كتاب الاعتكاف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
س164: عَرِّف الاعتكاف لغةً وشرعًا؟ وما سنده وما شروط صحته؟
ج: الاعتكاف لغةً: الاحتباس واللزوم، ومنه قوله:
فبانَتْ بنَاتُ الليل حَولي عواكفًا ... عكوفَ بواك حَوْلَهنَّ صَريعٌ
... وشرعًا: لزوم مسلم لا غسل عليه عاقل ولو مميزًا مسجدًا لطاعة الله تعالى على صفة مخصوصة، ولا يبطل اعتكاف بإغماء، وسن اعتكاف كل وقت لفعله -عليه الصلاة والسلام- ومداومته عليه واعتكف أزواجه معه وبعده وهو في رمضان آكد؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم - وآكد رمضان عشره الأخير؛ لحديث أبي سعيد: «كنت أجاور هذا العشر -يعني الأوسط-، ثم بدا ي أن أجاور هذا العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه» ؛ولما فيه من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وشرط صحته ستة أشياء: النية، والإسلام، والعقل، والتمييز، وعدم ما يوجب الغسل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» الحديث وتقدم، وكونه بمسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ ويُزاد في حق من تلزم الجماعة أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة.
قال في «الشرح الكبير» : لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنها واجبة عليه فلا يجوز تركها.
س165: متى يجب النذر؟ وإذا علق النذر أو غيره بشرط، فما الحكم؟ وهل يصح بلا صوم؟ وتكلم عن حكم اعتكاف الزوجة والقن والمكاتب من دون إذن زوج وسيد؟ وهل لهما تحليلهما ممَّا شرعا فيه بلا إذن؟
ج: يجب اعتكاف بنذر؛ لحديث من نذر أن يطيع الله فليطعه، وإن علق نذر اعتكاف أو غَيره كنذر صوم أو عتق بشرط كأن شفى الله مريضي لأعتكفنّ أو لأصومنّ كذا تقيَّدَ به فلا يلزم قبله كطلاق، ويصح اعتكاف بلا صوم؛ لحديث عمر: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أوف بنذرك» رواه البخاري.
ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل وكالصلاة وسائر العبادات، وحديث عائشة: «لا اعتكاف إلا بصوم» موقوف عليها ذكره بـ «المغني» و «الشرح الكبير» وغيره، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب، ومن نذر أن يعتكف صائمًا أو نذر أن يعتكف بصوم أو نذر أن يصوم معتكفًا أو باعتكاف أو نذر أن يعتكف مصليًا لزمه الجمع، أو نذر أن يُصلي معتكفًا لزمه الجمع بين الاعتكاف والصيام والصلاة؛ لحديث: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» وقيس عليه الصلاة؛ ولأن كلا منهما صفة مقصودة في الاعتكاف فلزمت بالنذر كالتتابع والقيام في النافلة، وكنذر صلاة بسورة معينة من القرآن، ولا يجوُز لزوجة وقن وأم ولد ومدبر ومعلق عتقه بصفة اعتكاف بلا إذن زوج لزوجة، ولا إذن سيد لرقيقه لتفويت حقهما عليهما، ولزوج وسيد تحليل الزوجة، والقن مما شرعا فيه بلا إذن؛ لحديث: «لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه» رواه الخمسة وحسنه الترمذي؛ ولما فيه من تفويت حق غيرهما بغير إذنه فكان لربِّ الحق المنعُ منه كمنع مالك غاصِبًا، وإن كان الاعتكاف بإذن من الزوج والسيد فلهما تحليلهما إن كان تطوعًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف، ثم منعهن منه بعد أن دخلن؛ ولأن حق الزوج والسيد واجب والتطوع لا يلزم بالشروع؛ لأن لهما المنع منه ابتداء فكان لهما المنع دوامًا كالعارية، ويخالف الحج؛ لأنه يلزم بالشرع ويجب المضي في فاسده، وليس لهما تحليلهما من منذور شرعًا فيه بالإذن ولمكاتب اعتكاف بلا إذن سيده ولمكاتب حج بلا إذن كاعتكاف وأولى
ما لم يَحلَّ عليه نجم من كتابته؛ فإن حلّ لم يحج بلا إذن سيده ومبعض كقن كله فلا يجوز له ذلك إلا بإذن سيده؛ لأن له ملكًا في منافعه كل وقت إلا مع مهايأة فله أن يعتكف ويحج في نوبته بلا إذن مالك بعضه؛ فإنه في نوبته كحر لملكه اكتسابه ومنافعه.
س166: ما الأفضل لمن تخلل اعتكافه جمعة؟ وإذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فما حكم ذلك؟ وما الذي يتعين من المساجد بالنذر؟ وما زيد في المسجد فهل حكمه حكم المسجد؟ وما أفضل المساجد؟
ج: الأفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعةٌ أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة حتى لا يحتاج إلى الخروج إليها منه ولا يلزمه؛ لأن الخروج إليها لابد له منه كالخروج لحاجته، ويتعين جامع لاعتكاف إن عين بنذر فلم يجزيه في مسجد لا تقام فيه الجمعة حيث عين الجامع بنذره، ولمن لا جمعة عليه أن يعتكف بغير الجامع من المساجد، ومن المسجد سطحه، ومن المسجد رحبته المحوطة ومنارته التي هي أو بابها بالمسجد، ومنه ما زيد فيه حتى في الثواب في المسجد الحرام.
وعند جمع منهم الشيخ تقي الدين وابن رجب، وحكي عن السلف، ومسجد المدينة أيضًا زيادته كهو؛ لما روى أبو هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي» .
وقال عمر: لمّا زاد في المسجد لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن رجب في «شرح البخاري» :
وقد قيل إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة؛ وإنما خالف بعض المتأخرين من أصحابنا ومَن عيَّنَ بنذره مسجدًا غير المسجد الحرام
ومسجد المدينة والمسجد الأقصى لم يتعَين؛ لحديث أبي هريرة
مرفوعًا: «لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه.
ولو تعَيَّن غيرها بالتعيين لزم المضي إليه واحتاج إلى شد رحل لقضاء نذره.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» متفق عليه.
ولأن الله تعالى لم يعين لعبادته مكانًا في غير الحج، وأفضل المساجد المسجد الحرام فمسجد المدينة، فالمسجد الأقصى؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سِوَاه إلا المسجد الحرام» رواه الجماعة إلا أبا داود.
وفي رواية: فإنه أفضل من نذر اعتكافًا أو صلاة في أحدها لم يجزئه في غيره إلا أن يكون أفضل منه، فمن نذر في المسجد الحرم لم يجزئه غيره ولا يتعين غيره من المساجد، وَن نذر في مسجد المدينة أجزأه فيه، وفي المسجد الحرام، ومن نذر في الأقصى أجزأه فيه، وفي مسجد المدينة، وفي المسجد الحرام؛ لحديث جابر أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صل هنا» ، فسأله، فقال: «شأنك إذًا» رواه أحمد وأبو داود.
س167: ما الذي يبطل به الاعتكاف؟ وإذا نذر زمنًا معينًا فمتى يشرع فيه؟ وإذا نذر عددًا معينًا فهل له تفريقه؟ وإذا نذر ليلة فهل يدخل اليوم؟ وضِّحه مع العكس؟ وإذا نَذَرَ يومًا فهل له تفريقه ساعات؟
ج: ويبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد لغَيْر عذر؛ لقول عائشة: «السنُّة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابد له منه» رواه أبو داود.
وحديث: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفق عليه.
ويبطل الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ فإذا حرم الوطء في العبادة أفسدها كالصوم والحج ولا كفارة نص عليه.
وروى حرب عن ابن عباس: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف الاعتكاف، ويبطل الإنزال بالمباشرة دون الفرج؛ لعموم الآية ويبطل بالردة؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ، ويبطل السكر لخروج السكران عن كونه من أهل المسجد، ومن نذر زمنًا معينًا شرع فيه قبل دخول المعين وتأخر عن الغروب حتى ينقضي، ومن نذر زمنًا معينًا صومًا أو اعتكافًا ونحوه تابع وجوبًا، ومن نذر أن يصوم عددًا من أيام غير معينة فله تفريقه ما لم ينوي تتابعًا، ولا ندخل ليلة يوم نذر اعتكافه؛ لأنها ليست منه.
قال الخليل صاحب كتاب «العين» : اليوم اسم لما بَيْنَ طلوع الفجر وغرُوب الشمس، كما لا يدخل يوم ليلة نذر اعتكافها؛ لأن اليوم ليس في الليلة، ومن نذر يومًا لم يجز تفريقه ساعات من أيام؛ لأنه يفهم منه التتابع كقوله متتابعًا، ومن نذر شهرًا مطلقًا فلم يعين كونه رمضان أو غيره تابع وجوبًا لاقتضائه ذلك كما لو حلف لا يكلم زيدًا شهرًا وكمدة الإيلا ونحوه، ومن نذر أن يعتكف ونحوه يومين فأكثر متتابعة أو نذر أن يعتكف ليلتين فأكثر متتابعة لزمه ما بين ذلك من ليل أو نهار.
س168: ما الذي يسوغ للمعتكف أن يخرج له؟ وما حكم خروجه وشروط الخروج لما يلزمه خروج إليه؟ وما حكم شرط التجارة أو شرط التكسب بالصنعة في المسجد؟ واذكر أمثلة لا يتّضح إلا بالتمثيل؟ واذكر ما تستحضره من الدليل أو التعليل.
ج: يحرم خروج من لزم تتابع مختارًا ذكرًا لاعتكافه إلا لما لابدّ منه كإتيانه بمأكل ومشرب؛ لعدم من يأتيه به وكقيء بَغَتَه وغسل متنجس يحتاجه وكبول وغائط وطهارة واجبة كوضوء وغسل ولو قبل دخول وقت الصلاة؛ لأنه لابد منه للمحدث؛ لحديث عائشة: «السُّنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابدَّ له منه» رواه أبو داود.
وقالت أيضًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفق عليه.
وحاجة البول والغائط لاحتياج كل إنسان إلى فعلهما، وله المشي على عادته وله قصد بيته إن لم يجد مكانًا يليق به بلا ضرر ولا منه وله غسل يده بمسجد في إناء من وسخ وزفر ونحوهما ويفرغ الإناء خارج المسجد.
ولا يجوز للمعتكف ولا لغيره بول ولا فَصد ولا حجامة بإناء في المسجد ولا في هواء المسجد؛ لأنه لم يُبن لذلك فوجبت صيانة المسجد عنه وهواؤه كقراره، وله الخروج إلى جمعة وشهادة لزمناه لوجوبهما بأصل الشرع، وكمريض وجنازة تعين خروجه إليهما، وله شرط الخروج إلى ما لا يلزمه خروج إليه من الجماعة والشهادة والمريض والجنازة، ومن كل قربة لم تتعين عليه كزيارة صديق وصلة رحم، أو ماله منه بُدَّ وليس بقربة كشرط عشاء ومبيت بمنزله، ولا يصح شرط الخروج إلى التجارة أو شرط التكسب بالصنعة في المسجد ونحوهما، كالخروج لما شاء؛ لأنه ينافيه، وكما لابد منه في جواز الخروج تعين نفير لنحو عدو فجاءهم وتعين إطفاء حريق، ولمرض يتعذر معه المقام ولِتَعَيُّنِ إنقاذ غَرِيق، ورَدِّ أعْمَى عن بِئر أو حَيَّة؛ لأنه يجوز له قطع الواجب بأصل الشَّرْع.
ويجوز الخروج لخوف فتنة على نفسه أو حرمته أو ماله نهبًا ونحوه، وإن أكرهه سلطان أو غيره على الخروج من معتكفه بأن حمل وأخرج أو هدّده
قادر بسَلْطنةٍ أو تغلب كلص وقاطع طريق فخرج بنفسه لم يَبطل اعتكافه بذلك؛ لأن مثل ذلك يبيح ترك الجمعة والجماعة، وكذا عدة وفاة إذا مات زوج معتكفة فلها الخروج لتعتد في منزلها لوجوبه بأصل الشرع، وكذا حاجة معتكف لفصد أو حجامة.
س169: إذا خرج معتكف في اعتكاف واجب لعذر فما حكم الرجوع في حقه؟ وهل يضر تطاول الخروج لعذر وضح ذلك مع تبيين ما يلزم من قضاء أو كفارة؟
ج: يجب على معتكف في اعتكاف واجب خرج لعذر يُبيحُه رجوع إلى معتكفه بزوال عذر؛ لأن الحكم يدور مع علته؛ فإن أخر رُجوعه عن وقت إمكانه فكما لو خرج لما له منه بد، ولا يضر تطاول عذر معتاد وهو حاجة الإنسان وطهارة الحدث والطعام والشراب والجمعة، ويضرّ تطاول في غير معتاد كنفير ونحوه، ففي نذر متتابع كشهر غير معين يُخير بين بناءٍ على ما مضى من اعتكافه وقضاء فائتِ مع إخراج كفارة يمين أو استئناف لمنذور من أوله ولا كفارة؛ لأنه أتى به على وجهه أشبه ما لو لم يسبقه اعتكاف وفي نذر معين كشهر رمضان يقضي ما فاته منه بخروجه ويكفر كفارة يمين لتركه المنذور في وقته.
وفي نذر أيام مطلقة كعشرة أيام تمم ما بقي منها بالاعتكاف فيه بلا كفارة لكنه لا يبني على بعض ذلك اليوم الذي خرج فيه، بل يستأنف بدله يومًا كاملاً لئلا يفرقه.
س170: ما الذي يستحب للمعتكف أن يشتغل به؟ وما الذي يجب عليه اجتنابه؟ والذي له فعله والذي يكره له؟ وتكلم بوضوح عن حكم الصَّمت إلى الليل؟ وإذا نذر الصمت إلى الليل فما الحكم؟ واذكر أمثلة توضِّح ذلك.
ج: يُسن لمعتكف التشاغل بفعل القربى، واجتناب ما لا يعنيه من جدال ومراء وكثرة كلام وغيره؛ لقوه - صلى الله عليه وسلم -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» حديث حسن رواه الترمذي وغيره؛ ولأنه مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى.
روى الخلال عن عطاء، قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن نقرأه أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تنطق في معيشتك بما لابد لك منه، ولا بأس أن تزوروه زوجته في المسجد وتتحدث معه وتصلح رأسه أو غيره ما يتلذذ بشيء منها، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يُكثر؛ لأن صفيِّة زارته - صلى الله عليه وسلم - فتحدث معها ورجّلَت عائشة رأسه، ويكره الصمت إلى الليل.
وقال الموفق والمجد: ظاهر الأخبار تحريمه وجزم به في «الكافي» .
وقال في «الاختيارات الفقهية» : والتحقيق في الصمت أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حرامًا كما قال الصديق، وكذا إن تعبَّد بالصمت عن الكلام المستحب والكلام الحرام يجب الصمت عنه.
انتهى.
وإن نَذَر الصَّمْتَ لم يف به لحديث عليَّ: حفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صُمَات يوم إلى الليل» رواه أبو داود.
وعن ابن عباس قال: بَينَا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مروه فليستظل وليتكلم وليقعد وليتم صومه» رواه البخاري وابن ماجه وأبو داود.
ودخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها: زينب فرآها لا تتكلم، فقال: «ما لها لا تتكلم؟» فقالوا: حجَّت مصمتة، فقال لها: «تكلّمِي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية» فتكلمت، رواه البخاري.
ويجمع بين قول الصديق هذا، وقوله: «من صمت نجا» بأن قوله الثاني محمول على الصمت عما لا يعنيه، كما قال تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ .
ومما يتعلق بالاعتكاف من النظم
وإن اعتكافًا للتعبد سُّنة ... يُحَتّمُهُ نَذْرُ اللُّزوم بمسجد وليس بشرط أن يصوم لأجله ... ويشَرط قصد مع جماعة مسجد لمن لزمته افهم وجوّز لمرأة ... سوى مسجد في بيتها كل مسجد وفيما له شد الرحال إن نذرته ... بأفضلها يجزي لما دونه قد وإن ينذرن في غيرها من معيّن ... النبيّ وبالأقصى تمام التعبُّد وتدخل إن عيَّنت شهرًا وعشرة ... فلا يلزم التعيين يا ذا التسدُّد ومن قبل فجر والغروب لمن نوى ... بآخر جزء الماضي في المتأكد ولا تخرجن منه بغير ضرورة ... ليوم وليل ثم بعدهما أشرد ويبطل كل الاعتكاف بردّة ... كحاجة إنسان وَوَاجِب مَقْصَدِ وسكر الفتى ثم الخروج لما له ... وإنزال لمس الخود مَعَ وَطْءِ خُرّدِ كتشييع ميتٍ أو زيارة عالم ... غنى عنه لا المشروط مع قربة قَد وجانب مماراةً وما ليس عانِيًا ... وعَوْدِ مَريض شَيعَن فيه أوعد وفيه تقرب للذي أنت عاكفًا ... وصمت نهارًا مطلقًا عنه فاصدد وفيه تقرب للذي أنت عاكفًا ... لعزته واطلب فنون التعبُّد
س171: بيِّن حكم جعل القرآن بدلاً من الكلام؟ وبيِّن حكم الرجوع إلى تفسير الصحابي؟ وما حكم النظر في كتب أهل الكلام وأهل البدع؟ وما حكم تفسير القرآن باللغة والرأي؟ واذكر أمثلة توضَّح المشكل.
ج: يجوز تفسير القرآن بمقتضى اللغة لأنه عربي وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ .
وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ المراد بالأحكام، ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي من غير لغة ولا نقل، فمن قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار وأخطأ ولو أصاب؛ لما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا:
«من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسّنه.
وعن سهل بن حزم عن أبي عمران الجوني عن جندب مرفوعًا: «من قال في القرآن برأيه فأصابه فقد أخطأ» .
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: غريب، وسهيل ضعفه الأئمة.
وقد روي هذا المعنى عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين، ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام مثل أن يرى رجلاً جاء في وقته فيقول: «ثم جئت على قدر يا موسى» ويلزم الرجوع إلى قول الصحابي؛ لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل فهو أمارة ظاهرة، ولا يلزم الرجوع إلى تفسير التابعي؛ أن قوله ليس بحجة على المشهور.
قال بعضهم: ولعل مراد غيره إلا أن ينقل ذلك عن العرب قاله في الفروع، ولا يعارضه ما نقله المروزي ننظر ما كان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن لم يكن فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين لإمكان حمله على إجماعهم لا على ما انفرد به أحدهم قاله القاضي.
ولا يجوز النظر في كتب أهل الكتاب؛ أن - صلى الله عليه وسلم - غضب حين رأى مع عمر صحيفة من التوراة، وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب» الحديث، ولا النظر في كتب أهل البدع، ولا النظر في الكتب المشتملة على الحق والباطل، ولا روايتُها لما في ذلك من إفساد العقائد.
س172: تكلم عن حفظ القرآن الكريم وفضله؟ والواجب حفظه منه؟ , وحكم ختمه في كل أسبوع؟ وحكم تأخير ختمه فوق أربعين يومًا؟ وحكم التعوذ قبل القراءة؟ وهل القرآن يتفاوت في الفضل؟ وضِّح ذلك.
ج: يُستحب حفظ القرآن إجماعًا، وحفظه فرض كفاية إجماعًا، والقرآن أفضل من سائر الذكر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الرب سبحانه وتعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
لكن الاشتغال بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات أفضل من الاشتغال بتلاوة القرآن، والقرآن أفضل من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الصحف.
وبعض القرآن أفضل من بعض إما باعتبار الثواب أو باعتبار متعلقه كما يدل عليه ما ورد في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والفاتحة وآية الكرسي.
ويُبْدِئُ الصَّبيَّ وليُّه بِه قبل العلم فيقرأه كله؛ لأنه إذا قرأ أولاً تعَوَّدَ القراءة ثم لزمها إلى أن يعسر عليه حفظ كله فيقرأ ما تيسر منه، والمكلف يقدم العلم بعد القراءة الواجبة؛ لأنه لا تعارض بين الفرض والنفل كما يقدم الكبير تعلم نفل القراءة في ظاهر كلام الإمام والأصحاب، ويُسن ختمه في كل أسبوع.
قال عبد الله: كان أبي يختم في النهار في كل أسبوع يقرأ كل يوم سبعًا لا يكاد يتركه نظرًا أي في المصحف، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في كل سبع ولا تزيدن على ذلك» رواه أبو داود.
وإن قرأ القرآن في ثلاث فحسن؛ لما روى عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، إن لي قوة اقرأ في ثلاث، رواه أبو داود.
ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في الأوقات الفاضلة كرمضان وعشر ذي الحجة، وخصوصًا الليالي التي تطلب فيها ليلة القدر كأوتار العشر الأخير من رمضان.
ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، ويكره تأخير فوق أربعين بلا عذر.
قال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين، ولأنه يفضي إلى نسيانه والتعاون به ويحرم فوق أربعين إن خاف نسيانه.
قال الإمام أحمد: ما أشد ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه.
ويستحب التعوذ قبل القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ويستحب السواك قبل القراءة، ويستحب أن يقرأ وهو على طهارة؛ فإن قرأ محدثًا حدثًا أصغر جاز.
ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف؛ ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة.
ويستحب للقارئ أن يستقبل القبلة فقد جَاء في الحديث: «خير المجالس ما استقبل به القبلة ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار مطرقًا رأسه، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا أو جالسًا أراكبًا أو ماشيًا جَازَ.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ » .
وثبت في «الصحيح» عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القرآن» رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة قالت: إني لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري، رواه الفريابي.
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: إني لأقرأ القرآن في صلاتي وأقرأ على فراشي.
وتستحب القراءة في المصحف والاستماع لها؛ لأنه يشارك القارئ في أجره، ويكره الحديث عندها بما لا فائدة فيه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وينبغي أن يرتل قراءته.
وقد اتفق العلماء - رضي الله عنهم - على استحباب الترتيل، قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ، وثبت عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، رواه أبو داود والنسائي والترمذي، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن معاوية بن فرة - رضي الله عنه - عن عبد الله بن معقل - رضي الله عنه - قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة «الفتح» يُرَجِّعُ في قراءته.
رواه البخاري ومسلم.
ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب، أو يقول: اللهم إني أسألك العافية وأسألك المعافاة من كل مكروه أو نحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه، فقال سبحانه وتعالى أو تبارك وتعالى أو جلَّت عظمة ربنا، فقد صح عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح النساء فقرأها، فقلت: يركع، صلى بها ثم افتتح آل عمران، فقرأ بها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع» الحديث رواه مسلم.
فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة والدلائل عليه أكثر من أن تحصر وأشهر وأظهر من أن تذكر فهو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال الله عز وجل: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ ، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ والأحاديث فيه كثيرة، وأقاويل السلف فيه مشهورة، وقد بات جماعة من السلف يتلون آية واحدة ويرددونها إلى الصباح.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بآية يرددها حتى أصبح،
والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية، رواه النسائي وابن ماجه.
وعن تميم الداري أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية.
وينبغي لقارئ القرآن أن يبكي؛ فإن لم يبك تباكى، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ .
وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقرءوا القرآن وابكوا؛ فإن لم تبكوا فتباكوا» .
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دُموعُه عَلى تَرْقوِتِهِ.
وعن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع.
وعن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فجعلوا يقرءون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: هكذا كنا.
والله أعلم.
هذا آخر ما تيسر جمعه من كتب الحديث والفقه مما يتعلق بالزكاة والصيام من الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية، وكان الفراغ مما يتعلق بالزكاة والصيام من الأسئلة والأجوبة في يوم الثلاثاء الموافق 17/12/1384هـ والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به نفعًا عامًا إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
24-