كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
س1: ما هي الزكاة لغةً وشرعًا؟
ج: هي لغةً: النماء والزيادة، يقال: زكَى الزرع إذا نمى وزاد، وتطلق على المدح، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وعلى التطهير، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ ، وعلى الصلاح، يقال: رجل زكى، أي: زائد الخير صح من قوم أزكياء، وزكى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، وسمى المُخْرجُ زكاة؛ لأنه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات، وأصل التسمية قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ ، وقيل: لأنها تطهر مؤديها من الإثم وتنمي أجره.
وقال الأزهري: إنها تنمي الفقراء.
وشرعًا: حقٌ واجبٌ في مال خاص لطائفة مخصُوصَةٍ في وقت مخصوص.
س2: ما الذي يخرج بقيد الفقر المذكورة في التعريف الشرعي؟
ج: يخرج بقوله: «واجب الحق» المسنون كابتداء السلام، وبقوله: «مال» رد السلام ونحوه، وبقوله: «خاص» ما يجب في كل الأموال كالديون والنفقات، وبقوله: «لطائفة مخصوصة» نحو الدية؛ لأنها لورثة المقتول، وبقوله: «بوقت مخصوص» نحو النذر والكفارة.
س3: ما حكم الزكاة؟
ج: هي الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه العظام من جحد وجوبها جهلاً به ومثله يجهله كقريب عهد بإسلام أو نشوئه ببادية بعيدة بحيث يُخفى عليه وجوب الزكاة عرف ذلك ونهى عن المعاودة لجحد وجوبها؛ فإن أضرَّ على جحد الوجوب بعد أن عُرفَ أو كان عالمًا بوجوبها كفر إجماعًا؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع الأمة، ولو أخرجها وهذا جحد وجوب الزكاة على
الإطلاق؛ وأما إن جَحَده في مال خاص ونحوه؛ فإن كان مجمعًا عليه فكذلك وإلا فلا كـ «مال» الصغير والمجنون وزكاة العسل؛ لأنه مختلف فيه وأخذت الزكاة منه إن كانت وجبَت عليه قبل كفره لكونها لا تسقط به كالدين.
س4: كم مدة استتابة جاحد الزكاة، وإذا لم يتب جاحدها فهل يقتل حدًا أم كفرًا، وما صفة توبته، وما حكم منعها بخلاً؟
ج: يستتاب ثلاثة أيام وجوبًا كغيره من المرتدين وصفة توبته: أن يقر بوجوبها مع الإتيان بالشهادتين وإذا لم يتب قتل كفرًا وجوبًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» ، وقال أبو بكر الصديق: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة» متفق عليهما.
ومن منعها بخلاً أو تهاونًا أخذت منه قهرًا كدين الآدمي، وكما يؤخذ العشر منه؛ ولأن للإمام طلبه به فهو كالخراج بخلاف الاستتابة في الحج والتكفير بالمال، ويأتي إن شاء الله تكملة لهذا البحث في باب إخراج الزكاة.
س5: ما الأصل في مشروعية الزكاة، ومتى فرضت؟
ج: الأصل في ذلك الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ ؛ وأما السُّنة: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: «أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» متفق عليه.
وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على قتال مانعي الزكاة، فروى البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب، فقال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسي إلا بحقه وحسابه على الله» ، فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال والله، لو منعوني عناقًا كان يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أني رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق.
ورواه أبو داود، وقال: لو منعوني عقالاً، قال أبو عبيد: العقال: صدقة.
قال الشاعر:
سَعَى عقالاً فلم يَتركْ لنا سَيَدًا ... فكيفَ لو قد سعَى عمرو عِقالينِ
وقيل: كانوا إذا أخذوا الفريضة أخذوا معها عِقالها ومن رَوَى عناقًا ففيه دليل على خذ الصغيرة من الصغار، وفرضت بالسنة الثانية ذكره صاحب «المغني» والمحرر والشيخ تقي الدين، قال في الفروع: ولعل المراد طلبها وبعث السعاة لقبضها، فهذا بالمدينة؛ ولهذا قال صاحب «المحرر» : إن الظواهر في إسقاط زكاة التجارة معارضة بظواهر تقتضي وجوب الزكاة في كل مال كقوله: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ ، وقال شرف الدين الدمياطي: إنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر بدليل قول قيس بن سعد بن عبادة أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات، وفي «تاريخ ابن جرير الطبري» : أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة، وقيل: فرضت قبل الهجرة وبُينتْ بعدها.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س6: ما الذي تجب فيه الزكاة والذي تجب فيه؟
ج: تجب في خمسة أشياء: أحدها: بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم.
والثاني: الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من أوراق وفلوس نقدية.
والثالث: عروض التجارة.
والرابع والخامس: الخارج من الأرض، ولا تجب الزكاة في باقي الأموال إذا لم تكن للتجارة حيوانًا كان المال كالرقيق والطيور والخيل والبغال والحمير والضباء سائمة كانت أو لا أو غير حيوان كاللآلئ والجواهر والثياب والسلاح وأدوات الصناع وأثاث البيوت
والأشجار والنبات والأواني والعقار من الدور والأرضين للسكنى وللكراء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة» متفق عليه.
ولأبي داود: ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر، وقيس على ذلك باقي المذكورات؛ ولأن الأصل عدم الوجوب إلا لدليل ولا دليل فيها، وفي «شرح أصول الأحكام» على شرح حديث: «ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة» ، وقال النووي: وغير هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها وهو قول العلماء من السلف والخلف إلا أبا حنيفة في الخيل والحديث حجة عليه، وقال الوزير: وغيره أجمعوا على أنه ليس في دور السكنى وثياب البذلة وأثاث المنزل ودواب الخدمة وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاة.
اهـ. فالعبيد ورباط الخيل وآلات السلاح والحرب وسائر أموال القنية كل ما كان منها ما عساه أن يكون لم يكن فيه زكاة؛ فإن سائر أموال القنية مشغولة بالحاجة الأصلية وليست بنامية أيضًا، وكل منهما مانع من وجوب الزكاة ولو لم ينص على كل فرد منه؛ فإن الشارع إنما اعتنى ببيان ما تجب فيه الزكاة؛ لأنه خارج عن الأصل فيحتاج إلى بيان لا بيان ما لا تجب فيه اكتفاء بأصل عدم الوجوب.
اهـ.
س7: ما هي شروط وجوب الزكاة، وكم عددها، وضحها مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو مُحترز، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل؟
ج: شروط وجوبها خمسة: أولاً: الحرية.
ثانيًا: إسلام.
ثالثًا: ملك نصاب.
رابعًا: استقراره.
خامسًا: مضي الحول في غير معشر ونتاج سائمة وربح تجارة؛ أما المعشر فلقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ؛ وأما نتاجُ السائمة وربح التجارة ولو لم يبلغ النتاج أو الربح نصابًا؛ فإن حولهما حول أصلهما إن كانا نصابًا وإلا فمن كماله نصابًا فلو ملك خمسًا وثلاثين شاة فنتجت شيئًا فشيئًا فحولها من حين تبلغ نصابًا وهو الأربعين، وكذا لو ملك ثمانية عشر مثقالاً وربحت شيئًا فشيئًا فحولها منذ بلغت عشرين ولا بيني وارث على حول الموروث ويضم المستفاد إلى نصاب بيده من جنسه أو في حكمه في وجوب الزكاة
ويزكي كل مال إذا تم حوله وإن كان من غير جنس النصاب ولا في حكمه فله حكم نفسه؛ فإن بلغ نصابًا زكاه إذا تم حوله وإلا فلا.
س8: ما الذي يخرج بقيد كل شرط من شروط وجو الزكاة، وهل تجب على من بعضه حُر وبعضهُ رقيق؟
ج: يخرج بقيد الحرية الرقيق فلا تجبُ عليه؛ لأنه لا مال له ولا على مكاتب؛ لأنه عبد وملكه غير تام وتجب على مبعّض فيما ملكهُ يجزئه الحر بشروطه ويخرج بقيد الإسلام الكافر فلا تجب على كافر أصلي أو مرتد فلا يقضيها إذا أسلم، ويخرج بقوله ملك نصاب ما دون النصاب فلا زكاة فيه إلا الركاز ويخرج بقيد الاستقرار ديْنُ الكتابة لعدم الاستقرار؛ لأنه يملك تعجيز نفسه، ويخرج بقوله ومُضيُّ حول في غير معشر وربح تجارة ونتاج ما لم يتم عليه الحول؛ لقول عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه ابن ماجه، وعن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كانت لك مائتا درهم وحالَ عليهما الحولُ ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا؛ فإذا كانت لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار» رواه أبو داود.
س9: ما نصاب الزكاة، وإذا نقص النصاب في بعض الحول فما الحكم؟ وما الحكمة في إسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها؟ اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل، أو خلاف، ومن أين تخرج الزكاة؟
ج: النصاب هو القدر الذي تجب فيه الزكاة ومتى نقص النصاب في بعض الحول أو باه أو أبدله بغير جنسه أو ارتدَّ مالكه انقطع الحول إلا في إبدال ذهب بفضة أو إبدال فضة بذهب وإلا في عروض التجارة وإلا في أموال الصيارف فلا ينقطع ويخرج مما معه عند وجوب الزكاة ولا ينقطع الحول فيما أبدله بجنسه، والقول الثاني: أن إبدال النصاب الزكوي بنصاب
آخر زكوي لا يمنع الزكاة ولا يقطعها سواء كان من جنسه أو من جنس آخر، قالوا: والتفريق بين ما كان من الجنس أو من غير الجنس لا دليل عليه؛ ولأن القول بقطعه إذا أبدل من غير جنسه قد يكون سدًا لفتح أبواب الحيل لمنع الزكاة، والحكمة في إسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها لئلا يجحف بأرباب الأموال ولا يبخس الفقراء حقوقهم وإذا بلغ النصاب وجب الحق ولا يجب فيما دونه.
والله أعلم.
س10: تكلم بوضوح عما يلي: ما مثال ما تجب الزكاة في عينه إذا فرَّ من الزكاة فتحيل على إسقاطها، إذا قال لم أقصد الفرار من الزكاة فهل يقبل قوله، إذا أتلف جزاء من النصاب لينقُصَ فهل تسقط، اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: مما تجب الزكاة في عينه: الغنم والبقر وخمس وعشرون من الإبل وإن فر من الزكاة فتحيل على إسقاطها فتقص النصاب أو باعه أو أبدله لم تسقط بإخراج النصاب أو بعضه عن ملكه ويزكي من جني النصاب المبيع ونحوه لذلك الحول، وإن قال لم أقصد الفرار من الزكاة؛ فإن دلت قرينة على الفرار عمل بها ورد قوله، وإلا قبل قوله ولا يستخلف، وكذلك لو أتلف جزءًا من النصاب لينقص فتسقط الزكاة فلا تسقط وتؤخذ منه في آخر الحول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ﴾ الآية فعاقبهم الله تعالى بذلك لفرارهم من الصدقة؛ ولأنه قصد به إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم تسقط كالمطلق في مرض الموت؛ ولأنه لما قصد قصدًا فاسدًا اقتضت الحكمة عقوبته بنقيض قصده كمن قتل مورثه، واشترط بعضهم أن يكون ذلك عند قرب وجوبها؛ لأنه مظنة قصد الفرار ما لو كان في أول الحول وأوسطه؛ لأنها بعيدة أو منفية، وقال أبو حنيفة والشافعي: تسقط لأنه نقص قبل تمام الحول، والقول الأول ندي أنه أرجح.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س11: تكلم بوضوح عن زكاة الدين الذي على ملئ والذي على غير ملئ والمجحود والمغصوب والضال، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تقسيم مع الترجيح لما ترى أنه الأرجح؟
ج: الدين ينقسم إلى قسمين: أحدهما: دين على معترف به باذل فعلى صاحبه زكاته إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيزكيه لما مضى يُروى ذلك عن علي - رضي الله عنه -، وبهذا قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال عثمان ابن عفان وابن عمر وجابر وطاووس والنخعي وجابر بن زيد والحسن والزهري وقتادة والشافعي وإسحاق وأبو عبيد: عليه إخراج زكاته في الحال وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه أشبه الوديعة، وروي عن عائشة وابن عمر: ليس في الدين زكاة، وهو قول عكرمة؛ لأنه غير تام فلم تجب زكاته كعرض القنية، وروي عن سعيد بن المسيب وعطاء وأبي الزناد يزكيه إذا قبضه لسنة واحد.
القسم الثاني: الدين على المماطل والمُعسِر والمجحود الذي لا بينة به والمغصوب والضال حكمه حكم الدين على المعسر وفي ذلك كله روايتان: إحداهما: لا تجب فيه الزكاة وهو قول قتادة وإسحاق وأبي ثور وأهل العراق؛ لأنه ممنوع منه غير قادر على الانتفاع به أشبه الدين على المكاتب.
قال في «الاختيارات الفقهية» (ص98) : لا تجب في دين مؤجل أو على معسر أو مماطل أو جاحد ومغصوب ومسروق وضال وما دفنه ونسبه أو جهل عند من هو ولو حصل في يده، وهو رواية عن أحمد اختارها وصححها طائفة من أصحابه، وهو قول أبي حنيفة.
انتهى.
والقول الثاني: يزكيه إذا قبضه لما مضى وهو قول الثوري وأبي عبيد لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في الدين المضنون إن كان صادقًا فليزكه إذا قبضه لما مضى، وعن ابن عباس نحوه رواهما أبو عبيد؛ ولأنه مال يجوز التصرف فيه أشبه الدين على الملئ ولأن ملكه فيه تام أشبه ما لو نسى عند من أودعه، وللشافعي فيه قولان كالروايتين، وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث والأوزاعي
ومالك يزكيه إذا قبضه لعام واحد؛ لأنه كان في ابتداء الحول في يده ثم حصل بعد ذلك فوجب أن لا نسقط الزكاة عن حول واحد، وعندي أن القول الأول أقوى دليلاً من الثاني؛ لأن الله شرع الزكاة في الأموال النامية المقدور عليها وهذه الأموال لا يقدر عليها أصحابها وأيضًا في إيجابها على الغريم في هذه الحال ما يوجب التضييق على المعسر المأمور بأنظاره وأيضًا هذه ليست من الأموال النامية.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س12: هل تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؟
ج: نعم تجب الزكاة في مالهما لعموم حديث معاذ لما بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ابتغوا في أموال اليتامى كيلا تأكله الصدقة» رواه الترمذي والدارقطني وإسناده ضعيف، وله شاهد مرسل عند الشافعي.
س13: هل تجب الزكاة في المرهون والموقوف والموصى به؟
ج: تجب في المرهون كغيره ويخرجها راهن منه بلا إذن مرتهن إن تعذر غيره ويأخذ مرتهن من راهن عوض زكاة أن أيسر وتجب الزكاة في السائمة وغلة أرض وشجر موقوفة على معين ويخرج من غير السائمة؛ فإن كانوا جماعة وبلغ نصيب كل واحد من غلته نصابًا وجبت وإلا فلا، ولا زكاة في موقوف على غير معين، كعلى الفقراء أو موقوف على مسجد أو مدرسة أو رباط ونحوه لعدم تعيين المالك، ولا تجب في مال معين نذر أن يتصدق به ولم يقل إذا حال الحول فلا زكاة على ربه لزوال ملكه عنه أو نقصه ولا زكاة في نقد موصى به في وجوه بر أو موصى في أن يشتري به وقف والربح كالأصل؛ لأنه نماؤه.
س14: هل تجب الزكاة في حصة المضارب، وتكلم عن المبيع المتعين أو الموصوف؟
ج: قيل: إن حصة المضارب لا تجب فيها لعدم استقرارها؛ لأنه وقاية لرأس المال فملكه ناقص.
والثاني: الوجوب وينعقد حوله بظهور الربح؛ لأنه ملكه فيجب كسائر أملاكه وهذا إذا بلغت نصابًا لدخوله في عمومات النصوص وأيضًا فالزكاة شرعت في الأموال النامية وحصة المضاربة نامية، وهذا القول أرجح عندي.
والله أعلم.
ويزكي مشتر مبيعًا متعينًا كنصاب سائمة معين أو موصوف من قطيع معين أو مبيعًا متميزًا كهذه الأربعين شاة ولو لم يقبضه حتى انفسخ البيع بعد الحول وما عداهما بائع.
س15: هل الدين مانع من وجوب الزكاة؟
ج: أما ما كان بعد وجوب الزكاة فهذا لا يمنعها؛ لأن الزكة وجبت وصار أهل الزكاة كالشركاء لصاحب المال وإن كان موجودًا قبل وجوب الزكاة منع في الأموال الباطنة وهي الأثمان وعروض التجارة؛ وأما الأموال الظاهرة وهي الحبوب والثمار والمواشي فلا يمنع فيها؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- كان يبعث سعَاته فيأخذون الزكاة فما وجدوا من المال الظاهر من غير سؤال عن دين صاحبه بخلاف الباطنة وكذلك الخلفاء بعده –رضوان الله عليهم أجمعين-، ولم يأت عنهم أنهم طالبوا أحدًا بصدقة الصامت ولا استكرهوه عليها إلا أن يأتي بها طوعًا؛ ولأن السعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يسألون عما على صاحبها من الدين فدل على أنه لا يمنع زكاتها؛ ولأن تعلق أطماع الفقراء بها أكثر والحاجة إلى حفظها أوفر فتكون الزكاة فيها آكد.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س16: بين أحكام ما يلي: المال المودع، القادر المودِعُ على أخذه هل تجب فيه الزكاة، وما زاد على النصاب هل تجب فيه الزكاة؟ من له مال غائب مع عبده أو وكيله، وما هو الوقص؟
ج: تجب في المال المودع بشرطه كغيره وليس للمودَع إخراجها بغير إذن مالكها؛ لأنه افتيات عليه وتجب في مال غائب مع عبده أو وكيله
ولو أسر ربُ المال أو حُبس ومنع من التصرف في ماله لم تسقط زكاته لعدم زوال ملكه وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب لعموم ما يأتي في مواضعه إلا في السائمة فلا زكاة في وقصها لما روى أبو عبيدة في «غريبه» مرفوعًا ليس في الأوقاص صدقة، وقال الوقص: ما بين الفرضين، وفي حديث معاذ أنه قيل له: «أُمِرتَ في الأوقاص بشيء» قال: لا، وسأل سائل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله، فال: «لا» رواه الدارقطني.
س17: تكلم عن أرش جناية العبد هل يمع الزكاة، وعن من له عرض قنية يباع لو أفلس وعليه دين وعنده مال؟
ج: يمنع أرش جناية عبد التجارة زكاة قيمته؛ لأنه وجب جبرًا لا مواساة بخلاف الزكاة ومن له عرض قنية يباع لو أفلس بأن كان قيمته فاضلاً عن حاجته الأصلية يفي العرض بدينه الذي عيه ومعه مال زكوي جعل الدين في مقابلة ما معه من مال زكوي ولا يزكيه لئلا تختل المواساة، وكذا من بيده ألف وله على ملئ دين ألف وعليه ألف دين فيجعل الدين في مقابلة ما بيده فلا يزكيه ويزكي الدين إذا قبضه.
س18: متى يبدأ الحول في الصداق وعوض الخلع والأجرة؟
ج: يبتدئ الحول بصداق وأجرة وعوض خلع معينين ولو قبل قبضها من عقد لثبوت الملك في ذلك بمجرد عقد فينفذ فيه تصرف من وجب له ويستقبل بمبهم من ذلك من حين تعيين لا عقد لأنه لا يصح تصرفه فيه قبل قبضه ولا يدخل في الضمان إلا به فلو أصدقها أو خالعته على أحد هذين النصابين أو على نصاب من ذهب أو فضة أو ماشية في رجب مثلاً ولم يعين إلا في المحرم فهو ابتداء حوله، وقال الشيخ تقي الدين لما سُئل عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته به لئلا يقع بينهما فرقة: قيل: تجب تزكية السنين الماضية سواء كان الزوج موسرًا أو معسرًا، وقيل: يجب مع يسار، وتمكنها
من قبضه، وقيل: تجب لسنة واحدة، وقيل: لا تجب بحال، وأضعف الأقوال من يوجبها للسنين الماضية حتى مع العجز عن قبضه؛ فإن هذا القول باطل وأقرب الأقوال من لا يوجب فيه شيئًا بحال حتى يحول عليه الحول أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه، وهذا وجه.
والله أعلم.
(25/47، 48) من «مجموع الفتاوى» ملخصًا.
س19: إذا زكت المرأة صداقها كله بعد الحول، وهو في ملكها ثم تنصف الصداق بطلاق الزوج لها أو خلعه ونحوه قبل الدخول فما الحكم؟ وبين متى تجب الزكاة؟
ج: يرجع الزوج فيما بقي من الصداق بكل حقه؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فلو أصدقها ثمانين فحال الحول وزكتها أو لا رَجَع بأربعين وتستقر الزكاة عليها ولا تجزئها زكاتها من الصداق بعد طلاقها قبل الدخول ولو حال الحول؛ لأنه مال مشترك فلا يجوز لأحدهما التصرف فيه قبل القسمة، وتقدم حكم الدين على الملئ وغيره، وإذا تم الحول وجبت الزكاة إلا ما لا يشترط له تمام الحول وتقدم حديث عائشة لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
س20: هل الزكاة تجبُ بعين المال أم في الذمة وضح ذلك، وتعرض للخلاف والدليل والتعليل والترجيح لما تراه؟
ج: قيل: تجب الزكاة بعين المال الذي تجزئ زكاته منه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «في أربعين شاة شاة» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السماء العشر» وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف «في» المقتضية للظرفية، ففي نصاب فقط لم يزكي لحولين أو أكثر زكاة واحدة للحول الأول إلا ما زكاته الغنم من الإبل فعليه لكل حول زكاة لتعلق الزكاة بذمته لا بالمال؛ لأنه لا يخرج منه وما زاد على النصاب مما زكاته في عينه ينقص من زكاته كل حول مضى بقدر نقصه بها؛ لأنها تتعلق بعين المال فينقص بقدرها.
والقول الثاني: أنها تجب في الذمة؛ لأن إخراجها
من غير النصاب جائز فلم تكن واجبة فيه كزكاة الفطر؛ ولأنها لو وجَبَت فيه لامتنع المالك من التصرف فيه ولتمكن المستحق من إلزامه أداه الزكاة من عينه أو ظهر شيء من أحكام ثبوته فيه وأسقطت الزكاة بتلف النصاب من غير تفريط كسقوط الجناية بتلف الجاني وفائدة الخلاف فيما إذا كان له نصاب فحال عليه حولان لم يؤد زكاتها وجب عليه أداؤه لما مضى ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني، وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة وإن مضى عليه أحوال، فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وَجَب عليه ثلاث شياه وإن كانت مائة دينار فعليه سبعة دنانير ونصف؛ لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقيص النصاب؛ لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدي الزكاة منه احتمل أن تسقط في قدرها؛ لأن الدين يمنع وجوب الزكاة، وقيل: تجب بالذمة وتتعلق بالنصاب اختاره الشيخ تقي الدين، والقول الأول عندي أنه أرجح لما أراه من قوة الدليل.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س21: تكلم بوضوح عن تعلق الزكاة بما تجب فيه، ولمن النماء بعد وجوب الزكاة، وهل للمالك إخراجها من غير النصاب؟
ج: تعلق الزكاة بما تجب فيه لتعلق أرش جناية برقبة جان لا كمتعلق دين برهن أو تعلق دين بمال محجور عليه لفلس ولا كتعلق شركة بمال مشترك فللمالك إخراجها من غير النصاب كما أن لسيد الجاني فداءه بغير ثمنه والنماء بعد وجوبها للمالك كولد الجاني لا يتعلق به أرش الجنابة فكذا نماء النصاب ونتاجهُ لا تتعلق به الزكاة فلا تكون فيه للفقراء شركاء.
س22: إذا أتلف النصاب مالكه فما الحكم؟ وهل للمالك التصرف فيما وجبت فيه الزكاة؟ وهل يرجع البائع بعد لزوم بيع في قدرها؟
ج: إذا أتلف النصاب مالكه لزمه ما وَجبَ فيه من الزكاة لا قيمته كما لو قتل الجاني مالكه لم يلزمه سوى ما وجب بالجناية بخلاف الراهن
وللمالك التصرف فيما وجبت فيه الزكاة ببيع أو غير كهبة وإصداق كما أن له ذلك في الجاني بخلاف راهن ومحجور عليه وشريك ولا يرجع بائع بما تعلقت الزكاة بعينه بعد لزوم بيعه في قدرها ويخرج الزكاة البائع؛ فإن تعذر على البائع إخراج زكاة من غير المبيع فسخ في قدر الزكاة لسبق وجوبها ومحل ذلك إن صدقة مشتر على وجوب الزكاة قبل البيع وعجز عن إخراجها من غيره أو ثبت ذلك ببينة وإلا لم يقبل قول البائع عليه ولمشتر الخيار إذا رجع البائع في قدر الزكاة بشرطه لتفريق الصفقة في حقهِ.
س23: هل إمكان الأداء معتبر في وجوب الزكاة؟ وهل تسقط بتلف المال؟ وضح ذلك وتعرض لذكر الخلاف والدليل والتعليل والترجيح؟
ج: تجب الزكاة بحلول الحول سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» فمفهومه وجوبها عليه إذا حال الحول؛ ولأنه لو لم يتمكن من الأداء حتى حال عليه حولان وجبت عليه زكاة الحولين ولا يجوز وجوب فرضين في نصاب واحد في حال واحدة؛ ولأنها عبادة فلا يشترط لوجوبها إمكان الأداء كسائر العبادات؛ فإن الصوم يجب على المريض والحائض والعاجز عن أدائه؛ لكن لو كان المال غائبًا عن البلد أو مغصوبًا أو ضالاً ونحوه لا يقدر على الإخراج منه لم يلزمه إخراج زكاته حتى يتمكن من الأداء منه فإمكان الأداء شرط لوجوب الإخراج لا لوجوب الزكاة؛ وأما إذا تلف المال، فقيل: لا تسقط بتلفه؛ لأنها عين تلزمه مؤنة تسليمها إلى مستحقها فضمنها بتلفها بيد كعارية وغصب وكدين الآدمي فلا يعتبر بقاء المال إلا الزرع والثمر إذا تلف بجائحة قبل حصاد وجذاذ أو بعدهما قبل وضع في جرين ونحوه؛ لعدم استقرارها قبل ذلك.
والقول الثاني: تسقط الزكاة بتلف النِّصاب على كل حال إلا أن يكون الإمام قد طالبه بها فمنعه؛ لأنه تلف قبل محل الاستحقاق فسقطت الزكاة كما لو تلف قبل الجذاذ؛ ولأنه تعلق بالعين فسقط بتلفها كأرش الجناية في العبد الجاني والأول هو المشهور عن
أحمد –رحمه الله-، والثاني قول أبي حنيفة –رحمه الله- واختار الشيخ تقي الدين أنها تسقط إذا لم يفرط، انتهى.
قال العلماء –رحمهم الله-: لأنها تجب على سبيل المواساة فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه؛ ولأنها حق يتعلق العين فيسقط بتلفها من غير تفريط كالوديعة، وما اختاره الشيخ تقي الدين هو الراجح عندي.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س24: بين الحكم فيمن مات وعليه دين وزكاة، وإذا كان أضحية ودين فهل يجوز بيعها فيه، وإذا كان نذر بمعين وزكاة فما الحكم؟
ج: ديون الله تعالى من الزكاة، والكفارة، والنذر غير المعين، ودين، وحج سواء؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «دين الله أحق بالقضاء» فإذا مات من عليه منها زكاة بعد وجوبها لم تسقط؛ لأنها حق واجب تصح الوصية به فلم تسقط بالموت كدين الآدمي وأخذت من تركته؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دين الله أحق بالقضاء» ويخرجها وارث لقيامه مقام مورثه؛ فإن كان الوارث صغيرًا فوليه يخرجها لقيامه مقامه، ثم الحاكم وسواء وصى به أولاً كالعشر؛ فإن كان معها دين آدمي بلا رهن وضاق ماله اقتسموا التركة الحصص كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال إلا إذا كان بدين الآدمي رهن فيقدم الآدمي بدينه من الرهن؛ فإن فضل شيء صرف في الزكاة ونحوها، وتقدم أضحية معينة على الدين فلا يجوز بيعها فيه سواء كان له وفاء أو لم يكن؛ لأنه تعين ذبحها ويقدم نذر بمعين على الزكاة وعلى الدين، وكذا لو أفلس حي وله أضحية معينة، أو نذر معين فيخرج، ثم دين رهن، ثم يتحاصان بقية ديونه.
والله أعلم.
من النظم مما يتعلق بباب الزكاة
وَخُذْ عِلْمَ أحْكَامِ الزَّكَاة نظِيرةِالصّـ
ـَلاةِ بآياتِ الكتابِ المُمَجَّدِ
وَحَسبُكَ في تفْضِيلهِ نفعُ غيرهِ
بقَهر هَوَى وسْواسِهِ لم يُرَدّدِ
وفِرْقةُ ما يَهوَى امتثالاً بِبَذلِهَا
يَفُك الفتَى سَبْعينَ لَحيٍ مفَنَّدِ
لِسِتَةِ أصنافِ مِنَ المال فرضها
مسامَةِ أنعامٍ وأثمانِ نُقَّدِ
ومَا أخرَجت أرضٌ مَكيلٌ وَمَعْدِنُ
وَعرضٌ وشَهْدٌ من جنى النحل مُوجَدِ
على كلَّ حرٍ مُسْلم تَمّ ملْكهُ
نِصابًا كَمِيلاً حَولا أكمِله وافصُدِ
وقولان في المُرثَدّ في حَالَ رِدَّةٍ
وعن مَالِ قِنِّ والمدَبَّر أبعِدِ
وإن قيلَ لم يمْلِكْ بتَمْليكهِ فخذْ
زكاةَ الذِي يَحْويهِ من مَال سيِّدِ
ومَن بعضهُ حُرٌّ يُزكى نصِيَبهُ
وَمُسْلِمُ دارِ الحرْبِ يَقضي مَتى هدِ
ونقصٌ يَسيرٌ مِن نِصَابِ كمُهْدِر
وفي غير ما سِيمَ اقبضنْ عَن مزَيِّدِ
وَلا شيءَ في مال المكاتَبْ ومَن يَصِرْ
لِعَجْزٍ وعِتْقٍ مُلْكَهُ الحَوْلُ يَبْتَدِي
وَوَجْهان في مال المُضَارَبِ شَائِعًا
وسَائمةٍ مَوقُوفَةٍ لِمُعَدَّدِ
وشرْطُ مُضِيِّ الحول في النقد كُلِّهِ
وَعَرْضُ تِجَارَاتِ ومَاشِيَةٍ قَدِ
وعَن أحمد أوجب زكاةً بأجرة
العقار بنفس العقد لا تتعددِ
ويتبع في الحول النصَابَ نتاجُه
وكَسْبٌ وما بالجنس يُشْرى بأوطدِ
وعرض بنقد أو بعكس وفضة
بعين فحول المشتري حول ما ابتدى
وحول نصاب إليهم من حين ملكه
وعنه متى جذاذ زكاتك فابتدِي
ومن حين تكميل النصاب ابتدى
الحول لا ملك الأصول بأوكد
وبالحول أفرد ما استفدت بغير ما
ذكرتُ ولو من جنس مالك تهتدي
ونقصان دونَ اليوم غير مؤثر
ويقطعه نقص النصاب بأزيدِ
وبَيْعٌ بغير الجنس غير الذي مضى
بلا حيلة الإسقاط قُربَ التأطدَ
ويقطع موتُ المالك الحول بَتةً
ولا يَبْنِ وُرَّاثٌ على حول مُلْحَدِ
وما شرطُ إمكان الأدا لِوجُوبها
على أشهر القولين من نصِ أحمدِ
وبعدَ كمالِ الحول لا تسقطنَّها
بهُلكِ نِصابِ مطلقًا في المؤكد
وعنه بلى إن لم يفرط كآفةِ السَّماء
أتْلَفَتْ ذا العُشر من قبل محْصَد
وفي عين مال أو جبن لا بذمةٍ
فترك نصاب مرة لا تزيَّد
إذا مرَّ أحْوَالٌ ولم يُعط فرضه
وفي الذمةِ إن عَلَّقْتَ كَرِّرْ بأوطد
وفوقَ نصاب كَرِّرَنْ فرض كلِّه
وبالعَين نقِّصْ قدرَ فرض مُعَدَّد
ويملك ربُّ المالِ بَيْعَ جمِيعهِ
وإخراجهَا من غيره لم يصَدَّدِ
وخذها إذا ما مات من أصل ماله
وحاصِصْ بها باقي الديون بأوطد
وقيلَ إذا عَلَّفْت بالعين قُدِّمَت
على كلَّ دين كان في ذمَّة قد
وإن عُدِمَ المال الذي فيه علقت
فحاصِص بها لا غير لا تتزيَّد
2-
باب زكاة بهيمة الأنعام
س25: ما هي أنواع بهيمة الأنعام، وما الذي يشترط لوجوب الزكاة فيها، ولِم بَدَأ ببهيمة الأنعام قبل غيرها؟
ج: أما البداءة بها فاقتداء بكتاب الصديق الذي كتبه لأنس - رضي الله عنهما - أخرجه البخاري بطوله مفرقًا ويشترط لوجوبها في بهيمة الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم ثلاثة شروط: الأول: أن تتخذ للدر والنسل والتسمين، والثاني: أن تسوم أي ترعى المباح أكثر الحول، يُقال: سَامت تسوم سَوْمًا إذا رعت وأسمْتُها إذا رعيتها، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ؛ لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «في كل سائمة في كل أربعين ابنة ليون» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وفي حديث الصديق مرفوعًا: «وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة واحدة» ، فليس فيها شيء إلا أن يشاربها فقيد بالسوم فلا تجب في معلوفة ولا إذا اشترى لها ما تأكله أو جمع لها من المباح ما تأكله ولا تشترط نية السوم فتجب في سائمة بنفسها كما يجب العشر في زرع حَملَ السيل بذره إلى أرض فنبت فيها أو سائمة بفعل غاصبها فتجب فيها الزكاة غصب حبه فزرعه فنبت ففيه العُشر على مالكه ولا تجب في العوامل أكثر السُّنة ولو لإجارةِ ولو كانت سائمة نصًا كالإبل التي تكري وكذا البقر التي تتخذ للحرث والطحن ونحوه؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس في العوامل صدقة» رواه أبو داود، وجاء عن جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم وهو قول أهل الحديث وفقهاء الأمصار؛ فإن المراد بها إذًا الانتفاع بظهرها لا الدر والنسل والنماء أشبهت البغال والحمير.
والله أعلم.
س26: كم أقل نصاب الإبل، وما الواجب فيه؟
ج: أقل نصاب الإبل خمس وفيها شاة ثم في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين فتجب بنت مخاض، وهي ما تم له سنة إجماعًا في ذلك كله، وفي ست وثلاثين بنت ليون لها سنتان، وفي ست وأربعين حقة لها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين جذعة لها أربع سنين، وفي ست وسبعين بنتًا ليون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين هذا كله مجمع عليه قاله في الشرح، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات ليون إلى مائة وثلاثين ثم تستقر الفريضة في كل أربعين بنت ليون وفي كل خمسين حقة.
س27: ما الدليل على ذلك؟
ج: حديث أنس أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كتب له حين وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين التي أمر بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوق فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، ومن الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى؛ فإذا بلغت ستًا وأربعين ففيها حقه طروقة الفحل؛ فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة؛ فإذا بلغت سِتًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون؛ فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل؛ فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبخاري وقطعه في مواضع.
س28: تكلم بوضوح عن صفة الشاة زكاة ما دون الخمس والعشرين من الإبل، وهل يجزي عن خمس من الإبل إخراج بعير أو بقرة أو نصفا شاتين. ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، وعلل لما يحتاجُ إلى تعليل؟
ج: يجب إخراج شاة غير معيبة بصفة الإبل جودةً ورداءةً، ففي إبل كرام سمان شاة كريمةً سمينةً، وفي الإبل المعيبة شاة صحيحة تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل كشاة الغنم، فمثلاً لو كانت الإبل مراضًا وقومت لو كانت صحاحًا بمائة وكانت الشاة فيها قيمتها خمسة ثم قومت مراضًا بثمانين كان نقصها بسبب المرض عشرين وذلك خمس قيمتها لو كانت صحاحًا فتجب فيها شاة قيمتها أربعًا بقدر نقص الإبل وهو الخمس من قيمة الشاة ولا يجزي عن خمس من الإبل بعير ذكر أو أنثى ولا يجزي إخراج بقرة ولو أكثر قيمة من الشاة؛ لأنها غَير المنصوص عليه من غير جنسه ولا يجزي إخراج نِصفا شاتين؛ لأنه تشقيص على الفقراء يلزم منه سوء الشركة.
س29: تكلم عن أحكام ما يلي موضحًا من وجبت عليه بنتُ مخاض وكانت عنده وهي أعلى من الواجب عليه، إذا كانت بنت المخاض معيبة أو ليست في ماله.
ج: إذا كانت عنده وهي أعلى من الواجب عليه فيخير مالكها بين إخراجها عنه وشراء بنت مخاض بصفة الواجب، وإذا كانت بنت المخاض معيبة أو ليْسَت في ماله أجزأه ذكر أو خنثى ولد لبون لعموم قوله في حديث أنس: «فإن لم يكن فيها بنت مخاض ففيها ابن لبون ذكر» رواه أبو داود، ويجزي أيضًا مكانها حق وهو ما تم له ثلاث سنين أو جذع وهو ما نم له أربع سنين أو ثِنيُّ وهو ما تم له خمس سنين وأولى بلا جبران في الكل لظاهر الخبر ولا يجبر نَقْص الذكورية بزيادة في غير هذا الموضع فلا يجزي حق عن بنت لبُوْن ولا جذع عن حقة ولا ثني عن جذعة مطلقًا لظاهر الحديث؛ ولأنه لا نص فيه ولا يصح قياسه على ابن اللبون مكان بنت المخاض؛ لأن زيادة سنة عليها ممتنع بها عن صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه ويرد الماء بنفسه ولا يوجد هذا في الحق مع بنت الليون؛ لأنهما يشتركان فيه.
س30: إذا بلغت الإبل عَدَدًا يتفق ليه الفرضان كمائتين أو أربع مائة فما حكم ذلك؟ وما هو الجبران؟
ج: إذا بلغت ذلك خُيِّرَ مُخرجٌ بين حقاق وبين بنات لبون، ففي المائتين إن شاء أخرج أربع حقاق وإن شاء أخرج خمس بنات لبون لوجود المقتضي لأحد الفرضين إلا أن يكون النصاب بنات لبون أو حقاق فيخرج منه ولا يكلف غيره أو يكون مال يتيم أو مجنون فيتعين إخراج أدون مجزئ، وكذا الحكم في أربعمائة فيخير بين إخراج ثمان حقاق أو عشر بنات لبون، ويصح كون الشطر من أحد النوعين والشطر الآخر من النوع الآخر في إخراج عن نحو أربعمائة بأن يخرج عنها أربع حقاق وخمس بنات لبون ولا يجزي عن مائتين حقتان وبنتا لبون ونصف للتشقيص وإن كان أحد الفرضين كاملاً والفرض الآخر ناقصًا لابد له من جبران مثل أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق فيَستعينُ الفرض الكامل، وهو بنات اللبون؛ لأن الجيران بدل فلا يجوز مع المبدل كالمتيمم مع القدرة على استعمال الماء، والجبران: شاتان أو عشرون درهمًا.
س31: ماذا يعمل من وجبت عليه الزكاة وعدم النوعين أو أحدهما أو عيبهما أو عدم كل سن وجب أو عيب كل سن وجب، وهل للجبران دخل في غير الإبل، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: مع عدم النوعين أو عيبهما أو عدم كل سن وَجَبَ أو عيب كل ذات سن مقدر وجب في إبل له العدول إلى ما يليه من أسفل ويخرج جبرانًا أو إلى ما يليه من فوق ويأخذ جبرانًا لحديث الصديق في الصدقات، قال: ومن بلغت عنده الإبل صدقة الجذعة وليس عنده وعنده حقة فإنه تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين أن استيسرنا وعشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده الجذعة؛ فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين إلى آخره؛ فإن عدم ما يليه انتقل إلى ما بعده؛ فإن عدمه
أيضًا انتقل إلى ثالث من فوق أو أسفل ولا يزاد على ذلك ويعتبر كون ما عدل إليه المالك في ملكه؛ لأن جواز العدول إلى الجبران تسهيل على المالك؛ فإن عدمهما تعين الأصل الواجب فيحصله ويخرجُه ولا مَدْخَلَ لجُبْرانٍ في غير إبل؛ لأن النص إنما ورد فيها وغيرها ليس في معناها فامتنع القياس.
من النظم مما يتعلق بزكاة النَّعَم
وسَومُكَ للأنعامِ شرطُ وجُوبها ... برعْيكهَها في أكثَرَ الحوْل قيِّدِ ففي الخمسِ والعشرينَ بنتُ مخاضِها ... فإنْ فُقِدَتْ بابن اللبُون لهَا جُدِ وما دونهَا فالشَاة في كل خمسِها ... وبالنُّصْبِ عَلِّقْ فَرْضَها لا المُزيَّد وبَذْلُ بَعِير موضعَ الشاة لا تجزْ ... وقيلَ بَلَى للنفْعِ مِثْلَ المَجَرَّدِ وفي الستِ نِيْطتْ بالثلاثين بَعدها ... ببنتِ لبَونٍ جُدْ وبالحقَّةِ ارْفِدِ عن الست ثم الأربعين وجذعة ... من النوق عن إحدى وستين زَوِّدِ ولا تكُ من سِتٍ وَسبعينَ باخِلاً ... بِبِنْتَيْ لَبُونٍ فاحذُ قَولِى وقلِدِ وخُذْ حِقَّتَى إحدَى وتِسْعينَ مخْرِجًا ... طَروقَتَي الفَحْلِ الأبيِ المُزَغَّد وفي مَائةٍ مَع خُمْسِها ثُمَّ وَاحِدٌ ... ثلاثُ بُنَيَّات اللبُونِ بأوْكَدِ فإنْ زَادَا عَن هذا عِدَادُ أباعِر ... فَخُذْ حقَّةً عَنْ كل خْمسِينَ ترشدِ وعن أربَعينها جُدْ ببنْت لبونها ... وفي مأتيهَا جَوِّزنْ ذا وَجَوِّدِ وبنتُ لبون خُذْ لفُقْدان حِقَةِ ... وشاتين أو عشرين درهمًا ازْدِد كذلك فابذلْ عندَ أخذكَ حقةً ... مَتَى تلتَمِسْ بنتَ اللبُون فَتَفْقِدِ ووجهَان في شاةِ وعَشُر دَرَاهِمِ ... ويختار رب المال في ذلكم قد ولا ترْضَ عَنْ بنت المخاضِ بدُونها ... ولا من جِذاعٍ فوقَهَا بتزيُّد وضاعِف جُبرانًا لفَقدِ التي تَلِيْ ... في الأقوى والنُوقِ اخْصُصْ الجَبْر وافْرِد وبنتُ مخاضٍ سنُّهَا سَنَةً وَزِدْ ... مَتَى تَنْتَقلْ حَوْلاً إلى أربَعٍ قَدِ وفي كلِّ سِنِّ حولاً ازْدَدْ بمبْعَدٍ ... حكى ابنَ أبي موسَى إلى الخمس فاصْعَدِ
3-
فصل في زكاة البقر
س32: ما الأصل في وجوب زكاة البقر وما دليله؟
ج: الأصل في وجوبها الإجماع في البقر الأهلية ودليلهَ حديثُ أبي ذر مرفوعًا: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها، كلما قعدت أخراها عادت إليه أولاها حتى يقضي بين الناس» متفق عليه، وحديث معاذ، قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصدق أهل اليمن ... الحديث، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
س33: ما أول نصاب البقر وما فرضه؟ وما دليله؟ ووضح ما يحتاج إلى توضيح.
ج: أقل نصاب البقرة ثلاثون، وفيها تبيع أو تبيعة لكل منهما سنة قد حاذى قرنه أذنه غالبًا وهو جذع البقر ويجزي مسن عنه، وفي أربعين مسنة وهي ثنية البقر ألقت سِنًّا غالبًا لها سنتان ويجزي إخراج أنثى أعلى منها بَدَلها ولا يجزي إخراج مُسِن عنها، وفي الستين تبيعان ثم في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة لحديث معاذ بن جبل، قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة» رواه الخمسة وحسنه الترمذي.
وقال ابن عبد البر: هو حديث متصل ثابت وروى يَحْيى بن الحكم أن معاذًا قال: «بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا ومن أربعين مسنة» ، فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين، وما بين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين،
فأبيت ذلك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقدمت فأخبرته، فأخبرني: «أن آخذ من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعًا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعًا، ومن العشرين ومائة ثلاث مُسِنَّات أو أربعة أتباع» ، قال: «وأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أخذ فيما بين ذلك سنًا إلا أن يبلغ مسنة أو جذعًا، وزعم أن الأوقاص لا فريضة لهم» رواه أحمد في مسنده.
س34: إذا بلغت البقر ما يتفق فيه الفرضان فما الحكم؟ وما المواضع التي يجزي فيها إخراج الذكر؟
ج: إذا بلغت ما يتفق فيه الفرضان كمائة وعشرين فكإبل؛ فإن شاء أخرج أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات للخبر المتقدم ولا يجزئ ذَكَرٌ في زكاة إلا هنا وهو التبيع لورود النصّ فيه ويجزي المسن عنه؛ لأنه خير منه وإلا ابنُ لبُون وحق وجذع عندَ عدم بنت مخاض، وإلا إذا كان النصاب من إبل أو بقر أو غنم كله ذكورًا؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله.
4-
فصل في زكاة الغنم
س35: ما أول نصاب الغنم؟ وما فرضه؟ وما دليله؟ ومتى تستقر الفريضة؟
ج: أقل نصاب الغنم أربعون وفيها شاة، وفي إحدى وعشرين ومائة شاتان، وفي واحدة ومائتين ثلاث شياه إلى أربعمائة شاة، ثم تستقر الفريضة واحدة عن كل مائة؛ لحديث ابن عمر في كتابه عليه السلام في الصدقات الذي عمل به أبو بكر بعده حتى توفى، وعمر حتى توفى: «وفي الغنم أربعين شاة إلى عشرين ومائة؛ فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين؛ فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة؛ فإذا زادت بعد فليس فيها شيء بعد حتى تبلغ أربعمائة؛ فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة» رواه الخمسة إلا النسائي، ففي خمسمائة خمس شياة، وفي ستمائة ست شياة، وهكذا وتستقر الفريضة في الغنم إذا بلغت أربعمائة.
س36: تكلم بوضوح عن ما يلي: أخذ الثني هنا، الجذعِ من الضأن؟
ج: يؤخذ من معز ثني هنا وفيما دون خمس وعشرين من إبل وفي جبران وهو ما تم له سنة، ويؤخذ من ضأن كذلك جذع وهو ما تم له ستة أشهر؛ لحديث سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: «أمرنا أن نأخذ الجذع من الضأن والثنية من المعز» ولأنهما يُجْزَيانِ في الأضحية، فكذا هنا ولا يعتبر كونهما من جن سغنمه ولا من جنس غنم البلد؛ فإن وجد الفرض في المال أخذه الساعي وإن كان أعلى خُيِّرَ المالكِ بين دَفعِه وبين تحصيل واجب فيخرجه.
س37: بيّن ما يؤخذ في الزكاة وما لا يؤخذ في هذا الموضع الآتي، وهل يجزي إخراج الفصلان والعجاجيل، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو محترز، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل.
ج: لا يؤخذ تيس حيث يجزي ذكر إلا تيس ضراب لخيره برضا ربه ولا يؤخَذ في زكاة هرمةٌ كبيرةٌ طاعنةٌ في السن ولا معيبة ولا يضحي بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ إلا أن يكو الكل كذلك هو مات أو معيبات فتجزيه منه؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلف إخراجها من غير ماله ولا تؤخذ الربى وهي التي تربي ولدها، قاله أحمد، وقيل: هي التي تربى في البيت لأجل اللبن ولا تؤخذ حامل لقول عمر لا تُؤخذ الربى ولا الماخض ولا تؤخذ طروقة الفحل؛ لأنها تحمل غالبًا ولا تؤخذ كريمة وهي النفيسة لشرفها؛ لما روى بن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذًا إلى اليمن، فقال له: «إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم» ، ولا تؤخذ الأكولة؛ لقول عمر، ولا الأكولة ومراده السمينة إلا أن يشاء ربها أي الرُّبَى، والحامل وطروقة الفحل أو الكريمة أو الأكولة، ويؤخذ مريضة من نصاب كله مراض وتكون وسطًا في القيمة؛ لأن الزكاة وجبت مُواساة وتكليفه الصحيحة عن المراض إخلال بها وتؤخذ صغيرة من صغار غنم لقول الصديق: «لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها» فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق وبتَصوَّرُ كون النصاب صغارًا بإبدال كبار بها في أثناء الحول أو تلد الأمهات ثم تموت ويحول الحَوْل على الصِّغَار ولا تؤخذ صغيرة من صغار إبل وبقر، فلا يجزي فصلان ولا عجاجيل لفرق الشارع بين فرض خمس وعشرين وست وثلاثين من الإبل بزيادة السن، وكذلك بين ثلاثين وأربعين من البقر فيقوم النصاب من الكبار ويقوم فرضه ثم يقوم الصغار وتؤخذُ عن الصغار كبيرة بالقسط محافظة على الفرض المنصوص عليه بلا إجحاف المالك.
س38: إذا اجتمع صغار وكبار وصحاح ومعيبات وذكور وإناث فكيف العمل؟ هل يجوز أن يخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ماله؟
ج: إذا اجتمع في نصاب صغار وكبار إلخ لم يؤخذ إلا أنثى صحيحة كبيرة على قدر المالين الكبار والصغار والمعيبات والذكور والإناث للنهي عن أخذ الصغير والمعيب والكريمة؛ لما روي عن معاوية الغاضري من غاضرة قيس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من فعلهن طُعِمَ طَعم الإيمان: من عَبَدَ الله وحده وعلم أنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدةً عليه كل عام ولا يعطي الهَرِمَة ولا الدَّرنة ولا المريضة ولا الشَّرِّطَ اللئيمة؛ ولكن من وسط أموالكم؛ فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره» رواه أبو داود ولتحصيل المواساة فلو كانت قيمة المخرج لو كان النصاب كله كبارًا صحاحًا عشرين وقيمته لو كان صغارًا مراضًا عشرة وكان النصاب نصفين أخرج صحيحة كبيرة قيمتُها خمسة عشر، إلا شاة كبيرة مع مائة وعشرين سَخَلة فيخرجها أي الصحيحة ويخرج معيبة لئلا تختل المواساة؛ فإن كان النصاب نوعين والجنس واحد كبخاتي وعراب وكبقر وجواميس وكضأن ومَعز أخذت الفريضة من أحدهما على قدر المالين، وتجب في نصاب كِرَامِ ولئام ونصاب سمان ومهازيل الوَسَط بقدر المالين ومَن أخرَجَ عن النصاب من غير نوعه ما ليس في ماله جاز إن لم تنقص قيمته عن الواجب في النوع الذي في ملكه؛ فإن نقصت لم يجز.
س39: إذا أخرج سنًا أعلى من الفرض فما الحكم؟ وما الدليل؟
ج: إن أخرج سنًا أعلى من الفرض من جنسه أجزأه؛ لحديث أبي بن كعب أن رجلاً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا نبيَّ الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي فزعم أن ما عليّ منه بنت مخاض فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الذي وجب عليك؛ فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك» ، فقال: هاهي ذه، فأمر بقبضها، ودعا له بالبركة» رواه أحمد وأبو داود؛ ولأنه زاد على الواجب من جنسه فأجزأه، كما لو زاد العدد فيجزي بنت لبون عن
بنت مخاض وحقة عن بنت لبون وجذعة عن حقة وثنية عن جذَعة ولو كانت عنده المخرج الواجب؛ لحديث أبي بن كعب وتقدم.
من النظم ما يتعلق بصدقة الغنم
وفي الشاة فاجعل أربعين نصابها ... وفيهن شاةٌ حظ جَوْعانَ مُرْمِدِ إلى مائةِ نِيطتْ بعشرينَ بَعْدهَا ... فإنْ زِدْنْ لِلعَافي بشاتينِ زود إلى مائتي شاةٍ فإن زدنْ زكِّهَا ... ثلاثَ شيَاهٍ ثم لا تتزيَّدِ إلى أن توافي أربعًا مِنْ مئَاتِهَا ... فأوْجِبْ عَليها أربعًا في المؤكد وعنه إذا زادت بواحدة على ... ثلاث مِئيهَا أربعًا منة أمْدُدِ ومن بَعْدِ هذا كل مَا مَلكَ الفتى ... على المائةِ اقبضْ منه شاةً وعَدِّدِ وأخْرِج ثنِيَّ المعزِ مُكمْل عَامِهِ ... وكالنصْفِ منه جَذْعُ ضانٍ ليُوْرِدِ ولا تأخذِ الرُّبى وخَلِّ أكولة ... وَزِدْ مَاخِضًا تظفُرْ بترِك التزَيُّدِ وذَاتَ عَوار دعْ وللتَيسِ فاجتنب ... وهرمًا وخُذْ ما بينَ أزْدَى وأجْوَد وسَخْلتَهُ أعْدُدْ مَعْ كبار وَرُدها ... وإن تعطِ فَوقَ الفَرْضِ في السِّنِ تحْمَد وإن تَعْدِ مَنْ شاة الجمال أطلبَنَّها ... وقال أبو بكر بِقِيْمَتِهَا جد
س40: تكلم بوضوح عن إخراج القيمة عن ما وجب في السائمة أو غيرها، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف مع الترجيح.
ج: لا يجزي إخراج قيمة ما وجب في السائمة أو غيرها؛ لما ورد عن معاذ ابن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى اليمن، فقال: «خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقر من البقر» رواه أبو داود وابن ماجه، ومقتضاه عدم الأخذ من غيره؛ لأن المراد بالشيء نهي ضده، ولا فرق بين الماشية وغيرها، قيل لأحمد: أعطى دراهم في صدقة الفطر، فقال: لا تجزي خلاف لسُّنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال في «المنتقى» بعد سياق حديث معاذ بن جبل والجبرانات المقدرة في حديث أبي بكر تدل على أن القيمة لا تشرع وإلا كانت تلك الجبرانات عبثًا.
قال شارح «المنتقى» لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فتقدير الجبرانات بمقدار معلوم لا يناسب تعلق الوجوب بالقيمة.
انتهى.
والقول الثاني: يجوز لقول معاذ: «ائتوني بخميس أو لبيْس آخذه منكم من الصدقة مكان للذرة والشعير؛ فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة» ، وروى سعيد بإسناده، قال: لما قدم معاذ اليمن: «قال ائتوني بعرض ثياب آخذ منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة» .
والقول الثالث: تجزي للحاجة من تعذر الفرض ونحوه واختاره الشيخ تقي الدين، وقيل ولمصلحة أيضًا، واختاره الشيخ تقي الدين أيضًا، قال في «الاختيارات الفقهية» (ص103) : ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه فهذا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة؛ فإنه قد سَاوى الفقير، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة من الإبل وليس عنده شاة؛ فإخراج القيمة كاف ولا يكلف السفر لشراء شاة أو أن يكون المستحقون
طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم فهذا جائز، وقال في «مجموع الفتاوى» فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب المال له بها كسوة وأعطاه فقد أحسن إليه.
انتهى (ص79، 80) ، وهذا القول عندي أنه أرجح؛ لأن المقصود دفع حاجة الفقير ولا يختلف باختلاف صور الأموال بعد اتحاد قدر المالية.
5- فصل في الخلطة
س41: ما هي الخلطة؟ وما الأصل فيها؟ أو ما هي خلطة الأعيان؟ وما هي خلطة الأوصاف؟ وما الحكم؟ وما الدليل على شروط الخلطة؟
ج: الخلطة: بضم الخاء الشركة، والأصل فيها روى البخاري في حديث أنس لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، فإذا اختلط اثنان فأكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً لم يثبت لهما حكم الانفراد في بعضها فحكمها في الزكاة حكم الواحد وسواء كانت خلطة أعيان بأن تكون مثلها فحكمها في الزكاة حكم واحد وسواء كانت خلطة أعيان بأن تكون مشاعًا بينهما، أو خلطة أوصاف: بأن يكون مال كل واحد متميزًا فخلطاه واشتركا في شروط الخلطة؛ لما روى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الخليطان ما اجتمعا على الحوض والفحل والراعي» رواه الخلال.
س42: هل الخلطة تفيد تخفيفًا أو تغليظًا وضح ذلك مع ذكر التمثيل؟
ج: الخلطة تارة تفيد تغليظًا كاثنين اختلطا بأربعين شاة لكل واحد عشرون فيلزمهما شاة أنصافًا ومع عدم الخلطة لا يلزمهما شيء وتارة تفيد الخلطة تخفيفًا كثلاثة اختلطوا بمائة وعشرون شاة لكل واحد أربعون فيلزمهم شاة واحدة أو ثلاثًا ومع عدم الخلطة يلزمهم ثلاث شياه كل واحد شاه ولا أثر لخلطة من لا زكاة عليه كذمي ومكاتب ومدين يستغرق دينه ماله.
س43: إذا بطلت الخلطة بفوات أهلية خليط فما الحكم؟ وتكلم مبينًا ما يلي: إذا لم يثبت لخليطين تحكم الانفراد في بعض الحول؟ إذا ثبت حكم الانفراد في بعض الحول لهما؟ وما المثال الذي يوضح المذكور؟
ج: إذا بطلت الخلطة بفوات أهلية خليط ككونه كافرًا بضم من كان أهل الزكاة ماله الخاص به بعضه إلى بعض وزكاه إن بلغ نصابًا وإلا فلا؛ لأن وجود هذه الخلطة كعدمها ومتى لم يثبت لخليطين حكم الانفراد بعضَ الحول بأن ملكا نصابًا معًا بإرث أو شري ونحوه، وتم الحول بلا قسمة زكياه زكاة خلطة، وإن ثبت حكم الانفراد في بعض الحول للخليطين بأن خلطا في أثناء الحول ثمانين شاة لكل منهما أربعون زكيا للحول الأول كمنفردين كل واحد شاة لوجود خلطة وانفراد في الحول فقدم الانفراد؛ لأنه الأصل والجمع بينهما متعذر وفيما بعد الحول الأول زكاة خلطة إن استمرت؛ فإن اتفق حولاهما فعليهما شاة بالسوية لاستوائهما في المال عند تمام حولها وإن اختلف حولاهما فعلى كل منهما نصف شاة عند تمام حوله إلا أن يخرجها الأول من المال فيلزم الثاني ثمانون جزأ من مائة وتسعة وخمسين جزءًا من شاة، ثم كلما تم حول أحدهما لزمه من زكاة الجميع بقدر ماله.
س44: ما مثال ثبوت الحكم لأحد الخليطين؟ وإذا ثبت فما الذي يلزم؟
ج: إن ثبت حكم الانفراد لأحدهما وحده بأن ملكا نصابين فخلطاهما ثم باع أحدهما نصيبه أجنبيًا؛ فإذا تم حول من لم يبع لزمه زكاة انفراد شاة وإذ تم حول المشتري لزمه زكاة خلطة نصف شاة إلا أن يخرج الخليط الأول الشاة من المال فيلزم الثاني أربعون جزءًا من تسعة وسبعين جزءًا من شاة ثم كلما تمَّ حولُ أحدهما لزمه من زكاة الجميع بقدر ملكه فيه ويثبت أيضًا حكم الانفراد لأحدهما بخلط من له دون نصاب بنصاب لآخر بعض الحول كثلاثين
شاة بأربعين فمالك النصاب عليه للحِولِ الأول ورب الثلاثين عليه ثلاثة أسباع شاة إذا تم حول الخلطة؛ لأنه لم يثبت له حكم الانفراد إذ لا ينعقد له حول قبل الخلطة لنقص النصاب.
س45: بين حكم ما إذا ملك إنسان نصابًا شهرًا ثم ملك آخر لا يتغير به الفرض؟ ومثل لذلك؟ ولما إذا كان الثاني يتغير به الفرض؟
ج: مثال الأول وهو ما لا يتغير به الفرض كمن ملك أربعين شاة في المحرم ثم ملك أربعين في صفر فعليه زكاة النصاب الأول فقط إذا تم حوله؛ لأن الجميع ملك واحد فلم يزد الواجب على شاة كما لو اتفقت الحولان وإن تغير الفرض بما ملكه ثانيًا إذا تم حوله كما لو اتفق حولاهما وقدرها بأن ينظر إلى زكاة الجميع وهو مائة وأربعون في المثال فيسقط منها ما وجب في النصاب الأول وهو شاة ويجب الباقي من زكاة الجميع في النصاب الثاني وهو شاة وإن لم يتغير به الفرض ولم يبلغ نصابًا كخمس بقرات ملكها بعد الثلاثين بقرة فلا شيء في الخمس، ومن له ستون كل عشرين منها مختلطة مع عشرين لآخر ببلد واحد أو بلاد متقاربة فعلى الجميع شاة؛ لأن الخلطة صيرته كمال واحد نصف الشاة على صاحب الستين ونصفها على خلطاته على كل خليط سدس بنسبة ماله، وإن كانت الستون كل عشر منها مختلطة مع عشر لآخر فعلى صاحب الستين شاة لملكه نصابًا ولا شيء على خلطاته لعدم ملك واحد منهم نصابًا ولا أثر لخلطة فيما دون النصاب.
س46: بين الحكم فيما إذا كانت ماشية الرجل متفرقة في بلدين لا تقصر بينهما الصلاة؟
ج: إذا كانت ماشية الرجل متفرقة في بلدين فأكثر لا تقصر بينهما الصلاة
فهي كالمجتمعة يضم بعضها إلى بعض فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: أن لكل مال حكم نفسه يعتبر على حدته إن كان نصابًا ففيه الزكاة وإلا فلا ولا يضم إلى المال الذي في البلد الآخر، نص عليه.
قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد واحتج بظاهر قوله –عليه السلام-: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» ، وهذا مفرق فلا يجمع ولأنه لا أثر اجتماع مالين لرجل في كونهما كمال الواحد يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد حتى يحمله كالمالين.
الرواية الثانية: قال فيمن له مائة شاة في بلدان متفرقة لا يأخذ المصدق منها شيئًا؛ لأنه لا يجمع بين متفرقة وصاحبها إذا ضبط ذلك وعرفه أخرج هو بنفسه يضعها في الفقراء، وروي هذا عن الميموني وحنبل، وهذا يدل على أن زكاتها تجب مع اختلاف البلدان إلا أن الساعي لا يأخذها لكونه لا يجد نصابًا كاملاً مجتمعًا ولا يعلم حقيقة الحال فيها؛ فأما المالك العالم بملكه نصابًا كاملاً فعليه أداء الزكاة، وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب سائر الفقهاء.
قال مالك: أحسن ما سمعت فيمن كانت له غنم على راعيين متفرقين ببلدان شتى أن ذلك يجمع على صاحبه فيؤدي صدقته، وهذا هو الصحيح إن شاء الله؛ لقوله –عليه السلام-: «في أربعين شاة شاة» ؛ ولأنه ملك واحد أشبه ما لو كان في بلدان متقاربة أو غير سائمة ونحمل كلام أحمد على أن المصدق لا يأخذها؛ وأما رب المال فيخرج فعلى هذا يخرج الفرض في أحد البلدين؛ لأنه موضع حاجة.
انتهى من «المغني» .
س47: هل تؤثر الخلطة في غير السائمة؟ وما الذي تختص به من غير هذا؟
ج: لا تؤثر الخلطة في غير السائمة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «والخليطان ما اشتركا في الحوض والفحل والراعي» فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» إنما يكون في
الماشية؛ لأن الزكاة يقل جمعها تارة ويكثر أخرى وسائر الأموال يجب فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر لجمعها؛ ولأن الماشية تؤثر في النفع تارة وفي الضرر أخرى وفي غير الماشية تؤثر ضررًا محضًا برب المال فلا يصح القياس وعلم مما تقدم أن زكاة السائمة تختص بأمور: أحدها: الخلطة.
الثاني: الجبران في زكاة الإبل.
الثالث: تأثير التفرق في مسافة القصر.
الرابع: أنها لا زكاة في وقصها.
س48: من أين يأخذ الساعي ما وجب في مال الخلطة؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل؟ ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل؟
ج: يجوز لساع يجبي الزكاة أخذ ما وجب في مال الخلطة من مال أي الخليطين شاء مع الحاجة وعدمها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما كان من خليطين؛ فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» أي أخذ الساعي الزكاة من مال أحدهما؛ ولأن المالين قد صارا كالمال الواحد في وجوب الزكاة فكذا في إخراجها فيرجع مأخوذ منه زكاة جميع مالِ خلطة على خليطه بقيمة القسط الذي قابل ماله من المخرج زكاة للخبر وتعتبر قيمته يوم أخذ ساع له لزوال ملكه إذن عنه فيرجع رب خمسة عشر بعيرًا من أصل خمسة وثلاثين بعيرًا خلطة على رب عشرين بقيمةِ أربعة أسباع بنت مخاض من مال رب العشرين رجع على رب الخمسة عشر بثلاثة أسباعها؛ لأن الخمسة عشر ثلاثة أسباع المال وعلى نحو هذا حسابهما.
س49: هل يقبل قول مرجوع عليه في قيمة مخرج من خليط؟ وإذا أخذ الساعي أكثر من الواجب فما الحكم؟ وهل يجزي إخراج خليط بدون إذن خليطه؟
ج: يقبل قول مرجوع عليه في قيمته مخرج بيمينه إن عدمت البينة واحتمل صدقه ويرجع مأخوذ منه على خليطه بقسط زائد عن واجب بقول
بعض العلماء كأخذ صحيحة عن مراض أو كبيرة عن صغار وكذا لو أخذ قيمة الواجب؛ لأن الساعي نائب الإمام فعله كفعله، قال المجد: فلا ينقض كما في الحكم، قال الموفق والشارح: ما أداه اجتهاده إليه وصار دفعه بمنزلة الواجب؛ ولأن فعل الساعي في محل الاجتهاد سائغ نافذ فترتب عليه الرجوع لسوغانه، قال في الفروع: وإطلاق الأصحاب يقتضي الإجزاء أي في أخذ القيمة ولو اعتقد المأخوذ منه عدمه.
انتهى.
ويجزي إخراج خليط بدون إذن خليطه في غيبته وحضوره والاحتياط بإذنه ولا يرجع مأخوذ منه بقسط زائد أخذه ساع ظلمًا بلا تأويل كأخذه عن أربعين شاة مختلطة شاتين، وعن ثلاثين بعيرًا جذعة من مال أحدهما فلا يرجع في الأولى إلا بقيمة نصف شاة، وفي الثانية إلا بقيمة نصف بنت مخاض؛ لأن الزيادة ظلم فلا يرجع به على غير ظالم أو متسبب في ظلمه.
انتهى من «المنتهى وشرحه» باختصار.
قال في «الاختيارات الفقهية» ؛ وإن أخذ الساعي أكثر من الواجب ظلمًا بلا تأويل من أحد الشريكين ففي رجوعه على شريكه قولان أظهرهُما الرجوع وكذلك في المظالم المشتركة التي يطلبها الولاة من الشركاء أو الظلمة من البلدان أو التجار أو الحجيج أو غيرهم والكلف السلطانيّة على الأنفس والدواب والأموال يلزمهم التزام العدل في ذلك كما يلزم فيما يؤخذ بحق فمن تعيب أو امتنع فأخذ من غيره حصته يرجع المأخوذ منه على من أدى عنه في الأظهر إن لم يتبرع (ص99) من «الاختيارات» .
6-
باب زكاة الخارج من الأرض
س50: ما المراد بالخارج من الأرض وما الأصل في زكاته؟
ج: المراد الزرع والثمار والمعدن والركاز وما هو في حكم ذلك كعسل النحل، والأصل في وجوب الزكاة في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ ، والزكاة تسمى نفقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال ابن عباس: حقه الزكاة، ومن السُّنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه، وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عتريًّا العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي، وعن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر» أخرجه مسلم وأبو داود، وأجمع أهل العلم عن أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، قاله ابن عبد البر وابن المنذر.
س51: ما الذي تجب فيه من الحبوب والثمار، اذكره موضحًا مع التمثيل؟
ج: تجب الزكاة في كل مكيل مدخر من قوت وغيره، ويدل لاعتبار الكيل حديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه.
ولأنه لو لم يدل على اعتبار الكيل لكان ذكر الأوسق لغوًا ويدُلُّ لاعتبار الإدخار أن غير المدخر لا تكمل فيه النعمة لعدم النفع به مآلاً؛ أما الحبوب فالقمح والشعير والذرة والحمص والعدس، والباقلاء من الثمر والزبيب؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ وعن عتاب بن أسيد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم» رواه الترمذي، وعنه أيضًا قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرص العنب كما نخرص النخل فيؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النحل تمرًا» رواه الترمذي.
وحديث: «لا زكاة في حب ولا تمر حتى يبلغ خمسة أوسق» رواه مسلم دل على وجوب الزكاة في الحب والتمر وانتفائها من غيرهما وتقدم بعض الأدلة قريبًا.
س52: ما الذي لا تجب فيه الزكاة من الثمار؟ وهل تجب في الخضروات؟
ج: لا تجب في عُناب وزيتون ومشمش ولا في بقية الفواكه كتفاح وإجاص وكمثرى ورمان وسفرجل ونبق وموز وخوخ وأترج وتوت وتين وبقية الفواكه وطلع فحال وقصب وخضروات وبقول؛ لما روى الدارقطني عن علي مرفوعًا: «ليس في الخضروات الصدقة» ، وله عن عائشة معناه، وللأثرم بإسناد عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه كتب إلى عمر وكان عاملاً على الطائف أن قبلة حيطانها فيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافًا فكتب يستأمره في العشر فكتب إليه عمر أنه ليس عليها عشر والفرسك الخوخ، واختار الشيخ تقي الدين وجوبها في التين، وقال في الفروع: الأظهر الوجوب في العناب، قال: فالتين والمشمش والتوت مثله.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س53: ما الذي يشترط لوجوبها في الحبوب والثمار؟
ج: يشترط لما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار شرطان: أحدهما: أن يبلغ نصابًا بعد التصفية في الحبوب وبعد الجفاف في الثمار، وجفاف ورق وقدر النصاب خمسة أوسق؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» رواه الجماعة وهو خاص يقضي على كل عام ومطلق؛ ولأنها زكاة مال فاعتبر لها النصاب كسائر الزكوات.
الشرط الثاني: أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ فلا تجب فيما يكتسبه اللقاط أو يأخذه بحصاره ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم والزعبل ونحوه؛ لأنه لا يملك شيئًا من ذلك وقت الوجوب ولا يشترط لوجوب زكاة فعل زرع فيزكي نصابًا حصل من حب له سقط بنحو سيل أو غيره بأرض ملكه أو بأرض مباحة؛ لأنه يملكه وقت وجوب الزكاة.
س54: ما مِقدار نصاب الحب والثمر في الآصُع والأرطال، وإذا شك في بلوغه نصابًا فما حكم ذلك؟
ج: مقداره (300) ثلاثمائة صاع؛ لأن الوسق ستون صاعًا إجماعًا وبالأرادب سنة وربع وبالرطل العراقي ألف وستمائة، وبالمصري ألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلاً وأربعة أسباع، وبالدمشقي ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً وسنة أسباع، وبالحلبي مائتان وخمسة وثمانون رطلاً وخمسة أسباع رطل حلبي، وبالرطل القدسي مائتان وسبعة وخمسون رطلاً وسبع رطل والوسق والصاع والمد مكاييل نقلت إلى الوزن لتحفظ وتنفل والمكيل منه ثقيل كأرز وتمر ومنه متوسط كبر وخفيف كشعير والاعتبار بمتوسط فيجب في خفيف قارب هذا الوزن، وإن لم يبلغه فمن اتخذ ما يسع صاعًا من جيد البر عرف به ما يبلغ حد الوجوب من غيره، ومتى شك في بلوغه للنصاب احتاط وأخرج الزكاة ليخرج من عهدتها ولا يجب عليه الإخراج إذن؛ لأنه الأصل أي عدم بلوغ النصاب فلا يثبت بالشك.
وزكِّ حُبُوبًا والثمارَ وشَرْطُهُ إدْ ... دِخَارٌ وَكيلٌ أو بوَزن مُحَدّدِ وسيان زرع والنبات وقوتنا ... وغير الذي يقتات من كل مُرصَدِ كبر وسلت والشعير ودخنهم ... كذا ذرة تمر زبيب فعَدِّدِ وقدر نصاب الكل خمسة أوسق ... ووسقهم ستون صاعًا وذا اعْدُدِ بخمسة أرطال وثلث عراقيًا ... وألف وست من مآت لها احْدُدِ إذا ما صفى حبُّ وحفَّت ثماره ... فحينئذ وقت اعتبارك فاجهدِ وعنه اعتبر رطب النخيل وكرمهم ... وخُذْ عُشْره مِن يَابِس مُتجَمِّدٍ وملكُ النصاب اشرطه وقت وجوبها ... فلا شَيءَ في لَقَطٍ وَأجْرَةِ حُصَّدِ ولا في مباح نحو بطم وزعْبَل ... وإن تجن من مُلك فقد قيل أورد
س55: هل تضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب؟ وإذا كان الإنسان نخل يحمل السنة حملين فهل يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وهل يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب؟
ج: تضم ثمرة العام الواحد إذا اتخذ الجنس ولو اختلف النوع ويضم زرع العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب إذا اتخذ الجنس، ولو اختلف وقت اطلاعه ووقت إدراكه بالفصول كما اتحد؛ لأنه عام واحد وسواء تعدد البلد أو لا؛ فإن كان له نخل تحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر؛ لأنها ثمرة عام واحد فضم بعضها إلى بعض كزرع العام الواحد وكالذرة التي تنبت في السنة مرتين؛ لأن الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد كما لو لم يكن حمل أول فكذلك إذا كان؛ لأن وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعًا بدليل حمل الذرة وليس المراد بالعام هنا بإثني عشر شهرًا، بل وقت استغلال المغل من العام عرفًا وأكثره ستة أشهر بقدر فصلين، وقل: إن كان له نخل يحمل في السنة حملين فلا يضم إلى الآخر؛ لأنه حمل ينفصل عن الأول فكان حكمه حكم عام آخر كحمل عام آخر كحمل عامين بخلاف الزرع، فعليه لو كان له نخل يحمل بعضه في السنة حملاً وبعضه حملين، ضم ما يحمل حملاً إلى أيهما بلغ معه، وإن كان بينهما فإلى أقربهما إليه ولا تضم ثمرة عام واحد ولا زرعه إلى ثمرة عام آخر، ولا يضم جنس من ثمر أو زرع إلى جنس آخر في تكميل النصاب كأنواع الماشية والنقدين ولا تضم حنطة إلى شعير ولا تمر إلى زبيب ونحوه؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها بخلاف الأنواع فانقطع القياس.