كتاب الحجر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
س1: ما هو الحجر لغةً واصطلاحًا؟ وما الأصل في مشروعيته؟ وكم أسبابه؟ وهل الأولى ذكر الحجر بعد الصلح أم بعد الرهن وجه ذلك وبيِّن من هو المفلس؟ ولِمَ سمي بذلك؟ وإلى كم ينقسم الحجر؟ وكم أقسامه؟ وما هي أقسام كل قسم؟ واذكر ما يتعلق بذلك من مطالبة أو قيد أو تعميم لحكم أو دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.
ج: الحجر لغةً: التضييق والمنع، ومنه سمي الحرام حجرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي حرامًا محرما، وسمي العقل حجرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته.
وشرعًا: منع مالك من تصدقه في ماله غالبًا سواء كن المنع من قبل الشرع كالصغير والسفيه والمجنون أو الحاكم كمنعه المشتري من التصرف في ما له حتى يقبض الثمن على ما تقدم.
والأصل في مشروعيته: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي أموالهم؛ لكن أضيفت إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها مدبرون لها.
وقوله: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى﴾ ، وقوله: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ . وقد فسر الشافعي -رحمه الله- السفيه بالمبذر والضعيف بالصبي والكبير المختل والذي لا يستطيع أن يمل بالمغلوب على عقله فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فدل على ثبوت
الحجر عليهم.
وأسباب الحجر عشرة:
الأولى: أن يكون الشروع فيه بعد انتهاء الكلام على متعلق الرهن، وكان منه الحجر الخاص على الراهن ومنعه من التصرف في الرهن إلا بإذن المرتهن.
والمفلس لغةً: من لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، فهو المعدم، ومنه أفلس بالحجة أي عدمها، ومنه الخبر المشهور: «من تعدون المفلس فيكم؟» قالوا: من لا درهم له ولا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس؛ ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم فرد عليه، ثم طرح في النار» رواه مسلم بمعناه، فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس؛ لنه عرهم ولغتهم وقوله ليس ذلك المفلس تجوز لم يرد به نفي الحقيقة، بل إنما أراد فلس الآخرة؛ لأنه أشد وأعظم حتى إن فلس الدنيا عنده بمنزلة الغنى الواسع وسُمِيَ بذلك؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، والمفلس عند الفقهاء من دينه أكثر من ماله، وسُمي مُفلسًا وإن كان ذا مال لاستحقاق ماله الصرف في جهة دينه فكأنه معدوم أو لما يؤول إليه مِن عدم ماله بعد وفاء دينه أو لأنه يمنع من التصرف في ماله من حاكم مَن عليه دينٌ حالٌ يعجز عنه من تصرفه في ماله الموجود حال الحجر والمتجدد بعده بإرث أو هبة أو غيرها مدة الحجر أي إلى وفاء دينه أو حكمه بفكه ولا حجر على مكلّف رشيد لا دين عليه ولا على من دينُه مؤجل ولا على قادر على الوفاء ولا من التصرف في ذمته والحجر
الذي يمنع الإنسان التصرف في ماله على ضربين: أحدهما: الحجر لحق الغير كالحجر على المفلس لحق الغرماء، وعلى راهن لحق المرتهن في الرهن بعد لزومه وعلى مريض مرض الموت المخوف فيما زاد على الثلث لحق
الورثة وعلى قن ومكاتب لحق سيدهما وعلى مرتد لحق المسلمين؛ لأن تركته فيء يُمنع من التصرف في ماله لئلا يفوتَه عليهم، وعلى مُشتر في جميع ماله إذا كان الثمن في البلد أو قريبًا منه بعد تسليمه المبيع لحق البائع حتى يُوفيه وتقدم وعلى شقص مشفوع بعد طلب شفيع له إن قلنا لا يملكه بالطلب لحق الشفيع والمذهب أنه يملكه بالطلب فلم يكن للمشتري شيء يحجر عليه فيه، القسم الثاني: الحجر على الشخص لحظ نفسه كالحجر على الصغير والمجنون والسفيه؛ لأن مصلحته عائدة إليهم والحجر عليهم في أموالهم وذممهم عام ولا يطالب مدين لم يحل ولا يحل ولا يحجر عليه بَدينٍ لم يحل؛ لأنه لا يلزم أداؤه قبل حلوله.
مسائل فيها احترازات ومصالح لصاحب الدين والمدين
س2: من الغريم؟ وهل له منعُ مَديِنه إذ أراد سفرًا من أو تحليله مما أحرم به؟ ومتى يجب وفاء دَيِن حال؟ دلل على ما تقول.
وماذا يُعمل مع مَن خيف هروبه؟ وهل يُمكن من طلب تمكينه من الإيفاء؟ وإذا مطل المدين رب الدين حتى شكاه، فماذا يلزم الحاكم نحوه؟ وما الحكم فيما غرم بسبب المطل أو تغيب مضمون أو أهمل شريك بناء حائط بستان اتفقا عليه فتلف من ثمرته بسبب ذلك؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تفصيل أو تعليل أو خلاف.
ج: الغريم هنا رب الدين.
قال الجوهري: الغريم الذي عليه الدين، وقد يكون الذي له الدين قال كثير عزة:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
وعزة ممطول معنى غريمها
ولغريم المدين إن أراد سفرًا منع مدينه من السفر ولو كان غير مخيف
أو كان المدين لا يحل أجله قبل مدة السفر وليس بدين الغريم الذي يريد مدينه السفر رهن يحرز الدين أي يفي به أو ليس به كفيل مليء قادر بالدين حتى يوثق بالرهن أو الكفيل المليء لما منه من الضرر عليه بتأخير حقه بسفره وقدومه عند محله غير متيقن ولا ظاهر؛ فإن كان الرهن لا يحرز والكفيل غير مليء فله منعه حتى يوثق بالباقي، وقيل ليس له منعه إذا كان الدين لا يحل قبل مدة السفر إذا لم يخش غيبته المستمرة؛ لأن الغريم قبل حلول دينه على غريمه ليس له مطالبته ولا حبسه ولا منعه من شيء من عوائده التي لا تضر بالغريم، وأيضًا العرف جار بين الناس أنهم لا يمنعون غرماءهم الذين لا تحل ديونهم في السفر، وأيضًا كثير من الناس معاملاتهم تضطر إلى السفر ومنعه ضرر كبير وتفويت لمصالحه وربما عاد الضرر على الغريم، فهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
وإن أراد الغريم مدين وضام السفر معًا فله منعهما ومنع أيهما حتى يوثق كما سبق وليس الغريم من أراد سفرًا لجهاد متعين لاستنفار الإمام منعه؛ لأن هذا أي الجهاد نفعه عام بخلاف الحج.
قال في «الإنصاف» : اختار الشيخ تقي الدين –رحمه الله- أن من أراد سفرًا وهو عاجز عن وفاء دينه أن للغريم منعه حتى يقيم كفيلًا ببدنه.
قال في «الفروع» : وهو متجه، قلت من «قواعد المذهب» :
أن العاجز عن وفاء دينه إذا كان له حرفة يلزم بإيجار نفسه لقضاء الدَين فلا يبعد أن يمنع ليعمل.
اهـ. ولا يملك ربُّ دَين تحليل المدين إن أحرم ولو بنقل لوجوب إتمامه.
قال الشيخ تقي الدين: له منع عاجز حتى يقيم كفيلًا ببدنه، أي: لأنه قد يحصل له ميسرة ولا يتمكن من مطالبته لغيبته عن بلده فيطلبه من الكفيل، ويجب وفاء دَين حال فورًا على مدين قادر بطلب ربه؛ لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم» ، والطلب يتحقق المطل ويمهل مدين بقدر ما يتمكن به من الوفاء بأن طولب بمسجد أو سوق وماله بداره أو حانوته أو بلد آخر فيمهل بقدر ما يحضره فيه، ويحتاط رب دين إن خيف هروب المدين بملازمته إلى وفائه أو يحتاط بكفيل مليء أو توكيل في حفظه جمعًا بين الحقين، وكذا لو طلب تمكينه من الإيفاء محبوسٌ فيكمن منه ويُحتاط إن خيف هروبه كما تقدم، وكذا لو توكل إنسان في وفاء حق وطلب الإمهال لإحضار الحق فيمكن به كالموكل، وإن مَطَلَ المدينُ ربَّ الدَين حتى شكاه رَبُّ الدين وجب على حاكم ثبت لديه أمرُهُ بوفائه بطلب غريمه إن علم قدرته عليه أو جهل حاله لتعينه عليه ولم يحجر عليه لعدم الحاجة إليه ويقضي دينه بمال فيه شبهة نصًا؛ لأنها لا تُنفى شبهة بترك واجب وما غرم ربُّ دينٍ بسبب مطل مدين أحوج رب الدين إلى شكواه فعلى مماطل لتسببه في غرمه أشبه ما لو تعدى على مال لحمله أجرة وحمله لبلد آخر وغاب ثم غرم مالك أجرة حمله لعوده إلى محله الأول؛ فإنه يرجع به على من تعدى بنقله، وإن تغيب مضمون قادر على الوفاء فغرم ضامن بسببه أو غرم شخص لكذب عليه عند وليّ الأمر رجع الغارم بما غرمه على مضمون كاذب لتسببه.
قال في «شرح المنتهى» : ولعل المراد إن ضمنه بإذنه وإلا فلا فعل له في ذلك ولا تسبب وإن أهمل شريك بناء حائط بستان بينه وبين آخر فأكثر، وقد اتفق الشريكان على البناء وبنى شريكه فما تلف من ثمرة البستان بسبب ذلك الإهمال ضمن مهمل حصة شريكه منه لحصول تلفه بسبب تفريطه؛ فإن أهملا البناء فلا ضمان على كل منهما.
مسائل حول امتناع المدين عن أداء ما عليه
س3: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا أحضر مُدّعى عليه مدّعي
به لحمله مؤنة ولم يثبت لمدّع فعلى من مؤنة إحضاره وردّه إلى محله، إذا أبى مدين وفاء ما عليه فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ ومن أول من حبس على الدَين؟ وكيف كان عمل الخصمين قبل ذلك؟ وما الذي يعمل مع محبوس موسر أبى دفع ما عليه؟ وإذا أصر على عدم القضاء فماذا يعمل معه؟ واذكر ما تستحضرهُ من دليل أو تعليل.
ج: إذا أحضر مدعى عليه مدعي به لحمله مؤنة لتقع الدعوى على عينه ولم يثبت المدّعي لزم المدّعى مؤنة إحضاره وردّه إلى محله؛ لأنه ألجأه إلى ذلك فيؤخذ من هذه المسائل الرجوع بالغرم على من تسبب فيه ظلمًا؛ فإن أبى مدين وفاء ما عليه بعد أمر حاكم له بطلب ربه حَبَسَهُ؛ لحديث عمرو بن الشريد عن أبيه مرفوعًا: «لَيُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، قال أحمد: قال وكيع: عرضه شكواه وعقوبته حبسه.
وفي «المغني» : إذا امتنع الموسر من قضاء الدين فلغريمه ملازمته ومطالبته والإغلاظ عليه بالقول، فليقول: يا ظالم يا معتدي ونحوه للخبر وحديث: «إن لصاحب الحق مقالًا» اهـ.
قلت: وفي قوله تعالى: ﴿لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ ما يدل على أنه يجوز لمن ظُلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، وليس للحاكم إخراج المدين من الحبس حتى يتبين له أمره؛ لأن حبسه حكم فلم يكن له رفعه بغير رضا المحكوم له وأول مَن حبس على الدين شريح، وكان الخصمان يتلازمان وتجب تخليَة المحبوس إن بان معسرًا رضي غريمه أولًا فيخرجه منه لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقد ورد في إنظار المعسر أحاديث تدل على عظم فصل إنظاره منها ما ورد عن أبي أُمامة أسعد بن زرارة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر أو يضع عنه» ، وعن بريدة عن أبيه قال:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة» ، قال: سمعتك يا رسول الله تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة» ، قال: «له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدّين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه» . وورد أن أبا قتادة كان له دَين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبيٌ فسأله عنه، فقال: هو في البيت يأكل خزيرة، فناداه، فقال: يا فلان أخرج فقد أخبرت أنك هاهنا فخرج إليه، فقال: ما يُغَيّبُك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء، قال: آلله إنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» رواه مسلم.
وإن برئ المدين من غريمه بوفاء أو إبراء أو حوالة وجب إطلاقه لسقوط الحق عنه، وكذا إن رضي غريمه بإخراجه من الحبس بأن سأل الحاكم إخراجه وجب إطلاقه؛ لأن حَبْسَه حقٌ لربِّ الدين وقد أسقطه وإن أصَر المَدِينُ المليء على الحبس ولم يقبض الدين باع الحاكم ماله وقضى دينه؛ لما ورد عن كعب بن مالك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجر على معاذ ماله وباعه في دَينٍ كان عليه» رواه الدارقطني.
وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابًا سخيًا وكان لا يمسك شيئًا فلم يزل يُدّان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له ماله حتى قام معاذ بغير شيء، رواه سعيد في «سننه» هكذا مرسلًا.
وقال جماعة منهم صاحب الفصول: إذا أصّر على الحبس وصبر عليه ضربه الحاكم، قال في الفصول وغيره: يحبسه؛ فإن أبى عزره، قال: ويكرر حبسه وتعزيره حتى يقضيه.
قال الشيخ: نصَّ عليه الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم ولا أعلم فيه نزاعًا؛ لكن لا يُزاد
في كل يوم على أكثر التعزير إن قيل بتقديره، وقال الشيخ: ومن طولب بأداء حق عليه من دَين أو غيره فطلب إمهالًا بقدر ما يتمكن فيه من الأداء أمهل بقدر ذلك كما تقدم.
مسائل حول عسرة المدين
س4: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: مطالبةُ ذي عسرة بما عجز عنه وملازمته والحجر عليه، إذا ادّعى المدين العسرة ودَينه عن عوض أو عرف له مال سابق أو عن غير عوض، وإذا كان هناك بيّنة فما الذي يعتبر فيها؟ وهل يحلف معها، إذا ادعى تلفًا؟ وما الفرق بين ما إذا شهدت بنحو تلف أو بعسرة ومتى تسمع البيّنة، إذا طلب مدّعي العسرة من الحاكم أن يسأل رب الدين عن عسرته، إذا أنكِر مدّعي عسرته وأقام بيّنة بقدرته على الوفاء أو حلف بحسب جوابه، ما بذله الغريم للمحبوس، إنكار المعسر وحلفه، إذا سأل غرماؤه مَن له مال لا يفي بدينه أو سأل بعضهم الحاكم الحجر عليه، إظهار حجرِ سَفَهٍ وفلس والإشهاد على الحجر، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: وتحرم مطالبة ذي عسرة بما عجز عنه وتحرم ملازمته والحجر عليه إن كان عاجزًا عن وفاء شيء منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الذي أصيب في ثماره: «خذوا ما وجدتن وليس لكم إلا ذلك» رواه مسلم.
قال ابن القيم: ولم يحبس النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا يحبس في الدين ولو كان في مقابلته عوض إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل؛ لأن الحبس عقوبة والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها
وهي من جنس الحدود، ولا يجوز إيقاعها بالشبهة، بل يتثبت الحاكم
ويتأمل حال الخصم ويسأل عنه؛ فإن تبيّن له مطله وظلمه
ضربه إلى أن يوفي أو حبسه ولو أنكر غريمه إعساره؛ فإن عقوبة المعذور شرعًا ظلم وإن لم يتبيّن له من حاله شيء أخّره حتى يتبين له حاله وإن ادّعى المدين العسرة ولم يصدقه ربُّ الدين ودينه عن عوض كثمن مبيع وبدل قرض أو عرف له مال سابق، والغالب بقاؤه أو كان دينه عن غير عوض مالي كمهر وعوض خلع وأرش جناية وضمان وقيمة متلف ونفقة زوجة، وكان المدين أقرّ أنه مليء حبس؛ لأن الأصل بقاء المال ومؤاخذة له بإقراره إلا أن يقيم المدين بيّنة بإعساره ويعتبر في البينة الشاهدة بإعْسَارِهِ وأن تخبر باطن حاله؛ لأن الإعسار من الأحوال الباطنة التي لا يطلع عليها في الغالب إلا المخالط، وهذه الشهادة وإن كانت تتضمن النفي فهي تثبت حالة تظهر وتقف عليها المشاهدة وهي العسرة بخلاف ما لو شهدت أنه لا حق له؛ فإنه مما لا يوقف عليه ولا يحلف المدين مع البينة الشاهدة بإعساره لما فيه من تكذيب البيّنة أو أن يدعي تلفًا لما له أو نفاد ماله في نفقة أو غيرها ويقيم بيّنة بالتلف ونحوه ولا يعتبر فيها أن تخبر حاله؛ لأن التلف يطلع عليه مَن خَبَرَ بَاطن حاله وغيره ويحلف المدين مع البيّنة الشاهدة بتلف ماله ونحوه إن طلب رب الحق يمينه؛ لأن اليمين على أمر محتمل غير ما شهدت به البينة، والفرق أن بينة المعسر إن شهدت بنحو تلف حلف معها ولم يعتبر فيها خبرة الباطن، وإن شهدت بعسرة اعتبر فيها خبرة الباطن ولم يحلف معها ويكتفي في الشهادة بعسرته اثنين كالنكاح والرجعة ويكفي في الإعسار أن تشهد به، وفي التلف أن تشهد به فلا يعتبر الجمع بينهما وتسمع بينة الإعسار والتلف ونحوه قَبْل حبْسٍ كما تُسمع بَعد الحبس؛ لأن كل بيّنة جاز سماعها بعد مدة جاز سماعها في الحال وإن سأل مدع حاكمًا تفتيش مدين مُدعيًا أن المال معه لزمه إجابته، أو إلا أن يسأل مدين سؤال مدع عن حاله ويصدقه مدع على عسرته فلا يحبس في المسائل الثلاث.
وهي ما إذا أقام بينة بعسرته أو تلف ماله ونحوه أو صدقه مدع على ذلك، وإن أنكر مدّع عسرته وأقام بيّنة بقدرة المدين على الوفاء ليُسقط عنه اليمين حبس أو حلف مدع بحسب جوابه للمدين حبس المدين حتى يبري أو تظهر عسرته، وإن لم يكن دينه عن عوض كصداق ولم يعرف له مال الأصل بقاؤه ولم يقرّ أنه مليء ولم يحلف مدّع طلب يمينه أن لا يعلم عسرته حلف مدين أنه لا ماله وخلى سبيله؛ لأن الحبس عقوبة ولا يعلم له ذنب يعاقب به ولا يجب الحبس بمكان معين، بل المقصود تعويقه عن التصرف حتى يؤدي ما عليه ولو في دار نفسه بحيث لا يمكن من الخروج، وفي «الاختيارات» : ليس له إثبات إعساره عند غير من حبسه بلا إذنه وليس على محبوس قبول ما يبذله غريمه مما عليه مِنَّةٌ كغير المحبوس وإن قامت بيّنة بمعين لمدين فأنكر ولم يقربه لأحد أو أقربه لزيد مثلًا فكذبه قضى منه دين وإن صدقه زيد أخذه بيمين ولا يثبت الملك للمدين؛ لأنه لا يدعيه.
قال في «الفروع» :
وظاهر هذا أن البينة هنا لا يعتبر لها تقدم دعوى وإن كان له بيّنة قدمت لإقرار رب اليد وإن أقر به لغائب، فقال ابن نصر الله: الظاهر أنه يقضي منه دينه؛ لأن قيام البينة به له تكذبه في إقراره مع أنه متهم فيه وحرم إنكاره معسر وحلفه لا حق له، ولو تأول كقوله لا حق علي الآن لظلمه ربُّ الدين فلا ينفعه التأويل.
وفي «الإنصاف» : لو قيل بجوازه إذا تحقق ظلم ربّ الحق له وحبسه ومنعه من القيام على عياله لكان له وجه.
اهـ.
وفي «الرعاية» : والغريب العاجز عن بيّنة إعساره يأمر الحاكم مَن يَسأل عنه، فإذا ظن السائل إعساره شهد به عنده.
قال في «الإنصاف» : وقال الشيخ تقي الدين: إن ضاق ماله عن ديونه صار محجورًا عليه بغير حكم حاكم، وهو رواية عن أحمد.
وهذا القول أرجح وأقرب إلى الصواب فيما أرى.
والله أعلم.
وإن سأل الحاكم غرماء من له مال لا يفي بدينه الحال
الحجر عليه أو سأله بعضهم الحجر على المدين لزم الحاكم إجابتهم وحجر عليه؛ لحديث كعب بن مالك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجر على معاذ وباع ماله» رواه الخلال.
فإن لم يسأل أحد منهم لم يحجر عليه ولو سأله المفلس ويُسن إظهار حجر سفه وفلس ليعلم الناس حالهما فلا يعاملان إلا على بصيرة وسُنّ الإشهاد على الحجر؛ لذلك ليثبت عند من يقوم مقام الحاكم ولو عزل أو مات فيضمنه ولا يحتاج إلى ابتداء حجر ثان.
من النظم فيما بكتاب الحجر
وللحجر أسباب ثمانية أتت ... تفرع من ضربين عند التفقدِ فحجر لحق الغير كالمفلس الذي ... يَهَي ماله عن دينه الحال فاشهدِ فلا تطلبنّ شخصًا بدِينٍ مؤجلٍ ... ولا تحجرن من أجله وتَقَيَّدِ سوى راحلٍ حَلَّ الوَفَا قبل عوده ... كغازٍ وإلا لا وعنه إن تشا اصددِ إذا لم يوثق بالضمين ورهنه ... ومِنْ قَادرٍ يقضي فإن يأب يضهد بحبس فإن يصبر فبع واقض قد قضى ... ديون معاذ أحمد فيه اقتدى وعنه بإفلاس وموت يحل ما ... تأجل إلا أن يوثق ذو اليد بمحرز دَين أو بمقدار إرثه ... وعنه بلا شرط وعنه إن يُلحَّدِ وما كان للناوي وللمفلسين من ... مؤجل دَين لم يحل بما ابتدى وأن يدع الإعسار من كان موسرًا ... ومعتاض دَين عن ديون فقيد إلى أن يقيم الشاهدين بما ادّعى ... ويحلف إن يثبت توى ماله قد وإن يثبت الإعسار لا تحلفنه ... إذا أخبروا في الباطن العسر قيد وعن أحمد الإعسار بعد الغنى فلا ... تثبته إلا مع ثلاثة شهد ويسمع قبل الحبس فيه وبعده ... بعسرته قول الشهود فسدد وإن لم يكن ذا الدَين عوض ولم ... يكن يسار قيل احلف وشردِ
وما يتصرف قبل حجر فامضه ... بغير خافٍ عند أصحاب أحمد وإن يعترف من قبل حجر بما حوى ... لهذه فتكذبه فمن ماله أعدد وذاك لهند إن تصدّق وإن تشا الغريم ... يحلف هند لا صاحب السيد
الأحكام التي تتعلق بالحجر على المفلس
س5: كم الأحكام التي تتعلق بالحجر على المفلس؟ وما حكم إقرار المفلس على ماله؟ وما حكم تصرفه في ماله ببيع أو غيره؟ وبأي شيء يُكفر المفلس والسفيه وجه ذلك؟ وما حكم تصرف محجور عليه لفلس في ذمته وإذا جنى محجور عليه لفلس فهل يشارك المجني عليه الغرماء؟ وما الذي يتعلق به الحجر؟ وهل يتبع محجور عليه بما لزمه في ذمته بعد الحجر؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.
ج: يتعلق بحجر على مفلس أربعة أحكام أحدُها تعلق حق غرمائه بماله الموجود والحادث بنحو إرث؛ لأنه يباع في ديونهم فتعلقت حقوقهم به كالرهن مَن سأل الحجر وغيره فلا يصح أن يقربه المفلس على الغرماء ولو كان المفلس صانعًا كقصار وحائك وأقر بما في يده من المتاع لأربابه لم يقبل ويباع حيث لا بيّنة ويقسم ثمنُهُ بين الغرماء ويتبع به بعد فك الحجر عن، ولا يصح أن يتصرف فيه المفلس بغير تدبير ووصية؛ لأنه لا تأثير لذلك إلا بعد الموت وخروجها، من الثلث؛ ولأن المدر يصح بيعه ولا يعتق إلا إذا خرج من الثلث بعد وفاء الديون.
وفي «المستوعب» : وغيْر صدَقَةٍ بتافهٍ فيصح زاد في «الرعاية» بشرط أن لا يضر.
قال في «الإنصاف» : قلت إذا كانت العادة مما جرت به وتسومح بمثله فينبغي أن يصح تصرفه فيه بلا خلاف.
وفي «شرح المنتهى» : والمراد تصرفًا مستأنفًا كبيع وهبة ووقف وعتق وصداق ونحوه؛ لأنه محجور عليه فيه أشبه الراهن يتصرف في الرهن؛ ولأنه متهم في
ذلك؛ فإن كان التصرف غير مستأنف كالفسخ لعيب فيما اشتراه قبل الحجز أو الإمضاء أو الفسخ فيما اشتراه قبله بشرط الخيار، صح؛ لأنه إتمام لتصرف سابق حجره فلم يمنع منه كاسترداد وديعة أودعها قبل حجره، ولا يتقيد بالأحظ وتصرفه قبل الحجر عليه صحيح ولو استغرق دَينه جميع ماله؛ لأنه رشيد غير محجور عليه؛ ولأن سبب المنع الحجر فلا يتقدم سببه ويحرم إن أضر بغريمه، وقيل: لا ينفذ تصرفه ذكره الشيخ تقي الدين وحكاه رواية واختاره، وسأله جعفر من عليه دَين يتصدق بشيء؟ قال: الشيء اليسير، وقضاء دَينه أوجب عليه.
قلت: وهذا القول هو الصواب خصوصًا وقد كثرت حيل الناس، وجزم به في القاعدة الثالثة والخمسين، انتهى من «الإنصاف» .
وقال ابن القيم: إذا استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون سواء حجر عليه الحاكم أو لم يحجر عليه، هذا مذهب مالك، واختاره شيخنا وهو الصحيح، وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلق بماله، ولهذا يحجر عليه الحاكم، ولولا تعلق حق الغرماء بماله لم يسع الحاكم الحجر عليه فصار كالمريض مرض الموت، وفي تمكين هذا المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء والشريعة لا تأتي بمثل هذا؛ فإنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها.
اهـ. ولا يصح أن يبيع المفلس ماله لغرمائه كلهم أو بعضهم بكل الدَين؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه فلم يصح بيعه، كما لو باعه بأقل من الدين؛ ولأن الحاكم لم يحجر عليه إلا لمنعه من التصرف والقول بصحة التصرف يبطله، وهذا بخلاف بيع الرهن للمرتهن؛ لأنه لا نظر للحاكم فيه بخلاف مال المفلس لاحتمال غريم غيرهم وعليه، فلو تصرف في استيفاء دين أو المسامحة فيه ونحوه بإذن الغرماء لم يصح ونقل المجدّ في شرحه أن كلام القاضي وابن عقيل يدل على صحته
ونفوذه ويكفّر المفلس بصوم لئلا يضر بغرمائه ويكفّر سفيه بصوم لا يعتق وجوبًا، وقيل: إن السفيه الغني يكفّر بالمال كغيره؛ لعموم الأدلة.
وهذا القول هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
وعَلَّلَ أهل القول الأول بقولهم؛ لأن إخراجها من ماله يضر به وللمال المكفر به بدل وهو الصوم فرجع إليه، كما لو وجبت الكفارة على من لا مال له إلا إن فك حجره وقدر على ما يكفّر به قبل تكفيره، فكموسر لم يحجر عليه قبل ذلك فيكفّر بالعتق؛ لأن العبرة في الكفارات وقت الأداء على قوله مرجوح، ويخير من أيسر قبل تكفيره بين فعل العتق والصوم، إذ المعتبر في الكفارات وقت الوجوب، وإن تصرف محجور عليه لفلس في ذمته بشراء أو إقرار ونحوهما كإصداق وضمان، صح؛ لأهليته للتصرف والحجر يتعلق بماله لا بذمته ويتبع محجور عليه لفلس بما لزمه في ذمته بعد الحجر عليه بعد فك الحجر عنه؛ أنه حق عليه منع تعلقه بماله لحق الغرماء السابق عليه، فإذا استوفى فقد زال المعارض وعلم منه أنه لا يشارك الغرماء سواء علم من عامله بعد الحجر أنه محجور عليه أم لا، إلا أن الجاهل يرجع بعين ما باعه أو نحوه بشروطه الآتية، وإن جنى محجور عليه لفلس جناية توجب مالًا أو قصاصًا واختير المال شارك مجني عليه الغرماء لثبوت حقه على الجاني بغير اختيار المجني عليه ولم يرض بتأخيره كالجناية قبل الحجر وقدم مَن جنى عليه من قن المفلس بالقن الجاني لتعلق حقه بعينه، والمراد بلا إذن السيد أو به حيث علم التحريم وعدم وجوب الطاعة وإلا فيذمه سيد فيكون أسوة الغرماء كما لو جنى السيد نفسه.
الحكم الثاني من وجد عين ماله عند من أفلس
س6: الحكم الثاني مَنْ وجد عين ماله عند من أفلس تكلم عنها بوضوح، وبين حكم ما إذا قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها أو بدلها غريمٌ أو خرجت وعادت في ملكه، وكم الشروط المشترطة لرجوع مرة وجد عين ماله عند مرة أفلس وإذا اختلطت بغيرها أو تغيرت أو تعلق بها حق أو زادت أو نقصت فما الحكم؟ وبأي شيء يكون الرجوع بها؟ وإذا رجع بما أبق أو شبهه بغيره أو فيما ثمنه مجل أو صيدٍ وهو مُحرمٌ، فما الحكم؟ وما الذي لا يمنعُ الرجوع فيها؟ وإذا كان المبيع أرضًا وفيها غراس أو زرع ورجع رب الأرض فيها، فما الحكم؟ وبين ما يترتب على ذلك من الصور والاختلاف والأحكام.
واذكر ما يتعلق بذلك من قيود أو محترزاتٍ أو إلزاماتٍ أو ضمانٍ أو موتٍ أو دليلٍ أو تعليلٍ أو تفصيلٍ أو خلافٍ مع الترجيح لأحد القولين.
ج: الحكم الثاني: أن من وجد عين ما باعه للمفلس أو عين ما أقرضه له أو عين ما أعطاه له رأس مال سلم فهو أحق بها أو وجد شيئًا أجره للمفلس ولو كان المؤجر للمفلس غريمُ المفلس ولم يمض مِن مدة الإجارة زمنٌ له أجرة فهو أحق به وإن مضى من المدة شيء فلا فسخ تنزيلًا للمدة منزلة المبيع ومضى بعضها كتلف بعضه، وكذا لو استؤجر لعمل معلوم؛ فإن لم يعمل منه شيئًا فله الفسخ، وإلا فلا أوجد نحو ذلك كشقص أخذه المفلس منه بالشفعة ولو كان بيعه أو قرضه ونحوه بعد حجره جاهلًا بالحجر البائع أو المقرض أو نحوهما فواجد عين ماله فمن تقدم أحق بها؛ لما ورد عن الحسن عن سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن وجَدَ مَتَاعَه عند مفلس بعينه فهو أحق به» رواه أحمد.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو إنسان قد أفلس هو أحق به من غيره» رواه الجماعة.
وفي لفظ: قال في الرجل الذي يُعْدِم إذا وجد عنده المتاع ولم يُفرقهُ: «إنه لِصَاحِبِه الذي باعَه» رواه مسلم والنسائي.
وفي لفظ: «أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا فهو له» رواه أحمد.
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعهُ من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به» الحديث رواه مالك في «الموطأ» ، وبه قال عثمان وعليّ، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خالفهما؛ وأما من عامله بعد الحجر جاهلًا فلأنه معذور وليس مقصر بعدم السؤال عنه؛ لأن الغالب على الناس عدم الحجر؛ فإن علم بالحجر فلا رجوع له فيها لدخوله على بصيرة ويتبع ببدلها على فك الحجر عنه، وحيث كان ربها أحقٌّ بها؛ فإنه يقدم بها، ولو قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها، لم يلزم قبوله وله أخذ سلعته نصًا؛ لعموم الخبر؛ فإن بذل الغرماء لصاحب السلعة التي أدركها ربها بيد المفلس الثمن من أموالهم أو خصّوه بثمنها من مال المفلس ليتركها لم يلزم ربّ السلعة قبوله ولو أخذها؛ لعموم ما سبق.
وقيل: إنه إذا حصل له ثمن سلعته على أي وجه كان لم يكن له أخذها؛ لأن الشارع إنما خصّه وجعل له الحق في أخذها خوفًا من ضياع ماله فينظر إلى المعنى الشرعي، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
وإن دفع الغراء إلى المفلس الثمن فبذله المفلس لربِّ السلعة لم يكن له الفسخ واستقر البيع لزوال العجز عن تسليم الثمن فزال ملك الفسخ كما لو أسقط الغرماء حقهم عنه أو وُهِبَ له مالٌ فأمكنه الأداء منه أو غلت أعيان ماله فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء بحيث يمكنه أداء الثمن كله وهو أحق بها إن شاء ولو بعد خروجها عن
ملك المفلس وعودها إليه بفسخ أو شراء أو نحو ذلك، كإرث وهبة ووصية، فلو اشتراها المفلس ثم باعها ثم اشتراها فهي لأحد البائعين بقرعة فأيهما قرع كان أحق بها؛ لأنه يصدق على كل منهما أنه أدرك متاعهُ عند من أفلس فتقديم أحدهما ترجيح بلا مرجح فاحتجنا إلى تمييزه بالقرعة؛ فإن ترك أحدُهما فللثاني الأخذ بلا قرعة ولا تقسم بينهما لئلا يفضي إلى سقوط حقهما من الرجوع فيها، فلا يقال كل من البائعين تعلق استحقاقه بها، بل يقال: أحدهما أحق بأخذ لا بعينه فيميز بقرعة والمقروع أسوة الغرماء، وقيل: إنها للبائع الثاني، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
ومن قلنا إنه أحق بمتاعه الذي أدركه له تركه والضرب أسوة الغرماء –وشُرط لرجوع من وجد عين ماله عند من أفلس ستة شروط: واحد في المفلس: هو كونه حيًا، وواحد في العوض، وأربعة في العين، وزاد في «الإقناع» سابعًا: وهو كونه صاحب العين حيًا، وقال به جمع منهم صاحب «الترغيب» و «الرعاية الكبرى» ، وقدمه في «الرعاية الصغرى» و «الفائق» ، والزركشي، و «التلخيص» .
أحدُها: كون مفلس حيًا إلى أخذها؛ لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رجل باع متاعه فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصحب المتاع أسوة الغرماء» رواه مالك وأبو داود مرسلًا، ورواه أبو داود مسندًا، وقال: حديث مالك أصح؛ ولأن الملك انتقل إلى الورثة أشبه لما لو باعه.
والشرط الثاني: بقاء كل عوض العين في ذمة المفلس للخبر، ولما في الرجوع في قسط باقي العوض من التشقيص وأضرار المفلس والغرماء لكونه لا يرغب فيه كالرغبة في الكامل.
والثالث: كون السلعة في ملك المفلس فلا رجوع إن تلف بعضها أو بيع أو وقف أو نحوه؛ لأن البائع ونحو لم يدرك متاعه، وإنما أدرك بعضه
ولا يحصل له بأخذ البعض فصل الخصومة وانقطاع ما بينهما وسواء رضي بأخذ الباقي بكل الثمن أو بقسطه لفوات الشرط إلا إذا جمع العقد عددًا كثوبين فأكثر فيأخذ بائع ونحوه مع تعذر بعض المبيع ونحوه بتلف إحدى العينين أو بعضه ما بقي من العين السالمة؛ لأن السالم من العينين وجده ربه بعينه فيؤخذ؛ لعموم الخبر، أو لا يجمع العقد عددًا لكن كان المبيع ونحوه مكيلًا أو موزونًا كقفيز بر وقنطار حديد تلف بعضه فيأخذ بائع ونحوه مع تعذر بعض المبيع ونحوه بتلف أحد العينين أو بعضه ما بقي؛ لأن السالم من البيع وجده البائع بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به.
وهذا بخلاف ما لو كانت العينان بحالها فقبض من الثمن مقدار ثمن أحدهما؛ فإنه يمنع الرجوع في العينين أو في إحداهما، والفرق أن المقبوض من الثمن يقسط على المبيع فيقع القبض من ثن كل واحدة بخلاف التلف؛ فإنه لا يلزم من تلف إحداهما تلف شيء من الأخرى.
والرابع: كون السلعة بحالها، ومعنى ذلك بأن لم تنقص ماليتها لذهاب صفة من صفاتها مع بقاء عينها بأن لم توطأ بكر ولم يجرح قن جرحًا تنقص به قيمته؛ فإن وطئت أو جرح فلا رجوع.
وقيل: لا يمنع الرجوع؛ لأنه فقد صفة فأشْبه نسيان الصنعة واستخلاق الثوب، فإذا رجع نظرنا في الجرح؛ فإن كان ممالًا أرش له كالحاصل بفعل الله تعالى أو فعل بهيمة أو جناية المفلس أو جناية عبده أو جناية العبد على نفسه فليس له مع الرجوع أرش، وإن كان الجرح موجبًا لأرش كجناية الأجنبي فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من الثمن فينظركم نقص من قيمته فيرجع بقسط ذلك من الثمن؛ لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس؛ لأن عين ماله باقية لم تتلف.
والله أعلم.
ويكون صاحب الحين أسوة الغرماء عند من لم ير الرجوع لما تقدم، وبأن لم تختلط بغير متميز؛ فإن خُلِطَ زيتٌ بزيت
ونحوه فلا رجوع؛ لأنه لم يجد عين ماله بخلاف خلط بر بحمص فلا أثر له.
قال في «الإنصاف» : قال الزركشي، وقد يقال: ينبني على الوجهين في أن الخلط هل هو بمنزلة الإتلاف أم لا؟ ولا نسلم أنه لم يجد عين ماله، بل وجده حكمًا.
انتهى.
قلت: الصحيح من المذهب أن الخلط ليس بإتلاف وإنما هو اشتراك على ما يأتي بكلام المصنف في باب الغصب في قوله: وإن خلط المغصوب بماله على وجه لا يتميز.
اهـ. (5/290) .
وقال مالك: يأخذ زيته، وقال الشافعي: إن خلط بمثله أو دونه لم يسقط الرجوع، وله أن يأخذ متاعه بالكيل أو الوزن، وإن خلطه بأجود، ففيه قولان: أحدهما: يسقط حقه من العين، قال الشافعي: وبه أقول، واحتجوا بأن عين ماله موجودة من طريق الحكم فكان له الرجوع، كما لو كانت منفردة؛ ولأنه ليس فيه أكثر من اختلاط ماله بغيره فلم يمنع الرجوع كما لو اشترى ثوبًا فصبغه أو سويقًا ففته.
اهـ من «المغني» (5/527) . وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
وإن اشترى حنطة فطحنها أو زرعها أو دقيقًا فخبزه أو زيتًا فعمله صابونًا أو ثوبًا فقطعه قميصًا أو غزلًا فنسجه ثوبًا أو خشبًا فنجره أبوابًا أو شريطًا فعمله إبرًا أو شيئًا فعمل به ما أزال اسمه سقط حق الرجوع، وقال الشافعي: فيه قولان: أحدهما – وبه أقول: يأخذ عين ماله ويعطي قيمة عمل المفلس فيها؛ لأن عين ماله موجودة وإنما تغير اسمها فأشبه ما لو كان المبيع حملًا فصار كبشًا أو وديًا فصار نخلًا، وهذا القول هو الذي يترجح عندي؛ لأنه وجد عين ماله.
والله أعلم.
وإن كان حبًا فصار زرعًا أو زرعًا فصار حبًا أو نوى فنبت شجرًا أو بيضًا فصار فراخًا سقط حق الرجوع، وقيل: لا يسقط وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي المنصوص عليه منهما؛ لأن الزرْعَ نفس الحَب والفرخ نفس البيضة، وهذا القول أيضًا هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
والخامس: كون السلعة لم يتعلق بها حق كشفعة إذا كان قبل الطلب وأما بعده فقد دخل في ملك الشفيع به؛ فإن تعلق بها حق شفعة فلا رجوع لسبق حق الشفيع ثبت بالبيع وحق البائع ثبت بالحجر والسابق أولى، قال في «الفروع» : فله أسوة الغرماء في الأصح، وقيل: لا يمتنع الرجوع، وقيل: الشفيع أحق به، وقيل: إن طالب الشفيع امتنع وإلا فلا والذي يترجح عندي أن له الرجوع لعموم الخبر.
والله أعلم.
وإن كان المبيع عبدًا فجنى ثم أفلس المشتري فالبائع أسوة الغرماء؛ لأن الرهن يمنع الرجوع وحق الجناية مقدم عليه فأولى أن يمنع.
وقيل: له الرجوع؛ لأنه حق لا يمنع تصرف المشتري فيه بخلاف الرهن فعلى المذهب حكمه حكم الرهن، وعلى الثاني هو مخير إن شاء رجع فيه ناقصًا بإرش الجناية وإن شاء ضرب بثمنه مع الغرماء؛ فإن رهن المفلس المبيع ثم حجر عليه؛ فإنه يُقدم حق بالمرتهن على حق البائع فلا رجوع لربّه فيه؛ لأن المفلس عقد قبل الحجر عقدًا منع به نفسه من التصرف فيه فمنع باذله بالرجوع فيه كالهبة؛ ولأن رجوعه إضرار المرتهن ولا يزال الضرر بالضرر؛ فإن كان دَين المرتهن دون قيمة الرهن بيع كله ورد باقي ثمنه في المقسم وإن بيع بعضه لوفاء الدين فباقيه بين الغرماء وإن أسقط الحق ربه كإسقاط الشفيع شفعته وَوَلي الجناية أرشها وردّ المرتهن الرهن فكما لو لم يتعلق بالعين حق فلربما أخذها لوجدانها بعينها خالية من تعلق حق غيره بها.
السادس: كون السلعة لم تزد زيادة متصلة كسمن وتعلم
صنعة ككتابة ونجارة ونحوها، وتجدد حمل في بهيمة؛ فإن زادت كذلك لا رجوع؛ لأن الزيادة للمفلس لحدوثها في ملكه فلم يستحق ربّ العين أخذها كالحاصلة بفعله؛ ولأنها لم تصل إليه من البائع فلم يستحق
أخذها منه كغيرها من أمواله، ويفارق الردّ بالعيب؛ لأنه من المشتري
فقد رضي بإسقاط حقه من الزيادة والخبر محمول على
من وجد متاعه على صفته ليس بزائد لتعلق حق الغرماء بالزيادة، وروي عن الإمام أحمد أنها لا تمنع وهو مذهب مالك والشافعي؛ لأن مالكًا يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به واحتجّوا بالخبر وبأنه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة فلم تمنع المتصلة كالردّ الغيب.
وهذا القول الذي يترجح عندي لما تقدم، ولأنها زيادة لا تتميز فتبعت الأصل.
والله أعلم.
ولا يُمنع الرجوع الحمل، إن ولدت البهيمة عند المفلس؛ لأنه زيادة منفصلة ككسب العبد ويصح رجوع المدرك لمتاعه عند المفلس بشرطه بقول كرجعت في متاعي أو أخذته أو استرجعته أو فسخت البيع إن كان مبيعًا أو متراخيًا كرجوع أبٍ في هبة فلا يحصل رجوعه بفعل كأخذ العين ولو نوى به الرجوع بلا حاكم لثبوته بالنص كفسخ المعتقة ورجوعُ من أدرك متاعه عند المفلس فسخ، وقد لا يكون ثم عقد يفسخ كاسترجاع زوجٍ الصداق إذا انفسخ النكاح على وجه يسقط قبل فلس المرأة وكانت باعته ونحوه ثم عاد إليها وإلا فيرجع إلى ملكه قهرًا حيث استمر في ملكها بصفته ولا يفتقر الرجوع إلى شروط البيع من المعرفة والقدرة على التسليم؛ لأنه ليس ببيع فلو رجع فيمن أبق صحّ رجوعه وصار الآبق للراجع في متاعه؛ فإن قدر الراجح على الآبق أخذه، وإن عجز عنه أو تلف بموت أو غيره فهو من ماله، أي: الراجح لدخوله في ملكه بالرجوع وإن بان تلفه حين رجع بأن تبين موته قبل رجوعه ظهر بطلان استرجاعه لفوات محل الفسخ ويضرب له بالثمن مع الغرماء وإن رَجَعَ بشيء اشتبه بغيره بأن رجع في عبده مثلًا
وله عبيد واختلفَ المفلسُ وربهُ فيه قُدَّمَ تعيين مفلس؛ لأنه ينكر دعوى الراجع إستحقاق الرجوع معه، ومن أراد الرجوع في مبيع ثمنه مؤجل أو في صيد وهو محرم لم يأخذ ما ثمنه مؤجل قبل حلول.
قال أحمد: يكون ماله موقوفًا إلى أن يحل دينه فيختار الفسخ أو الترك فلا يباع في
الديون الحالة لتعلق حق البائع بعينه، وقيل: له أخذه في الحال؛ لأنه إنما يرجع في المبيع فأي موجب لتأخيره وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ولا يأخذ المحرم الصيد حال إحرامه؛ لأن الرجوع فيه تمليك له ولا يجوز مع الإحرام كشراء له؛ فإن كان البائع حلالًا والمفلس محرمًا لم يمنع بائع أخذه؛ لأن المانع غير موجود فيه ووقف الصيد إلى أن يحل؛ لأنه لا يدخل في ملكه بغير إرث ولو تلف ما ثمنه مؤجل قبل حلول أجله فمن ضمان مفلس ولا يمنع الرجوع نقص سلعة كهزال ونسيان صنعة ومرض وجنون ونحوه، وتزويج أمة؛ لأنه لا يخرجه عن كونه عين ماله ومتى أخذه ناقصًا فلا شيء له غيره وإلا ضرب بثمنه مع الغرماء ولا يمنعه صبغُ ثوبٍ أو قصرهُ أولتّ سويقٍ بدهنٍ لبقاء العين قائمة مشاهدةً لم يتغير اسمُها ويكون المفلس شريكًا لصاحب الثوب والسويق بما زاد عن قيمتها ما لم ينقص الثوب بالصبغ أو القصارة؛ فإن نقصت قيمته لم يرجع؛ لأنه نقص بفعله فأشبه إتلاف البعض، ورد هذا التعليل في «المغني» : بأنه نقص صفة فلا يمنع الرجوع كنسيان صنعة وهزال.
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لأنه وجد عين ماله.
والله أعلم.
ولا رجوع في صبغٍ صُبغ به ولا زيت وُلتَّ به ولا مسامير سمر بها بابًا ولا حجر بُني عليه ولا في خشب سُقِّفَ به وسواءٌ كان الصبغ من رب الثوب أو غيره فيرجع بالثوب وحده ويضربُ مع الغرماء بثمن الصبغ والمفلس شريك بزيادة الصبغ، ولا يمنعُ الرجوع زيادة منفصلة كثمرة وكسبٍ وولدٍ نقص بها البيع أو لم ينقص إذا كان نقص صفة لوجدانه عين ماله لم تنقص عينها ولم يتغير اسمها، والزيادة قيل: إنها لبائع في ولد جارية ونتاج الدابة.
قال الإمام في رواية حنبل: في ولد الجارية ونتاج الدابة هو للبائع، وهذا المذهب اختاره أبو بكر والقاضي في «الجامع» والخلاف جزم به في «المنور» ، و «منتخب الآدمي» وقدّمه في «المستوعب» ،
و «الخلاصة» ، و «التخليص» ، و «المحرر» ، و «المحاويين» ، و «الفروع» ، و «الفائق» . وقيل: إن الزيادة المنفصلة للمفلس، اختاره ابن حامد وغيره، وصححه في «المغني» ، و «الشرح» لأنها حصلت في ملكه يُؤيده الخراجُ بالضمان، قال في «المغني» : يحمل كلام أحمد على أنه باعهما في حال حملهما فيكونان مبيعين؛ ولهذا خص هذين بالذكر، قال: ولا ينبغي أن يقع في هذا خلاف، والذي تميل إليه النفس أن الزيادة المنفصلة للمفلس.
والله أعلم.
ولا يمنع رجوعه غرسُ أرض أو بناءٌ فيها لإدراك متاعه بعينه كالثوب إذا صبغ، وكذا زرع أرضٍ ويبقى إلى حصادٍ مجانًا بلا أجرةٍ لعدم تعدِّيه، وإذا رجع ربُّ الأرض فيها فله دفعُ قيمة الغراس والبناء فيملكُه، أو قلعه وضمانُ نقصه؛ لأنهما حصلا في ملكه لغيره بحق كالشفيع والمعير إلا أن يختار المفلس والغرماء القلع؛ فإن اختاره ملكه؛ لأن البائع لا حق له في الغراس والبناء فلا يملك إجبار مالكهما على المعارضة عنهما فعلى هذا يلزمهم إذن تسوية الأرض ويلزمهم أرش نقصها الحاصل به؛ لأن ذلك نقص حصل لتخليص ملك المفلس فكان عليه ويضرب بأرش نقص الارض البائع مع الغرماء كسائر ديون المفلس ولبائع الأرض الرجوع فيها، ولو قبل قلع الغراس والبناء ودفع قيمة الغراس والبناء أو قلعه وضمان نقصه وإن امتنع المفلس والغرماء من القلع لم يُجبروا عليه؛ لأنهما وُضعا بحق وإن أبى الغُرماء القلع وأبى البائع دفع القيمة أو أرش نقص القلع سقط الرجوعُ لما فيه من الضرر على المشتري والغرماء والضرر لا يزال بالضرر، ولو اشترى أرضًا فزرعها ثم أفلس بقي الزرعُ مجانًا إلى الحصاد؛ فإن اتفق المُفلسُ والغرماءُ على الترك أو القطع جاز، وإن اختلفوا وله قيمةٌ بعد القطع قُدِّم قول من يطلبه وإن اشترى غراسًا فغرسه في أرضه ثم أفلس، ولم يزد الغراس فله الرجوع فيه؛ فإن أخذه لزمه تسوية الأرض وأرش نقصها وإن بذل الغرماء
والمفلس له القيمة لم يُجبر على قبولها، وإن امتنع من القلع فبذلوا القيمة له ليملكه المفلس وأرادوا قلعه وضمان النقص فلهم ذلك، وكذا لو أرادوا قلعه من غير ضمان النقص في الأصح، قاله في «المبدع» وغيره، وإن أراد بعضهم القلع وأراد بعضهم التبقية قُدِمَ قولُ مِن طلب القلع.
وإن اشترى أرضًا من واحد وغراسًا من آخر وغرسه فيها ثم أفلس ولم يزد فلكل الرجوعُ في عين مالهِ ولصاحب الأرض قلعُ الغراس من غير ضمان؛ فإن قلعهُ بائعهُ لزمهُ تسويةُ الأرض وأرشُ نقصها الحاصل به وإن بذل صاحب الغراس قيمة الأرض لصاحبها لم يجبر على ذلك، وفي العكس إذا امتنع من القلع له ذلك في الأصح, قاله في «المبدع» . وإن مات بائع حال كونه مدينًا فمشترٍ أحق بمبيعه، ولو قبل قبضه؛ لأنه ملكه بالبيع من جائز التصرف فلا يملك أحد منازعه فيه كما لو لم يمت بائعه مدينًا.
من النظم فيما يتعلق بإظهار الحجر على المفلس، وفيما يتعلق فيمن وجد عين ماله عند من أفلس:
وإن شارَبُ الدَين فالحجر لازمٌ
وإظهاره ندب وإشهاد شهد
ومن بعد حجر ماله لحقوقهم
سوى العتق في قول تصرفه اردد
وأرش الذي يجني كسابق دينه
وبع قنه الجاني لخصمً وأفرد
وإن جاد بالمال اليسير فجائز
كذا أجر حمام وفعلٍ معوَّد
وتطليقه من بعده ونكاحه
وإقراره فيما سوى المال جود
وملتزم الأموال في الحجر لازمٌ
له بعد فك الحجر في المتوطد
وما لذوي هذي الحقوق طلابه
إلى أن يفك الحجر من يشأ يقصدِ
وأحكام هذا الفصل تجري جميعها
بحجر سفيهٍ غير دين معدد
ولا حجر في الإفلاس إلا لحاكم
ومع سفه مع فكّ ذا في المجود
وقيل بقسم المال والرشد فكّه
فإن فكّه فالداني أن يبغ يردد
وللأولين أضربٌ بما كان باقيًا
وللآخرين أضربٌ بكل المنقد
ومَن عِند حَيي مُفْلِسٍ يَلْق عينَ ما
له عوضٌ عنه كَمَيْلَ التَّأطُدِ
فإن شاء فليرجع بنور بأجودٍ
كذا إنْ مَاتَ شارٍ قيلَ قَبل التقيدِ
متى لم يزل عن ملكه وصفاته
لديك ولم يعلق بحق مجدّدِ
وإن زال ملك ثم عاد بعد القَوِى
وبالفسخ اقْضِ في ثالثٍ قدِ
ومن باعه مِن بعد حجرٍ بذمةٍ
له الفسخُ مِن جهل وإلّا فلا أشهد
وإن كان مشفوعًا ليأخُذْ بُشْفعةٍ
وقيلَ إن بِقي قبلًا وقيل ليردد
وإن كان عبدًا قد جَنى قبل حجره
فوجهين في عود الذي باع أسند
وليس نماءُ العين مانعُ أخذِها
سِوى ذي اتصالٍ في مقالٍ مُبَعَّدِ
وما قيل لم يمنعْ يكون لُمِفْلِس
يُشارِكُ بالنامِي إذا لم يُفرد
وقال أبو بكر كنص الإمام
ذو انْفصال لبيّاع يعود فبعّد
كصبغ وَلَتَّ للسويق بزيته
وقيل بذا أمنعٍ كالسمين المرددِ
وذا الصبغ لم يرجع وبائعهما معًا
يردهما من بعد صبغ بأجود
وما نقص وصف مع بقا العين مانعًا
ويمنع نقص العين لو بالمعدد
ولا ردّ إن زال إسمه أو بُنَي به
وسمر أو يخلط بمعنى التفرد
ووجهان في نامي الثياب بقصره
وفي حامل بعد الشرا لم تولد
وإن يلق يؤخذ في القوي بقيمة
وإلَّا فبعها معه وأقسمنَّ تسدد
وإن كان موجودًا لدى البيع خذ وإن
كَبُرْ أَو وُلِدْ كالمتصلْ في المجودِ
وإن كان أشجارًا فتفصيل حكمها
بأثمارها فرع مشق التعددِ
وما بعت بالتأجيل قفه لحينه
وقِيل اقبض في الحال غير مفسدِ
وخُذْ أحدَ العبدين إن يَتْوَ وَاحِدٌ
بتقسطه في منتقى قول أحمد
ومن قبل حجر وطؤه البكر مانع
ووجهين إن لم تحمل الثيب أسند
وإن يبن أو يغرس بأرض مفلس
فخذها بما فيها وقيمته اردد
وإن يشأ أرباب الديون ليقلعوا
ويترك من أرض ببعض التحدد
ويخرج وإلّا ردّ من قبل قلعه
فلم يضموا نقصًا كقلع قد ابتدى
وإن منعوا قلعًا ولم يعط قيمة
ففوت رجوع العين في المتجرد
وقد قيل لا تسقط ولكن ليجبروا
على بيع كل ثم قسم بمبعد
وقد قيل لا تسقط ولا تجبرنهم
وكالغرس بعد الفسخ في الموجز اعدد
ما هو الحكم الثالث من الأحكام المتعلقة بحجر المفلس؟
س7: ما هو الحكم الثالث من الأحكام المتعلقة بحجر المفلس؟ وما الذي يلزم الحاكم قبله؟ وما حكم إحضار المفلس عند بيع ماله؟ وما الذي يجب تركه للمفلس؟ وما مقدار النفقة الواجب له ولعياله؟ وكم الثياب التي يكفّن بها إذا مات؟ ومن أين تؤخذ أجرة مُنادٍ وكيّال ووزّان وحمّال وإذا عين المفلسُ إنسانًا وعين الغريمُ آخر فَمَنِ المقدمُ تَعْيينُه؟ وما الذي يبدأ به الحاكم في قسم مال المفلس؟ ولماذا؟ وما الذي يلي الأول وما بعده على الترتيب؟ وتكلم بوضوح عن ما إذا استأجر المفلس عينًا أو أجَّرَ عينًا وعلى التقادير التي تتعلق بها من مضي مدة أو تلف عين أو إنهدامها قبل مضي المدة أو ما إلى ذلك، وعن ما إذا كان في الغرماء من دينه مؤجل وعما إذا ظهر رب دين بعد قسم ماله، فما الحكم؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تفصيل أو خلاف أو ترجيح.
ج: الحكم الثالث من الأحكام المتعلقة بحجره أنه يلزم الحاكم قسم مال المفلس الذي من جنس الدين الذي عليه وأنه يلزمه بيع ما ليس من جنس الدين بنقد البلد أو غالبه رواجًا أو الأصلح الذي من جنس الدين كما تقدم في بيع الرهن وبيعه يكون في سوقه استحبابًا؛ لأنه أكثر لطلاّبه وأحوط ويجوز بيعه في غيره؛ لأن الغرض تحصيل الثمن كالوكالة وربما أدّى الاجتهاد إلى أن بيْعَ الشيء في غير سوقه أصلح من بيعه في سوقه بشرط أن يبيعه بثمن مثله المستقر في وقت البيع فلا اعتبار بحال الشراء أو بأكثر من ثمن مثله؛ فإن باع بدون ثمن لم يجز.
وقال في «شرح الإقناع» : مقتضى ما يأتي في الوكالة أنه
يصح ويضمن النقص.
انتهى.
ويقسم الثمن فورًا؛ لأن هذا جُلُّ المقصود من الحجر عليه وتأخيره مطل وظلم الغرماء، ولمّا حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -
على معاذ باع ماله في دَينه وقسم ثمنه بين غرمائه، وكان شابًا سخيًا، وكان لا يمسك شيئًا فلم يمسك شيئًا فلم يزل يُدان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلَّمه ليُكلم غُرماءهُ، فكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأبوا، فباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماله كله في الدين حتى قام معاذ بغير شيء ويستحب إحضار المفلس عند بيع ماله ليضبط الثمن، ولأنه أعرف بالجيد من متاعه فيتكلم عليه، ولأنه أطيب لنفسه ووكيله كهو، ولا يشترط استئذانه؛ لأنه محجور عليه يحتاج إلى قضاء دينه فجاز بيع ماله بغير إذن كالسفيه.
ويستحب للحاكم أن يحضر الغرماء؛ لأنه لهم وربما رغبوا في شيء فزادوا في ثمنه وأطيب لقلوبهم وأبعد عن التهمة، وربما يجد أحدهم عين ماله فيأخذها، وإن باعه من غير حضورهم كلهم جاز ويأمر الحاكِمُ المفلَّسَ والغرماءَ أن يقيموا مناديًا ينادي على المتاع؛ لأنه مصلحة؛ فإن تراضوا بثقة أمضاه الحاكم، وإن تراضوا بغير ثقة ردّه بخلاف المرهون إذا أنفق الراهن والمرتهن على غير ثقة لم يكن له ردّه والفرق أن للحاكم هنا نظرًا؛ إنه قد يظهر غريم آخر وإن اختار المفلس رجلًا ينادي واختار الغرماء آخر أقر الحاكم الثقة من الرجلين؛ فإن كان ثقتين قدّم الحاكم المتطوع منهما؛ لأنه أحظ؛ فإن كانا متطوعين ضم الحاكم أحدهما إلى الآخر جمعًا بين الحقين وإن كان يجعل قُدِمَ أوثُقهُما وأعرفُهُمَا؛ لأنه أنفعُ؛ فإن تساويا في ذلك قدّم الحاكم من يرى منهما؛ لأنه مرجح لأحدهما على الآخر، ويجب على الحاكم أو أمينه أني ترك للمفلس من ماله ما تدعو إليه حاجته من مسكن وخادم صالحين لمثله؛ لأن ذلك مما لا غنى له عنه، فلم يبع في دينه كلباسه وقوته قاعدة المسكن والخادم والمركب المحتاج إليه ليس بغنى فاضل يمنع أخذ الزكاة ولا يجب به الحج والكفارات ولا يوفي منه الديون والنفقات، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد، قال:
أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه» ، فقال لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» . قضية في عين ويحتمل أنه لم يكن له عقار ولا خادم، ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خذوا ما وجدتم» أي ما وجدتم مما تصدّق به عليه، والظاهر أنه لم يتصدّق عليه بدار وهو محتاج إلى سكناها ولا خادم وهو محتاج إليه، وإن كن له داران يستغني بسكنى إحداهما بيعت الأخرى؛ لأن به غنى عن سكناها وإن كان مسكنه واسعًا لا يسكن مثُله في مثلِه بيع واشُتريَ له مسكن مثله وردّ الفضل على الغرماء كالثياب التي له إذا كانت رفيعة لا يلبس مثلُه مثلها تباع ويُشترى له ما يلبسه مثله ويُرد الفضلُ على الغرماء، وإن كانت الثياب إذا بيعت واشترى له كسوة لا يفضل عن كسوة مثله شيء تركته بحالها، وشرط ترك الخادم له أن لا يكون نفيسًا لا يصلح لمثله وإلا بيع واشترى له ما يصلح لمثله إن كان مله يخدم وردّ الفضل على الغرماء؛ فإن كان المسكن والخادم عين مال الغرماء، لم يُترك للمفلس منه شيء، بل مَن وجد عين ماله فهو أحق بها بالشروط السابقة ولو كان المفلس محتاجًا إلى ذلك لعموم ما سبق من الخبر، وقال شريح ومالك والشافعي: تباع دار المفلس التي لا غنى له عن سكناها ويُكتري له بدلها.
اختاره ابن المنذر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال لغرمائه: «خذوا ما وجدتم» .
وهذا ما وجدوه، ولأنه عين ماله المفلس فوجب صرفه في دينه كسائر ماله، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس لعظم خَطر الدين، فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اللهم أني أعوذ بك من الكفر والدين» ، وقال: «فإذا أراد الله أن يذل عبدًا وضعه، وقال: وشهيد البر يغفر له إلا الدين» ، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أُتي بجنازة ليصلي عليها يقول: «هل عليه دَين؟» فإن قالوا: نعم، ولم يخلف
شيئًا، يقول: «صلوا على صاحبكم» الحديث، ويترك الحاكم للمفلس آلة حرفته فلا يبيعها لدعاء حاجته إليها كثيابه ومسكنه؛ فإن لم يكن المفلس صاحب حرفة ترك الحاكم له ما يتجر به لتحصيل مؤنته.
قال ناظم المفردات:
وإن يكن في فلس يباع ... لدَينه العقار والمتاع وماله من حرمة فيدفع ... من ماله إليه ما يبتضع
ويجب للمفلس ولعياله من زوجة وخادم وقريب أدنى نفقة مثلهم من مأكل ومشربٍ وكسوةٍ بالمعروف إلى أن يفرغ من قسمة ماله بين الغرماء إن لم يكن للمفلس كسب يفي بنفقته وكسوته؛ فأمّا إن كان يقدر على التكسب فنفقته في كسبه؛ فإنه لا حاجة في إخراج ماله مع غناه بكسبه وإن كان كسبه دون ذلك كملت من ماله، ويكفّن المفلس إذا مات.
قال في «التيسير نظم التحرير» :
إنْ فَلَّسَ القاضِي مَدِينًا قُدِّمَا
مِن مَالِهِ على جَميع الغُرَمَاء
بمأكلٍ ومَشْربٍ ومَسْكَنٍ
وَمَلْبَسٍ لا مَنْ بِكَسْبِهِ غَنِى
وقَدَّمُوا مؤنَةَ الأمْوَالِ
في بَيْعهَا كأجْرَةِ الدّلاّلِ
وقُدَّمَ المَدِينُ أيضًا بمُؤنْ
عيَالِهِ وبَعْدَ مَوْتٍ بالكفَنْ
ونحوه كأجَرِ حَفْرِ القَبْرِ
ودَينِهِ إن كان قبلَ الحَجْرِ
مَعْ رَهْنِ عَيْنٍ عندَ ربِ الدَّينِ
فَيَستَحِقُ أخْذَ تِلكَ العَيْنِ
وكذا مَن مات من الرجال الذين تلزمه نفقتهم في ثلاثة أثواب بيض من قطن مما كان يلبس في حياته وهو ملبوس مثله في الجمع والأعياد، والمرأة في خمسة أثواب.
وقدم في «الرعاية» : يُكفن في ثوب واحد، وإن تلف شيء من مال المفلس تحت يد الأمين الذي من قبل لحاكم فمن مال المفلس وإن بيع شيء ن ماله وأودع ثمنه فتلف عند المودع من غير تعدّ ولا تفريط فمن ضمان مال المفلس ما تلف؛ لأن نماءه له فتلفه عليه كالعروض ويبدأ الأمينُ ببيع أقله بقاءً وأكثره مؤنةً فيبيعُ أولًا ما يُسرع إليه الفسادُ كالطعام الرطب والفاكهة بأنواعها؛ لأن بقاءه متلفُه بيقين ثم بعده يبدأ ببيع الحيوان؛ لأنه مُعرض للإتلاف ويحتاج إلى مؤنة بقائِه.
ثم بعد ذلك يبدأ ببيع الأثاث؛ لأنه يُخاف عليه ويناله الأذى ثم يُبدأ ببيع العقار؛ لأنه لا يُخاف عليه بخلاف غيره وبقاؤه أشهرُ له وأكثرُ لطلابه والعُهدة على المفلس إذا ظهر مستحقًا فقط ويبيع الأمين بنقد البلد؛ لأنه أصلح؛ فإن كان فيه نقودٌ باع بأغلبها رواجًا؛ فإن تساويا باع بجنس الدين وتقدم في الرهن نظيره ويُعط منادٍ وحافظ لمتاع وحافظٍ للثمن ويُعطى الحمالون أجرتهم من مال المفلس؛ لأنه حقٌ عليه لكونه طريقًا إلى وفاء دينه فمؤنته عليه فتقدّم على ديون الغرماء، ومحل ذلك إن لم يُوجد مُتبرعٌ بالنداء والحملِ والحفظِ؛ فإن وجد تبرع بالنداء قُدِمَ على من يطلب أجرةً ونظيرُ أجرةِ المنادي ونحوه ما يُستدانُ على تركةِ الميت لمصلحة التركة؛ فإنه مُقدمٌ على الديون الثابتة في ذمة الميت ويبدأ عند قسم ماله بالمجني عليه إذا كان الجاني عبدًا لمفلس وسواء كانت الجناية قبل الحجر أو بعده؛
لأن الحق متعلق بعينه يفوت بفواتها بخلاف بقية الغرماء فيدفع الحاكم أو أمينه إلى المجني عليه الأقل من الأرش أو من ثمن الجاني ولا شيء للمجني عليه غير الأقل منهما؛ لأن الأقل إن كان هو الأرش فهو لا يستحق إلا أرش الجناية وإن كان ثمن الجاني فهو لا يستحق غيره؛ لأن حقه متعلق بعينه.
هذا إذا كانت الجناية بغير إذن السيد؛ فإن كانت بإذنه أو أمره تعلقت بذمته فيضرب للمجني عليه بجميع أرشها مع الغرماء، كما لو كان السيد هو الجاني؛ لأن العبد إذا كالآلة، وإن لم يف ثمنهُ بأرش الجناية فلا شيء له غيره ثم يبدأ بمن له رهن مقبوض فيختص بثمنه إن كان قَدْرَ دينه سواء كان المفلس حيًا أو ميتًا؛ لأن حقه متعلق بعين الرهن وذمة الراهن بخلاف الغرماء وإن فضل للمرتهن فضلٌ من دينه ضربَ به مع الغرماء؛ لأنه ساواهم في ذلك وإن فَضَلَ من ثمن الرهن فَضْلٌ عن دَينه رُدَّ على المال ليُقْسمَ بين الغرماء؛ لأنه انفكّ من الرهن بالوفاء فصار كسائر مال المفلس، ثم يُبدأ بمن له عينُ مالٍ فيأخذه بشروطه لما تقدم أو له عين مؤجرة استأجرها المفلسُ منه ولم يمض من مدتها شيءٌ فيأخذها؛ لأن حقه متعلق بالعين والمنفعة وهي مملوكة له في هذه المدة، وكذا مؤجر نفسه للمفلس ثم حُجِرَ عليه قبلَ أن يمضي من مدة الإجارة شيءٌ فله فسخُ الإجارة لدخوله فيما سبق.
وإن بطلت الإجارة في أثناء المدة بأن ماتت العين التي استأجرها من المفلس وعجّل له أجرتها ضرب للمستأجر مع الغرماء بما بقي له من الأجرة التي عجّلها كسائر الديون إن لم تكن عين الأجرة باقية وإن كان ذلك بعد قسم ماله رجع على الغرماء بحصِته، ولو باع المفلس شيئًا أو باعه وكيله وقبض المفلس أو وكيله الثمن فتلف وتعذّر وردّه وخرجت السلعة مستحقة وحجز على المفلس ساوى المشتري بما كان دفعه الغرماء فيضرب له به معهم كسائر
الديون، وإن أجَّر المفلس دارًا بعينها أو بعيرًا بعينه أو أجَّر شيئًا غيرهما بعينه، ثم أفلس لم تنفسخ الإجارة بالحجر عليه بالفلس لِلُزومها وكان المستأجر أحق بالعين التي استأجرها من الغرماء حتى يستوفي حقَّه؛ فإن هلك البعير المؤجر أو انهدمت الدار المؤجرة قبل انقضاء المدة انفسخت الإجارة لفوات المعقود عليه ويضربُ المستأجرُ مع الغُرماء ببقية الأجرة إن كان عجَّلَها، وإن استأجر جملًا أو نحوه في الذمة ثم أفلس المؤجر، فالمستأجر أسوةُ الغرماء لعدم تعلق حقه بالعين، وإن أجَّرَهُ دارًا ثم أفلس المؤجرُ فاتفق المفلس والغرماء على البيع قبل انقضاء مدة الإجارة فلهم ذلك؛ لأن الحق لا يعدوهم ويبيعونها مُستأجرةً للزُوم الإجارة؛ فإن اختلفوا بأن طلب أحدهم البيع في الحال، والآخر إذا انقضت الإجارة قُدِّمَ قولُ من طلب البيع في الحال؛ لأنه الأصل ولا ضرر فيه، فإذا استوفى المستأجرُ المدة أو المنفعة تسلَّم المشتري العين لِعَدَم المُعارض، وإن اتفق المفلسُ والغرماءُ على تأخير البيع حتى تنقضي مدة الإجارة فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم وقد رضوا بتأخيره، ولو باع سلعةً قبل الحجر ولو كان المبيع مكيلًا أو موزونًا قبض ثمنها أولًا ثم أفلس أو مات قبل تقبيضها أي السلعة المبيعة، فالمشتري أحقُ بها من الغرماء؛ لأنها عينُ ملكه وإن كان على المفلس دينُ سلم فوجدَ المُسلِمُ الثمن بعينه فالمسلم أحق به، وإن لم يجد الثمن؛ فإن حلَّ السلم القسمة ضرب المُسلمُ مع الغرماء بقيمة المسلّم فيه كسائر الديون؛ فإن كان في المال من جنس حقه المسلّم فيه أخذ المسلم منه بقدر ما يستحقه بالمحاصة.
وإن لم يكن في مال المفلس من جنس حقه الذي سلم فيه عُزِلَ لِلمُسْلِم من المال قدرَ حقه يخرج له بالمحاصة فيشتري به المسلم فيه فيأخذه وليس له أن يأخذ المعزول بعينه؛ لأنه اعتياض عن المسلم فيه وهو لا يجوز؛ فإن أمكن الحام أو أمينه أن يشتري بالمعزول لرب السلم أكثر
مما قدر له أي من المعقود عليه لرخص المسلم فيه اشترى لرب السلم بقدر سلمه ويردّ الباقي مما خرج له بالمحاصة على الغُرماء؛ لأنه لا مستحق له غيرهم ثم يقسم الحاكم أو أمينه ما بقي من مال المفلس بين باقي الغرماء لتساوي حقوقهم في تعلقها بذمة المفلس على قدر ديونهم؛ لأن فيه تسوية بينهم ومراعاة لكمية حقوقهم، فلو قضى الحاكمُ أو المفلسُ بعضهم لم يصح؛ لأنهم شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم ولا يلزم الغرماء بيان أن لا غريم سواهم بخلاف الورثة لئلا يأخذ أحدهم ما لا حقَّ له فيه فاحتيط بزيادة استظهار؛ ولأن الورثة يستفيض أمرهم ولا يخفى غالبًا فلا يعسر بيانه ولا إنكار وجوده؛ فإن كان في الغرماء مَن له دين مؤجل لم يحلّ؛ لأن الأجل حق للمفلس فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه؛ ولأنه لا يوجب حلول ماله فلا يوجب حلول ما عليه ولم يوقف للدين المؤجل شيء من المال ولا يرجع رب الدين المؤجل على الغرماء إذا حلّ دينه بشيء؛ لأنه لم يستحق مشاركته حال القسمة فلم يستحق الرجوع عليهم بعد؛ لكن إن حلّ دينه قبل القسمة شاركهم لمساواته لهم، وإن حلّ دينه بعد قسمة البعض من المال شاركهم في الباقي من المال ويضرب فيه بجميع دَينه ويضرب باقي الغرماء ببقية ديونهم، وقيل: يحل دفعًا للضرر عن ربّه؛ ولأن الإفلاس يتعلق به الدَين بالمال فأسقط الأجل كالموت، وبه قال مالك، وعن الشافعي كالمذهبين.
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس لإشتراك الجميع في وجوب الوفاء؛ ولأنه إنما دخل معه في المعاملة بحسب ما عنده من الموجودات وربما كان أحق من أصحاب الديون الحالة لكون مدينهم معسرًا عليهم
إنظاره فلمّا استدان دينًا مؤجلًا صارمًا عند المدين أعيان مال صاحب الدين المؤجّل وأعواضه.
وهذا مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين؛ لأنه يرى أنه يحجر عليه وإن لم يحجر عليه الحاكم حفظًا لحقوق
الناس وردًا للظلم بكل طريق؛ ولكن إن كان مؤجلًا فيه ربح أسقط من الربح بمقدار ما سقط من المدة، فلو باع سلعة تساوي ألفًا ومائتين إلى أجل ومضى نصف الأجل وجب ألف ومائة وسقط مائة مقابل باقي المدة.
والله أعلم.
وإن ظهر ربُّ دين حال رجع على كل غريم بقسطه وهو قدر حصته؛ لأنه لو كان حاضرًا لقاسمهم فيقاسم إذا ظهر كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله ولم تنقض القسمة؛ لأنهم لم يأخذوا زائدًا على حقهم، وإنما تبين مزاحمتهم فيما قبضوه من حقهم، فلو كان للمفلس ألف اقتسمه غريماه نصفين ثم ظهر ثالث دينه كدين أحدهما رجع الثالث على كل واحد بثلث ما قبضه وهو خمسمائة وثلثها مائة وستة وستون وثلثان.
مسائل يجبر عليها المفلس وأخرى لا يجبر عليها
س8: هل يُحلُّ الدين المؤجّل أو الجنون؟ وهل لضامن مطالبة ربّ الحق بقبضه من تركة المضمون عنه؟ وهل يلزم المُفلسُ على إيجار نفسه أو المُفلسة على النكاح أو من لزمه حج أو كفارة على أن يحصل من حرفته ما يحج به أو يكفّر به أو على قبول هدية أو صدقة أو وصية وعلى تزويج أم ولد ليوفي بمهرها دَينه أو على خلع زوجته على عوض يوفي منه دينه أو على رد مبيع أو إمضائه أو أخذ دية أو طلاق زوجة بذلت له أو غيرها؟ ومتى ينفك الحجر عن المفلس؟ وإذا بقي بعض الدين أو طلب الغرماء إعادته أو دّان فحُجر عليه ثانيًا أو فلس ثم أدّان أو أبى المفلس أو وارث الحلف مع شاهد للمفلس، فما الحكم؟ وما الحكم الرابع؟ اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تفصيل مع الترجيح تراه.
ج: لا يحلّ الدَين المؤجل بجنون ولا موت؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك حقًا أو مالًا فلورثته» ولأن تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس فلم يمنع نقله.
ومحل ذلك إن وثق ورثتهُ ربَّ الدين أو وثق أجنبي ربَّ الدين بأقل الأمرين من قيمة التركة أو الدَين برهن أو كفيل مليء؛ لأن الأجل حق للميت فورث عنه كسائر حقوقه؛ فإن تعذر التوثق لعدم وارث بأن مات عن غير وارثٍ أو حلف وارثًا؛ لكن لم يوثق بذلك حل؛ لأن الورثة قد لا يكونون مليئين ولم يرض بهم الغريم فيؤدي إلى فوات الحق فلو ضمنه ضامن وحلّ على أحدهما لم يحلّ على الآخر ومثاله أن يموت الضامن للمؤجل؛ فإنه يحلّ عليه فقط إذا لم توثق ورثته أو مات المضمون وكان الضامن غير مليء؛ فإنه يحلّ على المضمون فقط بشرطه.
قال الشيخ تقي الدين في الأجرة المؤجلة: لا تحل بالموت في أصح قول العلماء، وإن قلنا: يحل الدين؛ لأن حلولا مع تأخير استيفاء المنفعة ظلم، وإن مات من عليه حال ومؤجَّل والتركة بقدر الحال أو أقل؛ فإن لم يوثق المؤجل حلَّ واشتركا، وإن وثق الورثة أو أجنبي لم يترك لرب المؤجّل شيء وكون ما على الميت من الديون المؤجّلة لا تحل بالموت إن وثق الورثة برهن يحرز أو كفيل مليء.
من المفردات قال ناظمها:
ولا يَحِلُّ مَا عَلى المَديُون ... بِمَوتِهِ مِن أجَلِ الدُّيونِ
وقيل: يحلُّ ما على الميت من الديون المؤجلة بموته، وهو قول الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري وأصحاب الرأي والشافعي؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مات الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل فالذي عليه حال، والذي له إلى أجله» ولأن الأجل جعل
رفقًا بمن عليه الدين والرفق بعد الموت أن يُقضي دينه وتبرأ ذمته، والدليل عليه ما روى أبو هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يُقضى عنه» رواه أحمد والترمذي وحسنه، ولخراب ذمة الميت، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
وليس لضامن إذا مات مضمونة مطالبة رب حق يقبض الدين المضمون فيه من تركة مضمون عنه ليبرأ الضامن أو أن يُبريه أي الضامن من الضمان كما ل لم يمت الأصل، وقيل: له مطالبة رب الحق من تركة المضمون عنه أو يبريه، قال في «تصحيح الفروع» : قلت: وهو الصواب، وهذا القول هو الراجح عندي.
والله أعلم.
وإن بيت على المفلس بقية وله صنعة، فقيل يجبر على إيجار نفسه لقضاء ما بقي من الدين وهو قول عمر بن عبد العزيز وسوار والعنبر وإسحاق؛ لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع سُرَّقًا في دينه، وكان سُرَّقًا دخل المدينة، وذكر أن وراءه مالًا فداينه الناس فركبته ديون، ولم يكن وراءه مال فسمّاه سُرَّقًا وباعه بخمسة أبعرة» رواه الدارقطني بمعناه من رواة خلد بن مسلم الربحي إلا أن فيه كلامًا.
والحر لا يباع ثبت أنه باع منافعه؛ ولأن المنافع مجرى الأعيان في صحة العقد عليها وتحريم أخذ الزكاة وثبوت الغنى بها فكذلك في وفاء الدين منها؛ ولأن الإجارة عقد معاوضة فجاز إجباره عليه كبيع ماله ولأنها إجارة لما يملك إجارته فيجبر عليها لوفاء دينه كإجارة أم ولده، وهذا القول من المفردات: قال ناظمها:
ومُفْلِسٌ ذُو صَنْعةٍ فَيؤجرُ ... لِنَفْسِهِ وَإنْ أبَى فَيُجْبَرُ
وقيل: لا يجبر، وهو قول مالك والشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ؛ ولما روى أبو سعيد أن رجلًا أصيب في ثمرة ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه» ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» رواه
مسلم؛ ولأنه تكسبٌ للمال فلم يجبر عليه كقبول الهبة والصدقة، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ويجبر المفلس على إيجار موقوف عليه يستغني عنه وعلى إيجار أمِّ ولده إن استغنى عنها؛ لأنه قادر على وفاء دينه فلزمه كمالك ما يقدر على الوفاء منه، ولا يُجبر من لزَمه حج أو كفارة ونحوهما من حقوق الله تعالى على إيجار نفسه ووقفه وأُمِّ ولده في ذلك؛ لأن ماله لا يباع فيه فنفعه أولى، ولا يجبر المدين المفلس أو غيره على قبول هبة أو صدقة أو عطية أو وصية لما فيه من الضرر عليه من تحمّل المنّة التي تأباها قلوب ذوي المروآت، قال قطرب:
للَّدغ الفِ مَنَّهْ ... وَلَا احْتِمَالُ مِنَّهْ
وقال غيره: (مِنْنُ الرجالِ عَلى القُلُوْبِ أشد من وَقعِ الأسِنَّهْ) .
ولو كان المتبرع ابنًا له ولا يملك غير المدين وفاء دَينه عنه مع امتناع المدين منه، وكذلك لو بذله غير المدين وامتنع ربّه من أخذه منه، قال الشيخ: ع ن فإن قلت تقدم أن وفاء الدين عن الغير لا يتوقف على إذن المدين حتى أن للموفي الرجوع إذا نواه، قت: يمكن حمل ذلك على ما إذا لم يوجد من المدين امتناع يعذر معه بخلاف ما هنا؛ فإن وفاء الدين ليس بواجب حال الإعسار فلم يقم الموفي عن المدين بواجب؛ لأن المعسر يقول له: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ فما تقدم مقيد فلا تغفل.
اهـ.
ولا يملك الحاكم قبض مَا ذكر من هبة وصدقة ووصية وعطية للمدين لوفاء دينه بلا إذن من المدين لفظي أو عرفي؛ لأنه لا يملك إجباره عليه فلم يملك فعله عنه ولا يُجبر المفلسُ على تزويج أم ولد لوفاء دينه مما يأخذ من مهرها لما فيه تحريمها عليه بالنكاح وتعلق حق الزوج ولا تجبر
امرأةٌ مدينةٌ على نكاح نفسها لمن يرغب في نكاحها لتأخذ مهرها، وتوفي منه دينها؛ لأنه يترتب عليها بالنكاح من الحقوق ما قد تعجز عنه ولا يجبر رجل على خلع زوجته على عوض يوفي منه دينه؛ لأن عليه فيه ضررًا بتحريم زوجته عليه، وقد يكون له إليها ميل ولا يجبر مدين أيضًا باع أو اشترى بشرط الخيار على رد مبيع ولا على إمضائه، ولو كان فيه حظ؛ لأن ذلك إتمام لتصرّف سابق على الحجر فلم يجبر عليه فيه ولا يجبر على أخذ ديّة عن قود وجب له بجناية عليه أو عنه أو مورثة؛ لأنه يفوت المعنى الذي وجب له القصاص؛ فإن اقتص فلا شيء للغرماء وإن عفا على مال ثبت وتعلقت به حقوق الغرماء ولا يجبر لو بذلت له امرأة مالًا ليتزوجها عليه، لم يجبر على قبوله أو ادّعى على إنسان بشيء فأنكره وبذل له مالًا على أن لا يحلفه ونحو ما تقدم كطلاق زوجة بذلت له أو غيرها عوضًا ليطلقها عليه ويوفي دينه، وينفك حجر المفلس بوفاء دينه لزوال المعنى الذي شرع له الحجر، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا ويصح الحكم بفك الحجر مع بقاء بعض الدين؛ لأن حكمه يفكه مع بقاء بعض الدين لا يكون إلا بعد البحث عن فراغ ماله والنظر في الأصلح من بقاء الحجر وفكّه ولا ينفكّ مع بقاء بعض الدين بدون الحكم؛ لأنه ثبت يحكم فلا يزول إلا به لاحتياجه إلى نظر واجتهاد.
وقيل: يزول بقسمة ماله؛ لأنه حجر عليه لأجله، فإذا زال ملكه عنه زال سبب الحجر فزال الحجر كزوال حجر المجنون لزوال جنونه، وإذا طلب غرماء من فك حجره إعادة الحجر عليه لما بقي من دينهم لما يجبهم الحاكم ذلك؛ لأنه لم ينفك حجره حتى لم يبق له شيء؛ فإن ادَّعوْا أن بيده مالًا وبيّنُوا سببهُ ساله الحاكم عنه؛ فإن أنكر حلف وخلى سبيله وإن أقر، وقال لفلان: وأنا وكيله أو عامله سأله الحاكم إن حضر؛ فإن صدقه فلان فله بيمينه وإن أنكره أعيد الحجر