هذا الثوب من هذا الموضع، صح البيع للعلم بالمبيع؛ فإن كان القطع لا ينقصه قطعاه، أو كان شَرَطَه البائعُ للمشتري قطعاه، ولو نقَّصَهُ إذًا وفاءَ بالشرط.
وإن كان القطع ينقص الثوب ولم يشترطاه، وتشاحا في القطع، صح البيع، ولم يجبر البائع على قطع الثوب، وكانا شريكين فيه؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر؛ فإن

تنازعا بيع، وقسط الثمن على قدر ما لكل واحد منهما، وكذا خشبة في سقف وفصّ في خاتم بيعًا، ونقص السقف أو الخاتم بالقلع، فيباع السقف بالخشبة، والخاتم بفصِّه، ويقسم الثمن بالمحاصة.
ولا يصح استثناء حَمِلٍ مبيع من أمَةٍ، أو بهيمة مأكولة أو لا، ولا يصح استثناء شحم البيع المأكول لأنهما مجهولان، وقد نهي عن الثنيا إلا أن تُعلم، ولا يصح استثناء رطل لحم أو شحم من مأكول، لجهالة ما يبقى.
وقال أبو الوفاء: المذهب صحة استثناء رطل من لحم.
وإن باع حيوانًا أكولاً، واستثنى رأسه، أو جلده، أو أطرافه، صح.
وقال مالك: يصح في السفر دون الحضر؛ لأن المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط، فجَّوز له شراء اللحم دونها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز؛ لأنه لا يجوز إفراده بالبيع، فلم يجز استثناؤه كالحَمَلِ، ودليل الأول: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعُلم» ، وهذه معلومة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إلى المدينة، ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة، مروا براعي غنم، فذهب أبو بكر وعامر، فاشتريا منه شاة، واشترطا له سلبها.
وروى أبو بكر في «الشافي» بإسناده عن جابر عن الشعبي، قال: قضى زيد بن ثابت

وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بقرة باعها رجل، واشترط رأسها، فقضى بالشروى، يعني: أن يعطي مثل رأس؛ ولأن المستثنى، والمستثنى منه معلومان، فصح، كما لو باع حائطًا، واستثنى منه نخلة معينة, وكونه لا يجوز إفراده بالبيع لا يمنع صحة استثنائه، كما أن الثمرة قبل التأبير لا يجوز إفرادها بالبيع بشرط كشرط التبقية.
انتهى (من: ش ك ج (ص36) بتصرف) . ولا يصح استثناء ما لا يصح بيعه مفردًا إلا في هذه الصورة للخبر.
وصح الاستثناء في هذه دون البيع؛ لأن الاستثناء استبقاء، وهو يخالف ابتداء العقد، بدليل عدم صحة نكاح المعتدة من غيره، وعدم انفساخ نكاح زوجة وطئت بِنَحْو شُبْهة، ولو أبى مشتر ذبح المأكول المستثنى رأسُه وجلدهُ وأطرافه، ولم يشترط البائع عليه ذبْحَه في العقد، لم يجبر مشتر على ذبحه، لتمام ملكه عليه، ويلزم المشتري قيمة ذلك على التقريب؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قضى في رجل اشترى ناقة، وشرط ثنياها، فقال: اذهبوا إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه بحساب ثنياها من ثمنها؛ فإن اشترط بائع على مشتر ذَبْحَه، لزمه ذبحه، ودفع المستثنى لبائع؛ لأنه دخل على ذلك، فالتسليم مستحق عليه؛ فإن باع لمشتر ما استثناه صح،

كبيع الثمرة لمالك الأصل.
وللمشتري الفسخ بعيب يخص المستثنى، كعيب برأسه أو جلده؛ لأن الجسد شيء واحد يتألم كله بتألم بعضه.
ويصح بيع حيوان مذبوح، وبيع لحمه قبل سلخه، وبيع جلده وحده، وبيع رؤوس وأكارع وسموط، وبيعه مع جلده جميعًا، كما قبل الذبح.
من نظم ابن عبد القوي مما يتعلق بالشرط السادس

ومن شرطه علمُ المبيع برؤيةٍ ... أو الوصف إن يحصلْ به علمُ مقصدِ فمعْ صفَة تكفيك في سلمٍ أجِزْ ... وعقد أتى عن رؤية غير مبعدِ فإن فقِدا فالبيعُ يا صاح باطل ... وعنه صحيحٌ خَيِّرن عند مشهدِ فإن كن مثل الوصف فالبيعُ لازم ... وإن يتغيَّر فاختر إن شئت فارددِ ومن يرَ عيبًا جاهلاً قدرَه فذا ... كجاهلها أصلاً عُمومًا مَزَغَّدِ ودَرّ بضرع والنوى في تموره ... ومسك بفأر والجنين المعدَّدِ وبيْضٌ ولم يلق وصوف بظهره ... وعنه إن شرطت الجزَّفي الحال فاعضد ويحرم بيع الكفر عبدًا موحدًا ... وعنه إن يكن يعتق عليهم اجز قد

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل