الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 348-387
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشركة

صفحات 348-387
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

وإن شاء رَبُّ الزرعِ والغرس أخْذُهُ

بلا ضَررٍ في الحالِ مَكِّنْه واسْعِدِ

وفيما قُبِضْ في فَاسِدٍ مُدّةً وَلو

بلا نفع أجْرِ المِثلِ في المتأكِّدِ

وبالفضة أن يُؤْجِرْ ويَأخُذُ عِدْلَها

دَنَانِيرَ عِندَ الفَسْخِ لِلْفضَّةِ ارْدُدِ

66-

باب المسابقة والمناضلة

س66: ما هي المسابقة؟ وما هي المناضلة؟ وما هو السبق؟ وما الذي تجوز فيه المسابقة؟ والذي لا تجوز به؟ وما الذي يكره من الألعاب؟ وما الذي يجوز؟ وما الذي يستحب اللعب به؟ وما الذي ليس من اللهو المحرم؟ وما حكم ترك الرمي لمن تعلم؟ وما الدليل على ذلك؟ وما حكم المصارعة واللعب بالنرد والشطرنج؟ وما حكم النطاح بين الحيوان كالكباش والديكة ونحوها؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.

ج: المسابقة من السبق، وهو بلوغ الغاية قبل غيره، وهي المجارات بين حيوان ونحوه كرماح ومجانيق وسفن، وكذا السباق والمناضلة من النضل، يقل: ناضله مناضلة ونضالًا ونيضالًا، وهي المسابقة بالرمي بالسهام سميت بذلك؛ لأن السهم التام يُسمَّى نضلًا فالرامي به عمل بالنضل والسبق بفتح الباء هذا الأمر أي سبق الناس إليه وهو سباق غايات أي جائز قصبات السبق.
قال الشماخ: يمدح عرابة الأوسي:

في بيت مأثرة عزا ومكرمة ... سباق غايات مجد وابن سَبَّاقِ

وتجوز المسابقة بلا عوض في سُفن ومزاريقَ وهي الرماح، وبين سائر الحيوانات من إبلٍ وخيلٍ وسهام وبغال وحمير وفيلة وطير ورمي أحجار بيد ومقاليع وعلى الأقدام.
أما دليل مسابقته - صلى الله عليه وسلم - على الأقدام فورد عنه - صلى الله عليه وسلم - في «مسند الإمام أحمد» و «سنن أبي داود» من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: سابقني النبي - صلى الله عليه وسلم - فسبقته فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فَسَبَقني، فقال: «هذه بتلك» ، وفي رواية أخرى أنهم كانوا في سفر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «تقدموا» ، تفقدموا، ثم قال: «سابقيني» فسبقتهُ ثم سابقني وسَبَقني، فقال: «هذه بتلك» . وتسابق الصحابة - رضي الله عنهم - على الأقدام بين يديه - صلى الله عليه وسلم - بغير رهان.
وفي «صحيح مسلم» عن سلمة بن الأكوع قال بينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق أبدًا فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق؟ فقلت: أما تكرم كريمًا وتهاب شريفًا؟ قال: لا إلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ذرني أسابق الرجل، فقال: «إن شِئتَ» ، فسَبْقُته إلى المدينة، وورد «أن ركانة صارعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فصرعه النبي - صلى الله عليه وسلم -» رواه أبو داود، وفي «الصحيح» من حديث ابن عمر قال: سابق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الخيل فأرسلت التي ضُمِّرت منها وأمدها الحفياء إلى ثنية الوداع والتي لم تُضمَّر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، وفي «الصحيحين» : عن موسى بن عقبة أن بين الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال، وقال البخاري: قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل.
وفي «مسند أحمد» من حديث عبد الله بن عمر أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبَق بين الخيل وراهن، وفي لفظ: له سبّق بين الخيل وأعطى السابق.
وفي «المسند» أيضًا من حديث أنس أنه قيل له: تراهنون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أكان رسول الله يراهن؟ قال: نعم، والله لقد راهن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرس له يقال له سبحة، فسبق الناس فبشَّ لذلك وأعجبه.
وفي «سنن أبي داود» عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سَبَّقَ بين الخيل وفضل القرح في «الغاية» وأما مسابقته بين الإبل، ففي «صحيح البخاري» تعليقًا عن أنس بن مالك قال: كانت العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها الأعرابي، وكأن ذلك شَقَّ على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: حقُّ على الله أن لا يرتفعَ شيء إلا وضعه.
وفي «صحيحه» أيضًا عن حميد عن أنس بهذه القصة، وقال: «إن حقًا على الله عز وجل أن يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» ؛ وأما تناضل أصحابه بالرمي بحضرته، ففي «صحيح البخاري» عن سلمة بن الأكوع قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفر من أسلم يناضلون بالسوق، فقال: «ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا ارموا وأنا مع بني فلان» ، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما لكم لا ترمون؟» فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم، فقال: «ارموا وأنا معكم كلكم» ؛ وأما مراهنة الصديق للمشركين بعمله وإذنه فروى الترمذي في «جامعه» من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب فذكروه لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فذكره أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أما إنهم سيغلبون فذكروه لهم، فقالوا: اجعلوا بيننا وبينك أجلًا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعلوا أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ألا جعلت إلى دون العشر» » . قال سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذاك قوله: {الم *

غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} ، قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وكره رقص ومجالس شعر وكل ما يسمى لعبًا ذكره في «الوسيلة» لحديث عقبة ويأتي إلا ما كان مُعينًا على قتال عدو لما تقدم فيكره لعبه بأرجوحة ونحوها، وكذا مراماة الأحجار ونحوه وهي أن يرمي كل واحد الحجر إلى صاحبه، قال الشيخ تقي الدين –رحمه الله-: يجوز ما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة، قال في «الفروع» : وظاهر كلامه -أي الشيخ تقي الدين- لا يجوز اللعب المعروف بالطاب والنقيلة، وقال أيضًا: كل فعل أفضى إلى محرم كثيرًا حرمه الشارع إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببًا للفساد والشر، وقال أيضًا: كل ما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه كبيع وتجارة ونحوها، قلتُ: ومَن عَلِم ما يَنْشَأ عن الكرةِ من ضياع صلاةٍ وضياع أوقاتٍ، وكلام فاحش مِن لعنٍ وقذفٍ وانكشاف عورة وأضرار بدنية، وقيل وقال، ونسيان لذكر الله لم يشك في تحريم لعبها الذي ينشأ عنه ذلك أو بعضه من البالغين العاقلين، وليس من اللهو المحرم تأديبه فرسه وملاعبة أهله ورميه بقوسه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق» ، وحديث جابر رواه النسائي والطبراني في «الأوسط» و «الكبير» والبزار من حديث عطاء بن أبي رباح قال: «رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عبيد الله الأنصاري يرتميان فمَدَّ أحدهما، فجلس، فقال له الآخر: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كل شيء ليس ن ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين –أي الهدفين-، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة» » قال

الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا عبد الواهب بن بخت وهو تقية.
ويستحب لعب بآلة حرب، قال جماعة وثقاف، وهو ما تسوى به الرماح وتثقيفها وسقيتها؛ لأنه يعين على قتال العدو ويتعلم بسيف خشب أو باغة لا حديد؛ لما ورد من النهي والوعيد على من أشار إلى أخيه بحديدة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» رواه البخاري ومسلم، وعنه - رضي الله عنه - قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: «من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه» رواه مسلم.
وكره شديدًا لمن علم الرمي أن يتركه لما في «الصحيح» عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا» ، وكان خلفاؤه - صلى الله عليه وسلم - يسبقون بين الخيل وقرأ على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ثم قال: «ألا إن القوة الرمي!! ألا إن القوة الرمي!! ألا إن القوة الرمي!!» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها» قال العلقمي: وردت طرق صحيحة بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، وسبب هذه الكراهة أن من تعلم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دينه ونكاية العدو وتأهل لوظيفة الجهاد؛ فإن تركه فقد فرط في القيام بما يتعين عليه، وتجوز المصارعة؛ للحديث المتقدم أول الجواب من أنه - صلى الله عليه وسلم - صارع ركانة، ويجوز رمي الأحجار؛ لأنه في معنى المصارعة ويحرم اللعب بالنرد لما قد ثبت في «صحيح مسلم» عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» ، وفي «الموطأ» و «السنن» من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» . وعن عبد الرحمن الخطمي قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مثل الذي يلعب بالنرد، ثم يقوم فصلى، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي» رواه أحمد.
وعن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله» رواه أحمد.
ويحرم اللعب بالشطرنج لا بعوض ولا بغيره، وهي بالعوض أشد تحريمًا، فإذا اشتمل اللعب بالشطرنج على عوض أو تضمن ترك واجب مثل تأخير الصلاة عن وقتها أو تضييع واجباتها أو ترك ما يجب من مصالح العيال وغير ذلك مما هو واجب على المسلمين؛ فإنه حرام بإجماع المسلمين، وكذلك إذا تضمن كذبًا أو ظلمًا أو غير ذلك من المحرمات؛ فإنه حرام أيضًا، وإذا خلا عن ذلك فجمهور العلماء على تحريمه كمالك وأبي حنيفة وأصحابه وكثير من أصحاب الشافعي.
وروى البيهقي بإسناده عن علي أن مر على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفئ خير من أن يمسها» ، وعن علي قال: «صاحب الشطرنج أكذب الناس يقول أحدهم قتلت، وما قتل» ، قال ابن عبد: أجمع مالك وأصحابه على أنه لا يجوز اللعب بالشطرنج، وقالوا: لا تجوز شهادة المدمن المواظب على لعب الشطرنج، وقال يحيى: سمعت مالكًا يقول: لا خير في الشطرنج، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ . وعن مالك قال: بلغنا أن ابن عباس ولي مال يتيم فوجدها فيه فأحرقها، وعن ابن عمر: أنه سُئل عن الشطرنج، فقال: شر من النرد؛ فإن ما في النرد من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن إيقاع العداوة والبغضاء في الشطرنج أكثر بلا ريب، وهي تفعل في النفوس فعل حميًا الكوؤس فتصد عقولهم وقلوبهم عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر مما يفعله بهم كثير من أنواع الخمر والحشيشة وقليلها يدعو إلى كثيرها؛

فإن الملاعب بها يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما يعمله خصمه وما يريد أن يفعله هو وفي لوازم ذلك ولوازم لوازمه حتى إنه لا يحس بجوعه ولا عطشه ولا ممن يحضر عنده، ولا ممن يسلم عليه ولا بحال أهله ولا بغير ذلك من ضرورات نفسه وماله فضلًا عن أن يذكر الله تعالى والصلاة، وهذا كما يحصل لشارب الخمر، بل كثير من الشراب يكون أصحى من عقل كثير من أصحاب الشطرنج والنرد واللاعب لا تنقضي نهمته منها وتبقى آثارها في النفس بعد انقضائها أكثر من آثار شارب الخمر حتى تعرض له في الصلاة والمرض وعند ركوب الدابة، بل عند الموت وأمثال ذلك من الآثار التي يطلب فيها ذكره لربه وتوجهه إليه يعرض له تماثيلها فصدُّها عن ذكر الله قد يكون أعظم من صد الخمر وإفسادها للقلوب أعظم من إفساد النرد؛ ولكن النرد كان معروفًا عند العرب والشطرنج لم يعرف إلا بعد أن فتحوا البلاد؛ فإن أصله من الهند وانتقل منهم إلى الفرس؛ ولهذا جاء ذكر النرد وإلا فالشطرنج شر من النرد إذا استويا في العوض أو عدمه.
ولا يحل اللعب بأم الخطوط ولا الكيرم ولا المدافن إذا كانت بعوض أو أشغلت عن ذكر الله أو عن الصلاة ولو كانت بلا عوض، ومما يحرم ويدخل في المخاطرة والقمار ما يسمى بالتأمين، وهو عقد بين طرفين أحدهما مؤمن والآخر مؤمَّن يلتزم فيه المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن مبلغًا من المال أو شيئًا مرتبًا عندما يحصل ضرر أو حادث، وذلك في مقابل قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن إلى المؤمن، وفي الغالب أن الذي يقوم بالتأمين شركات مساهمة كبيرة يتعامل معها أناس كثيرون ويكون لهم وكلاء، ومما يوضح خطر التأمين وضرره أنه لو دفع إنسان إلى الشركة التي تقوم بالتأمين مثلًا ستة آلاف (6000) لتأمين بضاعته التي ثمنها ثلاث مائة ألف (300000) أو لتأمين مستودعه الذي فيه من المال نحو ذلك؛ فإن عُدِمَ المال كله، فالذي

يأخذه من المؤمِّن أي من الشركة زائدًا على الستة الآلاف أليس بدون مقابل، فيكون أكلًا للمال بالباطل، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ، وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: وما تزهي؟ قال: «تحمر» ، وقال: «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك» أخرجاه.
وأيضًا فيه من الغرر ومن الجهالة ما لا يخفى، وذلك أننا لا ندري ماذا يحصل على الشركة أو التجارة أو السيارة أو نحوها التي دفع القسط لتأمينها، وقد وردت أحاديث أيضًا في النهي عن الغرر من ذلك حديث أبي سعيد: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المنابذة» وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، و «نهى عن الملامسة» ، والملامسة: لمس الرجل الثوب لا ينظر إليه، ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، وقال: «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غرر» ، ونهى عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن ضربة الغائص وهو ما سيخرجه الغواص، ونهى عن شراء الصدقات حتى تقبض، ونهى عن بيع المغانم حتى تقسم، ونهى عن بيع المضامين وهي ما ينتج من أصلاف فحول الإبل الأصيلة من أولاد، ونهى عن بيع الملاقيح وهي ما ستنتجه إناث الإبل الأصيلة من نتاج، وقال العلماء: ولا يجوز بيع الآبق ولا الشارد ولا الطير في الهواء؛ لأنه تردد بين الحصول وعدمه وكل هذه النواهي تدل على المقصود على أنه من جهة أخرى داخل في القرض الذي يجر نفعًا، وأيضًا: فالشركة ما تسلم من التعامل بالربا فيكون الدافع لها أي المؤمن قد أعان على ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ . وقال ابن القيم –رحمه الله في كتاب «الفروسية» : المغالبات ثلاثة أقسام

محبوب مرضي لله ورسوله معين على تحصيل محابه كالسباق بالخيل والإبل والرمي بالنشاب، وقسم مبغوض مسخوط لله ورسوله موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج وما أشبههما، وقسم ليس بمحبوب لله ولا مسخوط له بل هو مباح لعدم المضرة الراجحة كالسباق على الأقدام والسباحة وشيل الأحجار والصراع ونحو ذلك.
فالنوع الأول يشرع مفردًا عن الرهن، ويشرع فيه كل ما كان ادعى إلى تحصيله فيشرع فيه بذل الرهن من هذا وحده ومنهما معًا ومن الأجنبي وأكل المال، بل أكل بحق ليس أكلًا بباطل وليس من القمار والميسر في شيء.
والنوع الثاني محرم وحده ومع الرهان وأكل المال به ميسر وقمار كيف كان سواء كان من أحدهما أو كليهما أو من ثالث وهذا باتفاق المسلمين؛ فما إن خلا عن الرهان فهو حرام عند الجمهور نردًا كان أو شطرنجًا هذا قول مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه وقول جمهور التابعين ولا يحفظ عن صحابي حله.
قال: وتحرير المسألة وفقهها أن الله سبحانه لمَّا حرم الميسر هل هو لأجل ما فيه من المخاطر المتضمنة لأكل المال بالباطل فعلى هذا إذا خلا عن العوض لم يكن حرامًا؛ ولكن هذا القول خلاف النص والقياس كما سنذكره أو حرمه لما يشتمل عليه في نفسه من المفسدة وإن خلا عن العوض فتحريمه من جنس تحريم الخمر؛ فإنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وأكل المال فيه عون وذريعة إلى الإقبال عليه واشتغال النفوس به؛ فإن الداعي حينئذ يقوي من وجهين من جهة المغالبة ومن جهة أكل المال فيكون حرامًا من الوجهين، وهذا المأخذ أصح نصًا وقياسًا وأصول الشريعة وتصرفاتها تشهد له بالاعتبار؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال في

كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ﴾ فقرن الميسر بالأنصاب والأزلام والخمر، وأخبر أن الأربعة رجس وأنها من عمل الشيطان، ثم أمر باجتنابها، ثم نبه على وجوه المفسدة المقتضية للتحريم فيها وهي ما يوقعه الشيطان بين أهلها من العداوة والبغضاء ومن الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وكل أحد يعلم أن هذه المفاسد ناشئة من نفس العمل لا من مجرد أكل المال به.
وقال -رحمه الله-: وإذا تأملت أصول هذه المغالبات رأيتها في ذلك كالخمر قليلها يدعو إلى كثيرها وكثيرها يصد عن ما يحبه الله ورسوله ويوقع فيما يبغض الله ورسوله فلو لم يكن في تحريمها نص لكانت أصول الشريعة وقواعدها وما اشتملت عليه من الحكم والمصالح وعدم الفرق بين المتماثلين توجب تحريم ذلك، والنهي عنه فكيف والنصوص قد دلت على تحريمه، فقد اتفق على تحريم ذلك النص والقياس، وقد سمى علي بن أبي طالب الشطرنج تماثيل فمر بقوم يلعبون بها، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟» وقلب الرقعة عليهم ولا يعلم أحد من الصحابة أحلها ولا لعب بها وقد أعاذهم الله من ذلك، انتهى كلامه -رحمه الله-.
ولا يباح بعوض ولا بغير عوض نطاح كباش ولا نقار ديوك أو دجاج أو حمام وهو بالعوض أشد، ولا يباح مهارشة بين الكلاب أو نحوها ولا تجوز مسابقة بعوض مالي مطلبًا سواء كانت مباحة أو لا إلا في خيل وإبل وسهام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» واختصت هذه الثلاثة في أخذ العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب المأمور بتعليمها

وأحكامها، وذكر ابن عبد البر: تحريم الرهان في غير الثلاثة إجماعًا وإنما اختصت الرجال دون النساء؛ لأن النساء لسْنَ مأمورات بالجهاد.

67- شروط المسابقة

س67: تكلم بوضوح عن شروط المسابقة، واذكر ما لا يشترط لذلك وبين خيل الحلبة مرتبة، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو محتزر أو تفصيل أو ترجيح.

ج: شروطها خمسة: أولًا: تعيين المركوبين في المسابقة برؤية سواء كانا إثنين أو جماعتين وتساويهما في إبتداء العدو وانتهائه وتعيين الرماة في المناضلة برؤية سواء كانا اثنين أو جماعتين؛ لأن المقصود في المسابقة معرفة سرعة عدو المركبين اللذين يسابق عليهما، وفي المناضلة معرفة حذق الرماة ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالرؤية؛ لأن المقصود معرفة عدو مركوب بعينه ومعرفة حذق رام بعينه لا معرفة عدو مركوب في الجملة أو حذق رام في الجملة، فلو عقد اثنان مسابقة على خيل غير معينة أو مناضلة ومع كل منهما نفر غير متعين لم يجز وإن بان بعض الحزب كثير الإصابة أو عكسه فادعى أحدهما ظن خلافه لم يقبل، ولا يشترط تعيين الراكبين ولا القوسين ولا السهام؛ لأن الغرض معرفة عدو الفرس وحذق الرامي دون الراكب والقوس والسهام؛ لأنها آلة المقصود فلا يشترط تعيينها كالسرج ولو عينها لم تتعين وكل ما يتعين لا يجوز أبدًا له كالمتعين في البيع وما لا يتعين يجوز إبداله لعذر أو لغير عذر؛ فإن شرط أن لا يرمي بغير هذا القوس أو بغير هذا السهم لمنافاته لمقتضى العقد فهو كما لو شرط إصابة بإصابتين.
الشرط الثاني: إتحاد المركوبين بالنوع بالمسابقة، أو إتحاد القوسين

بالنوع في المناضلة؛ لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة أشبها الجنسين، فلا يصح السباق بين فرس عربي وفرس هجين ولا بين قوس عربي وفارسي؛ فإن سابق بين فرس وبعير أو فرس وبغل لم يجز؛ لأنه لا يجري البغل في شوط الفرس، كما قال الشاعر:

إن المذرع لا تغني خؤولته ... كالبغل يعجز عن شوط المحاضير

والمذرع: هو الذي أمه أشرف من أبيه.
قال الفرزدق:

إذا باهلي عنده حنضلية ... له ولد منها فذاك المذرع

وقيل: بالجواز، وهو الذي تميل إليه النفس والله أعلم.
ولا يكره رمي بالقوس الفارسي وما رواه ابن ماجه والأثرم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى مع رجل قوسًا فارسية، فقال: «ألقها فإنها ملعونة؛ ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح القنا فبها يؤيد الله هذا الدين وبها يمكن الله لكم في الأرض» » فيحتمل أنه لعنها لحمل العجم لها في ذلك العصر قبل أن يسلموا ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم لها؛ ولهذا أمر برماح القنا، ولو حمل إنسان رمحًا غيرها لم يكن مذمومًا، ومما يستدل به على القسي الفارسية قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ لدخوله في عموم الآية ولانعقاد الإجماع على الرمي بها وإباحة حملها؛ فإن ذلك جار في أكثر الأعصر وهي التي يحصل بها الجهاد في العصر الماضي القريب والبعيد قبل خروج الآلات الحربية الحديثة.
الشرط الثالث: تحديد المسافة مبدأ وغاية بأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيه؛ لأن الغرض معرفة الأسبق ولا يحصل إلا بتساويهما في الغاية؛ لأن من الحيوان ما يقصر في أول عدوه ويسرع في آخره وبالعكس فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه ومن الخيل ما هو أصبر

والقارح أصبر من غيره، وروى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية» رواه أبو داود؛ فإن استبقا بلا غاية لينظر أيهما يقف أولًا لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه ويتعذر الإشهاد على السبق فيه؛ ولذلك يشترط معرفة مدى الرمي إما بالمشاهدة أو بالذرعان، نحو مائة ذراع أو مائتي ذراع؛ لأن الإصابة به تختلف بالقرب والبعد ويجوز ما يتفقان عليه إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها غالبًا؛ لأن الغرض يفوت بذلك، وقد قيل ما رمى في أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - كما لا يصح تناضلهما على أن السبق لأبعدهما رميًا لعدم تحديد الغاية.
الشرط الرابع: علم عوض؛ لأنه مال في عقد فوجب العلم به كسائر العقود ويعلم إما المشاهدة أو بالوصف أو بالقدر إذا كان بالبلد نقد واحد أو أغلب وإلا لم يكف ذكر القدر بل لابد من وصفه، وأن يكون العوض مباحًا وبذل العوض تمليك بشرط سبقه، قال في «شرح الإقناع» : قلت في كلامهم أنه جعالة فليس من قبيل التمليك المعلق على شرط محض، ويجوز طول العوض وتأجيله كله أو بعضه، فلو قال: إن فضلتني فلك دينار حال وقفيز حنطة بعد شهر جاز؛ لأن ما جاز أن يكون حال ومؤجلًا جاز أن يكون بعضه حالًا وبعضه مؤجلًا كالبيع غير أنه يحتاج إلى صفة الحنطة بما تعلم به كالسلم.
الشرط الخامس: الخروج بالعوض عن شبه القمار؛ لأن القمار محرم وهو بكسر القاف مصدر قامره فقمره إذا راهنه فغلبه، وفي حديث أبي هريرة: «من قال لأخيه تعال أقامرك فليتصدق» بأن لا يخرج جميهم العوض؛ لأنه إذا أخرجه كل منهم فهو قمار؛ لأنه لا يخلو إما أن يغنم أو يغرم، ومن لم يخرج بقي سالمًا من الغرم، وقيل: يجوز ولو كان المتسابقان كل منهما مخرج

للعوض، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
فإن كان الجعل من الإمام من ماله أو من بيت المال على أن من سبق فهو له جاز؛ لأن فيه مصلحة وحثًا على تعليم الجهاد ونفعًا للمسلمين ونص على أن الإخراج من بيت المال مختص بالإمام لتوليه الولاية أو كان الجعل من غير الإمام على أن من سبق فهو له جاز لما فيه من المصلحة والقربة اثنين فأكثر منهم إذا كثروا وثم من لم يخرج على أن من سبق أخذه جاز؛ لأنه إذا جاز بذله من غيرهم فأولى أن يجوز من بعضهم؛ فإن جاء المتسابقان منتهى الغاية معًا فلا شيء لهما من الجعل؛ لأنه لم يسبق أحدهما الآخر وإن سبق فخرج العوض من المتسابقين أحرزه ولم يأخذ من صاحبه شيئًا؛ لأنه إن أخذه منه شيئًا كان قمارًا وإن سبق الآخر الذي لم يخرج أحرز سبق صاحبه فملكه وكان كسائر ماله؛ لأنه عوض في الجعالة فملك فيها كالعوض المجعول في رد الضالة؛ فإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضي به عليه إن كان موسرًا وإن أفلس ضرب به مع الغرماء وإن أخرج المتسابقان معًا لم يجز تساويًا أو تفاضلًا؛ لأنه قمار إذ لا يخلو كل منهما عن أن يغنم أو يغرم إلا بمحل لا يخرج شيئًا لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار» رواه أبو داود، فجعله قمارًا إذا أمن السبق؛ لأنه لا يخلو كل واحد منهما أن يغنم أو يغرم وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارًا؛ لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو من ذلك، ولا يجوز كون محلل أكثر من واحد لدفع الحاجة به.
ويشترط في المحلل أن يكون يكافيء مركوبيهما في المسابقة أو يكافئ رميه رميهما في المناضلة للخبر السابق.

ولا يشترط تساوي ما أخرجاه من العوض؛ فإن سبقا المخرجان المحلل أحرزا سبقيهما أي أحرز كل منهما ما أخرجه؛ لأنه لا سابق منهما ولا شيء للمحلل؛ لأنه لم يسبق واحد منهما ولم يأخذا منه أي المحلل شيئًا؛ لأنه لم يشترط عليه شيء لمن سبقه وإن سبق المحلل المخرجين أحرز السبقين الشرط، وإن سبق المحلل وأحد المخرجين معًا بأن جاء أحدهما والمحلل جميعًا فقد أحرز السابق منهما مال نفسه ويكون سبق مسبوق بينما أي السابق والمحلل نصفين؛ لأنهما قد اشتركا في السبق فوجب أن يشتركا في عوضه.
وقيل: إنه لا يشترط محلل؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - رخص في المسابقة وأخذ السبق في هذه الثلاثة، ولم يشترط محلل ولو كان شرطًا لشرطه وقولهم لأجل أن يخرج عن شبه القمار فيه نظر فإنه لا يشترط أن تخرج عن القمار، بل هو قمار جائز والقمار كله محرم ممنوع شرعًا إلا هذه الثلاثة لرجحان مصلحتها وإعانتها على الجهاد في سبيل الله، وهذا القول هو الذي تميلي إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال ابن القيم –رحمه الله-: والقول بالمحلل مذهب تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة فلا يحفظ عن أحد منهم قط أنه اشترط المحلل ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم، بل المحفوظ عنهم خلافه، وقال الجوزجاني الإمام في كتابه «المترجم» : حدثنا أبو صالح هو محبوب بن موسى الفراء، حدثنا أبو إسحاق هو الفزاري عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قال رجل: عند جابر بن زيد إن أصحاب محمد كانوا لا يرون بالدخيل بأسًا، فقال: هم كانوا أعف من ذلك، والدخيل عندهم: هو المحلل، فينافيه ما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يرون به بأسًا وفرق بين ألا يرون به بأسًا وبين أن يكون شرطًا في صحة العقد وحله فهذا لا يعرف

عن أحد منهم البتة.
وقوله: كانوا أعف من ذلك أي كانوا أعف من أن يدخلوا في الرهان دخيلًا كالمستعار، ولهذا قال جابر بن زيد راوي هذه القصة: إنه لا يحتاج المتراهنان إلى محلل حكاه الجوزجاني وغيره عنه، ومن حجج المجوزين للتراهن من غير محلل.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وهذا يقتضي الأمر بالوفاء لكل عقد إلا عقدًا حرمه الله ورسوله أو أجمعت الأمة على تحريمه وعقد الرهان من الجانبين ليس فيه شيء من ذلك، فالمتعاقدان مأموران بالوفاء به.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ ، وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا» ، وقال: «إن من أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته» وهذا يدل على أن العقود والمعاملات على الحل حتى يقوم الدليل من الكتاب والسُّنة على تحريمها، فكما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، قالوا: وقد أطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز أخذ السبق في الخف والحافر والنصل إطلاق مشروع لإباحته ولم يقيده بمحلل، فقال: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل، فلو كان السباق بدونه حرامًا وهو قمار عند المشترطين فكيف يطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواز السبق في هذه الأمور ويكون أغلب صوره مشروطًا بالمحلل وأكل المال بدونه حرام ولا ثبت بنص ولا إيماء ولا تنبيه ولا بنقل عنه ولا عن أصحابه مدة رهانهم ولا في قضية واحدة، قالوا: وروى أحمد أيضًا حديثًا عن غندر عن شعبة عن سماك قال: سمعت عياضًا الأشعري قال: قال أبو عبيدة من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب، قال: فسبقه، قال: فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقران وهو على فرسه خلفه

عربي، ولم يذكر محللًا في هذا ولا في غيره، قالوا: ومثل هذا لابد أن يشتهر ولم ينقل عن صحابي خلافه.
قال شيخ الإسلام: وما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل، قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا جلب ولا جنب» فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - في عقد الرهان الجلب والجنب، ولم يبطل اشتراكهما في بذل السبق مع أن حكمه أهم من بيان الجلب والجنب بكثير، قالوا: فإن هذا المحلل لا يحل السبق الذي حرمه الله ورسوله ولا تزول المفسدة التي في إخراجها بدخوله أيضًا إذ المعنى الذي جعلتموه قمارًا إذا اشتركا في الإخراج هو بعينه قائم مع دخوله المحلل فكيف يكون العقد قمارًا في إحدى الصورتين وحلالًا في الأخرى مع قيام المعنى بعينه ولا تذكرون فرقًا إلا كان الفرق مقتضيًا؛ لأن يكون العقد بدونه أقل خطرًا وأقرب إلى الصحة.
قالوا: ودخول المحلل في هذا العقد كدخول المحلل في النكاح للمطلق ثلاثًا وكدخول المحلل في عقد العينة ونحوها من العقود المشتملة على الحيل الربوية؛ فإن كل واحد منهم مستعار غير مقصود في العقد والمقصود غيره، وهو حرف جاء لمعنى في غيره وقد ثبت في محلل النكاح والعينة ما ثبت فيه من النهي عنه قالوا: والأخبار عن محلل النكاح أنه تيس مستعار؛ فإنه لم يقصد بالعقد وإنما استعير دخيلًا ليحل ما حرم الله.
قالوا: فإن كان إخراج السبق من المتراهنين حرامًا فدخول المحلل ليحله كدخول محلل النكاح سواء بسواء وإن كان بذل السبق منهما جائزًا معه فبدونه أولى بالجواز.
انتهى كلامه –رحمه الله-.
وفي «الاختيارات الفقهية» : والصراع والسبق بالأقدم ونحوهما إذا قصد به نصر الإسلام وأخذ السبق عليه أخذ بالحق فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض

إذا كانت مما يُنتفع به في الدين كما في مراهنة أبي بكر - رضي الله عنه - وهو أحد الوجهين في المذهب.
قلت: وظاهر ذلك جواز الرهان في العلم وفاقًا للحنيفة لقيام الدين بالجهاد والعلم، والله أعلم.
اهـ. وإن قال المخرج غير المتسابقين من سبق فله عشرة ومن جاء ثانيًا، ويقال: المصلي فله خمسة صح؛ لأن كلًا منهما يجتهد أن يكون سابقًا ليحرز أكثر العوضين وسمي الثاني مصليًا؛ لأن رأسه يكون عند صولى الأول والصلوان هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب، وفي الأثر عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: «سبق أبو بكر وصلى عمر وخطبتنا فتنة» ، وقال الشاعر:

إن تبتدر غاية يومًا لمكرمة ... تلقى السوابق فينا والمصلينا

وكذا يصح إذا فاوت العوض على الترتيب للأقرب فالأقرب لسابق بأن قال للمجلِّي مائة، وللمصلي تسعون، وللتالي ثمانون، وللبارع سبعون، وللمرتاح ستون، وللخطِّي خمسون، وللعاطف أربعون، وللمؤمل ثلاثون، وللطيم عشرون، وللسكيت عشرة، وللفُسْكُل خمسة صح؛ لأن كل واحد يطلب السبق فيحوز الأكثر، فإذا فاته طلب ما يلي السابق.
وخيل الحلبة مرتبة وهي خيل تجمع للسباق من كل أوب لا تخرج من اصطبل واحد كما يقال للفرج إذا جاؤوا من كل أوب للصرة قد أحلبوا.
وفي حديث سعد بن معاذ: «ظن أن الأنصار لا يستحلبون له على ما يريد» أي لا يجتمعون وأول خيل الحلبة مجل (1) وهو السابق لخيل الحلبة فيليه مصلٍّ.
(2) لأن رأسه يكون عند صلا المجلي، وقيل: لأن جفلة علي صلى السابق وهو منخره والصلوان عظمان عن يمين الذنب فيليه تال.
(3) لأنه يتلو المصلي فيليه بارع.
(4) فيليه مرتاح.
(5) فيليه خطِّي.

(6) فيليه عاطف.
(7) فيليه مؤمِّل.
(8) فيليه لطيم.
(9) فيليه سكيت.
(10) آخر خيل الحلبة ففسكل كقنفذ وزبرج وزنبور الذي يجيء آخر الخيل وسمي القاشور والقاشر.
ونظمها بعضهم بقوله:

وهي مِجَلٌ ومُصَل تَالِ

البارعُ والمُرتَاحُ بالتَّوالِي

ثم خطِّيٌ ثم عَاطِفٌ مُؤَمِّلُ

ثم السُكَيْتُ والأجيرُ الفَسْكَلُ

وقال الآخر:

وجملةُ خَيلِ السَّبْقِ تُسْمَى بحَلْبةٍ

وتَرْتِيبُهَا مِن بَعْدِ ذَا أنا وَاصِفُ

مِجَل مُصَلٍ ثم تَالِ فَبَارعٌ

فَمُرْتَاحُهَا ثم الخَطيُ فَعَاطِفُ

مؤملُهَا ثم اللطِيمُ سُكَيتُهَا

والآتِي أخيرًا فَسْكَلٌ وهو تائف

والفسكل اسم للآخر من الخيل، ثم استعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزًا، كما روي أن أسماء بنت عميس كانت تزوجت جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - فولدت عبد الله ومحمد أو عونًا، ثم تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر، ثم تزوجها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فقالت له: إن ثلاثة أنت آخرهم لأخيار، فقال لولدها: فسكلتني أمكم.
فإن جعل من أخرج العوض لمصل أكثر من سابق ونحوه كأن جعل

للتالي أكثر من المصلي أو لم يجعل لمصل شيئًا وجعل للتالي عوضًا لم يُجز؛ لأنه يُفضِي إلى أن يقصد السبق، بل يقصد التالي فيفوت المقصود وإن قال مخرج العوض لعشرة من سبق منكم فله عشرة صح؛ فإن جاءوا معًا فلا شيء لهم؛ لأنه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم وإن سبق فله العشرة لوجود الشرط فيه أو سبق إثنان فأكثر إلى تسعة معًا وتأخر ما عدا سبق فالعشرة للاثنين فأكثر؛ لأن الشرط وجد فيهم فكان الجعل بينهم كما لو قال: من رد عبدي الآبق فله كذا، فردت تسعة فلهم العشرة لحصول رده من الكل ويصير هذا كما لو قال: من قتل قتيلًا فله سَلبُه؛ فإن قتل كل واحد واحدًا فلكل واحد سلب قتيله كاملًا وإن قتل جماعة واحدًا فلجميعهم سلب واحد، وهاهنا كل واحد له سبق مفرد فكان الجعل له كاملًا، فلو قال: من سبق فله عشرة، ومن صلى فله خمسة فسبق خمسة وصلى خمسة فللسابقين عشرة لكل واحد منهم درهمان وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم، ويصح عقد لا شرط فيلغو في قول أحد المتسابقين للآخر: إن سبقتني فلك كذا ولا أرمي شهرًا ونحوه كان شرطًا لكل منهما أو لأحدهما الفسخ بعد الشروع في العمل وأشباه هذه، فهذه شروط باطلة في نفسها والعقد صحيح؛ لأنه قد تم بأركانه وشروطه؛ فإذا حذف الزائد الفاسد بقي العقد صحيحًا أو شرط المتسابقان أن السابق يطعم السَّبق الذي هو الجعل أصحابه أو يطعم الجعل بعضهم أو يطعمهم غيرهم لم يصح الشرط؛ لأنه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق ولا يفسد العقد، وكل موضع فسدت المسابقة؛ فإن كان السابق المخرج أمسك سبقه وإن كان الآخر فله أجر عمله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالإجارة الفاسدة.

من النظم فيما يتعلق بالسبق

وإن سباقًا بالنضال لجائز

وبالسفن والأقدام مع كل أجلد

وإن اصطراع المسلمين لجائز

ورفعهما الأثقال مع حسن مقصد

وما سبق في غير خف وحافر

ونضل بمسنون وقيل بمبعد

ويشرط تعيين كذاك ومركب

ووحدة نوع في القِسِي المعدد

وأنواع مركوب وقيل يجوز مع

تخالف نوعي جنس ذا المتوحد

ولا تشترط تعيين قومس وراكب

ولم يتعين واحد بالتقيد

ويشرط تحديد المسافة مطلقًا

بجاري عادات وعلم المنقد

ومن أحد الحزبين أو أجنبي أو

إمام يجوز الجعل للسابق أشهد

فيحرزه بالسبق مالكه ولا

يطالب مسبوقًا بشيء فيعتد

وبالسبق يحويه سوى باذل وإن

يجيا معًا فالسبق باق لممدد

ولا شيء إن جاءوا معًا لهم متى

يكن جعْلُهم من أجنبي مؤيد

وتسوية بين المصلي وسابق

متى لم يكن مَن ينقص الجُعْلَ تفسد

وشرطهم أن يطعم الجعل سابِقٌ

لهم فاسد يُلْغى السباق بمبعد

وشَرْطُ مُخِلٍ بالشروط التي مضت

بصحته يُلْغِيه دُونَ تردد

فإن سبق المعطي ليمسك جعله

وللغير أجر المثل في المتفسدِ

68- ما تبطل به المسابقة وما لا تبطل

س68: لماذا كانت المسابقة جعالة؟ ومتى يجوز فسخها؟ وما الذي تبطل به المسابقة؟ وما الذي لا تبطل به؟ وبأي شيء يحصل بخيل وبإبل؟ وإذا شرط المتسابقان السبق بغير ذلك فما الحكم؟ وكيف تصَف السبق؟ وماذا يقول مرتبها والمقيم عند طرف الخط؟ وما الذي يشترط في المسابقة بعوض؟ وما حكم الإجناب؟ وما هي المناضلة؟ وما شروطها؟ وضح مع ذكر الأدلة والتعليلات والخلاف والترجيح.

ج: المسابقة جعالة؛ لأنها عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه فكان جائزًا، كرد الآبق وذلك؛ لأن عقد على الإصابة، ولا يدخل تحت قدرته وبهذا فارق الإجارة، لا يؤخذ بعوضها رهن ولا كفيل لعدم وجوبه، ولكل من المتعاقدين فسخها قبل الشروع في المسابقة، وإن طلب أحدهما الزيادة فيها والنقصان منها لم يلزم الآخر إجابته، ويصح الفسخ بعد الشروع ما لم يظهر على أحدهما الفضل لصاحبه مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسافة أو يصيب بسهامه أكثر منه؛ فإن ظهر فضل فيمتنع الفسخ على الفضول فقط دون الفاضل؛ لأنه لو جاز للمفضول ذلك لفات غرض المسابقة فلا يحصل المقصود.
وتبطل المسابقة بموت أحد المتعاقدين كسائر العقود الجائزة، وتبطل بموت أحد الراكبين أو الراميين لتعلق العقد بعين المركوب والرامي، ولا يقوم وارث الميت مقامه ولا يقيم الحاكم من يقوم مقامه؛ لأنها انفسخت بموته ولا تبطل بموت أحد الراكبين أو تلف أحد القوسين؛ لأنه غير معقود عليه فلم ينفسخ العقد بتلفه كموت أحد المتبايعين.
ويحصل سبق في خيل متماثلي العنق برأس وفي مختلفي العنقين بكتف، وفي إبل بكتفٍ؛ لأن الاعتبار بالرأس هنا متعذر؛ فإن طويل العنق قد يسبق

رأسُه لطول عنقه لا بسرعة عَدْوه وفي الإبل ما يُرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا بسبقه؛ فإن سبق رأسُ قصير العنق فقد سبق بالضرورة، وإن سبق رأس طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق، وإن كان بقدره فلا سبق وبأقل فالآخر سابق وإن شرط المتسابقان السبق بغير ذلك كان شرطًا بإقدام معلومة لم يصح؛ لأنه لا ينضبط ولا يقف الفرسان عند الغاية بحيث يعرف مسافة ما بينهما وتصف الخيل في ابتداء الغاية صفًا واحدًا، ثم يقول مرتبها: هل من مصلح للجام أو حامل للغلام أو طراح لجُلّ؟ فإذا لم يجبه أحد كبَّر ثلاثًا، ثم خلاها أي أرسلها عند التكبيرة الثالثة لما روى الدارقطني عن علي: قد جعلْت لك هذه السبقة بين الناس فخرج علي فدعا سراقة بن مالك، فقال: يا سراقة، إني قد جعلتُ إليك ما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في عنقي من هذه السبقة في عنقك، فإذا أتيت الميطان، قال أبو عبد الرحمن: الميطان مرسلها من الغاية فصف الخيل، ثم نادى هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل؟ فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثًا ثم خلها عند الثالثة فيسعد الله بسبقه من شاء من خلقه وكان علي يقعد عند منتهى الغاية ويقيم رجلين متقابلين عند طرفي الخط بين إبهامي أرجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ليعرف السابق ويقول لهما: إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه أو أذُن أو عذار فاجعلوا السبقة له، فإذا شككتما فإجعلوا أسبقهما نصفين.
وهذا الأدب الذي ذكره في الحديث ابتداء الإرسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا مع كونه مرويًا عن علي - رضي الله عنه - في قضية أمره بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفوضها إليه فينبغي أن تتبع ويعمل بها فيشترط في المسابقة بعوض أن يكون الإرسال دفعة واحدة فليس لأحدهما أن يرسل قبل الآخر ويكون عند الابتداء وهو أول المسابقة من يرقبها ليشاهد إرسالها عند أول المسافة كما

يشترط أن يكون عند الإنتهاء وهو انتهاء الغاية من يضبط السابق منهما لئلا يختلفا في ذلك وحرم أن يجنب أحد المتعاقدين مع فرسه بأن يكون بجانبه فرسًا لا راكب عليه يحرض الفرس الذي تحته على العدو ويحثه عليه ويغريه بالسرعة أو يصيح به وقت سباقه؛ لحديث رواه أبو داود عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا جَلَبَ ولا جَنَب في الرهان» ، ويروى عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا» والجلبُ: بفتح اللام والجيم: الزجر للفرس، والصياح عليه حثًا له على الجري.
المناضلة من النضل، يقال: ناضله نضالًا ومناضلة، وسمي الرمي نضلًا؛ لأن السهم التام يسمى نضلًا، فالرمي به عمل بالنضل، ومن المجاز ناضل عنه إذا دافع وتكلم عنه بعذره وخاصم، ومنه قول أبي طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كذّبتم وبيتِ الله يُبزَى محمدٌ ... ولم تُطاعِنْ دونه وتُنَاضل

وهي ثابتة بالكتاب لقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ ، وقرئ ننتضل، والسُّنة شهيرة بذلك من ذلك حديث سلمة بن الأكوع، قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفر من أسلم ينتضلون بالسوق، فقال: «ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا» متفق عليه.
وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من علم الرمي ثم تركه فليس منا» رواه أحمد ومسلم، وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» . وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه الذي يحتسب في صنعه الخير، والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله» ، وقال: «أرموا واركبوا وأن ترموا خير لكم من أن تركبوا» ، وقال: «كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثًا رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق» رواه الخمسة، وعن عمرو بن عبسة قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر» رواه الخمسة وصححه الترمذي.
قال بعضهم:

الرمي أفضلُ ما أوصَى الرسولُ به

وأشجعُ الناسِ مَن بالرمي يَفْتَخِرُ

أركانه خمسةٌ القبضُ أولُهَا

والعقدُ والمَدُّ والإطلاقُ والنَظرُ

وجعلها بعضهم في أربعة:

يا سائلي عن أصول الرمي أربعة

العقد والقبض والإطلاق والنظر

وحكم المناضلة في العوضين حكم الخيل والإبل فيما تقدم تفصيله وتصح بين اثنين وبين حزبين وشروط المناضلة زيادة على ما سبق شروط أربعة أحدها كونها على من يحسن الرمي؛ لأن الغرض معرفة الحذق، ومن لا حذق له وجوده، كعدمه فتبطل المناضلة بين حزبين إذا كان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي، تبطل فيمن لا يحسنه من أحد الحزبين ويخرج مثله من جعل بإزائه من الحزب الآخر إذا كان كل واحد من الرئيسين يختار إنسانًا والآخر في مقابلته آخر فمن لا يحسن الرمي بطل العقد فيه وأخرج مقابله كالبيع إذا بطل في بعض المبيع سقط ما قبله من الثمن، ولكل حزب الفسخ إن أحبوا لتبعيض الصفقة في حقهم، وإن تعاقدوا بأن عقدوا النضال

ليقتسموا بعد العقد حزبين فيعين رئيس كل حزب من معه برضاهم لا بقرعة صح العقد؛ لأن القرعة قد تقع على الحذاق في أحد الحزبين وعلى الكوادن في الآخر فيبطل مقصود النضال؛ ولأنها إنما تخرج المبهمات، والعقد لا يتم حتى يتميز كل حزب، وشرط النضال أن يجعل لكل حزب رئيس فيختار أحد الرئيسين واحدًا من الرماة ثم يكون معه ثم يختار الرئيس الآخر من الرئيسين آخر من الرماة حتى يفرغا فيتم العقد على المعنيين بالاختيار إذن ولا يجوز اختيار كل منهما أكثر من واحد؛ لأن اختيار اثنين فأكثر يبعد من التساوي والعدل، وإن تشاحا فيمن يبدأ من الرئيسين بالخيرة اقتراعًا، فمن خرجت له القرعة اختار أولًا إذ القرعة تميز المستحق بعد ثبوت الإستحقاق لغير معين وتساوي أهله ولا يجوز جعل رئيس الحزبين واحدًا؛ لأنه لا يضره أي الحزبين سبق لتقديره لهما فيفوت مقصود المناضلة، ولا يجوز جعل الخبرة في تمييز والحزبين إلى واحد وإن أرادوا القرعة لإخراج الرئيسين جاز لقلة الغرر، ولا يجوز لأحدهما أن يختار جميع حزبه؛ لأنه ترجيح له بلا مرجح ويفضي إلى عدم التساوي.
ولا يشترط للمناضلة استواء عدد رماة كل حزب، فلو كان أحد الحزبين عشرة والآخر ثمانية ونحو ذلك، صح وإن بان بعض الحزب كثير الإصابة أو عكسه بأن كان قليل الإصابة فادعى الحزب الآخر ظن خلافه لم يسمع منه ذلك؛ لأن شرط دخوله في العقد أن يكون من أهل الصنعة دون الحذق كما لو اشترى عبدًا على أنه كاتب فبان حاذقًا أو ناقصًا لم يؤثر.
الشرط الثاني: معرفة عدد الرمي ومعرفة عدد الإصابة لتبين مقصود المناضلة وهي الحذق، فيقال مثلًا الرِّشْقُ بكسر الراء وهو عدد الرمي وأهل العربية يخصونه فيما بين العشرين والثلاثين، وبفتحها الرمي وهو مصدر

رشقت الشيء رشقًا.
قال الحجاوي في «الحاشية» : الرشق بفتح الراء: الرمي نفسه، والرشق الوجه من الرمي إذا رمى القوم بأجمعهم جميع السهام، وقيل: الرشق السهام نفسها، وكذا في «المستعوب» و «المطلع» عن الأزهري: الرشق بكسر الراء عدد الرمي واشتراط العلم به؛ لأنه لو كان مجهولًا أفضى إلى الاختلاف؛ لأن أحدهما يريد القطع والآخر يريد الزيادة، وليس للرشق عدد معلوم، فأي عدد اتفقوا عليه جاز؛ لأن الغرض معرفة الحذق، فيقال مثلًا: الرشق عشرون والإصابة خمسة أو ستة أو ما يتفقان، وسواء استوى المتناضلين في عدد رمي وعدد إصابة وفي صفة الإصابة من خوارق ونحوها وسائر أحوال الرمي؛ لأن موضعها على المساواة فاعتبرت المسابقة على الحيوان؛ فإن جعل المتناضلان رمي أحدهما عشرة ورمى الآخر أكثر كعشرين مثلًا أو أقل كخمسة أو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة وأن يصيب الآخر ستة أو شرطًا إصابة أحدهما خواسق والآخر خواصل أو شرطا أن يحط أحدهما من إصابته سهمين بسهم من إصابة الآخر أو شرطا أن يرمي أحدهما من بُعْدٍ، ويرمي الآخر من قرب أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه سهم والآخر بين أصابه سهمًا أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء شاغل والآخر بدون الشاغل ونحوه مما تفوت به المساواة كان شرطًا أن يحط عن أحدهما واحدًا من خطئه لا عليه ولا له وأشباه هذا مما تفوت به المساواة لم تصح لمنافاته لموضوع المسابقة، وإذا عقدا ولم يذكرا قوسًا صَحَّ لما تقدم ويستويان في العربية والفارسية.
الشرط الثالث: كون الرمي مفاضلة أو محاطة أو مبادرة؛ لأن غرض الرماة يختلف، فمنهم من إصابته في الابتداء أكثر منها الانتهاء، ومنهم من هو بالعكس إصابته في الإنتهاء أكثر منها في الإبتداء، فوجب اشتراط ذلك

ليعلم ما دخل فيه، فالمفاضلة كقولهم أينا فضل صاحبه بخمس إصابات من عشرين رمية، فقد سبق فأيهما فضل صاحبه بذلك فهو السابق لوجود الشرط، ويلزم فيها إتمام الرمي إن كان فيه فائدة أو تبين كون الرمي مبادرة كأينا أسبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فقد سبق ونحوه فإذا رميا عشرةً فأصاب أحدهما خمسًا فمصيب الخمس هو السابق أصاب لآخر ما دونها أو لم يصب شيئًا ولا يلزم أن سبق إلى الخمس واحد، ولو أصاب الآخر أربعًا إتمام الرمي عشرين؛ لأن السبق قد صار للسابق وإن أصاب كل واحد منهما من العشر خمسًا فلا سَبقَ فيهما ولا يكملان الرشق؛ لأن جميع الإصابة المشروطة قد وجدت واستويا فيها، وضابط ذلك أنه متى بقي من عدد الرمي ما يمكن أن يسبق به أحدهما صاحبه أو يسقط به سبق صاحبه لزم الإتمام وإلا فلا، أو تبين كون الرمي محاطة بأن اشترطا أن يحط ما تساويا فيه من الإصابة من رمي معلوم مع تساويهما في عدد الرميات فأيهما فضل صاحبه بإصابة معلومة فقد سبق.
والفرق بين المفاضلة والمحاطة أن المحاطة تقدر فيها الإصابة من الجانبين بخلاف المفاضلة، قال في «شرح الغاية» : ويدل لذلك قول المجد في «شرح الهداية» : فالمفاضلة اشتراط إصابة عدد من عدد فوقه كإصابة عشرة من عشرين على أن يستوفيا رميهما؛ فإن تساويا في الإصابة أحرزا سبقهما وإن أصاب أحدهما تسعة والآخر عشرة أو أكثر فقد فضل، والمحاطة أن يشترطا حط ما يتساويان فيه من الإصابة في رشق معلوم، فإذا فضل أحدهما بإصابة معلومة فقد سبق فإن أطلقا الإصابة في المفاضلة أو شرطا أنها خواصل تناول اللفظ الإصابة على أي صفة كانت، ولا يشترط وصف الإصابة؛ لكن يسن، وإن اشترطا أن الإصابة خواسق أو شرطا خوازق أو شرطا مقرطس وهي ما خرق الغرض، وثبت فيه أو شرطا أن الإصابة خوارق أو موارق وهي ما

خرق الغرض ولم يثبت فيه أو شرطا أنهما خواصر، وهي ما وقع في أحد جانبي الغرض، ومنه قيل: الخاصر؛ لأنها في جانب الإنسان أو شرطا أنها خوارم، وهي ما خرم جانبي الغرض أو اشترطا أنها حوابي وهي ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب إلى الغرض.
قال الشاعر:

حابى كثيرٌ وما نُبْلى بصَائِبةٍ ... وكيفَ لي مِن مَرَاميهن بالحابيَّ

ومنه يقال: حبى الصبي، فبأي صفة قيد المتناضلون الإصابة تقيدت بها؛ لأنها وصف وقع عليه العقد فوجب أن تتقيد به ضرورة الوفاء بموجبه وحصل السبق بإصابة ذلك المقيد على ما قيدوا به أو شرطا إصابة موضع منه كدائرة الغرض تقيدت المناضلة بما شرطاه؛ لأن الغرض يختلف باختلاف ذلك فتعين أن تتقيد المناضلة به تحصيلًا للغرض، وإن شرطا الخواسق والحوابي معًا صح ولا يصح شرط إصابة نادرة كتسعة من عشرة؛ لأن الظاهر عدم وجودها فيفوت المقصود، ولا يصح تناضلهما على أن السبق لأبعدهما رميًا؛ لأن الغرض من الرمي الإصابة لا من بعد الرمي، وقيل: يصح، اختاره الشيخ تقي الدين قاله في «الفائق» وهو المعمول به عند الرماة الآن في أماكن كثيرة، وهذا القول هو ما تميل إليه النفس، والله أعلم.
وإذا كان الشرط خواصل فأصاب الغرض بنصل السهم حسب له كيف كان لما تقدم أن الخاصل الذي أصاب القرطاس؛ فإن أصاب السهم الغرض بعرضه أو بفوقه وهو ما يوضع فيه الوتر نحو أن ينقلب السهم بين يدي الغرض فيصيب فوقه الغرض أو انقطع السهم قطعتين فأصاب القطعة الأخرى الغرض لم يعتد به؛ لأنه لا يعد إصابة.
الشرط الرابع: معرفة قدر الغرض وهو ما يرمي طولًا وعرضًا وسمكًا وارتفاعًا من الأرض بمشاهدة أو تقدير بشيء معلوم؛ لاختلاف الإصابة بصغره وكبره وغلظه ورقته وارتفاعه وانخفاضه والغرض ما تقصد إصابته

بالرمي وهو ما ينصب في الهدف من قرطاس أو جلد أو خشب أو غيرها سمي غرضًا؛ لأنه يقصد ويسمى شارة وشنًا، وفي «القاموس» : القرطاس: كل أديم ينصب للنضال، والهدف ما ينصب الغرض عليه إما تراب مجموع أو حائط أو غيرهما كخشبة وحجر، ولا يعتبر لصحة النضال ذكر المبتدئ منهما بالرمي؛ لأنه لا أثر له وكثير من الرماة يختار التأخر؛ فإن ذكر المبتدئ كان أولى وإن لم يعينا المبتدئ عند العقد ثم تراضيا بعد العقد على تقديم أحدهما جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما.

69- تشاح المتناضلين

س69: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا تشاح المتناضلان في الإبتداء، تعيين باد عند عقد، إذا بادر غير الأحق، رميهما سهمًا سهمًا أو خمسًا خمسًا أو يرمي كل واحد منهما جميع الرشق، صفة رمي المتناضلين إذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضع الغرض، شرطهم خواسق أو مقرطس أو نحوه، إذا عرض لأحد المتناضلين عارض من كسر قوس أو نحوه أو عرض مطر أو ظلمة

عند الرمي، مدح أحد المتناضلين أو عيبه، الإتيان بكلام يغيظ صاحبه أو تعنيفه إذا قال لآخر مثلًا إرم عشرة أسهم؛ فإن كان صوابك أكثر من خطئك فلك درهم إلخ.
واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: يقرع عند تشاح المتناضلين في البادئ منهما بالرمي؛ لأنه لابدَّ أن يبدأ أحدهما بالرمي؛ لأنهما لو رميا معًا أفضى إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما وقد استويا في الإستحقاق فصير إلى القرعة؛ لأنه لا مرجح غيرها، وهي تستعمل عند اشتباه المستحقين وعند تزاحمهم وليس أحدهما أولى من الآخر

فمن خرجت له القرعة بدأ بالرمي وسن تعيين باد عند عقد؛ لأنه أقطع للنزاع؛ فإن بادر غير الأحق فرمى فرميه عبث لم يعتد له سهمه أخطأ أو أصاب؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . ويجوز أن يرمي المتناضلان سهمًا سهمًا وأن يرميا خمسًا خمسًا وأن يرمي كل واحد منهما جميع الرشق، وإن شرطا شيئًا حمل عليه؛ فإن أطلق تراسلًا سهمًا سهمًا؛ لأنه العرف وإن بدا أحدهما في وجه هو رمي القوم بأجمعهم جميع السهام بدأ الآخر في الوجه الثاني تعديلًا بينهما؛ فإن شرطا البداءة لأحدهما في كلا الوجوه لم يصح؛ لأن موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل، وإن فعلا البدء في الرمي من غير شرط برضاهما صح؛ لأن البداءة لا أثر لها في الإصابة ولا في وجود الرمي، وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من وجهين متوالين جاز لتساويهما وإن اشترطا أن يرمي أحدهما رشقة ثم يرمي الآخر رشقة جاز أو اشترطا أن يرمي أحدهما عددًا ثم يرمي الآخر مثله جاز وعمل به؛ لحديث: «المؤمنون على شروطهم» وسن جعل غرضين في المناضلة يَرْمي الرَّسْلان أحد الغرضين ثم يمضيان إلى الغرض فيأخذان السهام ويرميان الغرض الآخر؛ لأن هذا كان فعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة» ، وقال إبراهيم التيمي: رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول: أنابها في قميص، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- مثله، ويروى أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا جاء الليل كانوا رهبانًا أي عبادًا وإذا كان غرضًا فبدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالغرض الثاني لحصول التعادل وإن جعلوا غرضًا واحدًا جاز لحصول المقصود به وإذا تشاحا في موضع الوقف هل هو عن يمين الغرض أو يساره ونحو ذلك؛ فإن كان الموضع

الذي طلبه أحدهما أولى مثل أن يكون في إحدى الموقفين يستقبل الشمس أو يستقبل ريحًا يؤذيه استقبالها ونحو ذلك، والآخر يستدبرها قدم قول من طلب استدبارها؛ لأنه أحظ لهما، إلا أن يكون في شرط المناضلة استقبال ذلك، فالشرط أولى بالإتباع لدخولهم عليه كما لو اتفقا على الرمي ليلًا؛ فإنه يعمل بما اتفقا عليه؛ فإن كان الموقفان سواء في استدبار الشمس كان الوقوف إلى الذي يبدأ فيتبعه الآخر، فإذا صار في الوجه الثاني وقف الثاني حيث شاء، وإن أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضع الغرض وشرط المتناضلين خواسق أو خوارق أو مقرطس لم يحتسب له به ولا عليه؛ لأنا لا ندري هل كان يثبت في الغرض لو كان موجودًا أو لا، وإن وقع السهم في غير موضع الغرض احتسب به على راميه لتبين خطئه وإن وقع السهم في الغرض في الموضع الذي طار إليه الغرض حسبت الرمية عليه إلا أن يكون اتفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه، وكذا الحكم لو ألقت الريح الغرض على وجهه إذا وقع السهم فيه حسب على راميه وإن أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه احتُسِب به لراميه؛ لأنه لو كان الغرض موضعه لأصابه، وكذا لو كانا أطلقا الإصابة، ولو كان الغرض جلدًا وخيطَ عليه كشنبر المنخل وجعلا له عرى وخيوطًا تعلق به في العرى فأصاب السهم الشنبر أو العرى وشرطهم حواصل اعتد به؛ لأن ذلك من الغرض؛ وأما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتبر بإصابتها مطلقًا؛ لأنها ليست من الغرض وإن عرض لأحدهما عارض من كسر قوس أو قطع وتر أو ريح شديدة لم يحتسب له بالسهم ولا عليه، ولو أصاب؛ لأن العارض كما يجوز أن يصرفه عن الصواب إلى الخطأ يجوز أن يصرفه عن الخطأ إلى الصواب، وقيل: يحسب عليه بالسهم إن أخطأ، وقيل: إن عرض لأحدهما كسر قوس أو قطع وتر أو ريح شديدة أو ردت سهمه عرضًا فأصاب

حُسِبَ له وإلا فلا، هذا والله سبحانه أعلم أقرب عندي إلى الصواب.
وإن حال حائل بينه وبين الغرض فنفذ منه وأصاب الغرض حسب له؛ لأن هذا من سداد الرمي وقوته وإن عرض ظلمة أو مطر عند الرمي جاز تأخيره؛ لأن المطر يرخي الوتر والظلمة عذر لا يمكن معه فعل المعقود عليه؛ ولأن العادة الرمي نهارًا إلا أن يشترطاه ليلًا فيلزم كما تقدم؛ فإن كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفى بذلك وإلا رميا في ضوء شمعة أو مشعل أو ضوء كهرب، وإن أراد أحدهما التطويل والتشاغل عند الرمي بما لا حاجة له إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك ولعل صاحبه ينسى القصد الذي أصابا به أو يفتر مُنِعَ من ذلك وطولب بالرمي ولا يزعج بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحرير الإصابة وكره للأمين أو الشهود وغيرهم ممن حضر مدح أحدهما أو مدح المصيب وعيب المخطئ لما فيه كسر قلبه وألفت في عضده وتحجيله، وفي حديث أبي موسى الأشعري، قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يثني على رجل ويطريه في المدح، فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» متفق عليه، وفي حديث أبي بكر - رضي الله عنه - أن رجلًا ذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي

  • صلى الله عليه وسلم -: «ويحك قطعتَ عُنقَ صاحبك» يقوله مرارًا، الحديث متفق عليه.
    وعن المقداد أن رجلًا جعل يمدح عثمان - رضي الله عنه - فعمد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رأيتم المداحين فأحثوا في وجوههم التراب» رواه مسلم، وقال في «الفروع» : ويتوجه الجواز في مدح المصيب والكراهة في عيب غيره، قال: ويتوجه في شيخ العلم وغيره مدح المصيب من الطلبة وعَيب غيره كذلك، قال في «الإنصاف» : قلت: إن كان مدحه يفضي إلى تعاظم الممدوح أو كسر قلب غيره قوي التحريم وإن كان فيه تحريض على الاشتغال ونحوه

قوي الاستحباب.
اهـ. قال النووي بعد إيرداه لأحاديث النهي عن المدح، وجاء أحاديث كثيرة في الإباحة صحيحة، قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور كره مدحه في وجهه كراهة شديدة وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك.
ومما جاء في الإباحة قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه -: «أرجو أن تكون منهم» أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها، وفي الحديث الآخر: «لست منهم» أي لست من الذين يسبلون أزرهم خيلاء، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: «ما رآك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك» اهـ. ويمنع كل من الكلام الذي يغيظ صاحبه كأن يرتجز ويفتخر ويتبجح بالإصابة أو يعنف صاحبه على الخطأ ويظهر أنه يعلمه، وكذا حاضر معهما يمنع من ذلك، ومن قال لآخر: إرم عشرة أسهم؛ فإن كان صوابك فيها أكثر من خطئك فلك درهم، صح؛ لأنه جعل الجعل في مقابلة إصابة معلومة؛ فإن كان أكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك مجهولًا؛ لأنه بالأقل يستحق الجعل، ولا يصح عكسه بأن قال له: إرم عشرة أسهم فإن خطأتها فعليك درهم، لم يجز؛ لأن الجعل يكون في مقابلة عمل ولم يوجد من القائل عمل يستحق به شيئًا، وإن قال: إرم عشرة فإن كان صوابك أكثر فلك بكل سهم أصبت بدرهم صح، أو قال: إرم هذا السهم فإن أصبت به فلك درهم صح ولزمه؛ لأنه جعالة.

من النظم فيما يتعلق بالسبق

وفي الأجود إجعل لاستباق جعالة

فإن رضيا التزييد فيه فزيد

وكل له قبل الشروع كبعده إن

تساووا وأبطال وإلا لأزيد

ويفسخ في ذا الوجه من موت عاقد

وإلا فموت الحتم تعيينه قد

ولا يأخذن بالجعل رهنًا وضامنًا

وإن قلت بالإلزام فاعكس تسدد

فمن موت فرد الراميين وواحد

من الحاملين أبطل ولا تتردد

وما تلف الرأسين يا صاح مبطل

ولا موت ركاب الجواد بمفسدِ

ووارث كل قائم بمقامه

وإلا أقم من إرثه عنه وارفد

ويحصل سبق الخيل بالرأس ثم مع

تخالف أعناق بكتف كجلمد

ولا تجنين مع سابق فرسًا ولا

تجلِّب عليه بالصياح الملدد

وهذا بيانٌ للنضالِ وإنَّه

هو القوةُ احْرَصْ في اقتباسِكَ واجهدِ

ومَعْرفَةُ الرَّمي اشتراط في جَمِيعِهِمِ

وفي كُلّ مَن لا يُحْسنُ الرَّمْيَ أفْسِدِ

واسْقِط مِن الباقِينَ مَن بإزائه

ولا فَسْخَ في الأقْوَى ومَنْ شاءَ يَرْدُدِ

وتَعْدَادُ رَشْقٍ والإصَابةُ فاشُتَرِطْ

بِلَا نُدْرَةٍ كالاسْتِواء فيهِمَا اشهدِ

وإن شَرَطَا للأبعَدِ الجُعْلَ لَم يَجُزْ

إذ لم يُحَدَّدْ غَايةٌ فيهما اشْهدِ

وَمِنْ غير ذكر القَوْسِ صَحِّحْ بمُبْعَدٍ

وَوَحْدَهُ في نوْع وَمَا عُيّنَ احْدُدِ

ولا تَشْتَرطْ إن يَسْتَوي عَدَدُ

الرُّمَاةِ مِن الحِزُبيْنِ في المُتَجَوِّدِ

ولكنْ تَسَاوى الرَّمْي ثم مُحَلِّلِ

لِيَرْمِ كحزب واحد أو مُعَدِّدِ

ويَحْصُلُ سَبْقٌ في البِداء بِحوْزةٍ

كَخَمْسِ إصَاباتٍ مِن العَشْرِ فاشْهدِ

إذا لم اسْتَوَوْا في رَمْيِهِم وَبشَرْطِهِم

مُفاضَلةً مِنْهَا لِحَاوِي المُزَيَّدِ

وإتْمَامُ رَشْقٍ هَاهُنَا لازِمٌ مَتَى

يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ دُون مَا لَم يُقَيَّدِ

ويَسْتَوْعِبْ إطلاقُ الإصَاباتِ كُلَّهَا

وشَرْطُ الحَواصِل مُطْلقًا للتأكُّدِ

وفي أيِّ وَصْفٍ لِلإصَابَةِ قَيَّدُوا

تَقَيَّدَ نَيْل السَّبْقِ بالمُتَقيِّدِ

وفي الفَرضِ اشْرطْ عِلمَ وَصْفٍ وَقدره

وبَيْنَهُمَا اقرع عِنْدَ بُخْلٍ المُبتدِي

وقَد قِيلَ قَدِّمْ مُخرجًا سَبقًا فَمَنْ

بِوَجْهٍ بَدَا فالغَيْر بالثاني يَبْتَدي

وإن شَرَطُوا إن يَبْتَدِي البَعْضُ دائمًا

فَلغْوٌ وإن يَبْدَأ بلا شَرط إمْهد

ويُشرع نَضْبُ اثنين تبدأ فرقه

بوَجْهٍ وبالثاني الأخيرة تبتدي

وإن سَهْمُ شَخْص حَلَّ موضعَه وقد

أطارَتْهُ رِيْحٌ عُدَّ إن لم تقيد

بِنَوْعِ إصَاباتٍ إذًا في وُجُوْدِهِ

تُشَكُّ بَتقْدِيرِ التَعَالِيمِ يُعَدَّدِ

ولا تَحسَبنَّ سَهْمًا طَرَافيه عَارضٌ

كَرِيحٍ وكَسْرِ القَوْسِ يَا صَاحِ تَعْتَدِ

وإن يَطْرَ وَقْتُ الرَّمْي غَيْثٌ وظُلْمَةٌ

فَجوِّزْ إذا أرْجَا النِّضَالَ إلى الغَدِ

وقد كَرِهُوا إفْرَادَ شخصٍ بمَدْحِهِ

لإيْذَاء إثانٍ مِن أمينٍ وُشُهَّدِ

ومحضُورٌ الشِطْرَنْجُ والنَّردُ مَيْسِرٌ

بِجُعْلٍ وغَيْرِ الجُعْل في نَص أحْمَدِ

70-

باب العارية

س70: تكلم بوضوح عن العارية مبينًا وجه اشتقاقها، وما هي؟ وما الأصل فيها؟ وما أركانها؟ وما الذي يشترط لصحتها؟ وما يشترط في المعير؟ وما الذي يشترط في المستعير؟ وأيهما أوسع العارية أو الإجارة أو الجعالة؟ وبأي شيء تنعقد ولماذا ذكرت بعد الإجارة؟ وهل هي عقد تمليك أو إباة أو هبة؟ ومتى تحرم؟ ومتى تجب؟ ومتى تستحب؟ ومتى تباح؟ ومتى تكره؟ ولماذا أخَّرها عن الإجارة؟ واذكر شيئًا من محاسنها ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.

ج: العارية بتخفيف الياء وتشديدها، قيل: إنها مشتقة من عار إذا ذهب وجاء ومنه، قيل للبطال: عيار لتردده في بطالته، والعرب تقول: أعاره وعاره كأطاعه وطاعه، وقيل: من التعاور وهو التناوب، وقيل من العرو، قال الشاعر:

وإني لتعروني لذكراك هزةٌ ... كما انتفض العصفور بلله القطر

وقيل: من العري الذي هو التجرد لتجردها عن العوض كما تسمى النخلة الموهوبة عرية؛ لتعريها عنه.
وقال الجوهري: العارية بالتشديد كأنها منسوبة إلى العارِ؛ لأن طلبها عار وعيب، وينشد:

إنما أنفسنا عارية ... والعواري قصارى أن ترد

واعترض عليه بأنه - صلى الله عليه وسلم - فعلها كما سيأتي إن شاء الله، ولو كانت عيبًا ما فعلها وبأن ألف العارية منقلبة عن واو؛ فإنَّ أصلها عورية وأما ألف العار فمنقلبة عن ياء بدليل عيرته بكذا، والعارة مثل العارية.
قال ابن مقبل:

فأخْلِفْ وأتِلفْ إنما المال عَارَةٌ

وكُلْهُ مَعَ الدهرِ الذي هو آكلُهْ

والعارية: العين المأخوذة من مالك أو مالك منفعتها أو مأذونهما للانتفاع بها مطلقًا أو زمنًا معينًا بلا عوض من الآخذ لها أو من غيره والإعارة إباحة نفع العين وهو رفع الحرج عن تناول ما ليس مملوكًا له وليست هبة إذ الهبة تمليك يستفيد به التصرف في الشيء كما يستفيده فيه بعقد المعاوضة.
والإعارة مشروعة بالكتاب والسُّنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وهي من البر، وفسر جمهور المفسرين قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾ بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض كالدلو والفأس والإبرة، وقال ابن عباس وابن مسعود هي العواري؛ وأما السُّنة: فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبته في حجة الوداع: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم» . قال الترمذي: حديث حسن غريب، وعن صفوان بن أمية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعا رنه يوم حنين أدرعًا، فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة» الحديث رواه أحمد وأبو داود.
وعن أنس بن مالك قال: كان فزع المدينة فاستعار النبي - صلى الله عليه وسلم - فرسًا من أبي طلحة يقال له: المندوب، فركبه، فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء إن وجدنا لبحرًا» متفق عليه، وعن أبي مسعود قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عارية الدلو والقدر، وعن عائشة أنها قالت وعليها درع قطري ثمنه خمسة دراهم: «كان لي منهم درع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما كانت امرأة تُقَيَّن بالمدينة إلا أرسلت إليَّ تستعيره» رواه البخاري وأحمد، وفي حديث جابر قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: «إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها» الحديث رواه مسلم

وأحمد، واستعار - صلى الله عليه وسلم - مرة قصعة فضاعت فضمنها.
وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها؛ ولأنها لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع؛ ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع، وتستحب الإعارة ولا تجب؛ لحديث: «إذا أدَّيتَ زكاة مالك فقد قضيت ما عليك» رواه ابن المنذر.
ولحديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة» ، وفي حديث الأعرابي الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ماذا فرض الله عليه من الصدقة؟ قال: «الزكاة» قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، والآية فسرها ابن عمر والحسن بالزكاة، وكذلك زيد بن أسلم، وأركانها أربعة: (1) معير، (2) مستعير، (3) معار، (4) صيغة، وتنعقد بكل قول أو فعل يدل عليها، كقوله: أعرتك هذا الشيء أو أبحتك الإنتفاع به أو يقول المستعير: أعرني هذا أو أعطنيه أركبه أو أحمل عليه فيسلمه المعير إليه ونحوه، كاسترجْ هذا الدابة وكدفعه الدابة لرفيقه عند تعبه وكتغطيته رفيقه بردائه إذا رآه به برْد وكتظليله به إذا رآه متضررًا من الشمس؛ لأنها من البر فصحت بمجرد الدفع كدفع الصدقة ومتى ركب الدابة أو السيارة أو الدراجة أو الدباب المعارة أو استبقى الكساء عليه كان ذلك قبولًا، قال في «الترغيب» : يكفي ما دل على الرضاء من قول أو عمل، كما لو سمع من يقول: أردت أن يعيرني كذا، فأعطاه كذا وشرط لصحة الإعارة أربعة شروط أحدها: كون عين منتفعًا به بها مع بقائها.
قال في «نهاية التدريب» :

وجائزٌ إعارةُ العَيْنِ الَّتِي

تَبْقَى مَعَ استعمالِهَا إنْ حَلْتِ

مثالها كالدور والعبيد والثياب والدواب ونحوها للأحاديث المتقدمة

فثبت ما في الأحاديث بالنص، والباقي قياسًا فدفع ما لا يبقى كطعام تُبرعَ من دافع؛ لأنه لا ينتفع به إلا مع تلف عينه؛ لكن إن أعطى الأطعمة والأشربة بلفظ الإعارة، فقيل: يحتمل أن يكون إباحة الانتفاع على وجه الإتلاف؛ فإن كان الطعام أو الشراب بلفظ عارية فهو قرض يجب على آخذ ردُّ بدله كما لو استعار دراهم لينفقها فثبت بذمته قرضًا.
والشرط الثاني: كون معير أهلًا للتبرع شرعًا إذ الإعارة نوع من التبرع؛ لأنها إباحة منفعة:

متَى يُعرْ مَنْ لِتَبَرُّعٍ صَلَحْ

أهْل تَبَرُعَاتِهِ عليه صَحْ

عينًا لِنَفْعِ لم تَكْنْ تُسْتَهْلَكُ

بسَبَبِ اسْتِيْفَاءِ نَفْعٍ يمْلَكُ

الشرط الثالث: كون مستعير أهلًا للتبرع له بتلك العين المعارة فلا تصح إعارة نحو مضارب كناظر وقف ووليّ يتيم لما بأيديهم من مال المضاربة والوقف واليتيم، ولا تصح إعارة مكاتب لما بيده بدون إذن سيده، ولا تصح إعارة لنحو صغير ومجنون ومعتوه بلا إذن وليه؛ لعدم أهليتهم، وصح في إعارة مؤقتة شرط عوض معلوم وتصير إجارة تغليبًا للمعنى كالهبة إذا شرط فيها ثواب معلوم كانت بيعًا تغليبًا للمعنى على اللفظ، فإذا أطلقت الإعارة أو جهل العوض فإجارة فاسدة، وفي «التلخيص» : لو أعاره عبده أو نحوه على أن يعيره الآخر فرسه أو نحوه ففعلا فإجارة فاسدة لا تضمن للجهالة؛ لأنهما لم يذكرا مدة معلومة ولا عملًا معلومًا، قال الحارثي: وكذلك لو قال أعرتك هذه الدابة لتعليفها أو هذا العبد لتمونه وإن عينا المدة والمنفعة صحت إجارة لما تقدم.

فائدة: قال المرودي: قلت لأبي عبد الله: رجل سقط منه ورقة فيها أحاديث وفوائد فأخذتها فترى أن أنسخها وأسمعها؟ قال: لا، إلا بإذن صاحبها.
وتصح إعارة نقد من ذهب أو فضة وكمكيل وموزون؛ فإن استعار النقد لينفقه أو أطلق أو استعار المكيل أو الموزون ليأكله وأطلق فقرض؛ لأن هذا معنى القرض وهو مغلب على اللفظ ولا تكون استعارة النقد لما يستعمل فيه مع بقائه قرضًا، بل عارية كما لو استعار النقد للوزن أو ليرهنه أو يعاير عليه؛ فإنها تصح كالإجارة لذلك، وكذا المكيل والموزون.
والشرط الرابع: كون نفع عين مباحًا لمستعير؛ لأن الإعارة إنما تبيح له ما أباحه له الشارع، فلا يصح أن يستعير إناء من النقدين الذهب والفضة ليشرب فيه لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب في إناء الذهب والفضة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في آنية الذهب والفضة: «ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» ، ولا يصح أن يستعير حليًا محرمًا على رجل ليلبسه الرجل أو ثياب أنثى ليلبسها الرجل أو بالعكس لتحريم التشبه، ولا خاتم ذهب لرجل لتحريم لبسه على الرجل ولا أمة ليطأها حيث صحت الإستعارة من أجله، ولو لم يصح الاعتياض عن النفع المباح كإعادة كلب لصيد أو ماشية وفحل لضراب؛ لأن نفع ذلك مباح ولا محظور في إعارتهما، والمنهي عنه هو العوض المأخوذ في ذلك، ولذلك امتنعت إجارته؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر في حق الإبل والبقر والغنم إطراق فحلها والإعارة أوسع من الجعالة؛ لأن الجعالة نوع من الإجارة فتصح إعارة الكلب، ولا يصح أن يكون عوضًا جعالة وباب الجعالة أوسع من باب الإجارة؛ لأن الجعالة تصح على العبادة كالأذان والإمامة ولا كذلك الإجارة، وتجب إعارة المصحف لمسلم محتاج لقراءة فيه ولم يجد غيره، وهذا

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل