كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
ذكر مكان الوفاء وأخذ الرهن والكفيل بدين السلم
س67: هل يشترط في السلم ذكر مكان الوفاء؟ وبأي مكان يكون الوفاء؟ وما حكم أخذ الرهن، والكفيل بدين السلم، وأخذ غيره مكانه؟ وبيعه أو بيع رأس ماله، أو حوالة عليه، أو به، وما صورتهما، وما الفرق بينهما؟ والدليل، والتعليل، والخلاف، والترجيح.
ج: ولا يشترط في السلم ذكر مكان الوفاء؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكره، ولأنه عقد معاوضة، أشبه بيوع الأعيان؛ فإن كان موضع العقد لا يمكن الوفاء به، كبرية وبحر ودار حرب، فيشترط ذكره لتعذر الوفاء في موضع العقد، وليس البعض أولى من البعض، فاشترط تعيينه بالقول، ويكون الوفاء مكان عقد السلم إذا كان محل إقامة؛ لأن مقتضى العقد التسليم في مكان، ويجب الإيفاء مكان العقد مع المشاحة؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، فاكتفى بذلك عن ذكره.
وللمسلم أخذ المسلم فيه في غير مكان العقد إن رضيا؛ لأن الحق لا يعدوهما، ولا يجوز أخذه مع أجرة حمله إلى مكان العقد، ويصح شرط الإيفاء في مكان العقد، ويكون ذلك الشرط تأكيدًا، ولا يصح أخذ رهن أو كفيل بمسلم فيه، رويت كراهته عن علي وابن عباس، وابن عمر والحسن، وسعيد بن جبير، والأوزاعي؛ لأنه
لا يمكن الاستيفاء من عين الرهن، ولا من ذمة الضامن، ولأنه لا يؤمن هلاك الرهن في يده بعد، فيصير مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» وروى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا: «من أسلف سلفًا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه» ؛ ولأنه يقيم ما في ذمة الضامن مقام ما في ذمة المضمون عنه، فيكون في حكم أخذ العوض، والبدل عنه، وهذا لا يجوز وهو المذهب، جزم به الخرقي وابن البناء في «خصاله» وصاحب «المبهج» و «الإيضاح» وناظم «المفردات» قال في «الخلاصة» : ولا يجوز أخذ الرهن والكفيل به على الأصح، واختاره الأكثر، والرواية الثانية: يجوز، روى حنبل جوازه، ورخص فيه عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والحكم ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر؛
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 282] ، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أن المراد به السلم، ولأن للفظ عام، فيدخل السلم في عمومه، ولأنه أحد نوعي البيع، فجاز أخذ الرهن بما في الذمة منه كبيوع الأعيان، وصححه في «التصحيح» و «الرعاية» و «النظم» ، وجزم به في «الوجيز» قال الزركشي: وهو الصواب.
وقال في «التنقيح» : وهو أظهر، وحملوا قوله: «لا يصرفه لي غيره» أي لا يجعله رأس مال سلم آخر.
وهذا القول هو الذي يترجح عندي لما تقدم؛ ولأن الحاجة للتوثقة في دين السلم أبلغ من غيرها.
والله أعلم.
ولا يجوز أخذ غيره مكانه لنهيه –عليه الصلاة والسلام- عن بيع الطعام قبل قبضه.
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلف في شيء؛ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه، أو رأس ماله» رواه الدارقطني وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو داود وابن ماجه.
قال في «الشرح» : وذلك حرام، سواء كان المسلم فيه موجودًا أو معدومًا، وسواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة، أو أقل أو أكثر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه يتعجله، ولا يؤخره إلا الطعام، قال ابن المنذر: وقد ثبت أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إذا أسلم في شيء إلى أجل؛ فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضًا انقص منه، ولا تربح مرتين.
رواه سعيد.
وسُئل شيخ الإسلام –رحمه الله- عن رجل أسلف خمسين درهمًا في رطل حرير إلى أجل معلوم، ثم
جاء الأجل فتعذر الحرير، فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير، أو يأخذ أي شيء كان؟ فأجاب: الحمد لله، هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد.
إحداهما: لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره، كقول الشافعي وأبي حنيفة؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» وهذه الرواية هي المعروفة عند متأخري أصحاب الإمام أحمد، وهي التي ذكرها الخرقي وغيره.
والقول الثاني: يجوز ذلك، كما يجوز في غير دين السلم، وفي المبيع من الأعيان، وهو مذهب مالك، وقد نص أحمد على هذا في غير موضع، وجعل دين السلم كغيره من المبيعات، فإذا أخذ عوضًا غير مكيل ولا موزون بقدر دين السلم حين الاعتياض، لا بزيادة على ذلك، أو أخذ من نوعه بقدره، مثل أن يسلم في حنطة، فيأخذ شعيرًا بقدر الحنطة، أو يسلم في حرير، فيأخذ عنه عوضًا من خيل أو بقر أو غنم؛ فإنه يجوز، وقد ذكر ذلك طائفة من الأصحاب.
اهـ. من «مجموع الفتاوى» (29/503، 504) ، والذي يترجح عندي القول الثاني، لما تقدم.
والله أعلم.
ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه
هذا المذهب، وقال في «الشرح» : بغير خلاف علمناه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن؛ ولأنه
مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه.
وفي «المبهج» وغيره رواية بأن بيعه يصح، واختاره الشيخ تقي الدين –رحمه الله تعالى- وقال: هو قول ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ لكن يكون بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن، قال: وكذا ذكره أحمد –رحمه الله تعالى- في بدل القرض وغيره، وهو اختيار ابن القيم في «تهذيب السنن» .
ولا يصح بيع رأس مال بعد فسخ، وعليه أكثر الأصحاب، وقيل: يجوز، اختاره القاضي في «المجرد» وابن عقيل، وهو ظاهر ما جزم به في «المنور» وتصح هبة كل دين سلم أو غيره لمدين فقط؛ لأنه إسقاط، وعنه: تصح لغير من هو عليه، اختارها في «الفائق» وهو مقتضى كلام الشيخ تقي الدين، وهو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
ولا تصح الحوالة بدين السلم، ومعنى الحوالة به: أن يكون لرجل سلم، وعليه مثله من قرض، أو سلم آخر أو بيع، فيحيل بما عليه من الطعام على الذي عنده السلم، فلا يجوز، وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه، لم يصح أيضًا؛ لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم يجز كالبيع؛ لأنها لا تجوز إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ، ولا تصح الحوالة على المسلم فيه، أو رأس ماله
بعد الفسخ؛ لحديث نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن.
وحديث: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» ولأنه لم يدخل في ضمانه، أشبه المكيل قبل قبضه، وأيضًا فرأس مال السلم بعد فسخه وقبل قبضه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم أشبه المسلم فيه، واختار الشيخ تقي الدين جواز الحوالة بدين السلم، والحوالة عليه، وعلله بتعاليل جيدة، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لأنه لا محذور فيه؛ ولأن الحوالة ليست بيعًا.
والله أعلم.
بيع الدين المستقر وحكم الإقالة في السلم
س68: تكلم عن حكم بيع الدين المستقر، ومثل لذلك، ذاكرًا ما يشترط لذلك وما يتعلق بذلك، وما حكم الإقالة في السلم أو بعضه، وما الذي يجب بفسخ سلم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا كان إنسان له سلم، وعليه سلم من جنسه، فقال لغريمه: اقبض سلمي لنفسك، أو قال: اقبضه لي، ثم لك، أو قال: أنا أقبضه لنفسي، وخذه بالكيل الذي تشاهد، أو احضر اكتيالي منه لأقبض لك، ففعل، فما الحكم؟
ج: يصح بيع دين مستقر من ثمن وقرض ومهر بعد دخول، وأجرة استوفى نفعها ومدتها، وأرش جناية وقيمة متلف ونحوه لِمَنْ هو في ذمته، وهذا المذهب؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: كنا
نبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، ونأخذ عوضها الدارهم، وبالدراهم ونأخذ عوضها الدنانير، فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا بأس إذا تفرقتما، وليس بينكما شيء» فدل الحديث على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر، وغيره يقاس عليه، ودل على اشتراط القبض قوله: «إذا تفرقتما، وليس بينكما شيء» ويُستنثى على المذهب ما إذا كان عليه دراهم من ثمن مكيل أو موزون باعه منه نسيئة؛ فإنه لا يجوز أن يستبدل عما في الذمة بما يشاركه المبيع في علة رد الفضل، نص عليه حسمًا لمادة ربا النسيئة.
ويستثنى أيضًا ما في الذمة من رأس مال السلم إذا فسخ العقد، وأنه لا يجوز الاعتياض عنه، وإن كان مستقرًا، على الصحيح من المذهب، ويشترط لصحة بيع الدين الثابت في الذمة لمن هو عليه أن يقبض عوضه في المجلس إن باعه، بما لا يباع به نسيئة، كأن باع الذهب بفضة أو عكسه، أو باعه بموصوف في الذمة، فيصير قبضه قبل التفرق، لئلا يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه كما تقدم، ولا يصح بيع الدين المستقر لغير من هو في ذمته، وهو الصحيح من المذهب، وعنه: يصح، قاله الشيخ تقي الدين.
ولا يصح بيع دين الكتابة ولو لمن هو في ذمته؛ لأنه غير مستقر.
وتصح إقالة في سلم؛ لأنها فسخ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم
على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأن الإقالة فسخ للعقد.
وقع من أصله، وليست بيعًا، وتصح الإقالة في بَعْض السلم؛ لأنها مندوب إليها، وكل مندوب إليه صح في شيء، صح في بعضِه، كالإبراء والإنظار، ولا يشترط في التقايل قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة؛ لأنها ليست بيعًا، ولا قبض عوض رأس مال السلم إن تعذر رأس مال السلم بأن عدم في مجلس الإقالة، ومتى انفسخ عقد السلم بإقالة أو غيرها كعيب في الثمن، لزم المسلم إليه رد الثمن الموجود؛ لأنه عين مال السلم عاد إليه بالفسخ، وإن لم يكن الثمن موجودًا رد مثله إن كان مثليًا، ثم قيمته إن كان متقومًا؛ لأن ما تعذر رده رجع بعوضه، وإن أخذ بدل رأس مال السلم بعد الفسخ ثمنًا وهو ثمن، فصرف يُشترط فيه التقابض قبل التفرق، وإن كان رأس السلم عرضًا، فأخذ السلم منه عرضًا أو ثمنًا بعد الفسخ، فبيع؛ يجوز فيه التفرق قبل القبض؛ لكن إن عوضه مكيلاً عن مكيل، أو موزونًا عن موزون، اعتبر القبض قبل التفرق، كالصرف.
وإن كان لرجل سلم، وعليه سلم من جنسه، فقال الرجل لغريمه: اقبض سلمي لنفسك ففعل، لم يصح قبضه لنفسه إذ هو حوالة بسلم، وتقدم أنها على المذهب لا تصح به، ولا يصح قبضه للآمر؛ لأن الآمر لم يوكله في قبضه، فلم يقع له، فيرد المسلم إليه، وصح قبضه لهما إن
قال: اقبضه لي، ثم اقبضه لك، لاستنابته في قبضه له ثم لنفسه، فإذا قبضه
لموكله جاز أن يقبضه لنفسه، كما لو كان له عنده وديعة.
وتقدم: يصح قبض وكيل من نفسه لنفسه، إلا ما كان من غير جنس دينه.
وإن قال رب سلم لغريمه: أنا أقبض السلم ممن هو عليه لنفسي، وخذه بالكيل الذي تشاهد؛ صح قبضه لنفسه، لوجود قبضه من مستحقه.
والرواية الثانية: لا يجوز، ولا يكون قبضًا، وهو مذهب الشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري، ولم يوجد ذلك، ولأنه قبض بغير كيل، أشبه ما لو قبضه جزافًا.
أو قال رب سلم لغريمه: احضر اكتيالي ممن عليه الحق لأقبضه لك، ففعل؛ صح قبضه لنفسه لما تقدم، ولا أثر لقوله: لِأقْبضَهُ لكَ؛ لأن القبض مع نيته لغريمه كنيته لنفسه، ولا يكون قبضًا لغريمه حتى يقبضه له بالكيل؛ فإن قبضه بدونه لم يتصرف فيه قبل اعتباره، لفساد القبض، وتبرأ به ذمة الدافع، وإن ترك القابض المقبوض بمكياله، وأقبضه لغريمه، صح القبض لهما؛ لأن استدامة الكيل كابتدائه، وقبض الىخر له في مكياله جريُّ لصاعه فيه.
س69: هل يقبل قول قابض لسلم في قدره، وإذا ادعى قابض أو مقبض بكيل أو وزن غلطًا أو نحوه، فما حكم ذلك؟ وإذا قبض أحد شريكين أو أكثر من دين مشترك فممن يأخذ شريكه؟ وماذا يعمل من استحق على غريمه مثل ماله عليه قدرًا وصفة حالين، أو مؤجلين أجلاً واحدًا؟ وإذا دفع مديون وفاءَ عما عليه، أو امتنع ووفاه عنه حاكم، فهل يبرأ؟ وإذا كان على أنثى دين من جنس واجب نفقتها، فهل يُحتسب به؟ وإذا كان على إنسان دين لا يعلم به ربه، فما حكم إعلامه؟ واذكر ما يتعلق حول ما ذكر من أمثلة.
ج: يقبل قول قابض لسلم أو غيره جزافًا في قدر المقبوض بيمينه؛ لأنه ينكر الزائد، والأصل عدمه؛ لكن لا يتصرف من قبض مكيلاً ونحوه جزافًا في قدر حقه قبل اعتباره بمعياره لفساد القبض، وفيه وجه: يصح التصرف في قدر حقه منه، قدمه ابن رزين في «شرحه» ، ولا يقبل قول قابضٍ ولا مُقبِّضٍ بكيل ولا وزن ونحوه دعوى غلط ونحوه؛ لأنه خلاف الظاهر، وما قبضه أحد شريكين من دين مشترك بإرث أو إتلاف عين مشتركة، أو بعقد كبيع مشترك، وإجارته أو بِضَرِيْبَةٍ سببُ استحقاقها واحدٌ، كوقف على عدد محصور، فشريكه مُخيَّرٌ بين أخذ من غريم لبقاء اشتغال ذمته، أو أخذ من قابض، للاستواء في الملك، وعدَم تمييز حصة أحدهما من حصة الآخر، فليس أحدهما أولى من الآخر به، ولو
بعد تأجيل الطالب لحقه، لما سبق، ما لم يستأذنه في القبض؛ فإن
أذن له في القبض من غير توكيل في نصيبه، فقبضه لنفسه، لم يحاصصه، أو ما لم يتلف مقبوض، فيتعين غريم، والتالف من حصة قابض؛ لأنه قبضه لنفسه، ولا يضمن لشريكه شيئًا، لعدم تعديه؛ أنه قدر حصته، وإنما شاركه لثبوته مشتركًا، ومن استحقَّ على غريمِهِ مِثْلَ ماله عليه من دين جنسًا وقدرًا وصفة، حالَّين أو مؤجلين أجلاً واحدًا، كثمنين اتحد أجلهما؛ تساقطا إن استويا، أو سقط من الأكثر بقدر الأقل إن تفاوتا قدرًا بدون تراض؛ لأنه لا فائدة في أخذ الدين من أحدهما، ثم رده إليه، ولا يتساقطان إذا كان الدينان دين سلم، أو كان أحدهما دين سلم، ولو تراضيا؛ لأنه تصرف في دين سلم قبل قبضه، أو تعلق بأحد الدينين حق، بأن بيع الرهن لتوفية دينه من مدين غير المرتهن، أو عين المفلس بعض ماله لبعض غرمائه بثمن في الذمة من جنس دينه؛ فلا مقاصة، لتعلق حق الغرماء أو المرتهن بذلك الثمن، ومن عليها دين من جنس واجب نفقتها، لم يحتسب به مع عسرتها؛ لأن قضاء الدين بما فضل.
وإذا نوى مديون وفاءً عما عليه بدفع، بريء منه، وإلا ينو وفاءً، بل نوى التبرع فَتبرُّعٌ، والدين باق عليه؛ لحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى»
وتكفي نية حاكم وفاة قهرًا من مال مديون لامتناعه، أو مع غيبته لقيامه مقامه.
ومن عليه دين لا يعلم به ربه، وجب عليه إعلامه.
وإذا دفع زيدٌ لعمرو دراهم، وعلى زيد طعام لعمرو، فقال زيد لعمرو: اشتر لك بها مثل الطعام الذي علي، ففعل، لم يصح الشراء.
قال في «الفروع» : لأنه فضولي؛ لأنه اشترى لنفسه بمال غيره.
وإن قال زيد لعمرو: اشتر لي بالدراهم طعامًا، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح الشراء؛ لأنه وكيل عنه فيه، ولم يصح القبض لنفسه؛ لأن قبضهُ لنفسه فرعٌ عن قبض موكله، ولم يوجد.
وإن قال زيد لعمرو: اشتر لي بدراهم مثل الطعام الذي علي، واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك، فاشترى لها طعامًا له، ثم قبضه له، ثم قبضه لنفسه؛ صح ذلك كله؛ لأنه وكَّلَهُ في الشراء والقبض، ثم الاستيفاء من نفسه لنفسه، وذلك صحيح.
ولو دفع إليه كيسًا، فقال: استوف منه قدر حقك، ففعل، صح؛ لأنه من استنابة من عليه الحق للمستحقِّ، والزائد أمانة، قال في «الفروع» : قال أحمد - رضي الله عنه -: الدين أوله هم، وآخره حزن.
قال بعضهم: كان يقال: الدين هم بالليل، وذل بالنهار، وإذا أراد الله أن يذل عبدًا جعل في عنقه دينًا.
وكان يقال: الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والفقير، والمديان.
وكان يقال: لا هم إلا هم
الدين، ولا وجع إلا وجع العين.
قال ابن عبد البر: وقد روي
هذا القول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه ضعيف.
وقال جعفر بن محمد: المستدين تاجر الله في أرضه.
وقال عمر بن عبد العزيز: الدين وقرٌ طالما حمله الكرام.
اهـ.
من النظم فيما يتعلق في السلم في المعين وفي عدم نقل الملك فيه قبل قبضه والإقالة
وإن يسلم المغصوب وهو معيّن ... ورد رَديًا فهو عَقْدُ تفسد وإن قبضا عما استقر بذمة ... فإن له في مجلس بدل الردي وفيه من التفضيل والخلف مثلما ... تقدم في صرف هناك ليقصد وما سَلم في العين حل وإنما ... يصح إذا أسلمت في ذمة قد وليس بشرط ذكرهم موضع الوفا ... فوف متى تطلق بموضع معقد وإن لم يوالِ فاشترطه بأجود ... وفي الثاني في أدنى البلاد ليورد وإن تشترط فيه يكن لتأكد ... وفي غيره إن تشترط صح بأوكد ونقلك فيه الملك من قبل قبضه ... حرام لنا مع جهله والتعمد ويحرم بيع الدين بالدين مطلقًا ... وبالنقد إلا للغريم بأوكد إذا كان دينًا مستقرًا بشرط أن ... يقبضه الأثمان في المجلس احدد
ووجهين في دين الكتابة خذهما ... وفي مسلم من بعد فسخ منكد وبيع بممنوع به بيعه نسا ... وموصوف اقبضه بمجلس معقد وليس بشرط قبض غيرهما به ... إذا ما به بعت الديون بأجود وفي سلم إن ما تقبل نادمًا يجز ... وفي بعضه أيضًا على المتأكد وخذ رأس مال أو مثيلاً له إن توى ... أو القدر عند الفسخ في المتجوزد وإن قال شخص مالك سلمًا لمن ... عليه له من جنسه اقبضه وارشد لنفسك لم تملكه في قبضه وهل ... يكون لأمار بوجهين أسند وإن قال لي فاقبضه ثم لك احكمن ... بتصحيح قبض للوكيل وأكد ولا تجز إقباضًا بكيلة قابض ... تراه ولو لم تنأ عنه بأوكد وتركك إياه بمكيال قبضه ... فتقبيضه إياه صح بأوكد وإن تعطه نقدًا وقلت اشترى بها ... لك السلم الباقي علي وجود فإنَّ شراه كالفضولي فإن تقل ... لي ابتعه واستوفى يصح الشرا قد وإن قلت لي ابتع ثم لي اقبضه ثم لك ... فيفعل يصح الكل في نص أحمد ومن يدعي في قبض دين بعرفه ... مُسوِّغَ وهْمٍ فاقبلن في المجود ومن جنسه من تعطه صبرة لكي ... يوفى فتوفى باتفاق يقلد كذا في مكان القبض إن صح شرطه ... وفي وقته قول المدين فقلد
وجوز به رهنًا في الأولى وكافل ... وفك إبراءٍ بفسخ المعقد وثابت دين جاز من رهنه القضا ... يجوز به أو آيل للتأطد
باب القرض
س70: ما هو القرض لغة واصطلاحًا؟ وما حكمه؟ وما وجه اتباعه بالسلم؟ وهل هو عقد لازم أم جائز؟ وبم ينعقد؟ وإذا قال: ملكتك، ولا قرينة تدل على رد بدل فمن القول قوله؟ وما حكم الاقتراض بالجاه للإخوان والشراء بدين لا وفاء له؟ وما هي شروط صحة القرض؟ ومتى يتم القبول؟ ومتى يملك ويلزم؟ ومتى يملك المقرض الرجوع فيه؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تفصيل أو ترجيح.
ج: القرض في اللغة: القطع، كأنه يقطع له قطعة من ماله، وقيل: هو المجازاة؛ لأنه يرد مثل ما أخذ، ومنه قولهم: الدنيا قروض ومكافأة، وهما يتقارضان الثناء، إذا أثنى رجل على رجل، وأنثى عليه الآخر.
وقال الزجاج: القرض في اللغة: البلاء الحسن والبلاء السيئ، قال أمية:
كل امرئ سوف يجزي قرضه حسنًا
أو سيئًا ومدينًا مثل مادانا
والقرض شرعًا: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به، ويرد بدله، وهو نوع من السلف، وهو من المرافق المندوب إليها للمقرض؛ لحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا إلا كان كصدقتها مرتين» رواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» ، والبيهقي مرفوعًا وموقوفًا، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة» رواه ابن حبان في «صحيحه» ، ورواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من منح منيحة لبن أو وَرِقٍ، أو هدى زُقاقًا، كان له مثل عتق رقبة» رواه أحمد والترمذي، واللفظ له، وابن حبان في «صحيحه» ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ومعنى قوله: «منح منيحة ورق» إنما يعني به: قرض الدراهم.
ومعنى «هدى زقاقًا» : هداية الضال إلى الطريق، وهو نوع من المعاملات على غير قياسها، لمصلحة لاحظها الشارع، لانتفاع المقترض بما اقترضه، ويصح بلفظ: قرض، ولفظ «سلف»
لورود الشرع بهما، وبكل لفظ يؤدي معناهما، كملكتك هذا على أن ترد بدله؛ فإن قال معط: ملكتك، ولا قرينة على رد بدله، فهبة، وإن اختلفا في أنه هبة أو قرض، فقول آخذ بيمينه أنه هبة؛ لأنه الظاهر؛ فإن دلت قرينة على رد بدله، فقول معط أنه قرض.
والقرض مباح للمقترض، وليس مكروهًا، لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان مكروهًا كان أبعد الناس منه، ولا إثم على مَن سُئل فلم يقرض؛ لأنه ليس بواجب، بل مندوب كما تقدم، وليس سؤال القرض من المسألة المذمومة، لما تقدم من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه إنما يأخذه بعوضه، فأشبه الشراء بدين في ذمته، وينبغي للمقترض أن يعلم المقرض بحاله، ولا يغره من نفسه، ولا يستقرض إلا ما يقدر أن يؤديه، إلا الشيء اليسير الذي لا يتعذر مثله عادة، لئلا يضر بالمقرض.
وكره الإمام أحمد الشراء بدين ولا وفاء عنده إلا اليسير.
وقال الإمام: ما أحب أن يفترض بجاهه لإخوانه، قال القاضي: إذا كان من يقترض له غير معروف بالوفاء؛ لأنه تغرير بماله المقرض وإضرار به؛ أما إذا كان معروفًا بالوفاء فلا يكره؛ لأنه إعانة وتفريج لكربته، وينبغي للفقير إذا أراد أن يتزوج بامرأة موسرة أن يعلمها بفقره، لئلا يَغُرَّها.
وشروط صحة القرض خمسة:
أولاً: أن يكون فيما يجوز بيعه.
ثانيًا: معرفة وصفه.
ثالثًا: معرفة قدره.
رابعًا: كون مقرض ممن يصح تبرعه، فلا يقرض نحو ولي يتيم من ماله، ولا مكاتب، ولا ناظر وقف منه، كما لا يحابي.
خامسًا: أن يصَادِفَ ذمة لا على ما يحدث.
قال ابن عقيل: الدين لا يثبت إلا في الذمم.
اهـ.
ولا يصح قرض جهة كمسجد ونحوه، كمدرسة ورباط، وفي «الموجز» : يصح قرض حيوان وثوب لبيت المال، ولآحاد المسلمين.
ذكره في «الفروع» اهـ. يؤيد ما سبق أمره –عليه السلام- ابن عمر أن يأخذ على إبل الصدقة.
ويصح القرض في كل عين يجوز بيعها إلا بني آدم، فالمذهب: لا يصح، قال في «الشرح» : ويحتمل صحة قرض لعبد دون الأمة، وهو قول مالك والشافعي، إلا أن يقرضهن ذوو أرحامهن؛ وأما قرض الجواهر ونحوها، مما يصح بيعه، ولا يصح السلم فيه، فالصحيح الصحة، ويرد المقترض القيمة، ولا يصح قرض المنافع؛ لأنه غير معهود.
وقال الشيخ تقي الدين: يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يومًا، ويحصد الآخر معه يومًا آخر أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها.
وقال في «الاختيارات الفقهية» : ويجوز قرض الخبز ورد مثله عددًا بلا وزن من غير قصد الزيادة، وهو مذهب أحمد، وما قاله الشيخ رحمه الله هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
ويتم العقد بالقبول كالبيع، ويملك ويلزم بالقبض؛ لأنه عقد يَقِفُ التصرف فيه على القبض، فوقف الملك عليه، فلا يملك مقرض
استرجاع القرض من مقترض كالبيع، للزوم من جهته، إلا إن حجر على مقترض لفلس، فيملك مقرض الرجوع فيه بشرطه؛ لحديث: «من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به» رواه أحمد.
وللمقرض طلب بدل القرض من المقترض في الحال؛ لأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة، فأوجبه حالاً كالإتلاف، فلو أقرضه تفاريق فله طلبها جملة، كما لو باعه بيوعًا متفرقة ثم طالبه بثمنها جملة.
س71: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا شرط المقترض رد ما اقترضه بعينه، أو اقترض مثليًا ورد بعينه، أو فلوسًا فمنع السلطان إنفاقها، وأبطل ماليتها، أو كانت الفلوس أو المكسرة التي منع السلطان المعاملة بها ثمنًا معينًا لم يقبضه البائع، أو رد المشتري مبيعًا ورام أخذ ثمنه، وكان فلوسًا أو مكسرة فمنعها السلطان، أو أعوز المثل، وإذا دفع مكيلاً وزنًا أو موزونًا كيلاً، فما الحكم؟ وما حكم قرض الماء والخبز والخمير؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل، والخلاف والترجيح.
ج: إذا شرط مقرض رده بعينه، لم يصح الشرط؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو التوسع بالتصرف، ورده بعينه يمنع من ذلك.
ويجب على مقرض قبول قرض مثلي رد بعينه وفاءً، ولو تغير سعره لرده على صفته التي عليها، فلزمه قبوله كالسلم، بخلاف متقوم رد وإن لم يتغير سعره فلا يلزم قبوله؛ لأن الواجب له قيمته، والمثلي هو
المكيل والموزون، ما لم يتعيب مثلي رد بعينه، كحنطة ابتلت، فلا يلزمه قبوله لما فيه من الضرر؛ لأنه دون حقه، أو ما لم يكن القرض فلوسًا أو دراهم مكسرة، فيمنعها السلطان ويبطل التعامل بها، ولو لم يتفق الناس على ترك التعامل بها؛ فإن كان كذلك، فللمقرض قيمة القرض المذكور وقت قرض؛ لأنها تعيبت في ملكه، وسواء نقصت قيمتها كثيرًا أو قليلاً، وتكون القيمة من غير جنس القرض إن جرى في أخذها من جنسه ربا فضل، بأن كان اقترض دراهم مكسرة، فمنعت وأبطل التعامل بها، وقيمتها يوم القرض أنقص من وزنها؛ فإنه يعطيه بقيمتها ذهبًا، وكذا لو اقترض حُلِيًا، وكذا ثمن لم يقبض إذا كان فلوسًا أو مكسرة، فمنع السلطان إنفاقها وأبطل ماليتها، أو طُلِبَ ثمنٌ من بائع برد مبيع عليه، لعيب ونحوه، وكذا صداق وأجرة وعوض خلع ونحوها إذا كان فلوسًا أو دراهم مكسرة، فمنعها السلطان وأبطل التعامل بها، فحكمه حكم القرض، قال شيخ الإسلام: ويطرد ذلك في بقية الديون، وقد نظمها ناظم «المفردات» فقال:
والنقدُ في المبيعِ حَيْثُ عُيِّنَا ... وبَعْدَ ذَا كسَادُهُ تَبَيَّنَا نحو الفُلُوسِ ثم لا يُعَامَلُ ... بها فَمِنْهُ عِنْدَنَا لا يُقْبَلُ بل قيمةُ الفُلوسِ يَوْمَ العَقْدِ ... والقرض أيضًا هكذا في الرَّدِ
ومثلهُ مَن رَامَ عَوْدَ الثَّمنِ ... بِرَدِّهِ المبيع خُذْ بالأحْسَنٍ قد ذَكرَ الأصحابُ ذَا في ذي الصُّوَرْ ... والنصُ في القرصِ عَيانًا قد ظَهَرْ والنَّصُّ بالقيمةِ في بُطْلَانِهَا ... لا في ازدِيَادِ القَدْرِ أَو نُقْصَانِها بل إن غَلَتْ فالمِثْلُ فيها أَحْرَى ... كَدَانِقٍ عِشْرينَ صَارَ عَشْرًا والشيخُ في زِيَادةٍ أو نَقْصِ ... مِثْلاً كَقَرْضٍ في الغَلا والرُّخْصِ وشيخُ الإسلامِ فَتَى تَيمِيِّهْ ... قال قياسُ القَرْضِ عَن جلِيّهْ الطَّردُ في الدِّيُونِ كالصَّداقِ ... وعوضٍ في الخلعِ والإعْتاقِ والغصبِ والصلحِ عَن القصاص ... ونَحوِ ذا طُرًا بلا اخْتِصَاصِ قال وَجَافي الدَّيْنِ نصًا مُطْلَقُ ... حَرَّرَهُ الأثرمُ إذْ يُحَقَّقُ وقولهم إنَّ الكَسَاد نَقْصًا ... فذاك نقصُ النوعِ عَابَتْ رُخْصًا قال ونقصُ النوعِ لَيْسَ يُعْقَلُ ... فيما سِوى القيْمَةِ ذَا لا يُجْهَلُ وخَرَّجَ القِيْمَة في المِثْلِيِّ ... بِنَقُصِ نَوْعٍ لَيْسَ بالخَفِي واختارهُ وقالَ عَدْلٌ مَاضِي ... خَوف انتظار السِّعْرِ بالتَّقَاضِي لِحَاجَةِ النَّاسِ إلى ذِي المسألهْ ... نَظَمْتُهَا مَبْسُوطَةً مُطَوَّلهْ
ويجب على مقترض رَدُّ فلوسٍ اقترضها، ولم تحرم المعاملة بها
غلت أو رخصت أو كسدت؛ لأنها مثلية، ويجب رد مثل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه؛ لأنه يضمن في الغصب والإتلاف بمثله، فكذا هنا، مع أن المثل أقرب شبهًا به من القيمة؛ فإن أعوز المثل فعليه قيمته يومَ إعوازه؛ لأنه يوم ثبوتها في الذمة.
ويجب رد قيمة غير المكيل والموزون المذكور؛ لأنه لا مثل له، فيضمن بقيمته كما في الإتلاف والغصب، فجوهر ونحوه مما تختلف قيمته كثيرًا، تعتبر قيمته يوم قبض المقترض من المقرض، لاختلاف قيمته في الزمن اليسير بكثرة الراغب وقلته، فتزيد زيادة كثيرة، فَيَنْضرُّ المقترضُ أو ينقُص، فينضر المقرِضُ وغير الجوهر ونحوه، كمذروع ومعدود تعتبر قيمته يوم قرض؛ لأنها تثبت في ذمته.
وقي: يجب رد مثله من جنسه بصفاته، وكذا الجواهر ونحوها، قيل: يجب رد مثله جنسًا وصفة وقيمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف من رجل بكرًا، فرد مثله؛ ولما ورد عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها، وجعل فيها الطعام، وقال: «كلوا» ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسورة.
رواه البخاري والترمذي.
ولأن ما ثبت في الذمة في السلم ثبت في القرض كالمثلي،
ويخالف الإتلاف فإنه لا مسامحة فيه.
قالوا: ولأن هذا هو مقتضى عقد القرض،
ولأن مثله يحصل فيه مقصودان: مقصود القيمة، ومقصود حصول ذلك الشيء المقرض، وهذا القول هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
ويرد مثل كيل مكيل دفع وزنًا؛ لأن الكيل هو معياره الشرعي، وكذا يرد مثل وزن موزون دفع كيلاً، ويجوز قرض ماءٍ كيلا كسائر المائعات.
ويجوز قرض لسقي مقدرًا بأنبوبة أو نحوها، مما يعمل على هيئتها من فخار أو نحاس أو رصاص أو نحوه، ويجوز قرضه مقدرًا بزمن من نوبة غيره، ليرد مقترض على مقرض مثله في الزمن من نوبته نصًا.
قال: وإن كان غير محدود كرهته، أي: لأنه لا يمكن أن يرد مثله، ويجوز قرض خبز وخمير ورده عددًا بلا قصد زيادة؛ لحديث عائشة قالت: قلت يا رسول الله، الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانًا، فقال: «لا بأس، إنما ذلك من مرافق الناس لا يُراد به الفضل» رواه أبو بكر في «الشافي» ، ولمشقة اعتباره بالوزن مع دعاء الحاجة.
تأجيل القرض وكل دين حال أو حل ...
س72: ما حكم تأجيل القرض، وكل دين حال أو حل، وشرط رهن أو ضمين في القرض، أو نقص وفاء، أو جر نفع أو نحو ذلك، أو أهدى مقترض لمقرض، أو علمت شهوة سخائه، وغلب على الظن أن يزيده، وحكم كل غريم غير المقبوض، وحكم ما إذا فعل شيئًا مما سبق قبل الوفاء أو طوب بِبَدَل قرض أو ثمن في ذمة، أو طولب ببدل غصب ببلد آخر غير بلد قرض وغصب؟ أو اقترض إنسان من رجل دراهم، وابتاع منه بها شيئًا، فخرجت زيوفًا، أو قال إنسان لآخر: أقرضني ألفًا،، وادفع إليّ أرضًا أزرعها بالثلث، أو أقرض مَن له عليه بر شيئًا يشتريه به، ثم يْوفيه إياه، أو قال: إن مت فأنت في حل، أو أقرض إنسانٌ غريمه المعسر ألفًا ليوفيه منه، ومن دينه الأول كل وقت، أو جعل إنسان جعلاً لمن يقترض له بجاهه.
واذكر ما لذلك من دليل أو تعليل أو تفصيل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر الخلاف والترجيح.
ج: يثبت بدل القرض في ذمة المقترض حالاً؛ لأنه سبب يوجب رد البدل، فأوجبه حالاً كالإتلاف؛ ولأنه عقد منع فيه التفاضل، فمنع فيه الأجل كالصرف، ولو مع تأجيل القرض؛ لأنه وَعْدٌ لا يلزم الوفاء به، وأيضًا شرط الأجل زيادة بعد استقرار العقد، فلا يلزم وكذا كل دين حال أو مؤجل حَلَّ، فلا يصح تأجيله، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابن المنذر، وهو أنه وإن أجل القرض لم
يتأجل، وكل دين حال أجله لم يصر مؤجلاً بتأجيله.
وقال مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم» ولأن الله تعالى أمر بوفاء العقود، وأمر بالوفاء بالوعد، وعَدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إخلاف الوعد من صفات النفاق؛ وأن المتعاقدن يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء، فملكا الزيادة فيه كخيار المجلس.
قال في «الإنصاف» : واختار الشيخ تقي الدين صحة تأجيله ولزومه إلى أجله، سواء كان قرضًا أو غيره، وذكره وجهًا، قلت: وهو الصواب.
اهـ. وهذا القول هو الذي يترجح عندي، والله أعلم.
ويجوز شرط رهن في القرض؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - استقرض من يهودي شعيرًا ورهنه درعه.
متفق عليه.
ولأن ما جاز فعله جاز شرطه، ويجوز شرط ضمين لما تقدم، ولأنه يراد للتوثق، وليس ذلك بزيادة، والضمان كالرَّهْن، ولا يجوز الإلزام بشرط تأجيل قرض، أو شرط نقص في وفاء؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، ويحرم كلُّ شرط جر نفعًا، كشرط أن يسكنه المقترض داره، أو يقضيه خيرًا منه، أو أكثر مما أقرضه، أو يُنزِّلَ له في أجرة داره، أو شرط المقرض على المقترض أن يبيعه شيئًا يرخصه عليه، أو شرط أن يعمل له عملاً، أو أن ينتفعَ بالرهن، أو أن يساقيه على نخل، أو يزارعه على ضيعَةٍ، أو أن يبيعه شيئًا بأكثر من قيمته، أو أن يستعمله في صنعة
ويعطيه أنقص من أجرة مثله، ونحوه من كل ما فيه جر منفعة.
والدليل عليه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن سلف وبيع» والسلف: هو القرض في لغة أهل الحجاز.
وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل قرض جر منفعةً فهو ربا» رواه الحارث بن أبي أسامة، وإسناده ساقط، وله شاهد ضعيف عند البيهقي عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه -، وآخر موقوف عن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - عن البخاري.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسْلِفَ إذا شرط على المسُتسلِف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربًا.
وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه.
ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة، فيعطيه صحاحًا أو نقدًا، ليعطيه خيرًا منه، ولا يجوز شرط أن يقضيه ببلد آخر، ولحمله مؤنة؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فشرط النفع فيه يخرجه عن موضوعه، وإن لم يكن لحملة مؤنة، فقال في «المغني» : الصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر، وكذا لو أراد إرسال نفقة لأهله، فأقرضها ليوفيها المقترض لهم جاز، ولا يفسد القرض بفساد الشرط؛ وأما إذا شرط أن يقضيه ببلد آخر،
فقيل: لا يجوز، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وقال في «الإنصاف» : ويحتمل جواز هذا الشرط، وهو عائد إلى هذه المسألة فقط، وهو رواية عن أحمد، واختاره المصنف والشيخ تقي الدين –رحمه الله- وصححه في النظم و «الفائق» وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، وأطلق المصنف الجواز فيما إذا لم يكن لحمله مؤنة، وعدمه فيما لحمله مؤنة.
اهـ. وفي «مجموع الفتاوى» : وسُئل عما إذا أقرض رجل رجلاً دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب: إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرض غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه، ويكتب له سفتجة، أي: ورقة إلى بلد المقترض، فهذا يصح في أحد قولي العلماء، وقيل: نهي عنه؛ لأنه قرض جر منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربًا.
والصحيح: الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقترض أيضًا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهي عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم (29/530، 531) .
وإن فعل ما يحرم اشتراطه، بأن أسكنه داره، أو قضاه ببلد
آخر بلا شرط، جاز، أو أهدى مقترض له هدية بعد الوفاء، جاز، أو قضى مقترض خيرًا مما أخذه، جاز، كصحاح عن مكسرة، أو أجود نقدًا، أو سكة مما اقترض، وكذا رد نوع خيرًا مما أخذ، أو أرجح يسيرًا في قضاء ذهب أو فضة، وكذا رد نوع خيرًا مما أخذ، أو أرجح يسيرًا في قضاء ذهب أو فضة، بلا مواطأة في الجميع، أو علمت زيادة المقترض على مثل القرض أو قيمته لشهرة سخائه، جاز ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف بكرًا، فرد خيرًا منه، وقال: «خيركم أحسنكم قضاء» متفق عليه من حديث أبي رافع.
ولأن الزيادة لم تجعل عوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه، ولا استيفاء دينه، أشبه ما لو لم يكن قرض، وإن فعل مقترض ذلك بأن أسكنه داره، أو أهدى له قبل الوفاء، ولو لم ينو مقرض احتسابه من دينه، أو لم ينو مكافأة عليه، لم يجز، إلا إن جرت عادة بينهما به قبل قرضه؛ لحديث أنس مرفوعًا: «إذا أقرض أحدكم فأهدي إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» رواه ابن ماجه، وكذا البيهقي في «السنن» و «الشعب» وسعيد بن منصور في «سننه» ، وهو حديث حسن، ويؤيده ما في البخاري عن أبي بردة، قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل حق، فأهدي إليك حمل تبن، أو حمل قت، فلا تأخذه؛ فإنه ربًا.
وفي مسند
الحارث بن أبي أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل قرض جر منفعة فهو باب من أبواب الربا» وكذا كل غريم حكمه حكم المقترض في ما تقدم.
ومن طولب ببدل قرض، ومثله ثمن في ذمة ونحوه، أو طولب بدل غصب ببلد آخر غير بلد قرض، أو غصب؛ لزمه أداء البدل لتمكنه من قضاء الحق بلا ضرر، إلا ما لحمله مؤنة كحديد وقطن وبر، وقيمته ببلد القرض أو الغصب أنقص من قيمته ببلد الطلب، فلا يلزمه إلا قيمته ببلد القرض أو الغصب؛ لأنه لا يلزمه حمله إلى بلد الطلب، فيصير كالمتعذر، وإذا تعذر المثل، تعينت القيمة، واعتبرت ببلد قرض أو غصب؛ لأنه الذي يوجب فيه التسليم؛ فإن كانت قيمته ببلد القرض أو الغصب مساوية لبلد الطلب أو أكثر، لزمه دفع المثل ببلد الطلب كما سبق، ومن طولب بعين الغصب بغير بلده لم يلزمه وكذا لو طولب بأمانة أو عارية ونحوها بغير بلدها؛ لأنه لا يلزمه حملهَا إليه، ولو بذل المثل مقترض أو غاصب بغير بلد قرض أو غصب، ولا مؤنة لحمله إليه، كأثمان لزم مقرضًا ومغصوبًا منه قبوله مع أمن بلد وطريق؛ لعدم الضرر عليه إذًا، وكذا ثمن وأجرة ونحوهما؛ فإن كان لحمله مؤنة أو البلد أو الطريق غير آمن، لم يلزمه قبوله، ولو تضرر المقترض أو الغاصب؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، ومن اقترض من رجل دراهم، وابتاع منه بها شيئًا، فخرجت زيوفًا، فالبيع جائز،
ولا يرجع عليه بشيء؛ لأنها دراهمه، فعيبها عليه، وله
على المقترض بدل ما أقرضه له بصفته زيوفًا، ولو أقرض إنسان فلاحه في شراء بقر يعمل عليها في أرضه بالحرث ونحوه، أو أقرضه في شراء بذر يبذره في أرضه؛ فإن شرط المقرض ذلك في القرض، لم يجز لما تقدم، وإن كان ذلك بلا شرط، أو قال المقترض: أقرضني ألفًا، وادفع إلي أرضك أزرعها بالثلث، حرم أيضًا؛ لأنه يجر به نفعًا.
نص عليه، واختاره ابن أبي موسى، وجوزه المرفق وجمع لعدم الشرط والمواطأة عليه، وصححه في «النظم» و «الرعاية الصغرى» ، وقدمه في «الفائق» و «الرعاية الكبرى» .
ولو أقرض من له عليه بر شيئًا يشتري البر به، ثم يوفيه إياه، جاز العقد بلا كراهة، وإن قال المقرض للمقترض: إن مِتُّ -بضم التاء- فأنت في حل، فوصيته صحيحة كسائر الوصايا، وإن قال له: إن مِتَّ –بفتحها- فأنت في حلن لا يصح؛ لأنه إبراء معلق.
قال الناظم:
وقولُ إذا ما مِتُّ تَبرأ وَصِيَّةٌ
وإن تَفْتَحِ التَّا اردْدُ للابْرَا المُقَيَّدِ
ولو أقرض إنسان غريمه المعسر ألفًا، ليوفيه منه ومن دينه الأول كل وقت، جاز والكل حال، أو قال المقرض: أعطني بديني رهنًا،
وأنا أعطيك ما تعمل فيه، وتقضيني ديني كله الأول والثاني، ويكون الرهن عن الدينين، أو عن أحدهما بعينه، جاز؛ لأنه ليس فيه اشتراط زيادة عما يستحقه عليه، والكل حال، الدين الأول والثاني، ولا يتأجل بقول ذلك.
ولو جعل إنسان لآخر جعلاً على اقتراضه له بجاهه، جاز؛ لأنه في مقابلة ما يبذله له بجاهه فقط، وقيل: لا يجوز؛ لأن هذه المسألة داخلة في القرض الذي جر نفعًا، ووسيلة قريبة إلى الربا، وإن جعل له جعلاً على ضمانه له، فلا يجوز؛ لأنه ضامن، فيلزمه الدين، وإن أداه وجب له على المضمون عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضًا صار القرض جارًا للمنفعة، فلم يجز.
ولو أقرض ذمي ذميًا خمرًا، ثم أسلما أو أحدهما، بطل القرض، ولم يجب على المقترض شيء.
فائدة: قال في «الفروع» : قال أحمد - رضي الله عنه -: الدين أوله هَمٌ، وآخره حزن.
قال بعضهم: كان يقال: الدين هَمٌّ بالليل، وذل بالنهار، وإذا أراد الله أن يذل عبدًا جعل في عتقه دينًا، وكان يقال: الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والفقير، والمديان.
وكان يقال: لا هم إلا هم الدين، ولا وجع إلا وجع العين.
قال ابن عبد البر: وقد روي هذا القول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه ضعيف.
اهـ.
من النظم فيما يتعلق بالقرض
وإن تُقْرِضَنْ شيئًا فندبٌ مضاعفٌ ... كمثلين إلا خمس بذل التجود ويكره الاستقراض للسيئ الوفا ... ولِلسَّهْلِهِ لا بأس بالشارع اقتد ومن صح منه بذله صح قرضُه ... لما صَحَّ فيه البيع يا ذا التنقد سوى أمة قد قيل والعبد والذي ... به سلم لم تمضه في المجود وقيل اقترض واردد كقيمة جوهر ... وفي الحيوان المثل مع كرهه اردد ومعرفة المقدار والوصف لازم ... ويملكه بالقبض مستقرض اليد فليس عليه رده بل بديله ... بذمته حتم الحلول المؤكد وما شرط تأجيل الحلول بلازم ... ويلزم منه أخذه إن يردد متى لم يعب أو يمنع الناس أخذه ... فقيمته وقت اقتراضك أورد على نصه بل قيل يوم كساده ... وما نقص سعر منع رد بأجودِ كذا جوهر أو نحوه إن جاز قرضه ... ومثلاً لموزون وما كيل فاردد وقيمة مثل يوم إعواز مثله ... وفيما سوى هذين وجهين أسند وثانيهما قوم من القرض وانقد
فوجه له مثل مقارب وصفه ... قبولكه أو مثله احتم بمبعد وفي كاسد في العرف لا منع حاكم ... وعنه اشترط الوزن زن أو فعدد وقرض يسير الخبز بالعد جائز ... لرد كبير والخمير كذا اعدد ويحرم إقراض الصغير تقصدًا ... لتطييب قلب المقرض المتجود وشرط رهنًا أو ضمينًا به أجز ... كإهدائه أورد أوفى وأجود وما جر نفعًا لا يجوز اشتراطه ... إجارته أو نفعه احذر وأوعد وبيع عليه أو شرا الشيء منه أو ... بقيمة ما أهدي وإلا ليردد ومن زاد من قبل الوفاء ليحتسب ... هدية هذا الصاحب المتودد ومن كان قبل القرض يهدي تقبلت ... ففي أوطد لا بأس بالشارع اقتد ومن زاد من غير اشتراط إذا قضى ... على أوطد الوجهين أسوة أحمد ولا تكرهن القرض للحسن الوفا ... يزد ثانيًا يحرم بغير تردد وقيل إن يزده مَرةً في القضا متى ... فأتبعه المعطي بقرض مجدد ومن صده الإفلاس عن رد قرضه ... كذا قرضُه أثمان قرض ليورد لِيُوفِيهِ شهرًا ثم شهرًا فجائز ... بأرضك أو أثمان ثور بأجود كذا قرض بذر دون شرط لزارع ... ولو ليتيم طد نفع بأوكد وشرط وفا سهل بغير مكانه ... وإن تفتح التا اردد للأبرا المقيد وقول إذا ما مت تبرا وصية ... أجز واكتفل عني ولك ألفٌ اردد وقول اقترض لي الآن ألفًا ولك
كذا ... بالإسلام أسقطها ولو من مفرد ولو أقرض الذمي خمرًا لمثله ... بديلاً ليرضى غير أرض التجودِ وإن طلب المغصوب منه ومقرض ... المؤونة إن يزدد هنا سعره قد فإعطاؤه حتم سوى ما لحمله ... وليس عليه هاهنا أخذ مورد فقيمته في أرض قرض هنا له ... مع الأمن في هذا وسبل المردد سوى الشيء ما في حمله من مؤونةٍ ... وإن يبق لم يجبر بحال فقيد كذا بدل المغصوب إن كان تالفًا
باب الرهن
س73: ما هو الرهن لغة وشرعًا؟ وما هو المرهون؟ وما حكم الزيادة فيه.
أو في دَيْنِه؟ وهل لما يصح رهنه ضابط؟ وبم ينعقدْ؟ وما أركانه؟ وما حكمه؟ ولِمَ أتبع بالبيع والقرض، وما فائدته؟ وفصِّلُ لما يحتاج إلى تفصيل، ومثل لما يحتاج إلى تمثيل، واذكر الدليل والتعليل، والخلاف والترجيح.
ج: الرهن في اللغة: الثبوت والدوام والاستمرار.
وقال ابن سيده: ورهنه، أي: أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر:
الخُبْزُ واللحمُ لَهم رَاهِنٌ
وقهوةٌ راو وُقها ساكِبُ
وقيل: هو الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] . وقال الشاعر:
وفارقَتْكَ بِرهْنٍ لا فكَاكَ لَهُ
يومَ الوداع فأضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شبه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لوجده بها، بالرهن الذي يلزم المرتهن، فيحبسه عنده ولا يفارقه، وتخفف العين من رَهَنَ كما خُفِفَ في رُسُل وكُتُب، ومثل رَهْن ورُهُن سَقْف وسُقُف، وقال الأعشى:
آليتُ لا أعُطِيهِ مِن أبنائنا ... رُهُنًا فَيُفْسِدْهُم كَمَنْ قَدْ أفْسَد
ويقال في الرهن: رَهَنْتُ وأرْهَنْت.
قال عبد الله بن همام السِّلولي:
فلما خَشيِتُ أظافِيْرَهُم ... نَجَوْتُ وأرهَنْتُهُم مَالِكًا
وشرعًا: توثقه دَيْنٍ بعين يُمكن أخذه أو بَعْضُه مِنها أو من ثمنها.
وهو جائز بالكتاب، والسُّنة، والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 282] .
وأما السُّنة: فروت عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى من يهودي طعامًا، ورهنه درعه» متفق عليه.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يغلق الرهن» ؛ وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن، لدلالة الكتاب والسُّنة عليه.
والمرهون: عين معلومة قدرًا وجنسًا وصفةً، جُعِلتْ وَثِيْقَةً
بحق يمكن استيفاء الحق، أو استيفاء بعضه منها، أو من ثمنها، بخلاف نحو وقف وحر، ويأتي حكم أم الولد، وتقدم حكم دين السلم والكتابة.
وتصح زيادة رهن، بأن رهنه شيئًا على دين، ثم رهنه شيئًا آخر عليه؛ لأنه توثقه، ولا تصح زيادة دينه، بأن استدان منه دينارًا، ورهنه كتابًا أو أقبضه له منه، ثم اقترض منه دينًا آخر، وجعل الكتاب رهنًا عليه وعلى الأول؛ لأنه رهن مرهون، والمشغول لا يشغل، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد، وهو الراجح من مذهب الشافعي، وقال مالك بالجواز، وهو رواية عن أحمد، والقديم للشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ويصح رهن كل ما يصح بيعه، ولو كان نقدًا أو مؤجرًا أو معارًا، ولو لرب دين؛ لأنه يصح بيعه، فصح رهنه، وينعقد الرهن بلفظ وبمعاطاة كالبيع.
وأركانه خمسة: راهن، ومرهون، ومرهون به، ومرتهن، وصيغة، وهي الإيجاب، والقبول، وما أدى معناهما، فلا يصح بدونهما، فإذا قال: أقرضتك هذا، أو خذه بمثله، أو ملكتك على
أن ترد بدله، صح، وقد يكون القرض واجبًا، كالمضطر، وحرامًا كما إذا غلب على ظنه أنه يصرفه في محرم، ومكروهًا، كما إذا غلب على ظنه أنه يصرفه في مكروه.
وأما فائدته: فكبيرة؛ لأنه من الوثائق التي يحصل منها الاستيفاء عند تعذر الوفاء من الغريم، ويطمئن إليه، ويأمن من غدر صاحبه وأكمله أن يكون عينًا مقبوضة؛ فإن كانت قيمتها أكثر من الدين تمت من جميع الوجوه؛ فإن كانت الوثيقة دينًا أو غير مقبوضة، أو أقل من الدين، صارت ناقصة.
وأما مناسبة إتباعه للبيع والقرض، فلما كان الرهن يتسبب عن الدين، من قرض تارة، ومن بيع أخرى، وأنهى الكلام على الدينين وما يتعلق بهما من مقاصة، عقد الكلام على ما يتسبب عنهم من رهن ونحوه.
ضمان العارية إذا رهنت والمبيع قبل قبضه
س74: ما حكم ضمان العارية إذا رهنت، والمبيع قبل قبضه، والمشاع؟ وإذا لم يرض شريك ومرتهن بكون المشترك بيد أحدهما أو بيد غيرهما، أو كان الرهن مكاتبًا أو مصحفًا، أو كتب حديث أو تفسير، أو جانبًا أو مدبرًا، أو معلقًا عتقه بصفة، أو كان مما يسرع إليه الفساد، أو قنًا مسلمًا لكافر، فما الحكم؟ واذكر ما يتفرع على ذلك
بالتفصيل، واذكر الدليل والتعليل، والخلاف والترجيح.
ج: ويسقط ضمان العارية إذا أرهنت، لانتقالها للأمانة إن لم يستعملها المرتهن؛ فإن استعملها ولو بإذن الراهن، ضمن.
ويجوز رهن المبيع قبل قبضه، غير المكيل والموزون والمذروع والمعدود على ثمنه وغيره عند بائعه وغيره، بخلاف المكيل ونحوه؛ أنه لا يصح بيعه قبل قبضه، فكذلك رهنه.
واختار الشيخ تقي الدين جواز رهن المكيل والموزون ونحوهما قبل قبضها، وحكاه القاضي وابن عقيل عن الأصحاب، قالوا: لأن قبضه مستحق، فيمكن المشتري أن يقبضه ثم يقبضه، وإنما لم يجز بيعه؛ لأنه يفضي إلى ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه، وهذا القول هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
ويصح رهن المشاع؛ لأنه يجوز بيعه في محل الحق، ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكون المشترك في يد أحدهما أو بيد غيرهما، جاز.
وإن اختلفا جعله حاكم بيد أمين أمانة أو بأجرة أو آجره الحاكم عليهما، فيجتهد في الأصلح لهما؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر، ولا يمكن جمعهما فيه، فتعين ذلك؛ لأنه وسيلة لحفظه عليهما.
ويصح رهن المكاتب، لجواز بيعه، وإيفاء الدين من ثمن، ولا يصح رهنه لمن يعتق عليه، بأن رهن لمكاتب عند رحمه المحرم؛ لأن