الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 212-14
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 212-14
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

وكل فئام فيهم اجعل معوفًا وحتم بلا مال إجابة نسوة ... بما يقتضي تغيير حكم مشيد إلى عقدها أن تلزمن حكم أحمد

11 -

باب أحكام أهل الذمة

س69: تكلم عما يلي: ما الذي يحتوي عليه هذا الباب إجماليًا؟ ماذا يلزم الإمام نحوهم إذا جنى أهل الذمة على نفس، أو مال، أو عرض؟ إقامة الحدود على أهل الذمة؟ إظهار ما اعتقدوا حله؟ إذا تزوج اليهودي بنت أخيه أو بنت أخته فولدت؟ اذكر الأشياء مما يتميز به أهل الذمة؟ صفة ركوبهم الدواب، اذكر أشياء مما يلزمهم؟ واذكر الدليل أو التعليل أو هما؟

ج: يحتوي على بيان ما يجب عليهم أو لهم بعد عقد الذمة، مما يتضمنه عقدها لهم، يلزم الإمام أن يأخذ بأحكام الإسلام في ضمان النفس، فمن قتل أو قطع طرفًا، أخذ بموجب ذلك كالسلم؛ لما روي أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. متفق عليه.
ويلزم الإمام أن يأخذهم في المال، فمن أتلف مالًا لغيره ضمنه، والعرض فمن قذف إنسانًا، أوسيه ونحوه.
أقيم عليه ما يقام على المسلم بذلك؛ لأن الإسلام نقض ما يخالفه، ويلزمه إقامة الحد عليهم، فيما يعتقدون تحريمه كزنى وسرقة؛ لما في «الصحيح» عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى برجل وامرأة من اليهود زنيا فرجمهما؛ ولأنه يحرم في دينهم، وقد التزموا حكم الإسلام، فثبت في حقهم كالمسلم.
ولا يقيم الحدود عليهم، فيما يعتقدون حله، كشرب، ونكاح، وأكل لحم خنزير؛ لأنهم يعتقدون حله، ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أعظم جرمًا، إلا أنهم يمنعون من إظهار ذلك بين المسلمين لتأذيهم، أو يرون صحته

من العقود ولو رضوا بحكمنا فلا تتعرض لهم فيه ما لم يرتفعوا إلينا.
قال الشيخ: واليهودي إذا تزوج بنت أخيه، أو بنت أخته، كان ولده منها يلحقه ويرثه باتفاق المسلمين، وإن كان هذا النكاح باطلًا باتفاق المسلمين.
ويلزم التمييز عن المسلمين بقبورهم تمييزًا ظاهرًا كالحياة، وأولى بأن لا يدفنوا أحدًا منهم بمقابرنا، ويكره الجلوس في مقابرهم؛ لأنه ربما أصابهم عذاب، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ . ويلومهم التمييز عنا بحلاهم بحذف مقدم رؤوسهم، وهو جز النواصي، ولا يجعلونه كعادة الأشراف، وأن لا يفرقوا شعورهم، بل تكون جمة؛ لأن التفريق من سُّنة المسلمين، ولأن أهل الجزية اشترطوا ذلك على أنفسهم فيما كتبوه إلى عبد الرحمن بن غنم، وكتب به إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر إن أمض لهم ما سألوا.
رواه الخلال.
ويلزمهم التمييز عنا بكناهم، فيمنعون من التكني بكنى المسلمين، نحو: أبي القاسم وأبي عبد الله، ومن التلقب بألقابنا.
ويلزمهم التمييز عنا إذا ركبوا عرضا رجلاه إلى جانب، وظهره إلى جانب بإكاف على غير خيل؛ لما روى الخلال أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الإكف بالعرض والأكف: جمع إكاف، آلة تجعل على الحمار، يركب عليها بمنزلة السرج.
ويلزمهم التمييز عنا بلباس ثوب عسلي ليهود ولباس ثوب أدكن وهو الفاختي لون يضرب إلى السواد لنصارى، وشد خرق بقلانسهم وعمائهم، وشد زنار فوق ثياب نصراني، وتحت ثياب نصرانية، ويغاير نساء كل من يهود ونصارى بين لوني خف ليمتازوا به عنا.
ويلزمهم لدخول حمامنا جلجل، أو خاتم رصاص ونحوه برقابهم، ليتميزوا به عنا، ولا يجوز جعل صليب مكانه لمنعهم من إظهاره.

س70: تكلم عما يحرم على المسلم نحوهم ونحو المبتدع، وعن ما إذا سلم على ذمي ثم علمه، أو سلم عليه ذمي، وعما إذا شمته كافر، وحكم مصافحته.

ج: يحرم قيام لهم، ولمبتدع يجب هجره، وتصديرهم في المجالس؛ لأن في تصديرهم إعزازًا لهم، وتسوية بينهم وبين المسلمين في الإكرام فلم يجز؛ ولأن في كتابهم لعبد الرحمن بن غنم، وأن نوقر المسلمين ونرشد الطرق، ونقوم لهم عن المجالس، إذا أرادوا المجالس، ولا نطلع عليهم في منازلهم.
ويحرم بداءتهم بالسلام؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقها» أخرجه مسلم؛ ولما روى أبو نصرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنا غادون على يهود، فلا تبدؤهم بالسلام، وإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم» . ويحرم بداءتهم بكيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ أو كيف أنت؟ أو كيف حالك؟ ولو كتب إلى كافر كتابًا، وأراد أن يكتب سلامًا، كتب سلام على من اتبع الهدى؛ لما ورد في البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك في كتابه إلى هرقل عظيم الروم؛ ولأن ذلك معنى جامع.
وإن سلم من ظنه مسلمًا، ثم علم أنه ذمي استحب قول المسلم للذمي: رد على سلامي؛ لما روى عن ابن عمر أنه مر على عليّ رجل فسلم عليه، فقيل: إنه كافر.
فقال: رد على ما سلمت عليك فرد عليه، فقال: أكثر الله مالك وولدك، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أكثر للجزية.
وإن سلم أحد أهل الذمة لزم رده، فيقال له: وعليكم أو عليكم بلا واو.
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سلم عليكم اليهود؛ فإنما يقول أحدهم السام عليك، فقل: وعليك» هكذا بالواو، وفي لفظ عليك بلا واو.

عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» رواه أحمد، وفي لفظ للإمام أحمد: «فقولوا عليكم» بلا واو، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: السام عليكم، ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مهلًا يا عائشة؛ فإن الله يحب الرفق في الأمر كله» ، فقلت: يا رسول الله، أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قد قلت وعليكم» متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ آخر: قد قلت عليكم لم يذكر مسلم الواو، وعند الشيخ تقي الدين يرد مثل تحيته، فيقول: وعليك مثل تحيتك.
وقال ابن القيم –رحمه الله- في «أحكام أهل الذمة» : فلو تحقق السامع أن الذمي قال له: سلام عليكم لا شك فيه فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله، وعليك فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام؛ فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجه ما؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أمر بالاقتصار على قول الراد، وعليكم، وبناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار في حديث عائشة - رضي الله عنها - فقال: «ألا ترينني قلت: وعليكم» ، ثم قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» . والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظيره المذكور، لا فيما يخالفه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ فإذا زال هذا السبب، وقال الكتابي: سلام عليكم ورحمة الله، فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه.
انتهى.

وإذا لقيه المسلم في طريق، فلا يوسع له ويضطره إلى أضيقه لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام؛ فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقها» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.
ويكره مصافحته، لما ورد عن جابر - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصافح المشركون، أو يكنوا، أو يرحب بهم، ويكره تشميته؛ لما ورد عن أبي موسى: إن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله.
فكان يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه.

س71: ما حكم موالاة اليهود والنصارى وسائر الكفار؟ واذكر جميع ما تستحضره من الأدلة الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم، وما حكم حضور عيدهم ومدحهم ووصفهم بصفات الإجلال والتعظيم؟ واذكر ما تستحضره من الأدلة.

ج: لا تجوز موالاة جميع الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ، وقال تعالى: {لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ

فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ، وقال عز من قائل: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الآية.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قيل: هو أعياد المشركين.
وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده، عن عطاء بن دينار قال: قال عمر - رضي الله عنه -: لا تعلموا رطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم.
وروى البيهقي بإسناد صحيح، عن عطاء بن دينار، قال: قال عمر - رضي الله عنه -: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم، ولا يجوز مدح أعداء الله؛ لما روى ابن أبي الدنيا.

وأبو يعلى والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز لذلك العرش» ولا يجوز وصفهم بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد؛ لما روى أبو داود والنسائي.
عن بريدة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقولوا للمنافق سيدنا؛ فإنه إن يك سيد فقد اسخطتم ربكم عز وجل» رواه الحاكم في «مستدركه» وصححه، والبيهقي في «شعب الإيمان» بنحوه، ولفظ الحاكم: «إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد فقد أغضب ربه تبارك وتعالى» ، ولفظ البيهقي: «إذا قال الرجل للمنافق يا سيد، فقد باء بغضب ربه» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اليهود والنصارى خونة، لا أعان من ألبسهم ثوب عز» ، وقال عمر: لا تعزوهم وقد أذلهم الله، ولا تأمنوهم بعد أن خونهم الله، ولا تصدقوهم بعد أن أكذبهم الله.
قال ابن هبيرة: روي عن أحمد أنه كان إذا رأى يهوديًا، أو نصرانيًا غمض عينيه، ويقول: لا تأخذوا عني هذا، فإني لم أجده عن أحد ممن تقدم، ولكن لا أستطيع أن أرى من كذب على الله.

س72: تكلم عما يلي: حمل الذمي السلاح، أو تعلم ما يعين على الحرب، تعلية البنيان على بنيان المسلم، وما يتعلق بذلك من نقض أو بقاء أو ضمان، إحداث كنائس ونحوها، إذا كانت موجودة ما استهدم منها.

ج: يمنع أهل الذمة من حمل السلاح، ومن ثقاف، وهو الرمي بالبندق، ومن رمى بنحو نبل، ومن لعب برمح ودبوس، قلت: وفي وقتنا يمنعون من حمل رشاش وقنابل، ومن رمى بمدفع؛ لأن ذلك يعين على الحرب.

ويمنعون من تعلية بنيان على مسلم مجاور لهم، وإن لم يلاصق، ولو رضى جارهم المسلم؛ لأنه حق لله، ولحق من يحدث بعدهم؛ لحديث: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» ؛ ولقولهم في شروطهم: ولا تطلع عليهم في منازلهم.
ويجب نقض ما علا من بنائهم على بناء جارهم المسلم إزالة لعدوانهم.
ويضمن ذمي علا بناؤه على بناء جاره المسلم ما تلف به قبل النقض، لتعديه بالتعلية، لعدم إذن الشارع فيها، وإن ملكوه عاليًا من مسلم لم ينقض سواء كان بشراء أو غيره.
ولا يعاد عاليًا لو انهدم ما ملكوه من مسلم عاليًا؛ لأنه بعد انهدامه كأنه لم يوجد، ولا ينقض بناءهم أن بنى مسلم دارًا عندهم دون بنائهم؛ لأنهم لم يعل بناؤهم على بنائه، وإن وجدت دار ذمي أعلى من دار مسلم بجوارها، وشك في السابقة.
قال ابن القيم: لا نقره لأن التعلية مفسدة، وقد شك في جوازها ويمنعون من أحداث كنائس وبيع في دار الإسلام، ومن بناء صومعة الراهب، ومجتمع لصلواتهم؛ لقول ابن عباس: أيما مصر مصرته العرب، فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة.
رواه أحمد، واحتج به.
والكنائس: واحدها كنيسة، وهي معبد النصارى.
والبيع: جمع بيعة.
قال الجوهري: هي للنصارى، فهما حينئذ مترادفان، وقيل: الكنائس لليهود، والبيع للنصارى، فهما متباينان وهو الأصل.
قال في الشرح: أمصار المسلمين ثلاثة أقسام: إحداهما: ما مصره المسلمون، كالبصرة، والكوفة، وبغداد، وواسط؛ فلا يجوز فيه إحداث كنيسة، ولا بيعة، ولا مجتمع لصلاتهم، ولا يجوز صلحهم على ذلك؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أيما مصر مصرته العرب، فليس للعجم أن بينوا فيه بيعة

ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا؛ ولا يتخذوا فيه خنزيرًا.
رواه الإمام أحمد، واحتج به؛ لأن هذا البلد ملك المسلمين، ولا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر، وما وجد في هذه البلاد من البيع والكنائس، مثل كنيسة الروم في بغداد، فهذه كانت في قرى أهل الذمة، فأقرت عليه.
القسم الثاني: ما فتحه المسلمون عنوة، فلا يجوز إحداث شيء من ذلك فيه؛ لأنها صارت ملكًا للمسلمين من غير نكير، وما فيه من ذلك ففيه وجهان: إحداهما: يجب هدمه، وتحرم تبقيته؛ لأنها بلاد مملوكة للمسلمين، فلم يجز أن تكون فيها بيعة، كالبلاد التي اختطها المسلمون.
والثاني: يجوز لأن في حديث ابن عباس أيما مصر مصرته العجم، ثم فتحوا كثير من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئًا من الكنائس، ويشهد بصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم أنها لم تحدث، فلزم أن تكون موجودة فأبقيت.
وقد كتب عمر بن العزيز - رضي الله عنه - إلى عماله أن لا تهدموا بيعة، ولا كنيسة ولا بيت نار؛ ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير.
القسم الثالث: ما فتح صلحًا، وهو نوعان: أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عنها، فلهم إحداث ما يختارون؛ لأن الدار لهم.
الثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين، فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح من إحداث ذلك وعمارته؛ لأنه إذا جاز أن يصالحهم على أن الكل لهم، جار أن يصالحوا على أن بعض البلد لهم، ويكون موضع الكنائس والبيع معًا.
والأولى أن يصالحهم على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه، ويشترط

عليهم الشروط المذكورة في كتاب عبد الرحمن بن غنم، وفيه: أن لا تحدثوا كنيسة، ولا بيعة، ولا صومة راهب، ولا فلاية.
اهـ باختصار.


س73: تكلم عن أحكام ما يلي: إظهار أهل الذمة للمنكر، والعيد، والصليب، والأكل والشرب بنهار رمضان، والخمر والخنزير ونحو ذلك.
دخولهم الحرم، ودخولهم المدينة، والإقامة بالحجاز، ودخولهم المسجد واستئجارهم لبنائه، من مرض بالحرم، أو مات به، أو دفن به، أو كان لهم على أحد دين.

ج: يمنعون من إظهار منكر، كنكاح محارم، ومن إظهار ضرب بناقوس ورفع صوتهم بكتابهم، أو رفع صوتهم على ميت وإظهار صليب؛ لأن في شروطهم لابن غنم: وأن لا نضرب ناقوسًا إلا ضربًا خفيفًا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا فيما يحظره المسلمون، وأن لا تظهر صليبًا ولا كتابًا في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثًا ولا شعانين، وأن لا نرفع أصواتنا مع موتانا.
وأن لا نجاورهم بالجنائز، ولا نظهر شركًا، وقيس على ذلك إظهار الأكل والشرب في نهار رمضان لما فيه من المفاسد.
ويمنع الكفار ذميين أو مستأمنين من دخول حرم مكة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ والمراد به الحرم، وإنما منعوا من الحرم دون الحجاز؛ لأنه أفضل أماكن العبادات وأعظمها، وهذه الآية نزلت واليهود بالمدينة، وخيبر ونحوهما من أراضي الحجاز، ولم يمنعوا الإقامة به.
وأول من أجلاهم من الحجاز عمر، ولو بذلوا مالًا صلحًا لدخول الحرم،

لم يصح الصلح ولم يمكنوا، وما استوفى من الدخول ملك ما يقابله من المال المصالح عليه؛ فإن دخلوا إلى انتهاء ما صولحوا عليه، ملك عليهم جميع العوض؛ لأنهم استوفوا ما صولحوا عليه.
ولا يمنعون من دخول المدينة؛ لأن الآية نزلت في اليهود بالمدينة، ولم يمنعهم –عليه الصلاة والسلام-، ولم يأمرهم بالخروج؛ فإن قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكفار لابد له من لقاء الإمام، والإمام بالحرم المكي، خرج الإمام إليه، ولم يأذن له في الدخول للآية.
فإن دخل الكافر الحرم رسولًا كان أو غيره عالمًا، عزز لإتيانه محرمًا وأخرج من الحرم، وينهي الجاهل عن العود لمثل ذلك، ويهدد ويخرج ولا يعزر؛ لأنه معذور، وإن مرض بالحرم أو مات به أخرج؛ لأنه إذا وجب إخراجه حيًا فإخراج جيفته أولى.
وإن دفن بالحرم نبش وأخرج إلا أن يكون قد بلي، فيترك ويمنعون من إقامته بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر، والينبع، وفدك وقراها المجتمعة؛ لحديث عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلمًا» . قال الترمذي: حسن صحيح.
وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أشياء، قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه» ، وسكت عن الثالثة.
رواه أبو داود.
والمراد بجزيرة العرب الحجاز؛ لأنهم لم يجلوا من تيماء، ولا من اليمن، ولا من فدك، وهي قرية بشرق سلمى أحد جبلي طيء.
وقال الشيخ تقي الدين: ومنه تبوك ونحوها وما دون المنحنى، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان، وليس لهم دخوله لا إذن الإمام، كما أن أهل الحرب

لا يدخلون دار الإسلام إلا بإذن الإمام، وفي «المستوعب» : وردت السُّنة بمنعهم من جزيرة العرب وسمي الحجاز بذلك؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد، وحد الجزيرة على ما ذكر الأصمعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام من عدن إلى ريف العراق طولًا، ومن تهامة إلى ما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا.
قال الخليل: إنما قيل لها جزيرة؛ لأن بحر الحبشة، وبحر فارس، والفرات، أحاطت بها، ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها.
ولا يقيمون بموضع واحد لتجارة أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن عمر - رضي الله عنه - أذن لمن دخل تاجرًا إقامة ثلاثة أيام، فدل على المنع في الزائد، ويوكلون في دين مؤجل من يقضه لهم، ويجير من لهم عليه حال على وفائه لهم لوجوبه على الفور.
فإن تعذر وفاؤه لنحو مطل أو تغيب، جازت إقامتهم له إلى استيفائه؛ لأن التعدي من غيرهم، وفي إخراجهم قبله ذهاب لما لهم إن لم يكن توكيل.
وليس لكافر دخول مسجد من مساجد الحل، ولو أذن له فيه مسلم؛ لأن عليًا بصر بمجوسي وهو على المنبر، فنزل وضربه وأخرجه، وهو قول عمر؛ ولأن حدث الجنابة والحيض يمنع، فالشرك أولى.
وعند القاضي أبي يعلى يجوز لكافر دخول المسجد بإذن مسلم إن رجى منه إسلامه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قدم عليه وفد أهل الطائف، فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم.
وأجيب عنه وعن نظائره بأنه كان بالمسلمين حاجة إليه، وبأنهم كانوا يخاطبونه - صلى الله عليه وسلم -، ويحملون إليه الرسائل والأجوبة، ويسمعون منه الدعوة، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخرج لكل من قصده من الكفار.
اهـ.

وأما دخول مساجد الحل للذمي إذا استؤجر لعمارته، فقيل: يجوز دخولها؛ لأنه نوع مصلحة.
قال في «المبدع» : تجوز عمارة كل مسجد وكسوته وإشعاله بمال كل كافر فيكون على هذا العمارة في الآية دخوله وجلوسه فيه، يدل عليه خبر أبي سعيد مرفوعًا: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية» رواه أحمد وغيره.
وفي الفنون واردة على سبب وهي عمارة المسجد الحرام، فظاهره المنع فيه فقط، وذكر ابن الجوزي في تفسيره: أنه يمنع من بنائه وإصلاحه، ولم يخص مسجدًا بل أطلق، وبه قال طائفة من العلماء.

من النظم مما يتعلق بأحكام الذمة

ويلزمهم أحكامنا في ضمانهم ... لمال وعرض والدما ليحدد بما اعتقدوا تحريمه دون حله ... وعنه أن تزانوا إن تشا لا تحدد تخير هذا ثم أجرى ابن حامد ... تسارقهم مجراه غير مقيد ويلزمهم عنا تميز لبسهم ... وترك لفرق الشعر ربى المسود ويلزم بزنار فويق ثيابهم ... أو الروس منهم فوقها الخرق أشدد وحدف مقاديم الرؤس ليلزموا ... ولا يكتنوا مثل اكتناء الموحد وطوق حديد أو رصاص ليدخلوا ... لحمامنا أو جلجلا ليقلد وميز لتلوين الخفاف نساءهم ... وأزر وعن أن يركبوا الخيل فاصدد ولا فوق بغل أو حمار بسرجه ... بل الأكف امنحهم وعرضًا ليقعد ولا يمنعوا لبس الرفيع مخالفًا ... ووجهين في لبس الطيالس أسند ويحرم في المنصور جمع نسائهم ... ونسوتنا في مستحم موحد ويحرم تصدير الكفور بمجلس ... وفي سبل فاضطر للضيق واضهد وقل وعليكم إن يسلم بعضهم ... مجيبًا لندب لا تجزه لمبتدي وبيعكم كتب الحديث وفقهنا ... حرام وأبطله بغير تردد وقولان في تجويز تهنئة وفي ... عيادتهم ثم العزا في ملحد وتدعو أولاد ومال متى تجز ... وتكثير نفع السلم بالجزية اقصد ويمنع إعلاء البنا فوق جاره ... من السلم والوجهين في علوه طد وإن ملكوا مستعليًا أو بنى فتى ... إلى جنبهم أدنى ليبق بأجود وإن تهو أو تهدم ولو ظلم لم تعد ... علو كذا البيعات في المتجود ويمنع من إحداث بيت ضلالهم ... وإن شرطوا في فتح صلح ليعهد وما مصر الإسلام لم تبن بيعة ... به واصطلاحًا فيه ذا اشترط أردد وعن رد مهدوم بمفتوح عنوة ... في الأقوى امنعن واهدم مشيد بمعبد وحظر بلا حاج وأذن دخولها ... وذا الصور أكره لا اضطرار الورد

وعن ضرب ناقوس وإظهار منكر ... وعيد وإعلان الكتابين فاصدد وإن صولحوا في أرضهم بإزائهم ... حراجًا عليهم مكنوا من معدد ومن غير أذن من دخول الحجاز زد ... وبالأذن من يمكث بمثوى موحد ثلاثة أيام وقيل بل أربعًا ... ليخرج إلى ثان بغير تردد إلى أن يقضي شغله متجردًا ... وإن شايو كل من أبى ذا ليقعد ويمهل إن يسقم إلى حين برئه ... فإن مات فادفنه هناك ومهد ولا تمنعن تيما وفيد ونحوها ... لإفرارهم فيها أوان التشرد ومن حرم فامنعهم مطلقًا ولو ... مريضًا وأخرج ميتًا لم يشرد ويخرج إن جاء الرسول إمامنا ... إليه ومبتاعو تجارة قصد وعزره أن يدخل عليمًا بمنعه ... وأخرج ومع جهل فأخرج وهدد ولا يدخلوا في الحل في مسجد سوى ... على الأظهر الأقوى بإذن موحد ومملوكك امنعه وعرسك منهم ... خروجًا لبيعات وقيد مبعد


س74: إذا اتجر ذمي إلينا فماذا يلزم؟ وماذا يلزم الإمام نحوهم؟ إذا تحاكم إلينا مستأمنان، أو استعدى ذمي على آخر فما الحكم؟ إذا تحاكموا إلى حاكمنا مع مسلم؟ وما هي الكتب التي يمنعون من شرائها؟ بين ما يعشر وما لا يعشر من أموالهم ومقدار ما يؤخذ منهم ووقته، واذكر الدليل والتعليل والخلاف.

ج: إن اتجر ذمي، ولو صغيرًا، أو أنثى، أو تغليبًا إلى غير بلده، ثم عاد إلى بلده، ولم يؤخذ منه الواجب فيما سافر إليه من بلادنا، فعليه نصف العشر مما معه.
روى أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده، عن لاحق بن حميد، أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة، فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون

فيها في كل عشرين درهمًا درهمًا، وكان ذلك بالعراق، واشتهر وعمل به الخلفاء بعده، ولم ينكر، فكان إجماعًا، وعلم منه أنه لا يؤخذ منهم شيء مما معهم لغير تجارة نصًا، ولا مما اتجروا فيه من غير سفر، ويمنع وجوب نصف العشر دين كزكاة أن ثبت الدين بينة، ويصدق كافر تاجر أن جارية معه أهله، أو أنها ابنته ونحوهما لتعذر إقامة البينة، والأصل عدم ملكه لها فلا تعشر، وقيل: لا يصدق، ويؤخذ مما مع حربي اتجر إلينا العشر سواء عشروا أموالنا أو لا، لأخذ عمر له منهم، واشتهر ولم ينكر، فكان كالإجماع ولا يؤخذ عشر، ولا نصفه من أقل من عشرة دنانير مع الذمي والحربي؛ لأن العشر مال يبلغ واجبه نصف دينار، فوجب فيه كالعشرين في زكاة المسلم، ولا يؤخذ العشر أو نصفه أكثر من مرة كل عام.
روى أحمد بإسناده أن شيخًا نصرانيًا جاء إلى عمر، فقال: إن عاملك عشرني في السنة مرتين، قال: ومن أنت؟ قال: أنا الشيخ النصراني، قال: وأنا الشيخ الحنيف، ثم كتب إلى عامله أن لا يعشره في السنة إلا مرة، وكالزكاة، ومتى أخذ منهم كتب لم براءة لتكون حجة معهم، فلا يعشرون ثانية؛ لكن إن كان معهم أكثر من المال الأول أخذ من الزائد؛ لأنه لم يعشر ولا يعشر ثمن خمر، ولا ثمن خنزير؛ لأنهما ليسا بمال.
وما روي عن عمر: ولهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن، حمله أبو عبيد على ما كان يؤخذ منهم جزية وخراجًا، واستدل له: قال في «الإنصاف» : وعنه يعشران، جزم به في الروضة والغنية، وزادوا أنه يؤخذ عشر ثمنه، وأطلقهما في «الكافي» و «الرعاية الكبرى» . انتهى.
ويجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم من مسلم وذمي وحربي؛ لأنه التزم بالعهد حفظهم.
ولهذا قال علي: إنما بذلوا الجزية، لكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم

كأموالنا، وعلى الإمام فك أسراهم بعد فك أسرانا؛ لأن حرمة المسلم آكد والخوف عليه أشد؛ لأنه معرض للفتنة عن دينه، وإن تحاكموا إلينا بعضهم مع بعض، أو تحاكم إلينا مستأمنان باتفاقهما، أو استعدى ذمي آخر بأن طلب من القاضي أن يحضره له، فلنا الحكم ولترك؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا يحكم إلا بحكم الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ وإن تحاكموا إلى حاكمنا مع مسلم لزم الحكم بينهم؛ لما فيه من إنصاف المسلم من غيره، أو رده عن ظلمه، وذلك واجب؛ ولأن في ترك الإجابة إليه تضييعًا للحق، فتعين فعله، ويلزمهم حكمنا، فلا يملكون رده، ولا نقضه، ولا يصح بيع فاسد تقايضاه، ولو أسلموا، أو لم يحكم به حاكم لتمامه قبل الترافع إلينا، أو الإسلام فأقروا عليه كالكحتهم؛ فإن لم يتقابضاه فسخ حكم به حاكم أولًا لفساده، وعدم تمامه، وحكم حاكم به وجوده كعدمه وكذا سائر حكم عقودهم ومكاسبهم، ويمنعون من شراء مصحف، وكتب حديث، وفقه؛ لأنه يتضمن ابتذال ذلك بأيديهج؛ فإن فعلوا لم يصح الشراء، ويمنعون من إظهار بيع مأكول في نهار رمضان.


س75: تكلم بوضوح عما يلي: المكس، تولية الذميين الولايات، الاستعانة بأهل الأهواء، استطباب الذمي.

ج: يحرم تعشير أموال المسلمين والكلف التي ضربها الملوك على الناس بغير طريق شرعي إجماعًا.
قال القاضي: لا يسوغ فيها اجتهاد لحديث ابن عمر قال: إن صاحب المكس لا يسأل عن شيء، يؤخذ كما هو فيلقى في النار.
وحديث عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يدخل الجنة صاحب مكس» رواه أحمد.
وفي حديث الغامدية، قال صلى الله

عليه وسلم: «فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له» . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوان القاري أن اركب إلى البيت الذي يقال له: بيت المكس فاهدمه، ثم احمله إلى البحر فانسفه فيه نسفًا.
قال أبو عبيد: رأيته بين مصر والرملة، وحديث أنس: «ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى» . رواه أبو داود إلى غير ذلك من الأحاديث.
قال الشيخ تقي الدين: الولي في نكاح يعتقد تحريمه أي العشر، منع موليته من التزويج، ممن لا ينفق عليها إلا منه، أي العشر المأخوذ من أموال المسلمين بغير حق؛ لأنه مكس، ويحرم توليتهم الولات من ديوان المسلمين وغيره؛ لما فيه من إضرار المسلمين للعداوة الدينية، ويكره أن يستشاروا، أو يؤخذ من رأيهم لأنهم غير مأمونين، ويكره أن يستعين مسلم بذمي في شيء من أمور المسلمين مثل كتابة وعمالة وجباية خراج، وقسمة فيء وغنيمة وحفظ ذلك في بيت المال وغيره، ونقله إلا لضرورة، ولا يكون الذمي بوابًا، ولا جلادًا، ولا جهبذًا، وهو النقاد الخبير، ونحو ذلك لخيانتهم فلا يؤمنون.
قال ابن القيم –رحمه الله-: ولما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتهم نوعًا من توليهم، وقد حكم الله تعالى بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع البراءة والولاية إعزاز، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا، والولاية صلة، فلا تجامع معاداة الكافر أبدًا.
وقال –رحمه الله-: ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى للكتاب، ومكاتبتهم الفرنج أعداء الإسلام وتمنيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله، وسعيهم في ذلك بجهد الإمكان لثناهم ذلك عن تقريبهم وتقليدهم الأعمال.
اهـ.

ولا يستعان بأهل الأهواء كالرافضة، فتحرم الاستعانة بهم في شيء من أمور المسلمين؛ لأنهم يدعون إلى بدعتهم، ويكره للمسلم أن يستطب ذميًا لغير ضرورة، وأن يأخذ منه دواء لم يقف على مفرداته المباحة، وكذا ما وصفه من الأدوية أو عمله لأنه لا يؤمن أن يخالطه بشيء من المسمومات أو النجاسات.
قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ويكره أن تطب ذمية مسلمة إلا لضرورة، والأولى أن لا تقبلها، أي لا تكون قابلة لها في الولادة مع وجود مسلمة.

من النظم فيما يتعلق بالذمي

وإن تجز الذمي إلى غير أرضه ... فخدمته نصف العشر في الحول تهتد إذا كان من مال التجار ولو نسى ... وقيل اعفها إلى محجزة قد فذا نصف عشر خذه من تغلبيهم ... وعن أحمد عشرا ويقضي بأبعد وإن يتجر مستأمن في بلادنا ... فخذ منه عشرًا كل عام بأوطد وبالدين أسقطه ودعوى بشهد ... كدعوى نسيب ظن قنا بابعد والإسقاط والتخفيف أن يرى جائز ... وعشر دنانير النصاب بأوكد وعنه لحربي وذا العهد ضعفها ... وقيل لذمي وخمس المردد ويلزمنا كف الأذى عن معاهد ... وتخليص أسراهم إذا فك من هدى وعن أحمد أن المحتم فدية ... لمن أيسروا في عوننا دون من يد ومن ولد وافي الأسر يفدي إذا فدوا ... ولا تجزه استرقاقه للتعبد ولا عشر في الأولى بأثمان خمرهم ... وخنزيرهم واخصص بخمر بمبعد

في الحكم بينهم

ويلزم حكم بينهم مع مسلم ... وخبره فيما بينهم في المؤكد كما قال في المستأمنين وعنه من ... توحد ملات وإلا التزم قد ولا تحكمن في كل حال بحكمهم ... بل احكم بحكم الله في ملة أحمد وعدواه إن خيرت جور وحكمه ... بطلبة بعض لا الجميع بأوكد ولا تنقضن بعد التقايض بيعهم ... حرامًا أحلوه ولا ذا تفسد إذا احتكموا أو أسلموا وانقضن بلا ... تقايضهم في الجانبين وأفسد وللبائع الأثمان أو وارثيه إن ... يمت عند مبتاغ بذا القول فاشهد وأبطل في الأقوى حكم حاكمهم إذا ... أتوك ومهر المثل للعروس جدد وللكافر إن كانت على كافر فمن ... هدى منهما تسقط عن نص أحمد وقيل إذا لم يسلم المستحقها ... فقيمتها حق له عند مهتد وإن كان فيها أسلم المرء لم يكن ... له غير رأس المال كالمتفسد ولا تسألن عن حكم أطفالهم وإن ... سئلت أنه فالله العليم بمفسد


س76: تكلم عما يلي: إذا تهود نصراني، أو تنصر يهودي، إذا انتقلا، أو مجوسي إلى غير دين أهل الكتاب، إذا انتقل غير كتابي إلى دين أهل الكتاب أو تمجس وثني، إذا تزندق ذمي، إذا كذب نصراني بموسى.

ج: إن تهود نصراني لم يقر، أو تنصر يهودي لم يقر؛ لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه، فلم يقر عليه كالمرتد، ولا يقبل منه إلا الإسلام، أو الدين الذي كان عليه؛ لأنه أقر عليه أولًا، فيقر عليه ثانيًا؛ فإن أبى ما كان عليه من الدين أو أبى الإسلام هدد وحبس وضرب حتى يسلم، أو يرجع إلى

دينه الذي كان عليه، ولا يقتل لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب؛ ولأنه مختلف فيه فلا يقتل للشبهة، وإن انتقل اليهودي أو النصراني إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر، أو انتقل مجوسي إلى غير دين الكتاب لم يقر؛ لأنه أدنى من دينه، أشبه المسلم إذا ارتد، ولم يقبل منه إلا الإسلام؛ لأن غير الإسلام أديان باطلة قد أقر ببطلانها، فلم يقر عليها كالمرتد؛ فإن أبى الإسلام قتل بعد استتابته ثلاثة أيام، وإن انتقل إلى غير كتابي إلى دين أهل الكتاب، أو تمجس وثنى أقر وإن تزندق ذمي بأن لم يتخذ دينًا معينًا لم يقتل لأجل الجزية نصًا.
وإن كذب نصراني بموسى، خرج من دينه لتكذيبه لنبيه عيسى في قوله: ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ولم يقر على غير الإسلام؛ فإن أباه قتل بعد أن يستتاب ثلاثًا.


س77: ما الذي ينقض به عهد الذمي؟ وإذا انتقض فما الذي يترتب على انتقاضه؟ وما حكم قتله أو رقه؟ وهل يقف نقض العهد على حكم الإمام؟

ج: من نقض العهد بمخالفته شيئًا مما صولحوا عليه مما ينتقض العهد على ما يأتي تفصيله حل ماله ودمه لما في كتاب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الأمان عليه، فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق، وأمره عمر أن يقرهم على ذلك، ولا يقف نقض العهد على حكم الإمام بنقضه، حيث أتى ما ينقضه فإذا امتنع من بذل الجزية أو من التزام أحكام ملة الإسلام، سواء شرط عليهم ذلك أو لا، ولو لم يحكم عليه بها حاكمنا؛ لأن الله تعالى أمرنا بقتالهم حتى يعطوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة الإسلامية؛ لأنها نسخت كل حكم يخالفها، فلا يجوز بقاء العهد مع الامتناع عن ذلك، أو أبى الصغار أو قاتلنا منفردًا، أو مع أهل الحرب، أو لحق بدار الحرب مقيمًا بها لصيرورته من جملة

أهل الحرب، أو زنى بمسلمة، أو أصابها باسم نكاح نصًا؛ لما روي عن عمر أنه رفع إليه رجل أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا، فقال: ما على هذا صالحناكم، فأمر به فصلب في بيت المقدس، أو تعدى بقطع طريق، أو تجسس للكفار، أو آوى جاسوسهم وهو عين الكفار لما فيه من الضرر، أو ذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء، كقوله لمن سمعه يؤذن كذبت انتقض عهد ويقتل؛ لما روي أنه قيل لابن عمر: إن راهبًا يشتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعط الأمان على هذا، وكذا لو تعدى الذمي على مسلم بقتل، أو فتنة عن دينه، أو تعاون على المسلمين بدلالة مثل مكاتبة المشركين ومراسلتهم بأخبار المسلمين.
ولا ينتقض عهده بقذفه المسلم، وقيل: بلى وحكم ما إذا سحره فآذاه في تصرفه حكم القذف نص عليهما.
وإن أظهر منكرًا ورفع صوته بكتابه ونحوه، لم ينتقض عهده؛ لأن العقد لا يقتضيه، ولا ضرر فيه على المسلمين.
ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده حيث انتقض عهده لوجود النقض منه دونهم، فاختص حكمه به، ويخير الإمام في المنتقض عهده كالأسير الحربي على ما تقدم لفعل عمر، ولأنه كافر لا أمان له أشبه الأسير.
وماله فيء؛ لأن المال لا حرمة له في نفسه، إنما هو تابع لمالكه حقيقة، وقد انتقض عهد المالك في نفسه، فكذلك في ماله.
ويحرم قتله؛ لأجل نقضه العهد إذا أسلم، ولو لسبه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعموم قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ؛ ولعموم حديث: «الإسلام يجب ما قبله» ، وقياسًا على الحربي إذا سبه - صلى الله عليه وسلم -، ثم تاب بإسلامه قبلت توبته إجماعًا.
ويحرم رقه أيضًا بعد إسلامه لا إن كان رق قبل ويستوفي منه ما يقتضيه القتل

إذا أسلم وقد قتل من قصاص أو دية لأنه حق آدم، ولا يسقط بإسلامه كسائر حقوقه.
وقيل: يقتل سابه - صلى الله عليه وسلم - بكل حال، وإن أسلم اختاره، جمع وصححه الشيخ تقي الدين، وقال: إن سبه - صلى الله عليه وسلم - حربي ثم تاب بإسلامه، قبلت توبته إجماعًا، للآية والحديث السابقين، وقال في كتابه «الصارم المسلول على شاتم الرسول» : والدلالة على انتقاض عهد الذمي لسبه لله، أو كتابه، أو دينه، أو رسوله، ووجوب قتله وقتل المسلم إذا أتى بذلك: الكتاب والسُّنة وجماع الصحابة والتابعين؛ أما الكتاب فيستنبط منه ذلك من مواضع أحدها: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فلا يجوز الإمساك عن قتلهم، إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطائهم الجزية، ومعلوم أن إعطاء الجزية من حين بذلها والتزامها، إلى تسليمها وإقباضها، فإنهم إذا بذلوا الجزية وشرعوا في الإعطاء وجب الكف عنهم إلى أن يقبضوها فيتم الإعطاء، فمتى لم يلتزموها أو لا وامتنعوا من تسليمها ثانيًا لم يكونوا ملتزمين للجزية؛ لأن حقيقة الإعطاء لم يوجد، وإذا كان الصغار حالًا لهم في جميع المدة فمن المعلوم أن من أظهر سب نبينا في وجوهنا، وشتم ربنا على رءوس الملا، وطعن في ديننا في مجامعنا فليس بصاغر؛ لأن الصاغر الذليل الحقير وهذا فعل متعزز مراغم، بل هذا غاية ما يكون لنا من الإذلال والإهانة.
اهـ ملخصًا.
وقال: من تولى منهم ديوان المسلمين انتقض عهده، وقال: إن جهر بين المسلمين بأن المسيح هو ابن الله تعالى، عما يقولون علوًا كبيرًا.
عوقب على ذلك؛ إما بالقتل، أو بما دونه، لا إن قاله سرًا، وإن قال: هؤلاء المسلمون الكلاب أولاد الكلاب، إن أراد طائفة معينة من المسلمين، عوقب عقوبة تزجره وأمثاله، وإن ظهر منه قصد العموم انتقض عهده ووجب قتله.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

من النظم فيما يتعلق بنقض العهد

وإن حارب الذمي أو يأب جزية ... أو أحكامنا أو قر في دار مرد فتمد نقض العهد لذي فيه أمنه ... ولو لم تصرح باشتراط المعدد وينقض في الأولى أصابته زنا ... لمسلمة أو باسم عقد مفسد وفعل ينافيه القصاص تعمدًا ... وقطع طريق ثم تضليل مهتد بدين وتجسيس وايوا عيون ذي ... الحراب وذكر الله والرسل بالردى أو الكتب في الأولى وفي قذف مسلم ... وإيذائه بالسحر لا في الموطد وسيان مع شرط عليهم وفقده ... وما لم تقل ينقض بموجبه احدد وعزر ولا تنقض مجهر بكتبهم ... وسائر ممنوع بشرط بأوطد ويقتل من سب الرسول تحتمًا ... وخير فيمن فر من دارنا قد وإن ينقض فيما سوى ذين فاقتلن ... على النقض واختر عند مملى المجرد وفي المقنع التخيير في كل ما ناقض ... لعهد كأسوانا بغير تقيد أبق على أولاده ونسائه ... العهود سوى المولود بعد التمرد وأمواله فيئًا كمرتدنا اجعلن ... وقال أبو بكر لوراثة اشهد ومن طالع الكفار منا بعورة ... فعزر وقيل اقتل لخوف التأيد ومن بعد إذا أخذ أهبة للشروع في ... مسائل أحكام التعامل ترشد

انتهى هذا الجزء كتابة وتصحيحًا حسب الطاقة محتويًا على أحكام الأضاحي والعقيقة والجهاد، ويليه إن شاء الله الجزء الرابع، وأوله كتاب البيع، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
وهذا الكتاب وقف لله تعالى، ومن استغنى عن الانتفاع به، فليدفعه إلى من ينتفع به من طلبة العلم أو غيرهم.
طبع على نفقة المؤلف وجماعة من المحسنين.

وَقْفٌ للهِ تَعَالَى

تَأْلِيفُ عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

الجزء الرابع

طُبِِعَ عَلَى نَفَقَةِ مَنْ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ وَالدَار الآخرةَ فجَزاهُ اللهُ عن الإسلام والمسلمينَ خيرًا وغَفَر له ولوالديه ولمن يُعيدُ طِبَاعَتَه أو يُعِيْنُ عليها أو يَتَسبَب لها أو يُشِيرُ على مَنْ يُؤمِلُ فيه الخيرَ أن يَطبَعَه وقفًا للهِ تعالى يُوزَّع على إخوانِهِ المسلمين ... اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين تعريف البيع وحكمه

س1: عرّف البيع لغةً وشرعًا، وما حكمه؟ وما الأصل فيه؟ وما الحكمة فيه؟ وما وجه تقديمه على الأنكحة؟ واذكر الأدلة.

ج: البيع لغةً: مقابلة شيء بشيء.
قال الشاعر:

ما بتعْتكُمْ مُهْجتي إلا بوصلِكْم ... ولا أسلمها إلا يدًا بيدِ

ويقال: باع الشيء، إذا أخرجه من ملكه، وباعه: إذا اشتراه وأدخله ملكه، وهو من الأضداد، وكذا شري: إذا أخذ، وشري: إذا باع، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: 20] ، أي باعوه، وقال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 102] ، أي باعوا به، وذلك لأن كل واحد من المتبايعين يأخذ عوضًا، ويعطي عوضًا، فهو بائع لما أعطى، ومشترٍ لما أخذ، فصلح الاسمان لهما جميعًا.
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المتبايعان

بالخيار ما لم يتفرقا» . وأنشد أبو عبيدة:

وباع بنيه بعضهمُ بخسارةً ... وبعتُ لذبيانَ العلاء بمالكِ

أي: شريت.
وشرعًا: مبادلة عين مالية أو منفعة مباحة بمثل إحداهما، أو بمال في الذمة للملك على التأييد غير ربا وفرض، وهو جائز بالكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] ، وقوله: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] . وروى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام، تأثموا فيه، فأنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] ، يعني: في مواسم الحج، وعن الزبير ونحوه، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10] . وأما السُّنة: فعن ابن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا

وكان جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر» الحديث متفق عليه، وعن عمار بن خزيمة أن عمه حدثه، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقضيه ممن فرسه، فأسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، لا يشعرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلا بعتُه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سمع نداء الأعرابي: «أو ليس قد ابتَعتُه منك؟» قال الأعرابي: لا، والله ما بعتك! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بلى، قد ابتعتُه!» فطفق الأعرابي يقول: هلمَّ شهيدًا! قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خزيمة، قال: «بِم تَشهد؟» فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين.
رواه أحمد والنسائي، وأبو داود.
وروى رفاعة أنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: «يا معشر التجار» فاستجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم فيه، فقال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من برَّ وصدق» قال الترمذي: حديث حسن.
وروى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، وقدم على الأنكحة وما بعدها لشدة الحاجة إليه؛ لأنه لا غنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس، وهو ما ينبغي أن يهتم به لعموم البلوى، إذ لا يخلو المكلف غالبًا من بيع وشراء، فيجب معرفة الحكم في ذلك قبل التلبس به، وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز لمكلف أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، وبعث عمر - رضي الله عنه - من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه، والحكمة فيه هي ما ذكره الناظم، بقوله:

وصححه شرعًا على مقتضى النُهى ... تَوصُّلُ ذي فَقرٍ إلى كل مقصدِ

صور تعريف البيع وأركانه

س2: تكلم بوضوح عن الصور التي يتضمنها التعريف للبيع شرعًا، وما هي أركان البيع إن لم يكن ضمنيًا؟

ج: صوره: 1- عين بعين.
2- عين بدين.
3- عين بمنفعة.
4- دين بعين.
5- دين بدين، بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق.
6- دين بمنفعة.
7- منفعة بعين.
8- منفعة بدين.
9- منفعة بمنفعة.

وأركانه: إن لم يكن ضمنيًا أربعة: متعاقدان، ومعقود عليه، وصيغة، أو معاطاة.
وصورة الضمني كـ: أعتق عبدك عني، فإذا أعتقه صح العتق عن السائل، ولزمه الثمن مع أنه لم توجد هنا الأركان كلها.
والصيغة لها صورتان: إحداهما: الصيغة القولية، وهي غير منحصرة في لفظ معين، بل هي كل ما أدى معنى البيع؛ لأن الشارع لم يخصه بصيغة معينة، فتتناول كل ما أدى معناه.
فمن الصيغة القولية: الإيجاب، وهو ما يصدر من بائع، فيقول: بعتك كذا، أو ملكتك هذا، ونحوهما كوليتك، أو شركتك فيه أو وهبتكه بكذا أو نحوه، كأعطيتكه بكذا، أو رضيت به عوضًا عن هذا، والقبول بعد الإيجاب: ما يصدر من مشتر بلفظ دال على الرضا، فيقول المشتري: ابتعت، أو قبلت، أو رضيت، وما في معنى ما ذكر كتملكته، أو اشتريته، أو أخذته ونحوه.
ويشترط لانعقاد البيع أن يكون القبول على وفق الإيجاب في القدر، فلو خالف كأن يقول: بعتك بعشرة، فيقول: اشتريته بثمانية، لم ينعقد، وأن يكون على وفقه في النقد وصفته، والحلول والأجل،

فلو قال: بعتك بألف صحيحة، فقال: اشتريته بألف مكسرة ونحوه، لم يصح البيع في ذلك؛ لأنه رد للإيجاب لا قبوله له؛ فإن تقدم القبول على الإيجاب، صح بلفظ أمر، أو ماض مجرد عن استفهام ونحوه.
وإن تراخى القبول عن الإيجاب، أو عكسه، صح ما دل في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفًا؛ لأن حالة المجلس كحالة العقد.
الصورة الثانية لعقد البيع: الدلالة الحالية، وهي المعاطاة، تصح في القليل والكثير؛ لعموم الأدلة؛ ولأن البيع موجود قبل الشرع، وإنما علق الشرع عليه أحكامًا، ولم يعين له لفظًا، فوجب رده إلى العرف كالقبض والحرز، ولم يزل المسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه استعمال إيجاب وقبول في بيعهم، وكذلك في الهبة والهدية والصدقة، فإنه لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه استعمال ذلك فيه.
ومن صور بيع المعاطاة قول المشتري: أعطني بهذا الدرهم خبزًا، فيعطيه البائع ما يرضيه وهو ساكت، أو يقول البائع للمشتري: خذ هذا بدرهم، فيأخذ وهو ساكت.
ومنها: لو ساومه سلعةَ بثمن، فيقول: خذها، أو هي لك، أو: أعطيتكها، أو يقول: كيف تبيع الخبز؟ فيقول: كذا بدرهم، فيقول: خذ درهمًا، أو: زنه، أو وضعَه -أي: المشتري- ثمنه عادة وأخذه، ونحو ذلك مما يدل على بيع أو

شراء.
ويعتبر في المعاطاة معاقبة القبض أو الإقباض للطلب؛ لأنه إذا اعتبر عدم التأخير في الإيجاب والقبول اللفظي، ففي المعاطاة أولى.
قال في «الإنصاف» : قال الشيخ تقي الدين: عبارة أصحابنا وغيرهم تقتضي أن المعاطاة ونحوها ليست من الإيجاب والقبول، وهو تخصيص عرفي.
قال: والصواب أن الإيجاب والقبول اسم لكل تعاقد، فكل ما انعقد به البيع من الطرفين سمي إثباته وإيجابًا، والتزامه قبولاً.
قال: واختار الشيخ تقي الدين صحة البيع بكل ما عده الناس بيعًا من متعاقب ومتراخ من قول وفعل، انتهى.
وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
ولا ينعقد البيع هزلاً بلا قصد الحقيقة؛ لعدم الرضا، ولا إن وقع تلجئة وأمانة، بأن يظهر بيعًا لم يريداه باطنًا، بل خوفًا من ظالم ونحوه، فباطل وإن لم يقولا في العقد: هذا تلجئة؛ لأن القصد منه التقية فقط؛ لحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى» . من النظم مما يتعلق بالبيع

وأشرْعُ بعدَ الحمد لله وحده ... وأزكى صلاةً أهديَت لمحمدِ بذكر كتابِ الحكم في البيع والشرا ... وما قد حواه من صحيح ومفسد وصححه شرعًا على مقتضى النُّهى ... تَوصُّل ذي فقر إلى كلِ مقصدِ

مبادلة الأموالِ قصدَ تملكٍ ... بغير ربًا أعيانها في التَحدّدِ يصحُ بإيجابٍ كبعت ونحوهِا ... وبايعتُه أو نحوها اقبلهُ واعقدِ وينفذُ من كلٍ امرئ بلسانهِ ... وغير لغاتِ المرء مع فهمهما قدِ وتقدم مبتاعٍ قبولاً أَجزهُ في الـ ... أَصحِ بماضي الفعل كابتعت تسْعدِ وإن قال بعني قال بعتك فالشرا ... صحيح وعنه البيع لم يتعقد وما الخلف في ظنيّ سوى في الذي خلا ... من العقد عن بيع المعاطاة قيدِ ومستفهمًا إن قال مثلَ أبِعتَني ... فليس لهذا صحةٌ عند نُقّدِ وليس التراخي في القبول بمبطلٍ ... بمجلسه من غير شغلِ بمبعدِ كذا في النكاح احكم ولو بعد مجلسٍ ... بثانٍ وإن قُدم قبولٌ فأفسدِ وبيع معاطاة صحيحٌ بأوكدٍ ... وخصصه القاضي بشيء مزهدِ وصورتها إعطاء شيء وبذله ... فيأخذه من غير لفظ مقيدِ كذلك لا تشرطه في الصدقاتِ ... والهدياتِ والإعطا كفعل محمدِ

شروط البيع، وحكم بيع المكره

س3: كم الشروط في البيع؟ وما هي؟

ج: شروط سبعة: أحدها: الرضى؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ ، وحديث: «إنما البيع عن تراض» رواه ابن حبان.
الثاني: الرشد.
الثالث: كون مبيع مالاً.
الرابع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، أو مأذونًا له فيه وقت العقد.
الخامس: أن يكون مقدورًا على تسليمه.
السادس: معرفة الثمن والمثمن.
السابع: أن يكون الثمن معلومًا حال العقد.
واختار الشيخ تقي الدين صحة البيع وإن لم يسم الثمن، وله ثمن المثل كالنكاح.

س4: تكلم بوضوح عن بيع المكره، وما الذي قاله الشيخ تقي الدين على بيع الأمانة؟ إذا قال إنسان لآخر: اشترني من زيد فإني عنده، فاشتراه المقول له، فما الحكم؟ وتكلم عما إذا كان القائل أثنى، فاشتراه ووطئها، وأتت بولد منه، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.

ج: لا يصح بيع المكره بلا حق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما البيع عن تراض» رواه ابن حبان.
فإن أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، صح؛ لأنه حمل عليه بحق، وإن أكره على مقدار من المال، فباع

ملكه في ذلك، صح البيع؛ لأنه غير مكره عليه؛ وأما الشراء منه، فقيل: يكره، وهو بيع المضطرين.
قال في «المنتخب» : لبيعه بدون ثمنه، واختار الشيخ تقي الدين الصحة من غير كراهة، وهذا القول هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
قال الشيخ: بيع الأمانة هو الذي مضمونه اتفاقهما على أن البائع إذا جاء بالثمن أعاد إليه ملك ذلك، ينتفع به المشتري بالإجارة والسكنى ونحو ذلك، وهو عقد باطل بكل حال، ومقصودهما إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل، ومنفعة الدار هي الربح.
والواجب رد المبيع إلى البائع، وأن يرد المشتري ما قبضه منه، لكن يحسب له منه ما قبضه المشتري من المال الذي سموه أجرة.
قال الشيخ: ومن استولى على ملك رجل بلا حق، فجحده أو منعه إياه حتى يبيعه على هذا الوجه؛ فهذا مكره بغير حق، انتهى.
وإن باع إنسان ماله خوفًا من ظالم، أو خاف إنسان ضيعته، أو نهبه أو سرقته أو غصب، فباعه من غير تواطؤ مع المشتري على أن البيع تلجئة وأمانة، صح بيعه؛ لأنه صدر من أهله في محله من غير إكراه.
ومن قال: اشترني من زيد، فإني عبده، فاشتراه المقول له فبان حرًا؛ لم يلزمه العهدة، حضر البائع أو غاب، لأنه إنما وجد منه الإقرار دون الضمان، كقول إنسان لآخر: اشتر منه عبده هذا، فاشتراه، فتبين حرًا؛ فلا تلزم القائل العهدة، ويؤدب

هو وبائعه لما صدر منهما من التغرير، ويرد كل منهما ما أخذه لأنه قبضه بغير حق.
وعن الإمام رواية؛ يؤخذ البائع والمقز بالثمن، فإن مات أحدهما أو غاب، أخذ الآخر بالثمن، واختاره الشيخ تقي الدين، قال في «الإنصاف» : وهو الصواب، قال في «الفروع» : ويتوجه هذا في كل غار.
قال في «الإنصاف» : وما هو يعيد، ولو كان الغار أنثى، فقالت لآخر: اشترني من هذا فإني أمته، فاشتراها ووطئها؛ حدَّتْ دونه ولا مهرَ لها؛ لأنها زانية مطاوعة، ويلحقه الولد للشبهة، ولو أقر شخص لآخر أنه عبده فرهنه، فكبيع فلا تلزم العهدة القائل.
تعريف جائز التصرف ومن لا يصح منه البيع

س5: من هو جائز التصرف الذي يصح بيعه؟ وما حكم بيع المميز والسفيه والقن؟ , وما حكم قبول المميز والسفيه للوصية؟ ومن الذي لا يصح منه البيع؟

ج: هو الحر المكلف الرشيد، فلا يصح من صغير ومجنون ونائم ومبرسم وسفيه وسكران؛ لأنه قول يعتبر له الرضا، فاعتبر فيه الرشد كالإقرار، إلا في شيء يسير، كرغيف أو حزمة بقل أو كبريت أو قطعة حلوى ونحو ذلك، فيصح من قِنٍ وصغير ولو غير مميز وسفيه؛

لأن الحجر عليهم لخوف ضياع المال، وهو مفقود في اليسير، وإذا أذن لمميز وسفيه وليهما، صح ولو في الكثير؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى﴾ [النساء: 6] أي: اختبروهم وإن يتحقق بتفويض البيع والشراء، وحرم على وليهما الإذن لهما بالتصرف في مالهما بلا مصلحة؛ لأنه إضاعة، ولا يصح من المميز والسفيه قبول هبة ووصية بلا إذن ولي لهما كالبيع، واختار الموفق وجمع صحته من مميز بلا إذن ولي، كما يصح من العبد قبول الهبة والوصية بلا إذن سيده ويكونان لسيده، وهذا القول عندي أرجح.
والله أعلم.
وشراء رقيق بلا إذن سيده في ذمته لا يصح للحجر عليه، وكذا شراؤه بعين المال بغير إذن السيد؛ لأنه فضولي، وتُقبل من مميز هدية أرسل بها، ويُقبل منه إذن في دخول الدار ونحوها، عملاً بالعرف.
ذكر أشياء يصح بيعها وأشياء لا يجوز بيعها

س6: تكلم بوضوح عن معاني وأحكام ما يلي: كون مبيع مالاً، بيع البغل والحمار، ودود القز وبزره، والنحل والطير، والهر والفيل، وسباع البهائم، وسباع الطير، والقرد والجاني والمريض، ومنذور عتقه، ومصحف، وكتب زندقة، وسرجين وميتة، بيع الكلب واقتناؤه.

ج: المال شرعًا: ما يباح نفعه مطلقًا في كل الأحوال، أو: يباح اقتناؤه بلا حاجة، فخرج ما لا نفع فيه كالحشرات، وما فيه محرم

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
باب أحكام أهل الذمةس70: تكلم عما يحرم على المسلم نحوهم ونحو المبتدع، وعن ما إذا سلم على ذمي ثم علمه، أو سلم عليه ذمي، وعما إذا شمته كافر، وحكم مصافحته.س72: تكلم عما يلي: حمل الذمي السلاح، أو تعلم ما يعين على الحرب، تعلية البنيان على بنيان المسلم، وما يتعلق بذلك من نقض أو بقاء أو ضمان، إحداث كنائس ونحوها، إذا كانت موجودة ما استهدم منها.س75: تكلم بوضوح عما يلي: المكس، تولية الذميين الولايات، الاستعانة بأهل الأهواء، استطباب الذمي.س76: تكلم عما يلي: إذا تهود نصراني، أو تنصر يهودي، إذا انتقلا، أو مجوسي إلى غير دين أهل الكتاب، إذا انتقل غير كتابي إلى دين أهل الكتاب أو تمجس وثني، إذا تزندق ذمي، إذا كذب نصراني بموسى.س77: ما الذي ينقض به عهد الذمي؟ وإذا انتقض فما الذي يترتب على انتقاضه؟ وما حكم قتله أو رقه؟ وهل يقف نقض العهد على حكم الإمام؟س1: عرّف البيع لغةً وشرعًا، وما حكمه؟ وما الأصل فيه؟ وما الحكمة فيه؟ وما وجه تقديمه على الأنكحة؟ واذكر الأدلة.س2: تكلم بوضوح عن الصور التي يتضمنها التعريف للبيع شرعًا، وما هي أركان البيع إن لم يكن ضمنيًا؟س3: كم الشروط في البيع؟ وما هي؟س5: من هو جائز التصرف الذي يصح بيعه؟ وما حكم بيع المميز والسفيه والقن؟ , وما حكم قبول المميز والسفيه للوصية؟ ومن الذي لا يصح منه البيع؟
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل