الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 419-458
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 419-458
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

الانتفاع بالرهن

س84: تكلم بوضوح عن الانتفاع بالرهن، وما يفضل من لبن أو نفقة، وتعرض لما يتعلق بذلك من تقدير أو ضمان أو نفقة على الرهن أو استئذان أو تعذره، وحكم حيوان معار ومؤجر ومودع ومشترك بيد أحدهما بإذن الآخر، إذا أنفق عليه مستعير ومستأجر ووديع وشريك، وبم يرجع من عمّر الرّهْنَ وما لا يرجع به؟ واذكر الدليل والتعليل، والتفصيل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر الخلاف.

ج: لمرتهن ركوب حيوان مرهون، كفرس وبعير بقدر نفقته، وله حلبة واسترضاع أمة بقدر نفقتها متحريًا للعدل؛ لما ورد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه الجماعة إلا مسلمًا، والنسائي، وفي لفظ: «إذا كانت الدابة مرهونة، فعلى المرتهن علفها؛ ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته» رواه أحمد.
ولا يعارضه حديث: «لا يغلق الرهن من راهنه، له غنمه، وعيه غرمه» لأنا نقول: النماء للراهن، لكن للمرتهن ولايةو صرفه إلى نفقته، لثبوت يده عليه، ولوجوب نفقة الحيوان، وللمرتهن فيه حق، فهو كالنائب عن المالك في ذلك وقد أمكن القيام به من نماء الرهن واستيفائه من منافعه، فجاز كما يجوز للمرأة أخذ

مؤونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه، وقيس على ذلك الأمة تسترضع بقدر نفقتها، ومحله إن أنفق بنية الرجوع، وإلا لم ينتفع، وهذا من المفردات.
قال ناظمها:

مُرتهنٌ لِرَّهْنِ نَصًا يَرْكَبُ ... بقدر ما أنفق أيضًا يَحْلِبُ سيان بذل مالك للنفقة ... أو منعها والإذن فيها مُطْلَقَه

وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يحتسب له بما أنفق، وهو متطوع به، ولا ينتفع من الرهن بشيء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يغلق الرهن من راهنه، له غنمه، وعليه غرمه» ولأنه ملك غيره، لم يأذن له في الانتفاع به، ولا الإنفاق عليه، فلم يكن له ذلك.
ولا ينهك المركوب والمحلوب بالركوب والحلب؛ لأنه إضرار به بلا إذن راهن، ومعنى إنهاكه: المبالغة في ذلك حتى يُهْزِلَهُ، ولو كان الراهن حاضرًا، ولم يمتنع من النفقة عليه؛ لأنه مأذون فيه شرعًا.
فإن كان الرهن غير مركوب ولا محلوب، كعبد وثوب، لم يجز لمرتهن أن يَنْتَفِع به بقدر نفقته، لاقتضاء القياس أن لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء غيْرَ ما ذكر للخبر، فلا يجوز أن يستعمله في حرث وسقي.
قال في «المغني» و «الشرح» : ليس للمرتهن أن ينفق على العبد والأمة ويستخدمهما بقدر النفقة.
قال في «الإنصاف» :

وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، ويبيع مرتهن فضل لبن مرهون بإذن راهن؛ لأنه ملكه، وإلا يأذن لامتناعه أو غيبته، فحاكم، لِقَيامه مقامَه، ويرجع مرتهن بفضل نفقة من ركوب وحلب واسترضاع على راهن بنية رجوع.
ولمرتهن أن ينتفع بالرهن بإذن راهن مجانًا بلا عوض، وإن انتفاع المرتهن بالرهن بغير إذن الراهن، فعليه أجرته في ذمته، وإن تلف ضمنه، لتعديه بانتفاعه بغير إذن ربه، وله أن ينتفع بالرهن بعوض، وله أن ينتفع به بإذن راهن مجانًا، ولو بمحاباة لِطِيب نفس رَبِّهِ به، ما لم يكن الدين قرضًا فيحرم، لجره النفع، ويصير الرهن المأذون في استعماله مجانًا مضمونًا بالانتفاع به، لصيرورته عارية، ولا يصير مضمونًا قبل الانتفاع به، وإن أنفق مرتهن على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكان استئذانه، لم يرجع على الراهن، ولو نوى الرجوع؛ لأنه متبرع أو مفرط، حيث لم يستأذن المالك مع قدرته عليه، وإن تعذر استئذانه، لتخفيه أو غيبته ونحوها، وأنفق بنية الرجوع، فله الرجوع على راهن بالأقل مما أنفق على رهن، أو أنفقه مثله، ولو لم يستأذن حاكمًا مع قدرته عليه، أو لم يشهد أنه أنفق، ليرجع على ربه لاحتياجه إلى الإنفاق لحراسة حقه، أشبه ما لو عجز عن استئذان حاكم.

وحيوان معار ومؤجر ومودع، ومشترك بيد أحدهما بإذن الآخر، إذا أنفق عليه مستعير ومستأجر وديع وشريك كرهن، فيما سبق تفصيله.
وإن مات قن فكّفَّنَهُ، فكذلك ذكره في «الهداية» وغيرها، وإن عَمَّرَ مُرتهن الرهن، كدار انهدمت، ورجع مُعمَّرٌ بآلته فقط، ولا يرجع بما يحفظ به مالية الدار، كثمن ماء ورماد وطين وجص ونورة وأجرة معمرين، إلا بإذن مالكها، لعدم وجوب عمارتها، بخلاف نفقة حيوان، لحرمته وعدم بقائه بدونها.
وقال في «الإنصاف» : وجزم القاضي في «الخلاف الكبير» أنه يرجع بجميع ما عمَّر في الدار؛ لأنه من مصلحة الرهن، وجزم به في «النوادر» ، وقاله الشيخ تقي الدين –رحمه الله- فيمن عمَّر وقفًا بالمعروف ليأخذ عوضه، فيأخذه من مغله.
وقال ابن عقيل: ويحتمل عندي أنه يرجع بما يحفظ أصل مالية الدار، لحفظه وثيقته.
وقال ابن رجب في «القواعد» : ولو قيل: إن كانت الدار بعد ما خرب منها تحرز قيمة الدين المرهون به لم يرجع، وإن كان دون حقه، أو وقف حقه، ويخشى من تداعيها للخراب شيئًا فشيئًا حتى تنقص عن مقدار الحق، فله أن يعمرويرجع، لكان متجهًا.
قلت: وهو قوي.
انتهى.

من النظم فيما يتعلق في اختلاف المتراهنين

ورهنك عند اثنين إن توف واحدًا ... فحصته انفكت كعكس بأوطد وإن رهن الشخصان عندهما إذًا ... لجاريهما فالريع بالريع قيد وإن حَلَّ دينٌ لم يُوفَّ يَبعْهُ مَن ... رَضِي به طوعًا وإلَّا لِيُطهد على بيعه إن لم يوفّ فإن أبى ... فبعه ووف الدَّيْنَ لا تَتَزَيَّدِ ويملك قبل البيع عزلاً بأجود ... فيختار رب الدين في فسخ معقد وبعه بنقد العرف إن كان واحدًا ... وإلا بجنس الدين إن كثرت قد فإن لم يكن بع بالأحظ فإن توى ... لدى العدل من مال الذي رهن اعدد فإن خالف المشروع فالبيع باطل ... ويضمن كأحكام الموكل يعتد وإن أنكراه قبضه ممن اشترى ... على راهن في الرهن خصم ويقصد وإن بان مغصوبًا ليرجع من اشترى ... فمنه ليقبل في الأصح المجودِ إذا علم التوكيل لكن متى يكن ... به جاهلاً فالخصم من باعه اشهد ودعوى قضاء الدين من ثمن فلا ... يفيد مع الإنكار من غير شهد وكل وكيل في قضا الدين هكذا ... إذا أنكر الخصم القضاء فقيد ويرجع بالإيلاء مرتهن على ... ذوي الرهن ثم العدل بالغُرْمِ أفرد وقيل على ذي الدين يقبل قوله ... وقيل على ذي الرهن إن لم يُقيَّدِ

وشرطك أخذ الرهن عند حلوله ... وإلا يُباعُ ارْدُدْ كَعَقْد بأبعدِ ومن راهن في قدر دين ورهنه ... ورد خذ الإيمان مع فقد شهد كذلك دعوى رد خمر ونحوه ... فقال عصير رهني احفظه واشهد وفي قيمة المرهون والتلف اقبلن ... من المرتهن مع رده في مبعدِ كذا حكم الاستئجار أو مع مضارب ... وموصى بجعل والوكيل به اعدد ودعوى أمين المال من غير أجره ... هلاكًا وردًا فاقبلن لا تردد ومن يدعي هلكًا بظاهر حادث ... بلا شهد بالحادث امنعه واردد

أرش جناية الرهن

س85: بأي شيء يتعلق أرش جناية الرهن؟ ومتى يخير سيده؟ وبأي شيء يخير؟ وإذا فدى الرهن مرتهن، فهل يرجع؟ وإذا جني على الرهن، فمن الخصم؟ وإذا اخر الطلب الخصم، فمن الخصم؟ وهل للسيد أن يعفو على ما، أو يقتص، ووضح ما يترتب على ذلك.
وإذا جنى على سيد، أو عفا عن مال، أو وطئ مرتهن مرهونة، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك من المسائل

والأحكام؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل.
ج: إن جَنَى رقيقٌ رُهِنَ على نفسٍ أو مالٍ خطأً أو عَمْدًا لا قود ليه، أو فيه قود، واختير المال تعلق الأرش برقبته، وقدِّمت على حق مرتهن لتقدمها على حقِّ مالكٍ مع أنه أقوى، وحق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده، بخلاف حق الجناية، فقد ثبت بغير اختياره مقدمًا على حقه، فقدم على ما ثبت بعقده.
ولاختصاص حق الجناية بالعين، فيفوت بفواتها؛ فإن استغرق الرهن أرش الجناية، بأن ساوى قيمته أو زاد، خُير سيده بين ثلاثة أمور: 1- فداء القن المرهون بالأقل من الأرش، ومن قيمة الرهن؛ أن الأرش إن كان أقل، فالمجني عليه لا يستحق أكثر نه، وإن كانت القيمة أقل، فلا يلزم السيد أكثر منها؛ لأن ما يدفعه عوض الجاني، فلا يلزمه أكثر من قيمته، كما لو أتلفه، ما لم تكن الجناية بإذن السد، او أمره مع كون المرهون صبيًا أو أعجميًا لا يعلم تحريم الجناية، أو كان يعتقد وجوب طاعة سيده في ذلك؛ فأن كان كذلك، فالجاني السيد، فيتعلق به أرش الجناية، ولا يباع العبد فيها والرهن بحاله، لقيام حق المرتهن لوجود سببه، وإنما قدم حق المجني عليه لقوته وقد زال.

2- أو بيع الرهن في الجناية.
3- أو تسليم الرهن لولي الجناية، فيملكه ويبطل الرهن فيما إذا باعه في الجناية، وفيما إذا سلمه فيها، لاستقرار كونه عوضًا عنها بذلك، فيبطل كونه محلاً للرهن، كما لو تلف أو بان مستحقًا، وإن لم يستغرق أرشُ الجناية رهنًا، بيع من الرهن إن لم يفده سيده بقدر الأرش؛ لأن البيع للضرورة، فيتقدر بقدرها وباقيه رهن؛ لأنه لا معارض له؛ فإن تعذر بيع بعضه، فكله يباع للضرورة، وباقي ثمنه رهن، وكذا إن نقص بتشقيص، فيباع كله، وإن فدى الرهن مرتهنٌ لم يرجع على راهن إلا إن نوى الرجوع، وأذن له راهن في فدائه؛ لأنه إن لم ينو رجوعًا فمتبرع، وإن نواه ولم يأذن راهن فمتآمر عليه؛ لأنه لا يتعين فداؤه، وإن جُني على الرهن، فالخصم في الطلب بما توجبه الجناية عليه سيد كمستأجر ومستعار؛ أنه ليس المرتهن فيه إلا حق الوثيقة؛ فإن أخر سيده الطلب لغيبة أو غيرها لعذر أو غيره، فالخصم المرتهن، لتعلق حقه بموجب الجناية، فيملك الطلب كما لو جنى عليه سيد، ولسيد أن يعفو على مال، وله أن يقتص من جان عليه عمدًا؛ لأنه حق له إن أذن له فيه مرتهن، أو أعطى الراهنُ المرتهن شيئًا يكون رهنًا، لئلا يفوت حقه من التوثق بقيمته بلا إذنه؛ فإن اقتص السيد بدون الإذن، أو إعطاء ما يكون رهنًا في

نفس أو دونها من طرف أو جرح، فعليه قيمة أقلهما تجعل مكانه؛ لأنه أتلف مالاً استحق سبب إتلاف الرهن، لزمه غرمه، كما لو أوجبت الجناية مالاً، أو عفا السيد على مال عن الجناية كثير أو قليل، فعليه قيمة أقلهما، أي: الجاني والمجني عليه، تجعل رهنًا مكانه، فلو كان الرهن يساوي مائةً، والجاني تسعين، أو بالعكس، لم يلزمه إلا تسعون؛ لأنه في الأولى لم يفت على المرتهن إلا ذلك القدر، وفي الثانية لم يتعلق حق المرتهن إلا به.
والمنصوص: إن عليه قيمة الرهن، أو أرشه الواجب بالجناية يجعل رهنًا مكانه؛ لأنهما بدل ما فات على مرتهن، والمفتى به الأول.
قاله في «شرحه» ، وكذا لو جنى رهن على سيده، فاقتص السيد منه أو اقتص منه وارثه، فعليه قيمته أو أرشه تجعل رهنًا إن لم يأذن مرتهن، وإن عفا السيد عن المال الواجب بالجناية على الرهن، صح عفوه في حقه لملكه إياه، ولا يصح في حق مرتهن؛ لأن الراهن لا يملك تفويته عليه، فيؤخذ من جان، ويكون رهنًا؛ فإن انفك الرهن بأداءٍ أو إبراءٍ، رد ما أخذه من جان إليه، لسقوط التعلق به، وإن استوفى الدين من الأرش، رجع جان على راهن، لذهاب ماله في قضاء دينه، كما لو استعاره فرهنه فبيع بالدين، وإن وطئ مرتهنٌ أمةً مرهونة، ولا شبهة له في وطئها، حُدَّ لتحريمه إجماعًا؛ لقوله تعالى: {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ

أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون:5] . وليست زوجة ولا ملك يمين، وكالمستأجر مع ملكه نفعها، فهنا أولى، وَرَقَّ وَلَدُه إن ولدتْ منه؛ لأنه تبع لأمه، وهو ولد زنى، وسواء أذن راهن أو لا.
ولزم المرتهن المهر إن لم يأذن راهن بوطئها، أكرهها عليه أو طاوعت، ولو اعتقد الحل أو اشتبهت عليه؛ لأن المهر يجب للسيد، فلا يسقط بمطاوعتها، كإذنها في قطع يدها، وكأرش بكارتها إن كانت بكرًا، وإن أذن راهنٌ مرتهنًا في وطئها، فلا مهر لإذن المالك في استيفاء المنفعة، كالحرة المطاوعة.
وكذا لا حدَّ بوطء مرتهن مرهونة إن ادعى مرتهن جهل تحريم الوطء، ومثله يجهلُ التحريم، لكونه حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، سواء أذنه فيه أو لا.
وولد المرتهن من وطء جهل تحريمه حُرُّ؛ لأنه من وطء شبهة، أشبه ما لو ظنها أمته، ولا فداء على مرتهن أذن له راهن في وطء؛ لحدوث الولد من وطء مأذون فيه، والإذن في الوطء إذن فيما يترتب عليه؛ فإن لم يأذن راهن في الوطء، ووطئ بشبهة، فولد حر، وعليه فداؤه.

من النظم فيما تعلق بجناية الرهن

وإن يجن رَهْنٌ مُوْجِبَ المال فالذي ... عليه جنى أولى به ولسيد فداه بأرش أو بقيمة ناقص ... أو البيع أو تمليكهم رق معتد وعنه عليه الأرش أجمع إن فدى ... ويبطل بالتسليم رهن الفتى قد وما زاد عن أرش رهين بدينه ... وبع منه قدر الأرش حسب بأوطد ويرجع ذو دين بإذن فدى فإن ... فداه بلا إذن فلا في المؤكد إذا قيل قاضي الدين يرجع إن نوى ... وإن زاد عن قدر الفدا لم يردد وإن كان مجنيًا عليه فصاحب ... الخصومة مولاه وفي الرهن ما ودي وخذ منه أدنى القيمتين رهينة ... إذا اقتص من جان بلا إذن ذي اليد كذا الحكم إن يقتص هو أو وليه ... من الرهن إن يجني عليه لينقد ولا شيء في وجه مقوي على امرئ ... إذا اقتص من جان على رهنه طد أو اقتص إن يجني عليه وإن جنى ... اقتضاء لمال فاهدرنه ترشد وما خير من مال بعفو عليه أو ... أصالةً ارهنه مكان المفقدِ وفي حق مولاه يصح إذا عفا ... عن المال لا في حق مرتهن صدي فرد إلى الجاني إذا فك رهنه ... وقد كنت حزت المال يا ذا التأيد

ويختار مثل الشافعي لغو عفوه ... موفق دين الله غير مقيدِ وقيل يصح العفو يا صاح مطلقًا ... وقيمته ممن عفا خذ وقيد ومن يرتهن أنثى فيولج فحده ... ورق بنيه إن زنا مع تعمُّد وإن يدعي جهلاً يسوغ فأعفه ... وأولاده حَزِّرْ ولكن ليفتد ووجهان فيما مر مع إذن راهن ... ولا مهر إلا دون إذن المسود وإن كنت ذا دين عليك ببعضه ... كفيلاً ورهنًا ما تشا بالوفا اقصد ويقبل فيه القول فيما نويته ... وإن تطلقن فاختر وقيل اقسمن قد ورهنك أنثى دون أولادها أجز ... وبينهما اجمع إن تبع لا تُبَدَّدِ ويشرط في رهن النساء انضمامها ... إلى امرأة أو حرم ذي تَوَدُّدِ وإلا إلى ذي زوجة أو عديلها ... أو الأم وامنع رهنها العُزْبَ واصدد كذا رهن أنثى العبد خشيةَ خلوة ... بها إن تأتي الحِرْز أولى فافسدِ

باب الضمان

س86: ما هو الضمان لغة واصطلاحًا؟ ومن أين اشتقاقه؟ وما أركانه؟ وما سنده؟ وما هي الوثائق المعتبرة شرعً، وما فائدتها؟

ج: الضمان: مصدرِ ضمنَ الشيءَ ضمانًا، فهو ضَامن وضمين:

إذا كفل به.
وقال ابن سيده: ضمن الشيء ضمنًا وضمانًا، وضَمَّنَهُ إياه: كفَّلهُ إياه، وهو مشتق من التضمين؛ لأن ذمة الضامن تتضمَّنُ، قاله القاضي أبو يعلى، وقال ابن عقيل: الضمان مأخوذ من الضمن، فتصير ذمة الضامن في ذمة المضمون عنه.
وقيل: هو مشتق من الضم؛ لأن ذمة الضامن تنضم إلى ذمة المضمون، والصواب الأول؛ أن لام الكلمة في الضم ميم، وفي الضمان نون، وشرط صحة الاشتقاق: كون حروف الأصل موجود في الفرع.
اهـ. «مُطْلِع» . وشرعًا: التزام ما وجب على غيره مع بقائه، وما قد يجب، غير جزية فيهما.
قال بعض الأدباء:

ضادُ الضَّمانِ بِصَادِ الصَّكِ مُلْتَصِقٌ ... فإنْ ضَمِنْتَ فَحَاءُ الحَبْسِ في الوَسَطِ

وأركان الضمان أربعة: ضامنٌ، ومضمونٌ، ومضمونٌ له، وصيغة.
والأصل في جوازه: الكتاب، والسُّنة، والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ، والزعيم: الكفيل، قاله ابن عباس.
وأما السُّنة: فما روي عن النبي

  • صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.
    وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى برجل ليصلي عليه، فقال: «هل عليه دين؟» قالوا: نعم، ديناران.
    قال: «هل ترك لهما وفاءً؟» قالوا: لا، فتأخر، فقيل: لِمَ لا تصلي عليه؟ فقال: «ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة، إلا أن قام أحدكم فضمنه» ، فقام أبو قتادة، فقال: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة.
    والوثائق المعتبرة شرعًا أربع: الرهن، والضمان، والكفالة، والشهادة، وقد جمعتها في بيت:

وثائقنا شرعًا لدى العد أربع ... ضمان فرهن فالكفالة فاشهد

فالضمان يكون للدين، والكفالة لإحضار بدن الغريم وفائدتها إلزام الضامن بالوفاء، مع إلزام صاحب الحق، فيتعلق الحق بذمة كل واحد منهما؛ وأما الشهادة: فيثبت بها الحق، وهي أوسع الوثائق دائرة، وأعظمها مصلحة، وأقطع للنزاع، وهي تثبت الحقوق في الذمم، وتسقط ما ثبت بوفاء أو إبراء أو نحو ذلك، والحق لا يستوفي منها، وإنما هي آلة وسلاح للاستيفاء ممن عليه الحق، ورد الظالم عن ظلمه؛ وأما الرهن: فهو وثيقة يطمئن إليه، ويأمن من غدر صاحبه، وليستوفي منه الحق إذا تعذر الوفاء من

الغريم.
الألفاظ التي يصح بها الضمان والتي لا يصح

س87: تكلم بوضوح عن الضمان، وما الألفاظ التي يصح بها؟ وما مثال ما لا يصح بها؟ ومن الذي يصح منه الضمان، والذي لا يصح منه؟ وهل يصح ضمان الأخرس بالإشارة، أو الكتابة، ومن الذي يطالبه صاحب الحق؟ وفصل لما يحتاج إلى تفصيل ومثل لما يحتاج إلى تمثيل، واذكر الدليل والتعليل.

ج: تقدم لنا بعض الكلام على الضمان، وأنه التزام من يصح تبرعه، وهو الحر غير المحجور عليه، أو التزام مفلس برضاهما ما وجب على غيره أو ما يجب على غيره مع بقاء ما وجب، أو يجب على الغير غير ضمان مسلم أو كافر جزية، فلا يصح ولو بعد الحول؛ لأنها إذا أخذت من الضامن فات الصغار المضمون عنه، وغير كفالته، أي: كفالة مسلم، وكذا كفالة كافر من الجزية عليه، فلا تصح الكفالة ولو بعد الحول، لفوات الصغار إذا استوفيت من الكفيل، فلا يصح الضمان ولا الكفالة في جزية وجبت، ولا جزية ستجب، كما تقدم.
ويصح الضمان بلفظ: أنا ضمين، وكفيل، وقبيل، وحميل، وصبير، وزعيم بما عليه.
ويصح الضمان أيضًا بلفظ: ضمنت دينك أو تحملته،

وضمنت إيصاله، أو: دينك علي، ونحوه من كل ما يؤدي معنى التزام ما عليه؛ فإن قال شخص: أنا أؤدي ما عليه، أو: أنا أحضر ما عليه، لم يصر ضامنًا بذلك؛ لأنه وعد وليس بالتزام، وقال الشيخ: قياس المذهب يصح بكل لفظ فهم منه الضمان عرفًا، مثل قوله: زوجه، وأنا أؤدي الصداق، أو قال: بعه، وأنا أعطيك الثمن.
أو قال: اتركه ولا تطالبه، وأنا أعطيك ما عليه، ونحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى؛ لأن الشرع لم يحد ذلك بحد، فرجع إلى العرف كالحرز والقبض.
وإن ضمن إنسان وهو مريض مرضًا غير مخوف، كصداع وحمى يسيرين، ولو صارت مخوفًا ومات به، أو وهو مريض مرضًا مخوفًا، ولم يتصل به الموت، فهو كالصحيح، وإن كان الضامن وقت الضمان مريضًا مرض الموت المخوف، حسب ما ضمنه من ثلثه؛ لأنه تبرع وكالوصية.
ويصح ضمان من أخرس بإشارة مفهومة كسائر تصرفاته؛ لأنها كاللفظ في الدلالة على المراد، ولا يثبت الضمان بكتابة الأخرس حال كونها منفردة عن إشارة يفهم بها عنه أن قصد الضمان؛ لأنه قد يكتب عبثًا أو تجربة قلم، فلا يكون ضامنًا بالاحتمال، ومن لا تفهم إشارته لا يصح ضمانه ولو بكتابة،

وكالضمان سائر تصرفاته، فتصح بإشارة مفهومة لا بكتابة مفردة عن إشارة يفهم بها المقصود، ولا ممن ليس له إشارة مفهومة.
ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما؛ فإن أراد مطالبة الضامن، وإن أراد مطالبة المضمون عنه، لثبوت الحق في ذمتيهما جميعًا، لصحة هبته لهما؛ وأن الكفيل لو قال: تكفلت بالمطالبة دون أصل الدين، لم يصح اتفاقًا.
ولصاحب الحق مطالبة الضامن والمضمون عنه معًا في الحياة والموت، ولو كان المضمون عنه مليئًا باذلاً للدين، لما تقدم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارم» .

إذا أحال رب الحق أو أحيل

س88: تكلم بوضوح عما يلي: إذا أحال رب الحق أو أحيل، أو زال عقد أو ورث الحق، وعما إذا أحال رب دين ثالثًا على اثنين، كل منهما ضامن الآخر، أو أبرئ أحدهما من الكل، أو برئ مديون، أو لحق ضامن بدار حرب، أو تعدد ضامن، أو ضمن أحد الضامنين الآخر، وهل يبرأ مدين ببراءة ضامه؟ وإذا قال رب دين لضامن: برئت إلي، أو: أبرأتك فما الحكم؟

ج: إن أحال رب الحق على مضمون أو راهن، أو أحيل رب الحق بدينه المضمون له أو الذي به الرهن، أو زال عقد وجب به

الدين بتقايل أو غيره، برئ ضامن وكفيل، وبطل رهن؛ لأن الحوالة كالتسليم لفوات المحل، ولا يبرأ ضامن وكفيل، ولا يبطل رهن إن وَرث الحق؛ لأنها حقوق للميت، فتورث كسائر حقوقه؛ لكن لو أحال ربد دين على اثنين مدينين له، وكل منهما ضامن على الآخر ثالثًا، ليقبض المحال من أيهما شاء؛ لأنه لا فضل هنا في نوع ولا أجل ولا عدد، وإنما هو زيادة استيثاق، وكذا إن لم يكن كل منهما ضامن الآخر، وأحاله عليهما؛ لأنه إذا كان له أن يستوفي الحق من واحد، جاز أن يستوفيه من اثنين، وإن أحاله في الأولى على أحدهما بعينه، صح، لاستقرار الدين على كل منهما؛ لكن من لم يحل عليه، فالظاهر براءة ذمته من المحيل، لانتقال حقه عنه؛ لأن الحوالة استيفاء ينتقل الدين إلى المحال عليه؛ لأنه في المعنى كأنه قد استوفى منه؛ ولكن لا يطالب الآخر حتى يؤدي كما في ضمان الضامن، قاله ابن نصر الله.
ويصح إبراء المضمون قبل أداء الدين، لإبراء محتال له، وإن أبرئ أحدهما بأن أبرأه رب الدين من الكل؛ برئ مما عليه أصالة وضمانًا، وبقي ما على الآخر أصالة؛ لأن الإبراء لم يصادفه، وأما ما كان عليه كفاة، فقد برئ بإبراء الأصيل.
وإن برئ مديون بوفاء أو إبراء أو حوالة، برئ ضامنه؛ لأنه تبع له، والضمان وثيقة،

فإذا برئ الأصيل زالت الوثيقة كالرهن، ولا يبرأ مدين ببراءة ضامنه، لعدم تبعيته له.
وإن تعدد ضامن لم يبرأ أحدهم بإبراء غيره سواء ضمن كل واحد منهم جميع الدين أو جزءًا منه، ويبرؤون بإبراء مضمون، ولا يصح أن يضمن أحد الضامنين الآخر، لثبوت الحق في ذمته بضمانه الأصلي، فهو أصل، فلا يصح أن يصير فرعًا، بخلاف الكفالة؛ لأنها ببدنه، فلو سلمه أحدهما، برئ وبرئ كفيله به، لأمن إحضار مكفول به.
وإذا لحق ضامن بدار حرب مرتدًا، أو كان كافرًا أصليًا، فضمن ولحق بدار حرب مرتدًا، أو كان كافرًا أصليًا، فضمن ولحق بدار حرب، لم يبرأ من الضمان كالدين الأصلي.
وإن قال رب دين لضامن: برئتَ إلي من الدين، فقد أقر بقبضه الدين؛ لأنه إخبار بفعل الضامن، والبراءة لا تكون ممن عليه الحق إلا بأدائه، ولا يكون قوله له: أبرأتك من الدين، أو: برئت منه، إقرارًا بقبضه؛ أما في: أبرأتك، فظاهر؛ وأما في: برئت منه؛ فلان البراءة قد تضاف إلى ما لا يتصور الفعل منه، كبرِئت ذمتُك، فهو أعم من أن تكون البراءة بفعل الضامن أو المضمون له، فلا دلالة فيه على القبض.

إذا وهب رب الدين للضامن الدين

س89: إذا قال رب دين لضامن: وهبتكه، أو ضمن ذمي عن ذمي خمرًا، فأسلم مضمون له، أو أسلم مضمون عنه، أو أسلم ضامن في خمر، فما الحكم؟ ومن الذي يعتبر رضاه، والذي لا يعتبر رضاه؟ وما حكم معرفة الضامن للمضمون له أو عنه؟ وهل يعتبر وجوب الحق أو العلم من الضامن بالحق؟ وإذا قال: ضمنت لزيد على بكر، أو ضمنت ما يلزم التاجر من دين، أو ما يقبضه من عين، أو ضمن دين ضامن، أو ضمن دين ميت أو مفلس مجنون، أو نقص صنجة أو نقص كيل، أو ادعى قابض نقصًا، فما حكم ذلك؟ واذكر الدليل والتعليل، والخلاف والترجيح.

ج: إذا قال رب دين لضامن: وهبتك الدين، فهو تمليك للضامن، فيرجع به على مضمون عنه، كما لو دفعه عنه، أو وهبه إياه.
ولو ضمن ذمي عن ذمي خمرًا، فأسلم مضمون له، برئ مضمون عنه كضامنه؛ لأن مالية الخمر بطلت في حقه، فلم يملك المطالبة بها، أو أسلم مضمون عنه، برئ المضمون عنه؛ لأنه صار مسلمًا، ولا يجوز وجوب الخمر على المسلم، والضامن فرعه.
وإن أسلم ضامن في خمر وحده، برئ؛ لأنه لا يجوز طلب مسلم بخمر، ولا يبرأ الأصل ببراءته، ويُتبر لصحة ضمان رضا ضامن؛ لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى كالتبرع بالأعيان، ولا يُعتبر رضى من ضمن، وهو المضمون عنه؛ لأن أبا قتادة ضمن الميت في الدينارين، وأقره

الشارع.
رواه البخاري.
ولصحة قضاء دينه بغير إذنه، فأولى ضمانه.
ولا يُعتبر رضا من ضُمِنَ له؛ لأنه وثيقة لا يعتبر لها قبض، فلم يعتبر لها رضى كالشهادة، ولا يعتبر لضامن أن يعرف المضمون له، والمضمون عنه ضامنٌ؛ لأنه لا يعتبر رضاهما، فكذا معرفتهما، ولا يعتبر العلم من الضامن بالحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وهو غير معلوم؛ لأنه يختلف، ولا يعتبر وجوب الحق إن آل إلى العلم به في المسألة الأولى، وإلى الوجوب في الثانية للآية؛ لأن حمل البعير فيهما يؤول إلى الوجوب؛ فإن قيل: الضمان ضم ذمة إلى ذمة، فإذا لم يكن على المضمون حق فلا ضم، أجيب بأنه قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه، وهذا كاف، فيصح: ضمنت لزيد ما على بكر، وإن جهله الضامن.
ويصح: أنا ضامن لك ما لك على فلان، أو ما يُقضى به عليه، أو ما تقوم به البينة، أو ما يقر به لك، أو ما يخرجُ في روز مَانِجك.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وقال الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: لا يصح؛ لأنه التزام مال، فلم يصح مجهولاً كالثمن، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] .

ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في المجهول كالنذر والإقرار، ولأنه يصح تعليقه بضرر وخطر، وهو ضمان العهدة.
وإذا قال: ألق متاعك في البحر، وعلي ضمانه، أو قال: ادفع ثيابك إلى هذا الوفاء، وعلي ضمانها، فصحَّ المجهول كالعتق والطلاق.
ولضامن ما لم يجب إبطال الضمان قبل وجوب الحق؛ لأنه إنما يلزم بالوجوب، فيؤخذ منه أنه يبطل بموت ضامن، ومن ضمان ما يؤول إلى الوجوب ضمان السوق، وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين، وما يقبضه من عين مضمون، قاله الشيخ.
وقال الشيخ: تجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه؛ لأنه محل اجتهاد.
وقال: وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها، فحرام.
واختار الشيخ صحّضة ضمان حارس ونحوه، وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر، وأنه غايته ضمان ما لم يجب.
وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد.
وقال الشيخ أيضًا: الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضهم بعضًا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهداتهم.
وإذا شورطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط أن لا يأخذوا

للمسلمين شيئًا، وما أخذوه كانوا ضامنين له، والمضمون يؤخذ من أموال التجار، جاز ذلك، ويجب على ولي الأمر إذا أخذوا مالاً لتجار المسلمين أن يطالبهم بما ضمنوه، ويحسهم على ذلك كسائر الحقوق الواجبة.
انتهى.
وإن قال: ما أعطيته فهو علي ولا قرينة، فقيل: هو لما وجب ماضيًا، جزم به في «الإقناع» وصوب في «الإنصاف» أنه للماضي والمستقبل، ومعناه للزركشي، ويصح ضمان ما صح أخذ رهن به من دين وعين لا عكسه، لصحة ضمان العهدة دون أخذ الرهن بها، ويصح ضمان دين ضامن، بأنه يضمن ضامن آخر، وكذا ضامن الضامن فأكثر؛ لأنه دين لازم في ذمة الضامنن فصح ضمانه كسائر الديون، فيثبت الحق في ذمة الجميع أيهم قضاه برئ، وإن برئ المدين برئ الكل، وإن أبرأ مضمون له أحدهم برئ ومن بعده لا من قبله.
ويصح ضَمَانُ دَيْنِ ميِّت وإن لم يحلف وفاء؛ لحديث سلمة بن الأكوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل ليصلي عليه، فقال: «هل عليه دين؟» فقالوا: نعم، ديناران، قال: «هل ترك لهما وفاء؟» قالوا: لا، فتأخر، فقالوا: لم لا تصلي عليه؟ فقال: «ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة، وألا قام أحدُكم فَضَمَنُه!» فقام أبو قتادة، فقال: هما

علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه دين ثابت، فصح ضمانه، ودليل ثبوته أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه، جاز لصاحب الحق اقتضاؤه؛ ولو ضمنه حيًا ثم مات، لم يبرأ منه الضامن، ولو برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن، وفي هذا انفصال عما ذكروه.
قاله في «الشرح» وبهذا قال أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمن دين الميت، إلا أن يُخَلِّف وفاء؛ فإن خلف بعض الوفاء، صح ضمانه بقدر ما خلف؛ لأنه دين ساقط فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء؛ ولأن ذمته قد خربت خرابًا لا يعمر بعد، فلم يبق فيه دين، والضمان ضم ذمة إلى ذمة، ولا تبرأ ذمة الميت قبل قضاء دينه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل أبا قتادة عن الدينارين اللذين ضمنهما، فقال: قد قضيتهما، فقال: «الآن بردت عليه جلدته» رواه أحمد.
ولأنه وثيقة بدين أشبه الرهن، وكالحي.
والرواية الثانية: أنه يبرأ بمجرد الضمان؛ لما روى أبو سعيد - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فلما وضعت قال: «هل على صاحبكم من دين؟» قالوا: درهمان، فقال: «صلوا على صاحبكم» ، فقال عَليٌّ: هما عَليَّ يا رسول الله، وأنا لهما ضامن، فقام فصلى عليه، ثم أقبل على عَليٍ، فقال: «جزاك الله عن الإسلام خيرًا، وفكَ رهانَك كما فككت رهان أخيك» رواه الدارقطني.
فدل على أن المضمون عنه برئ بالضامن، ولذلك صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى الإمام أحمد في «المسند» عن جابر قال: توفي صاحب لنا، فأتينا به النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عيه، فخطا خطوة، ثم قال: «أعليه دين؟» قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فقال: الديناران علي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما» قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: «ما فعل الديناران؟» قال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الآن بردت جلدته» وهذا صريح في براءة المضمون عنه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وبرئ الميت منهما» ولأنه دين واحد، فإذا صار في ذمة ثابتة برئت الأولى منه كالمحال به؛ لأن الدين الواحد لا يحل في محلين.
وقال أهل القول الأول: وأما صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المضمون عنه؛ فلأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما كان –عليه الصلاة والسلام- يمتنع من الصلاة على مدين لم يخلف وفاء، وأما قوله لعلي: «فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك» ؛ فإنه كان بحالة لا يصلي عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما ضمنه فكه من ذلك، أو ما في معناه.
قوله: «برئ الميت منهما» أي: صرت أنت المطالب بهما، وهذا على وجه التأكيد لثبوت الحق في ذمته، ووجوب الأداء عنه، بدليل قوله حين أخبره

بالقضاء: «الآن بردت عليه جلدته» . وفارق الضمان الحوالة؛ فإن الضمان مشتق من الضم بين الذمتين في تعلق الحق بهما وثبوته فيهما، والحوالة: من التحول، فيقتضي تحول الحق عن محله إلى ذمة المحال عليه، وقولهم: إن الدين الواحد لا يحل في محلين، قلنا: يجوز تعلقه في محلين على سبيل الاستيثاق، كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن، كذلك هذا.
انتهى من «الشرح الكبير» . والقول الثاني: هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم.
ويصح ضمان دين مفلس مجنون؛ لعموم: «الزعيم غارم» ، وكالميت ويصح ضمان نقص صنجة، أو نقص كيل، أي: مكيال في بذل واجب أو مآله إليه ما لم يكن دين سلم؛ لأن النقص باق في ذمة باذل، فيصح ضمانه كسائر الديون؛ ولأن غايته أنه ضمان معلق على شرط، فصح كضمان العهدة، ويرجع قابض بقوله مع يمينه في قدر نقص؛ لأنه منكر لما ادَّعاه باذل، والأصل بقاء اشتغال ذمة باذل، ولرب الحق طلب ضامن به للزومه ما يلزم المضمون.

ضمان العهدة وألفاظه وصورته وضمان العين وغيرها

س90: ما هي العهدة؟ وما حكم ضمان العهدة؟ وما ألفاظ ضمانها؟ وما صورة ضمان العهدة؟ وما الذي يدخل في ضمانها؟ ولِمَ يدخل فيها؟ وما حكم ضمان العين المضمونة، والعارية، والمقبوض على وجه السوم، وضمان أحد دينيه وضمان دين الكتابة والأمانات، والتعدي فيها؟ وإذا باع شيئًا بشرط ضمان دركه، أو شرط خيارًا في ضمان، أو كفالة، أو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، أو ألق متاعك في البحر، فألقاه، أو قال: ألقه في البحر، وأنا ضامنه، أو: وأنا وركبان السفينة ضامنون، أو: وكل منا ضامن لك متاعك، أو قيمته؟

ج: عهدة المبيع لغة: الصك يكتب فيه الابتياع.
واصطلاحًا: ضمان الثمن ويصح ضمان العهدة لدعاء الحاجة إلى الوثيقة، والوثائق قيل: إنها أربع كما تقدم، وقيل: ثلاثة: الشهادة، والرهن والضمان؛ والشهادة لا يستوفي منها الحق، والرهن لا يجوز فيه إجماعًا، لما تقدم، فلم يبق غير الضمان فلو لم يصح لامتنعت المعاملات مع من لم يعرف، وفيه ضرر عظيم.
وألفاظ ضمان العهدة: ضمنت عهدته، أو ثمنه، أو دركه أو يقول لمشتر: ضمنت خلاصك منه، أو: متى خرج المبيع مستحقًا، فقد ضمنت لك

الثمن.
وصورة ضمان العهدة: أن يضمن عن بائع لمشتر، بأن يضمن الضامن عن البائع الثمن ولو قبل قبضه؛ أنه يؤول إلى الوجوب إن استحق المبيع، بأن ظهر مستحقًا لغير بائع، أو رد المبيع على بائع بعيب أو غيره، أو يضمن أرشه إن اختار مشتر إمساكه مع عيب، ويكون ضمان عن مشتر لبائع بأن يضمن الضامن الثمن الواجب في البيع قبل تسليمه، أو إن ظهر به عيب، أو ظهر الثمن مستحقًا، فضمان العهدة في الموضعين هو ضمان الثمن، أو جزء منه عن أحدهما للآخر.
ولو بنى مشتر في مبيع، ثم بان مستحقًا فهدمه مستحق، فالأنقاض لمشتر؛ لأنه ملكه ولم يزل عنها، ويرجع مشتر بقيمة تالف من ثمن ماء ورماد وطين وجص ونورة ونحوه على بائع؛ لأنه غره، وكذا أجرة مبيع مدة وضع يده عليه، ويدخل ذلك في ضمان العهدة، فلمشتر رجوع به على ضامنها؛ لأنه من درك المبيع، ويصح ضمان عين مضمونة، كغصب وعارية ومقبوض على وجه السوم، وولد المقبوض على وجه سوم؛ لأنه تبع له في الضمان في بيع وإجارة؛ لأن هذه الأعيان يضمنها من هي بيده لو تلفت، فصح ضمانها كعهدة المبيع، وإنما يضمن المقبوض على وجه السوم إن ساومه وقطع ثمنه أو أجرته، أو ساومه بلا قطع ثمن أو أجرة، ليريه أهله إن رضوه، وإلا رده،

فهو في حكم المقبوض بعقد فاسد؛ لأنه قبضه على وجه البدل والعوض، ولا ضمان على آخذه إن أخذه ليريه أهله بلا مساومة ولا قطع ثمن؛ لأنه لا سوم فيه، فلا يصح ضمانه.
ومعنى ضمان غصب ونحوه ضمان استنقاذه، والتزام تحصيله أو قيمته عند تلفه، فهو كعهدة المبيع، ولا ضمان بعض لم يقدر من دين لجهالته حالاً ومآلاً، وكذا لو ضمن أحد دينيه.
ولا يصح ضمان دين كتابة؛ لأنه ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم؛ لأن للمكاتب تعجيز نفسه والامتناع من الأداء، فإذا لم يلزم الأصل فالضامن أولى، وهو قول الشافعي، وأكثر أهل العلم، والأخرى: يصح؛ لأنه دين على مكاتب، فصح ضمانه كسائر ديونه.
ولا يصح ضمان الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين المدفوعة إلى الخياط والقصار؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد، فكذا على ضامنه.
ويصح ضمان التعدي في الأمانات؛ لأنها إذن مضمونة على من هي بيده، أشبهت المغصوب.
ولا يصح ضمان الدلالين فيما يعطونه لبيعه إلا أن يضمن تعديهم فيه أو هربهم ونحوه، ومن باع شيئًا بشرط ضمان دركه إلا من زيد، لم يصح بيعه له؛ لأن استثناء زيد من ضمان دركه يدل على

حق له في المبيع، وأنه لم يأذن له في بيعه، فيكون باطلاً، ثم إن ضمن دركه منه أيضًا، لم يعد البيع صحيحًا؛ لأن الفاسد لا ينقلب صحيحًا، وإن شُرطَ خيارٌ في ضمان أو في كفالة، بأن قال: أنا ضمين بما عليه، أو كفيل ببدنه، ولي الخيار ثلاثة أيام مثلاً، فسد الضمان والكفالة، لمنافاته لهما.
ويصح قول جائز التصرف لمثله: ألق متاعك في البحر، وعلي ضمانه، لصحة ضمان ما لم يجب، فيضمنه القائل.
وإن قال: ألقه في البحر وأنا ضامنه، ضمن الآمر به الجميعَ وحده؛ لأن ضمان مَا لم يجب صحيح.
وإن قال: ألقه في البحر وأنا وركبان السفينة ضامنون، وأطلق ضمن الآمر وحده بالحصة؛ لأنه لم يضمن الجميع، وإنما ضمن حصته، وأخبر عن سائر ركبان السفينة بضمان سائره، فلزمته حصته، ولم يسر قوله على الباقين، وإن قال: ألقه في البحر، وكلُّ واحدٍ منا ضامن لك متاعك أو قيمته، ضمن القائل وحده ضمان الجميع، سواء سمع الباقون فسكتوا، أو قالوا: لا نفعل، أو لم يسمعوا؛ لأن سكوتهم لا يلزمهم به حق، وإن رضوا بما قال لزمهم الغرم، ويوزع على عددهم لاشتراكهم في الضمان، ولو خيف من غرق السفينة، فألقى بعض من فيها متاعَه في البحر لتخفَّ، لم يرجع بمتاعِه على أحدٍ، ولو نوى الرجوع؛ لأن أتلف مال نفسه باختياره من غير

ضمان، ويجب إلقاء ما لا روح فيه من السفينة إن خيف تلف الركاب بالغرق؛ لأن حرمة ذي الروح آكد؛ فإن خيف الغرق بعد ذلك، ألقي الحيوان غير الآدمي؛ لأن حرمته آكد.
قضاء الضامن الدين وإذا ضمن الحال مؤجلاً

س91: تكلم بوضوح عما إذا قضى الدين ضامن بإذن أو بغير إذن، وبِمَ يرجع؟ وعما إذا أدى الإنسان عن غيره دينًا واجبًا، أو زكاة، ووضح ما في ذلك من تفصيل؟ وإذا أنكر مقضي القضاء فعلى من يرجع؟ وإذا اعترف مضمون له بالقضاء، وأنكر مضمون عنه، أو أرسل إنسان آخر إلى من له عنده مالآ لأخذ دينار، فأخذ أكثر من دينار، أو ضمن الحال مؤجلاً أو بالعكس.
أو مات مضمون عنه قبل حلول دين، أو مات ضامن أو ضمن إنسان شخصًا أو كفله، ثم قال: لم يكن عليه حق، فما حكم ذلك؟ واذكر ما لذلك من دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح؟

ج: إذا قضى الدين ضامن، أو أحال ضامن رب دين به، ولم ينو ضامن رجوعًا على مضمون عنه بما قضاه؛ لم يرجع؛ لأنه متطوع، سواء ضمن بإذنه أو لا.
وإن نوى الرجوع؛ ففي ذلك أربع مسائل: إحداهما: أن يضمن بإذنه ويقضي بإذنه، فيرجع بلا نزاع.
الثانية: أن

يضمن بإذنه ويقضي بغير إذنه، فيرجع أيضًا بلا نزاع.
الثالثة: أن يضمن بغير إذنه، ويقضي بإذنه، فيرجع على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب.
الرابعة: أن يضمن بغير إذنه، ويقضي بغير إذنه.
فهذه فيها الروايتان، إحداهما: يرجع، وهو المذهب.
قال في «الفائق» : واختاره الشيخ تقي الدين.
والرواية الثانية: لا يرجع بشيء، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر، بدليل حديث علي وأبي قتادة؛ فإنهما لو كانا يستحقان الرجوع على الميت صار الدين لهما، فكانت ذمة الميت مشغولة بدينهما، كاشتغالها بدين المضمون لهن ولم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه تبرع بذلك، أشبه ما لو أعلف دوابه، وأطعم عبيده بغير أمره.
ووجه الأولى أنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان منَ هو عليه، كالحاكم إذا قضى عنه عند امتناعه، فأما عليٌ وأبو قتادةَ، فإنهما تبرعا بالقضاء والضمان، فإنهما قضيا دينه قصدًا لتبرئة ذمته ليصلي عليه - صلى الله عليه وسلم -، مع علمهما أنه لم يترك وفاء، والمتبرع لا يرجع بشيء، وإنما الخلاف في المحتسب في الرجوع.
قاله في «الشرح» وحيث رجع ضامن فبالأقل مما قضى ضامنٌ، ولو كان ما قضاه به قيمةَ عرضٍ عوضه الضامن به أو قدر الدين، فلو كان الدين عشرة، فوفاه عنه ثمانية، أو عوضه عنه عرضًا قيمته ثمانية أو بالعكس، رجع بالثمانية؛ لأنه إن كان المقضي أقل، فإنما يرجع بما غرم،

ولهذا لو أبرأه غريمه لم يرجع بشيء، وإن كان الأقل الدين فالزائد غير لازم للمضمون، فالضامن متبرع به.
وكذا في الرجوع وعدم كفيلٌ وكلٌ مؤد عن غيره دينًا واجبًا، فيرجع إن نوى الرجوع، وإلا فلا، ولا يرجع مؤدٍ عن غيره زكاة ونحوها؛ لأنها تحتاج إلى نية من صاحبها أو توكيل ولم يوجد ذلك، ولهذا لم تقع الموقع؛ لكن يرجع ضامن الضامن على الضامن وجوبًا؛ لأنه إنما قصد الدفع عن الذي ضمنه دون الأصيل، والضامن للأصيل يرجع على الأصيل المضمون عنه، وإن أحال رب الدين به على الضامن، توجه أن يقال: للضامن طلب مضمون عنه بمجرد الحوالة؛ أنها كالاستيفاء منه؛ فإن مات الضامن قبل أداء المحتال عليه، ولم يخلف تركة، وطالب الضمان ورثته؛ فلهم أن يطلبوا من الأصيل ويدفعوا، ولهم الدفع عن أنفسهم، لعدم لزوم الدين لهم، فيرفع المحتال الأمر للحاكم ليأخذ من الأصيل، ويدفع للمحتال، ولا يقال: يسقط حق المحتال لعدم التركة؛ لأن الضامن له تركة بالنسبة إلى هذا الدين، وهو ما يستحقه في ذمة الأصيل، وكذا إذا أدى ضامن الضامن، ومات الضامن قبل أدائه إلى ضامنه، ولم يترك شيئًا.
ذكره ابن نصر الله بحثًا.
وإن أنكر مَقْضِي القضاء، أي: أنكر رب الدين أخذه من نحو ضامن، وحلف رب الحق، لم يرجع مدعي القضاء على مدين، لعدم

براءته بهذا القضاء، ولو صدقه مدين على دفع الدين؛ لأن عدم الرجوع لتفريط الضامن ونحوه بعدم الإشهاد، فلا فرق بين تصديقه وتكذيبه، إلا إن ثبت القضاء بينة، أو حَضَر القضاء مضمون عنه؛ لأنه المفرط بترك الإشهاد، أو شهد دافع الدين ومات شهوده، أو غاب شهوده وصدق الدافع مدين على حضوره أو غيبة شهوده أو موتهم؛ لأنه لم يفرط، وليس الموت أو الغيبة من فعله؛ فإن لم يصدقه مدين على أنه حظر، أو أنه أشهد من مات أو غاب؛ فقول مدين؛ لأن الأصل معه، ومتى أنكر مقضي القضاء، وحلف ورجع، فاستوفى من الضامن ثانية، رجع على مضمون بما قضاه عنه ثانيًا؛ لبراءة ذمته به ظاهرًا، وإن اعترف مضمون له بالقضاء، وأنكر مضمون عنه، لم يسمع إنكاره، لاعتراف رب الحق بأن الذي له صار للضامن، فوجب قبول قوله؛ لأنه إقرار على نفسه.
ومَن أرسل آخر إلى من له عنده مال لأخذ دينار من المال، فأخذ الرسول من المرسل إليه أكثر من دينار، ضمن المأخوذ مُرْسِلٌ؛ لأنه المسلط للرسول، ورجع مرسل بالمأخوذ على رسوله لتعديه بأخذه.
وإذا ضمن الدين الحال مؤجلاً صح، ويكون حالاً على المضمون، مؤجلاً على الضامن، يملك مطالبة المضمون عنه دون

الضامن، وبه قال الشافعي.
قال أحمد في رجل ضمن ما على فلان أنه يؤديه في ثلاث سنين: فهو عليه، ويؤديه كما ضمن، ووجه ذلك ما روى ابن عباس أن رجلاً لزم غريمًا له بعشرة دنانير على عهد رسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما عندي شيء أعطيكه، فقال: والله لا أفارقك حتى تعطيني، أو تأتيني بحميل، فجره إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كم تستنظره؟» فقال: شهرًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فأنا أحمل» فجاء به في الوقت الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أين أصبت هذا؟» قال: من معدن.
قال: «لا خير فيها» وقضاها عنه.
رواه ابن ماجه.
ولأنه ضمن مالاً بعقد مؤجل، فكان مؤجلاً كالبيع، ولا يقال: الحال لا يتأجل، وكيف يثبت في ذمتيهما مختلفًا؛ لأن الحق يتأجل في ابتداء ثبوته بعقد، وهنا كذلك؛ لأنه لم يكن ثابتًا عليه حالاً، ويجوز تخالف ما في الذمتين، وإن ضمن الدين المؤجل حالاً، لم يلزمه أداه قبل أجله؛ لأنه فرع المضمون عنه، فلا يلزمه ما لا يلزم المضمون عنه، كما أن المضمون لو ألزم نفسه تعجيل المؤجل، لم يلزم تعجيله، وإن عجل المؤجل ضامن لم يرجع ضامن على مضمون عنه حتى يحل الدين؛ لأن ضمانه لا يغيره عن تأجيله، وإن أذنه مضمون عنه بتعجيله ففعله، فله الرجوع عليه؛ لأنه أدخل

الضرر على نفسه، ولا يحل دين مؤجل بموت مضمون عنه، ولا بموت ضامن؛ لأن التأجيل من حقوق الميت، فلم يبطل بموته كسائر حقوقه، ومحله إن وثق الورثة.
قاله في «شرحه» . ومن ضمن أو كفل شخصًا، ثم قال: لم يكن عليه حق المضمون أو المكفول له، صدق خصمه، وهو المضمون أو المكفول له، لادعائه الصحة بيمينه، لاحتمال صدق دعواه؛ فإن نكل مضمون أو مكفول له قضي عليه ببراءة الضمين والأصيل.

من النظم فيما يتعلق بالضمان

وملتزم حقًا وما سيؤول عن ... فتى ضامن لم يبر قبل التنفد سوى مفلس ميت ضمنت بأبعد ... فتبرأ منه ذمة بالمجود وذو الدين يستوفيه ممن يشاؤه ... ومن إرثه إن مات غير مبعد وما صح إلا من صحيح تبرع ... وذي حجر إفلاس وفي غير ارشد وعبد بلا إذن مقال وكلهم ... به بعد فك الحجر عنه ليقصد وفي نفس مأذون الرقيق ضمانهم ... وعن أحمد قول بذمة سيد وقولان في تصحيحه من مميز ... ومن أخرس صححه مع فهم مقصد ومن ناطق من مفهم أنا ضامن ... زعيم كفيل أو قبيل ليعقد

وإن يبرأ المضمون عنه فد برئ ... الزعيم بلا عكس بغير تردد وأيهما يقضيه أو إن يحل به ... فقد برآ منه لفقد التعدد وتسقط عمن أسلم الخمر أوله ... فينقطع التطلاب لا بتقيد ولابد فيه من رضا ضامن فقط ... ولا يشترط علم الخصوم بأوطد وقيل بلى بل علم ذي الدين وحده ... وليس مضرًا جهل دين مؤكد إذا آل للإيجاب والعلم أمره ... ويرجع قبل الدين إن شا بأوكد وقولك ما أعطيته أنا ضامن ... لما آل في الأقوى أوان التجردِ ووجهان إن يضمن مكاتبه ولو ... بإذن ومن ثلث ضمان المجهد وكل الديون اضمن ولو دين ضامن ... سوى سلم أو دين من كوتب اعضد وينفذ في أعيان كل مضمن ... كعارية والغصب والسوم في اليد وفي عهدة المبتاع عن كل عاقد ... في الأقوى أجز لا مبهم في معددِ وليس على حر يقر برقه ... فيبتاعه من عهدة مطلقًا طد وليس صحيحًا في الأمانات كلها ... سوى ضامن فيها تعدي مفسد وصحح ضمان الحل صاح مؤجلاً ... كعكس في الأقوى ثم أجل بأجود وما للضمين الاقتضا قبل يقتضي ... في الأقوى وبعد الدفع من إذن اطهدِ ومن يقض عنه أو يحل بيع عوده ... يعد مثل قول اضمنه عني وانقد وعن أحمد لا يرجعنَّ بما قضى ... بلا الإذن في فرد كقاض مجود وإن يقض عن دين عروضًا ليرجعن ... بأدناهما في القدر لا بالمزيد

وإن يقض ذا التأجيل قبل حلوله ... فلا يرجعن حتى يحل فقيد وإن أنكر الخصمان إيفاء ضامن ... لغا وبتصديق الموفَّى بمبعد وإن أنكر استحلف ومن شاء بينهما ... يطالب فإن يقضيه من ضامن صدي فليس على المضمون عنه لضامن ... سوى أحد المالين خذ مع تردد وإن صدق المديون وفاه ما قضى ... بمرآه في الأقوى كقاض بشهد وليس له شيء بتكذيبه ولا ... بتصديقه إن فرطن بأوكد ووجهان هل يرجع لإشهاد فسق ... خفوا ولمن فيه اختلاف كأعيد وليس يحل الدين مع موت واحد ... ولا موت كل منهما في المؤكد وأيهما يحلل عليه فليس ذا ... بموجب تحليل على الآخر اشهد وقول بري منه إلي لضامن ... كقبض وإن يفقد إليَّ تردد وما لضمين والكفيل الخيار وألزم ... الأب يضمن مهر زوجة فوهد وإن قال شخص ألق في اليم مثقلاً ... سفينتنا إضمن فألقى لينقد وإن لم يقل إضمن فألقى فمهدر ... وإن قال يضمن وحده الزم بأجود

فصل في الكفالة

س92: ما هي الكفالة؟ وبم تنعقد؟ ومن الذي تصح منه؟ وما هي الألفاظ التي تنعقد بها الكفالة؟ وإذا ضمن معرفة شخص، أو قال: ضمنت لك حضوره متى أردت، أو عجز عن إحضاره.
أو قال: أعط فلانًا ألفًا، ففعل، فما حكم ذلك؟ وبم تصح الكفالة، وما الذي لا تصح به؟ وهل يكتفي بذكر الاسم والمكان؟ وما الفرق بينها، وبين الضمان؟ وما الحكم فيما إذا قال: أبرئ الكفيل وأنا كفيل؟ أو قال: كلفت هذا الدين على أن تبرئني من الكفالة بفلان، أو ضمنت لك هذا الدين شرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر؟ أو شرط في كفالة أو ضمان أن يتكفل له أو به بآخر، فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل، والتفصيل والخلاف؟

ج: الكفالة شرعًا: التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي إلى ربه، والجمهور على جوزها، قال الله تعالى حاكيًا عن يعقوب قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: 66] . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً لزم غريمًا له حتى يقضيه،

أو يأتيه بجميل، فقال: كم تستنظره؟ قال: شهرًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فأنا أحمل» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
ومعنى قوله: «جميل» أي: كفيل، وقوله: «أحمل» أي: أكفل.
وفيه: فقضاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدل على صحة الكفالة؛ ولعموم حديث: «الزعيم غارم» ولدعاء الحاجة إلى الاستيثاق بضمان المال والبدن، وكثير من الناس يمتنع من ضمان المال، فلو لم تجز الكفالة لأدى إلى الحرج وتعطل المعاملات المحتاج إليها.
وتنعقد الكفالة بلفظ ينعقد به ضمان؛ لأنها نوع منه، فانعقدت بما ينعقد به، فيؤخذ به صحتها ممن يصح منه الضمان، وصحتها ببدن من يصح ضمانه، وإن ضمن رشيد معرفته أخذ به، فلو جاء إنسان يستدين من آخر، فقال: أنا لا أعرفك، فلا أعطيك، فضمن آخر معرفته لمن يريد أن يداينه، فداينه، وغاب مستدين أو توارى، أخذ ضامن المعرفة به، كأنه قال: ضمنت لك حضوره متى أردت، لأنك لا تعرفه، ولا يمكنك إحضار من لا تعرفه، فهو كقوله: كفلت ببدنه، فيطالبه به؛ فإن عجز عن إحضاره مع حياته، لزمه ما عليه لمن ضمن معرفته له، ولا يكفي أن يعرف رب المال اسمه ومكانه.
وقال الشيخ تقي الدين في «شرح المحرر» : ضمان المعرفة معناه: إني أعرفك من هو وأين هو، وفي «الغاية» . ومن ضمن معرفة

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل