كتاب الشركة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
(36) تعريف اللقيط وبيان أركانه وحكم الالتقاط والإشهاد والنفقة عليه وما يحكم به عليه إذا وجد وحضانته وما وجد معه أو قريبًا منه وما يدور حول ذلك ممن مسائل وشروط وضوابط وتفاصيل
س36: من هو اللقيط؟ وما الذي يبحث فيه هذا الباب؟ وما الأصل فيه؟ وما أركان اللقط الشرعي؟ وما حكم التقاط اللقيط والإشهاد عليه؟ ومن أين ينفق عليه؟ وإذا نفد ما ينفق عليه منه فمن أين ينفق عليه أو بان له من تلزمه نفقته فما الحكم؟ ومتى يحكم بإسلامه؟ ومتى يحكم بحريته؟ ومتى يحكم بكفره وإذا كثر المسلمون في دار الحرب فيما يحكم على لقيطها، وإذا وجد اللقيط في بلد إسلام كل أهله ذمة أو فيها مسلم أو وجد معه أو قريبًا فراش أو ثياب أو نحوها فما الحكم؟ ومن الأولى بحضانة اللقيط؟ وهل لواجده حفظ مال اللقيط؟ وما صفة الإنفاق عليه؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل والقيود والمحترزات والأمثلة والخلاف والترجيح.
ج: اللقيط: هو فعيل بمعنى مفعول كقتيل وجريح، وشرعًا: طفل لا يعرف نسبه ولا يعرف رقة طرح في شارع أو عند باب مسجد أو في المسجد أو نحوه أو ضل الطريق وهو صغير إلى التمييز، وقيل: إلى البلوغ وهو الذي تطمئن إليه النفس؛ لاحتياجه إلى الحفظ والقيام بتربيته وتعهد أحواله، والله سبحانه وتعالى أعلم.
هذا الباب يبين فيه حقيقته وما يفعل به وإسلامه وحريته.
والتقاط اللقيط فرض كفاية، والأصل فيه مع ما يأتي قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ولأن آدمي محترم فوجب حفظه كالمضر إلى طعام غيره وإنجائه من غرق فإذا التقطه بعض من أهل الحضانة للقيط
سقط الإثم عن الباقين، فإن لم يلتقطه أحدًا ثم الجميع، ولو علم به واحد فقط تعين عليه ويحرم النبذ؛ لأنه تعريض بالمنبوذ للتلف ويسن الإشهاد على اللقيط كاللقطة ودفعًا لنفسه لئلا تراوده باسترقاقه.
وقيل: يجب الإشهاد عليه وإن كان اللاقط ظاهر العدالة خوفًا من أن يسترق وفارق الإشهاد عليه الإشهاد على اللقطة بأن الغرض من اللقطة المال والإشهاد في التصرف المالي مستحب ومن اللقيط حفظ حريته ونسبه فوجب الإشهاد كما في النكاح وبأن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ولا تعريف في اللقيط.
وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويجب الإشهاد على ما مع اللقيط تبعًا له، وقيل: يستحب والأول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
صورة فيما إذا وجد رجل لقيطًا وأشهد عليه وعلى ما معه.
أشهد عليه فلان أنه في الوقت الفلاني صباحًا أو مساءً أو ليلاً اجتاز في المكان الفلاني فوجد بالشارع الفلاني أو في المسجد الفلاني أو قرب المسجد الفلاني ويعين المكان ويوضحه إيضاحًا جليًا يؤمن معه الإشتباه بغيره من الأمكنة فوجد فيه صبيًا أو طفلة ملقى على الأرض، ويذكر صفته التي وجده بها ويعينه للشهود وأنه لقيط لم يكن له فيه ملك ولا شبهة ملك ولا حق من الحقوق الموصلة لملكه ولا لملك بعضه وأنه مستمر في يده على الحكم المشروع أعلاه عرف الحق في ذلك فأقر به والصدق فاتبعه لوجوبه عليه شرعًا وأشهد عليه بذلك في تاريخ كذا وكذا.
وله ثلاثة أركان: اللقيط، وقد عرف، والإلتقاط والملتقط: وهو كل حر مكلف رشيد عدل، ولو ظاهر، وينفق عليه مما معه إن كان معه شيء؛
لأن نفقته واجبة في ماله وما وجد معه فهو ماله؛ لأن الطفل يملك وله يد صحيحة بدليل أنه يرث ويورث.
ويصح أن يشتري له وليه ويبيع من ماله وإلا يكن معه شيء فينفق عليه من بيت المال؛ لما روى سعيد عن سنين أبي جميلة، قال: وجدت ملقوطًا فأتيت به عمر، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم، فقال: فأذهب هو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته ورضاعه.
فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال لكونه لا مال فيه أو لكون البلد ليس فيها بيت مال ونحوه إقترض على بيت المال حاكم وظاهره ولو مع وجود متبرع؛ لأنه أمكن الإنفاق عليه بدون منة تلحقه في المستقبل أشبه الأخذ لها من بيت المال، قاله في «شرح المنتهى» فلو اقترض الحاكم ما أنفق عليه ثم بان اللقيط رقيقًا أو بان له من تلزمه نفقته كأب موسر أو وارث موسر رجع الحاكم على سيد الرقيق وأبى الحر الموسر؛ لأن النفقة حينئذ واجبة عليهم وإن لم يظهر له أحد تجب عليه نفقته، وفي الحاكم ما اقترضه من بيت المال؛ لأن نفقته حينئذٍ واجبة فيه.
وإن كان اللقيط مال تعذر الإنفاق منه لمانع أو ينتظر حصوله من وقف أو غيره فلمن أنفق عليه الرجوع أن يرجع؛ لأنه في هذه الحالة غني عن مال الغير، هذا معنى كلام الحارثي، وقال: وإذا أنفق الملتقط أو غيره نفقة المثل بإذن الحاكم ليرجع فله الرجوع، انتهى.
والله أعلم.
وإذا أنفق بغير أمر الحاكم، فقال أحمد: يؤدي النفقة من بيت المال، فإن تعذر على الحاكم الإقتراض من بيت المال أو كان لا يمكن الأخذ منه لنحو منع مع وجود المال فعلى من علم حاله الإنفاق عليه مجانًا للأمر بالتعاون على البر والتقوى والإحسان، ولأنه إحياء معصوم وإنقاذ له من التلف، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
وكذا حكم كل فرض كفاية يلزم من علم به القيام مجانًا ولا يرجع المنفق بما أنفقه عليه عند تعذر أخذ من بيت المال أو الإقتراض عليه؛ لأنه فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين لحصول المقصود وإن ترك الكل أثموا أو لأنها وجبت للمواساة فهي كنفقة القريب وقري الضيف.
جزم به القاضي وجماعة منهم صاحب «المستوعب» و «التلخيص» ، واختاره صاحب «الموجز» و «التبصرة» ، وقالا له: أن ينفق عليه من الزكاة وقدمه في «الرعاية» ، قال الحارثي: وهو أصح؛ لأن الوجوب مجانًا واستحقاق العوض لا يجتمعان، انتهى.
ويحكم بإسلام الرقيق إن وجد بدار الإسلام، وفيه مسلم أو مسلمة يمكن كونه من أحدهما لظاهر الدار وتغليبًا للإسلام فإنه يعلو ولا يعلى عليه ويحكم بحريته؛ لأنها الأصل في الآدميين، فإن الله خلق آدم وذريته أحرارًا والرق لعارض والأصل عدمه.
فاللقيط حر في جميع أحكامه حتى في قذف وقود إلا أن يوجد اللقيط ببلد حرب ولا مسلم في يد الحرب أو فيه مسلم كتاجر وأسير فهو كافر رقيق؛ لأن الدار لهم.
وإذا لم يكن فيها مسلم كان أهلها منهم وإن كان فيها قليل من المسلمين كتاجر وأسير غلب فيها حكم الأكثر من أجل كون الدار لهم.
قال في «الرعاية» : وإن كان فيها مسلم ساكن فاللقيط مسلم.
وإلى ذلك أشار الحارثي، فقال: مثل الأصحاب في المسلم هنا بالتاجر والأسير واعتبر إقامته زمنًا حتى صرح في «التلخيص» : أنه لا يكفي مروره
مسافرًا وإن كثر المسلمون في دار الحرب فلقيطها مسلم حر تغليبًا للإسلام، وإن وجد اللقيط في بلد إسلام كل أهله ذمة، فقيل: إنه مسلم؛ لأن الدار للمسلمين، ولاحتمال كونه من مسلم يكتم إيمانه، قاله القاضي وابن عقيل.
وقال في «المنتهى» : وفي بلد كل أهله ذمة فكافر؛ لأنه لا مسلم بها محتمل كونه منه وتغليب الإسلام إنما يكون مع الإحتمال.
وقال في «الإقناع» : وإن وجد في دار الإسلام في بلد كل أهلها ذمة ووجد فيها لقيط حكم بكفره.
اهـ.
وكذلك جزم الموفق والشارح وصاحب «المبدع» وغيرهم بأنه يحكم بكفره.
وما مشى عليه في «الإقناع» و «المنتهى» هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإن كان ببلد إسلام كل أهله ذمة مسلم ولو واحدًا يمكن كون اللقيط من المسلم فاللقيط مسلم، قال بعض الأصحاب منهم الموفق والشارح قولاً واحدًا تغليبًا للإسلام ولظاهر الدار.
وإن لم يبلغ من لقيط قلنا بكفره تبعًا لدار الكفر وهو من وجد في بلد أهل حرب لا مسلم به أو به نحو تاجر وأسير حتى صارت دار الكفر دار إسلام فهو مسلم فيها حكمنا بإسلامه تبعًا للدار؛ لأنها صارت دار الإسلام.
وما وجد مع لقيط من فراش تحته كوطاء وبساط ووسادة وسرير وثياب وحلي أو غطاء عليه أو مال بجيه أو تحت فراشه أو وسادته أو وجد مدفونًا تحته دفنًا طريًا بأن تجدد حفره أو وجد مطروحًا قريبًا منه كثوب موضوع إلى جانبه أو وجد حيوان مشدودًا بثيابه فهو له.
وكذا ما طرح من فوقه أو ربطه به أو بثيابه أو سريره وما بيده من عنان دابة أو مربوطًا عليها أو مربوط به أو بثيابه، قاله الحارثي؛ لأن يده عليه فالظاهر أنه كالمكلف.
ويمتنع التقاطه بدون التقاط المال الموجود لما فيه من الحيلولة بين المال ومالكه.
وكذا خيمة ودار وجد فيها فهي له وجهل مالكها ولم يكن فيها غيره، فإن كان ثم بالغ في جميع ما تقدم فهو به أخص إضافة للحكم إلى أقوى السببين، فإن يد الملتقط ضعيفة بالنسبة إلى يد البالغ، وإن كان الثاني لقيطًا فهو بينهما نصفين لاستواء يدهما إلا أن توجد قرينة تقتضي إختصاص أحدهما بشيء دون شيء فيعمل بها وما وجد مدفونًا بعيدًا عنه أو مدفونًا تحته غير طري لم يكن له إعتماد على القرينة وما ليس محكومًا له به فلقطه.
والأولى بحضانة اللقيط واجده؛ لأنه وليه إن كان أمينًا عدلاً لما تقدم عن عمر - رضي الله عنه -؛ لأن عمر أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه إنه رجل صالح ولو كان ظاهرًا لم تعلم عدالته باطنًا كولاية النكاح والشهادة فيه وأكثر الأحكام حرًا تام الحرية؛ لأن كلا من القن والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة منافعه مستحقة لسيده فلا يصرفها في غير نفعه إلا بإذنه.
وكذا المكاتب ليس له التبرع بماله ولا منافعه إلى بإذن سيده وكذا المبعض لا يتمكن من إستكمال الحضانة فإن أذن السيد لرقيقه أقر بيده؛ لأنه يصير كأن السيد التقطه واستعانت برقيقه في حضانته.
قال ابن عقيل: إن أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما
لو التقطه مكلفًا؛ لأن غير المكلف لا يلي أمر نفسه فلا يلي أمر غيره رشيدًا؛ لأن السفيه لا ولاية له على نفسه فغيره أولى.
ويجوز لمن لا يقر بيده التقاط؛ لأن أخذه قربه لا يختص بواحد دون آخر وعدم إقراره بيده دوامًا لا يمنع أخذه ابتداء إلا الرقيق فليس له التقاطه إلا بإذن سيده إلا أن لا يعلم به سواء فعليه التقاطه لتخليصه من الهلاك كالغرق ويأتي.
ولواجدة المتصف بما تقدم حفظ مال اللقيط بلا حكم حاكم؛ لأنه وليه لقول عمر ولك ولاؤه، ولأنه ولي بحضانته لا من أجل قرابته منه أشبه الحاكم.
ولواجده المتصف بما تقدم الإنفاق على اللقيط مما وجد معه بلا إذن حاكم لولايته عليه وكما لو وصي، ولأنه من الأمر بالمعروف بخلاف من أودع مالاً وغاب وله ولد فلا ويسن لواجد اللقيط الإنفاق على اللقيط بإذن الحاكم إن وجد؛ لأنه أبعد عن التهمة وأقطع من المظنة وخروج من الخلاف وأحفظ لماله من أن يرجع عليه مما أنفق وينبغي لولي اللقيط أن ينفق عليه بالمعروف كولي اليتيم، فإذا بلغ واختلفا هو وواجده في قدر ما أنفق عليه أو اختلفا في التفريط في الإنفاق بأن قال اللقيط: أنفقت علي فوق المعروف، وأنكر واجده بأن قال: بل أنفقت عليك بالمعروف، فقول المنفق بيمينه؛ لأنه أمين والأصل براءته.
ولواجد اللقيط قبول هبة للقيط وله قبول وصية له وله قبول زكاة إن كان ممن نحل له وقبول نذر له كولي اليتيم، ولأن القبول محض مصلحة فكان له بلا إذن حاكم كحفظه وتربيته.
وقال «شرح الإقناع» :قلت: ولعل المراد يجب إن لم يضر باللقيط كما تقدم
في الحجر فيما إذا وهب لليتيم رحمة أنه يجب القبول إن لم تلزم نفقته وإنما عبروا باللام في مقالة من منع ذلك وجعله للحاكم.
(37) أحكام تتعلق باللقيط والملتقط عند التنازع وعند عدمه
وبيان ميراثه وديته وجنايته والجناية عليه ومن يقر بيده
ومن لا يقر بيده ما حول ذلك من مسائل
س37: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: التقاط القن، التقاط ذمي لذمي إذا التقط اللقيط كافر ومسلم، إذا التقطه من البادية، أو صبي، أو التقطه في الحضر من يريد النقلة، أو وجد بفضاء خال من السكان، أو التقطه موسر ومعسر، أو مقيم ومسافر، أو امرأة ورجل، أو ظاهر العدالة أو كريم مع ضدهما، إذا ادعى إثنان صفة الشركة في الإلتقاط، ديته، وميراثه لمن جنايته، إذا ادعى رق اللقيط، إذا ادعاه مالك أمة، إذا ادّعى اللقيط الكفر، إذا وجد في دار كفر أو في دار إسلام، إذا دني عليه؟ واذكر الدليل والتعليل والمحترزات والقيود والخلاف والترجيح.
ج: يجب الإلتقاط على قن لم يوجد غيره؛ لأنه تخليص للقيط من الهلكة وهو واجب في هذه الحال لانحصاره فيه ويصح التقاط ذمي لذمي ويقر بيده؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ .
ومحل ذلك فيما إذا عرف بعلامة أو وجد في بلد أهله ذمة كما تقدم، وإن التقط اثنان لقيطًا كافرًا فهما سواء لاستوائهما في الالتقاط وللكافر على الكافر الولاية.
وقيل: المسلم أحق به؛ لأنه عند المسلم ينشأ عن الإسلام ويتعلم شرائع الدين فيفوز بالسعادة، ولأن الكفالة ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم، قال
الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ، ولأنه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه.
وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويقرّ لقيط بيد من التقطه بالبادية مقيمًا في حلة –بكسر الحاء- وهي بيوت مجتمعة للاستيطان؛ لأنها كالقرية، فإن أهلها لا يرحلون عنها لطلب الماء والكلأ أو لم يكن في حلة لكنه يريد نقل اللقيط إلى الحضر؛ لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى أرض الرفاهية والدين، فيقر بيده.
ولا يقر بيد ملتقطه إن كان بدويًا ينتقل في المواضع؛ لأنه إتعاب للطفل بنقله فيؤخذ من إلى من في قرية؛ لأنه أرفه له وأخف عليه.
وقيل: يقر بيده، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس؛ لأنه أرجى لظهور نسبه وأصح لبدنه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا يقر بيده من وجده في الحضر فأراد نقله للبادية؛ لأن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له وكونه وجده في الحضر، فالظاهر أنه ولد فيه فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله واعترافهم به، وقيل: يقر بيده.
والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس لما تقدم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا يقر بيد واجده مع فسقه الظاهر أو رقه لانتفاء أهليته للحضانة والولاية على الأحرار إلا أن يأذن له سيده، فإن أذن له فهو نائبه.
ولا يقر بيده مدبر وأم ولد ومعلق عتقه بصفة ومكاتب وعضه حر لقيام الرق وتقدم أو مع كفر الواجد واللقيط مسلم لانتفاء ولاية الكافر على المؤمن ولا يؤمن فتنته في الدين.
ولا يقر بيد صبي ومجنون؛ لعدم أهليتهم للولاية.
وإن التقطه حضرًا من يريد نقله إلى بلد آخر لم يقر بيده أو التقطه في الحضر من يريد النقلة إلى بلد آخر أو إلى قرية أو التقطه من يريد النقلة من حلة إلى حلة لم يقر بيده؛ لأن بقاؤه في بلده أو قريته أو حلته أرجى لكشف نسبه وكالمتنقل به إلى البادية.
وقيل: إذا التقطه من يريد النقلة إلى بلد آخر يقر بيده؛ لأن البلد كالبلد، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومحل المنع ما لم يكن المحل الذي كان وجد به وبيئًا وخيمًا كغور بيسان بكسر الموحدة وبعدها مثناة تحتية ثم سين مهملة موضع بالشام استعمل عمر النعمان بن عدي بن نضلة عليه فبلغه عنه الشعر الذي قاله، وهو:
ومن مبلغ الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى من زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تحدو على كل مبسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمونا بالجوسق المتهدم
فعزله، وقال: لا تعمل لي عملاً أبدًا، ونحو غور بيسان من الأراضي الوبيئة كالجحفة بالحجاز، فإن اللقيط يقر بيد المنتقل عنها إلى البلاد التي لا وباء فيها أو دونها في الوباء لتعين المصلحة في النقل قاله الحارثي.
وإن وجد اللقيط بفضاء خال من السكان نقله حيث شاء، قاله في «الترغيب» و «التلخيص» إذ لا وجه للترجيح.
ولا يقر اللقيط بيد مبذر وإن لم يكن فاسقًا، قاله في «التلخيص» فإن أراد السفر به لم يمنع للأمن عليه وإن كان الملتقط مستور الحال لم تعرف منه حقيقة عدالة ولا خيانة أقر اللقيط في يده؛ لأن حكمه حكم العدل في لقطة
المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفي أكثر الأحكام؛ لأن الأصل في المسلم العدالة، ولذلك قال عمر: «المسلمون عدول بعضهم على بعض» .
فإن أراد السفر بلقيطه لغير نقلة أقر بيده؛ لأنه يقر في يده في الحضر من غير مشرف يضم إليه فأشبه العدل، ولأن الظاهر الستر والصيانة.
وحيث قلنا لم يقر اللقيط فيما تقدم من المسائل، فإنما هو عدم إقراره عند وجود الأولى به من الملتقط، فإن لم يوجد أولى منه فإقراره بيده أولى كيف كان لرجحانه بالسبق إليه.
ويقدم موسر ومقيم من ملتقطين للقيط معًا على ضدهما فيقدم الموسر على المعسر؛ لأنه أحط للقيط وإن التقطه فقير وحده، فقيل: لا يقر بيد الفقير؛ لأنه لا يقدر على حضانته من حيث ضعف الإمكانيات اللازمة لحياة الطفل؛ لأن الغالب أن مسكن الفقير لا تتوفر فيه مسائل التهوية والأسباب الوقائية والنظافة وما إلى ذلك.
وقيل: يقر بيده؛ لأن الأمور تجري بقضاء الله وقدره بضمانه وكفالته وأن الله تعالى تكفل بحفظه إذا شاء، وأن الأسباب الضرورية للحياة ينشأ عليها أبناء الفقراء مألوفة عندهم ويشبون عليها وتبنى فيها أجسامهم كأقوى ما تبنى الأجسام وقد رؤي حسًا ومشاهدة ما يتمتع به أبناء الفقراء من مناعة ضد الأمراض مع الكفاف في العيش، وذلك من رعاية الله لخلقه.
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويقدم المقيم على المسافر؛ لأنه أرفق به فإنه استوى الملتقطان بأن لم يتصف أحدهما بما يكون به أولى وتشاحا به أقرع بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ولأنه لا يمكن أن يكون
عندهما في حالة واحدة.
وإن تهايآه بأن جعل عند كل واحد يومًا أو أكثر أضر بالطفل؛ لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس والألف ولا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بالتحكم لتساويهما في سبب الاستحقاق ولا يمكن أن يسلم إلى غيرهما؛ لأنه قد ثبت لهما حق الالتقاط فلا يجوز إخراجه عنهما، فتعين الإقراع بينهما كالشريكين في تعيين السهام بالقسمة، وكما يقرع بين النساء في البداءة بالقسم ولا ترجح المرأة في الالتقاط كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه؛ لأنها إنما رجحت هناك لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها والأب يحضنه بأجنبية فكانت أمه أحظ له وأما هاهنا فهي أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا.
ولا يقدم ظاهر العدالة على مستورها ولا يقدم كريم على بخيل ولا يقدم بلدي على قروي لاستواء المذكورين في الأهلية.
وإن اختلف المتنازعان فادّعى كل واحد منهما أن الذي التقطه وحده، فاللقيط للذي له البينة به بلا نزاع سواء كان في يده أو في غيره عملاً بالبينة.
فإن أتى كل واحد ببينة نظر في تاريخ البينتين وقدم السابق بالتاريخ؛ لأن الذي بينته متأخرة إنما يريد أن يأخذ الحق ممن ثبت له، فإن اتفق التاريخ أو أطلقتا أو أرخت إحداهما وأهملت الأخرى تعارضتا وسقطتا فكدعوى المال فتقدم بينة تاريخ وإن لم يكن لهما بينة فصاحب اليد مقدم؛ لأن اليد تفيد الملك فأولى أن تفيد الإختصاص فيكون اللقيط له بيمينه لاحتمال صدق الآخر.
فإن كان اللقيط بيديهما ولا بينة استعملت القرعة لتساويهما وعدم المرجح؛ لأن القرعة تستعمل عند اشتباه المستحقين وعند تزاحمهم وليس
أحدهما أولى من الآخر، ولا طريق إلى اشتراكهما في كفالة اللقيط فمن خرجت له القرعة سلم له اللقيط بيمينه.
وإن لم تكن لمن عدمت بينتاهما أو تعارضتا يد على اللقيط فوصف أحدهما بعلامة مستورة مثل ذلك أن يقول بظهره أو بطنه أو كتفه أو فخذه شامة أو جرح أو أثره أو أثر نار أو نحو ذلك من العلامات المستورة فكشف فوجد كما ذكر قدم على من لم يصفه به؛ لأنه نوع من اللقطة فقدم بوصفها كلقطة المال، ولأنه يدل على سبق يده عليه.
وإن وصفاه جميعًا أقرع بينهما لانتفاء المرجح لأحدهما على الآخر، وإن لم يكن لهما بينة ولا لأحدهما ولم يصفاه ولا وصفه أحدهما ولا يد لهما ولا لأحدهما سلمه حاكم لمن يرى منهما أو من غيرهما؛ لأنه لا يد لهما ولا بينة فاستويا وغيرهما فيه كما لو لم يتنازعاه ولا تخيير للقيط إذ لا مستند له بخلاف اختيار الصغير أحد الأبوين؛ لأنه يستند إلى تجربة تقدمت قاله في «التلخيص» .
ومن أسقط حقه من مختلفين في لقيط سقط؛ لأن الحق لهما، فكان لكل منهما تركه الآخر كالشفيعين.
وإن ادّعى أحدهما أن الآخر أخذه منه قهرًا وسأل يمينه، ففي «الفروع» : يتوجه يمينه؛ لقوله النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على من ادّعى عليه» .
والشركة في الالتقاط أن يأخذ الملتقطان اللقيط معًا.
ووضع اليد عليه كالأخذ.
ولا اعتبار بالقيام المجرد عن الأخذ عند اللقيط؛ لأن الالتقاط حقيقة في الأخذ، وفي معناه وضع اليد فلا يوجد بدونهما.
وارث اللقيط إن مات لبيت المال ولا يرثه الملتقط؛ لأنه إذا لم يكن رحم ولا نكاح فالإرث بالولاء.
وديته إن قتل لبيت المال؛ لأنهما من ميراثه كسائر ماله إن لم يخلف وارثًا بفرض أو تعصيب فإن كانت له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال.
وهذا قول مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، واختار الشيخ تقي الدين - رحمه الله - أن ميراث اللقيط لملتقطه.
وهذا القول هو الذي تميل النفس إليه يؤيده ما روى أبو داود والترمذي من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «المرأة تحوز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه» والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإن ماتت لقيطة لها زوج فله النصف والباقي لبيت المال، وإن كان له بنت أو بنت ابن أو ابن بنت أخذ جميع المال؛ لأن الرد والرحم مقدم على بيت المال.
ومحل ذلك ما لم يستلحقه ملتقطه بأن يدعي أنه منه، فإن استلحقه وأمكن كونه منه لحقه وجاز وارثه.
وإذا جنى اللقيط جناية تحملها العاقلة بأن جنى خطأ أو شبه عمد فدية خطئه ونحوها في بيت المال؛ لأن ميراثه له ونفقته عليه.
وإن جنى جناية لا تحملها العاقلة كالعمد المحض وإتلاف المال فحكمه فيها حكم غير اللقيط، فإن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل اقتص منه مع المكافأة.
وإن كانت موجبة للمال وله مال استوفي ما وجب بالجناية من ماله وإلا كان في ذمته حتى يوسر كسائر الديون.
ويخبر الإمام في قتل عمد بين أخذ الدية وبين القصاص أيهما فعله
جاز إذا رآه أصلح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «السلطان ولي من لا ولي له» .
ومعنى التخيير تفويض النظر إليه في أصلح الأمرين، فإذا ظهر الأصلح لمن يكن مخيرًا، بل يتعين عليه فعل ذلك الأصلح ولا يجوز العدول عنه فليس التخيير هنا حقيقة وعلى هذا يقاس جميع ما ذكره الفقهاء من قولهم يخبر الإمام في كذا ويخير الولي أو الوصي في كذا ونحوه.
ومتى عفا على مال أو صالح عليه كان لبيت المال كجناية الخطأ الموجبة للمال.
وإن قطع طرف اللقيط وهو صغير أو مجنون حال كون القطع عمدًا انتظر بلوغه ورشده ليقتص أو يعفو؛ لأن مستحق الإستيفاء المجني عليه وهو حينئذ لا يصلح للاستيفاء فانتظرت أهليته وفارق القصاص في النفس؛ لأن القصاص ليس له بل لوارثه.
والإمام هو المتولي عليه فيحبس الجاني على طرف اللقيط إلى أوان البلوغ والرشد لئلا يهرب إلا أن يكون اللقيط فقيرًا عاقلاً كان أو مجنونًا فيلزم الإمام العفو على شيء من الملا يكون فيه حظ اللقيط ينفق عليه منه دفعًا لحاجة الإنفاق.
قال في «شرح المنتهى» : عن التسوية بين المجنون والعاقل أنه المذهب وصححه في «الإنصاف» ، ويأتي إن شاء الله تعالى في باب إستيفاء القصاص أن لولي المجنون العفو؛ لأنه لا أمد له ينتهي إليه بخلاف ولي العاقل وقطع به في «الشرح» و «المغني» هنا وهو ظاهر ما قطع به في «الهداية» و «المذهب» و «المستوعب» و «الخلاصة» وغيرهم هناك، وقيل للإمام: استيفاؤه قبل البلوغ.
وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس؛ لأنه لم يظهر لي ما يدل أنه يلزم الأم العفو على مال يكون فيه حظ للقيط ينفق عليه منه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعلم مما تقدم أن اللقيط لو كان مجنونًا غنيًا لم يكن للإمام العفو على مال بل ينتظر إفاقته وهو المذهب، قاله الحارثي وقطع به في «الشرح» .
وإن ادّعى جان على اللقيط رقه والجناية توجب القصاص أو المال أو ادّعى قاذفه رقه بعد بلوغه فكذبهما اللقيط، فالقول قوله؛ لأنه محكوم بحريته، فقبل قوله؛ لأنه موافق للظاهر بدليل أنه لو قذف إنسانًا وجب عليه حد الحر فللقيط طلب حد القذف وإستيفاء القصاص من الجاني وإن كان حرًا، وإن أوجبت الجناية مالاً طلب بما يجب في الحر وإن صدق اللقيط قاذفه أو الجاني عليه على كونه رقيقًا لم يجب عليه إلا ما يجب في قذف الرقيق أو جنايته عليه.
وإن ادّعى أجنبي رق اللقيط أو ادّعى إنسان أن مجهول نسب غير اللقيط مملوكه وهو بيد المدعي رقه صدق المدعي لدلالة اليد على الملك بيمنه لإمكان عدم الملك حيث كان دون التمييز أو مجنونًا ثم إذا بلغ، وقال: أنا حر، لم يقبل، قاله الحارثي، وإن لم يكن اللقيط أو مجهول النسب بيد المدعي فلا يصدق؛ لأن دعواه تخالف الأصل والظاهر.
ويثبت نسب اللقيط إذا دعاه مع بقاء رقه لسيده ولو مع بينة بنسبة، قال في «الترغيب» وغيره: إلا أن يكون مدعيه امرأة حرة فتثبت حريته فإن ادعى ملتقطه رقه أو ادعاه أجنبي وليس بيده لم يصدق؛ لأنها تخالف الظاهر بخلاف دعوى النسب؛ لأن دعواه يثبت بها حق اللقيط ودعوى الرق يثبت بها حق عليه فلم تقبل بمجردها كرق غير اللقيط.
وإلا يكن اللقيط بيد الأجنبي المدعي لرقه وحلف أن له بينة بيده كما لو قالا: نشهد أنه جاز في ملكه كان بيده حكم له باليد وحلف أن اللقيط ملكه حكم له به؛ لأن ثبوت اليد دليل الملك، فقبل قوله فيه أو شهدت له بينة بملك بأن قال أنه جار في ملكه أو أنه ملكه أو أنه مملوكه أو عبده ولو لم تذكر البينة سبب الملك حكم له به كما ل شهدا بملك دار أو ثوب أو شهدت له
بينة أن أمة المدعي ولدت اللقيط بملك المدعي أو شهدت أنه قنه ولم تذكر سبب الملك حكم له به؛ لأن الغالب أنها لا تلد في ملكه إلا ملكه.
فإن شهدت أنه ابن أمته أو أن أمته ولدته ولم تقل في ملكه لم يحكم له به؛ لأنه يجوز أن تكون ولدته قبل ملكه لها فلا يكون له مع كونه ابن أمته وكونها ولدته.
قال في «المغني» : وإن كانت له بينة لم يقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
وإن شهدت الولادة قبل فيه امرأة واحدة أو رجل واحد؛ لأنه مما لا يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال.
وإن ادّعى رق اللقيط ملتقط لم يقبل منه إلا ببينة تشهد بملكه له أو أن أمته ولدته في ملكه فيحكم له به كما لو لم يكن ملتقطه.
ولا تكفي يده ولا بينة تشهد له باليد؛ لأن الأصل الحرية ويده عن سبب لا يفيد الملك فوجودها كعدمها بخلاف المال، فإن الأصل فيه الملك وعدم قبول دعوى الملتقط بدون بينة إن أقامها بعد اعتراف الملتقط أنه لقيط لجنايته على نفسه بالإعتراف.
وإلا يعترف بأنه لقيط بأن ادعى رق اللقيط ابتداء من غير تقدم اعتراف منه وأقام بينة الرق قبل قول الملتقط وحكم له به كما لو صدرت دعوى ذلك من أجنبي إذ لا فرق بينهما وإن كان المدعى عليه من لقيط ومجهول نسبه بالغًا عاقلاً، وكذا مميزًا كما سيأتي في الدعاوي فأنكرا أنه رقيق، وقال: أنا حر، فالقول قوله: أنا حر؛ لأن الأصل معه.
وإن أقر برق لقيط بالغ بأن قال: أنا ملك زيد لم يقبل إقراره ولو لم يتقدم إقرار اللقيط تصرف منه بنحو بيع أو شراء أو لم يتقدم إقراره إصداق
ولا نكاح أو لم يتقدمه اعتراف بحريته قبل ذلك بأن أقر بالرق جوابًا لدعوى مدع أو أقر ابتداء ولو صدق مقر له بالرق؛ لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها فلم يصح إقراره كما لو أقر قبل ذلك بالحرية، ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه؛ لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له بعد التقاطه فكان إقراره باطلاً.
فإن شهدت لمدعي رق اللقيط أو مجهول النسب بينة بدعواه حكم له ببينته ونقض تصرفه الواقع منه قبل أن يحكم به لمدع رقه؛ لأنه بان أنه قد تصرف بدون إذن سيده.
وإن أقر لقيط بالغ بكفر وقد نطق بإسلام أو أقر به لقيط بالغ مسلم محكوم بإسلامه من طريق الظاهر تبعًا للدار بأن كان وجد في دار الإسلام فيها مسلم يمكن كونه منه فهو مرتد حكمه حكم سائر المرتدين يستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل في الصورتين، أما في الأولى فبلا نزاع في مذهب أحمد؛ لأن إسلامه متيقن فلا يقبل إقراره بما ينافيه، وأما في الثانية فالصحيح من المذهب أنه لا يقبل منه ذلك؛ لأن لاإسلام وجد عريًا من المعارض وثبت حكمه واستقر فلم يجز إزالة حكمه بقوله كما لو قال ذلك ابن مسلم، وقوله لا دلالة فيه أصلاً؛ لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه، وإنما يقول ذلك من تلقاء نفسه.
فائدة: قال أحمد في أمة نصرانية ولدت من فجور ولدها مسلم؛ لأن أبويه يهّودانه وينصّرانه، وهذا ليس معه إلا أمه.
ومنبوذ أطفال لقيط محرر
له في بلاد السلم حكم موحد
وفي بلد الكفار منهم بأجود
وقبل إن خلت منا وإلا فمهتدي
وسيان ما لم يملك المسلمون والذي
ملكوه ثم حيزت بجحد
وينفق بيت المال إن كان معوزًا
عليه ويحوي إرثه مع تفرد
فإن يتعذر منه من جاد منفقًا
يثب ومتى ينو الرجوع ليسعد
على الطفل بعد الرشد مع إذن حاكم
وإلّا فخذ من بيت مال لمشهد
وإحراز هذا الطفل فرض كفاية
على عالم من ذمة وموحد
وإشهاده حين احتوى الطفل سنة
وليس وجوبًا في الأصح المؤطد
وإن كان معه النقد والعرض فوقه
وتحت ومشدود إليه له أعدد
ووجهان في مال يكون بقربه
وليس له ملك بمال مبعد
ولا في دفين تحته وبملكه
قضى ابن عقيل في دفن مجدد
وملتقط حر أمين أحق بالحضانة
والإنفاق من غير مبعد
على الطفل من بدو إلى حضر به
وليس له عكس بغير تردد
وقرره في حجر المقيم بحلة
ووجهان في ذي نقلة متشرد
ومن ينتقل من بلدة لإقامة
بأخرى كالأولى يبق معه بأجود
ولاحظ فيه للرفيق وفاسق
ولا كافر والطفل في حكم مهتدي
ووجهان في مستور حال موحد
وفي فاسق وجه حكاه ابن أحمد
وقدم مقيمًا موسرًا دون عكسه
وإن يستوِ أقرع وعند التردد
بأيهما في حوزة الطفل سابق
فذا شهد قدم وإلا فذو اليد
ووجهان في إخلافه ولواصف
يسلمه إن يخل كذا عن يد قد
فإن لم يصفه واحد فلحاكم
إلى من يشا تسليمه وليجهد
وإن كان في أيديهما وتنازعا
فبينهما أقرع ولا تتردد
وقدم في الأولى مسلمًا مع كفره
ولو كان ذو فقر لينجو من الردي
وميراثه مع عقله عند قتله
على خطأ في بيت مال ليورد
وإن كان عمدًا فالإمام وليه
بتخييره في العقل والقتل أشهد
وفي قطع عضو منه أرجئ لحكمه
إلى حلميه يقتص أو منه يفتدي
وإن كان مجنونًا فقيرًا فإن يشارك
إمام على مال عفا للتفقد
وذو النسب المجهول من يبغِ رقة
ببينة تنبي يملك مؤكد
بأن فتاة المدعي ولدته واشترط
قولها في ملكه في المجود
فمن كان طفلًا أو به جنة بلا
شهود فعبد المدعي إن كان ذا يد
وقاذفه أو من عليه جنى إذا ادعى
رقه أقبل جحده بالغًا قد
وقيل أقبلن من قاذف فانف حده
ولا حق بالتصديق بعد الترشد
وإن كان باقي الرق ملتقطًا فلا
تثبت له استرقاقًا إلا بشهد
وإن يعترف بالرق بعد جحوده
ومفهمه بعد البلوغ ليردد
ووجهان في تصديقه من مميز
وإن يبع أو يبتع وينكح ويطرد
الفتى عرسه إقراره أردد بأوكد
وفي ثالث فيما عليه أقبلن قد
وقول لقيط مسلم بعد حلمه
أنا كافر ذا ردة منه فاردد
وقيل أنفه مع جزية بشروطها
وإلا فألحقه بمأمنه قد
وإن كان بالإسلام قد فاه قبل ذا
يعيه فإن لم يسلم اقتله ترشد
(38) بيان من يتبعه اللقيط ومن لا يتبعه ونفقة المشتبه نسبه وحكم ما إذا وطئت امرأة بشبهة وتعريف القائف ومتى يحتج إليه، وما حول ذلك من مسائل وأدلة وخلاف وترجيح
س38: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي ممثلاً لما لا يتضح بالتمثيل، ومن الذي يتبعه اللقيط والذي لا يتبعه: إذا ادعاه جمع، إذا ألحق بإثنين ووصي له أو وهب له، إذا ألحقته بأكثر من إثنين، إذا ادّعى نسبه رجل أو امرأة، إذا لم توجد قافه، إذا اختلف القائفان، إذا لم يوجد إلا قائف واحد، ما الذي يشترط في القائف؟ واذكر ما كان مشابهًا للقيط، نفقة المولود المشتبه نسبه إذا وطئت مزوجة بزنا وأتت بمولود أو وصى إثنان أمة لهما ولا قافة وإذا ولدت ذكر وولدت أخرى واختلفا، فما الحكم؟
ج: وإن أقر إنسان أن اللقيط ولده مسلم أو ذمي يمكن كونه منه حرًا كان أو رقيقًا رجلاً كان أو امرأة ولو كانت أمة حيًا كان اللقيط أو ميتًا ألحق به؛ لأنه استلحاق لمجهول النسب إدعاه من يمكن كونه منه من غير ضرر فيه ولا دافع عنه ولا ظاهر يرده فوجب اللحاق، ولأنه محض مصلحة للطفل لوجوب نفقته وكسوته واتصال نسبه فكما لو أقر له بمال.
ولا تجب نفقة على العبد إذا ألحقناه به؛ لأنه لا يملك ولا حضانة للعبد على من استلحقه لإشغاله بالسيد فيضيع فلا يتأهل للحضانة وإن أذن السيد جاز
لانتفاء مانع الشغل.
ولا تجب نفقة من استلحقه العبد على السيد؛ لأنه محكوم بحريته والسيد غير نسيب وتكون نفقته في بيت المال؛ لأنه للمصالح العامة.
ولا يلحق بزوج امرأة مقرة به بدون تصديق زوجها؛ لأن إقرارها لا ينفذ على غيرها فلا يلحقه بذلك نسب ولد لم يولد على فراشه ولم يقر به.
فإن أقامت المرأة بينة أنها ولدته على فراش زوجها لحق به وكذلك الرجل إذا ادعى نسبه لم يلحق بزوجته؛ لأن إقراره لا يسري عليها.
ولا يتبع اللقيط رقيقًا ادّعى نسبه في رقه؛ لأنه لا يلزم من تبعته النسب الرق بدون بينة.
ولا يتبع لقيط كافرًا استلحقه في كفر؛ لأنه محكوم بإسلامه فلا يتأثر بدعوى الكافر، ولأنه مخالف للظاهر وفيه إضرار باللقيط.
ولا حق للكافر في حضانته؛ لأنه ليس أهلاً لكفالة مسلم ولا تؤمن فتنته عن الإسلام.
ونفقته في بيت المال، وكذا الحكم لو وطئ إثنان مسلم وكافر امرأة كافرة بشبهة وادعاه كل منهما وألحقته القافة بالكافر، فإنه يلحقه في النسب ولا يتبعه في الدين لاحتمال كونه من المسلم.
ولا يسلم اللقيط إلى مستلحقه إلا أن يقيم مستلحقه بينة تشهد أنه ولد على فراشه فيلحقه دينًا لثبوت أنه ولد ذميين كما لو لم يكن بشرط استمرار أبويه على الحياة إلى بلوغه عاقلاً، فإن مات أحدهما أو أسلم قبل بلوغه حكم بإسلامه.
والمجنون كالطفل إذا أقر إنسان أنه ولده لحق به إذا أمكن أن يكون
منه وكان مجهول النسب؛ لأن قول المجنون غير معتبر فهو كالطفل.
وكل من ثبت لحاقه بالاستلحاق لو بلغ أو عقل وأنكر لم يلتفت إلى قوله لنفوذ الإقرار عليه في صغره أو جنونه لمستند صحيح أشبه الثابت بالبينة.
وإن ادّعى نسب اللقيط جمع إثنان فأكثر سمعت؛ لأن كل واحد لو انفرد صحت دعواه فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى ولا فرق بين المسلم والكافر والحر والعبد، فإن كان لأحدهم بينة قدم ذوو البينة بها؛ لأنها تظهر الحق وتبينه.
وإن كان في يد امرأة وادّعت نسبه وأقامت بينة به قدمت على امرأة ادعته بلا بينة؛ لأن البينة علامة واضحة على إظهار الحق.
وإن كان اللقيط المدعي نسبه في يد أحد المدعيين وأقاما بينتين قدمت بينة خارج كالمال، فإن تساووا في البينتين بأن أقام كل منهم بينة والطفل بأيديهم أو ليس بيد واحد منهم أو تساووا بعدم البينة بأن لم يكن لواحد منهم بينة بدعواه عرض اللقيط مع مدع موجود أو مع أقارب المدعي على القافة، القافة جمع قائف، وهو من يعرف الآثار ويعرف الإنسان بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، ومن تكررت منه المعرفة فهو قائف، قال القطامي:
كذبت عليك لا تزال تقوفني ... كما قاف آثار الوسيقة قائف
وقيل: إن البيت للأسود بن يعفر، والقيافة بالكسر: تتبع الأثر وتقوفه تتبعه، وأنشد ثعلب:
محلي بأطواف عتاق يبينها ... على الضزن أغبى الضأن لو يتقوف
وكان إياس بن معاوية قائفًا وكذا شريح: فإن ألحقته القافة بواحد لحقه وحده؛ لحديث عروة عن عائشة قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ذات يوم وهو مسرور تبرق أسارير وجهه، فقال: «أي عائشة، ألم تر أن مجززًا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رأسيهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» ، وفي لفظ: «دخل قائف والنبي - صلى الله عليه وسلم - شاهد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعجبه وأخبر به عائشة» متفق عليهما، فلولا جواز الإعتماد على القافة لما سر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا اعتمد عليه، ولأن عمر قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره منكر فكان إجماعًا.
ويدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ولد الملاعنة: «انظروها، فإن جاءت به حمش الساقين كأنه وحرة، فلا أراه إلا وقد كذب عليها، وإن جاءت به أكحل جعدًا جماليًا سائغ الأليتين خدلج الساقين فهو للذي رميت به» فأتت به على النعت المكروه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» ، فحكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أشبهه منهما.
وقوله: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الأيمان، فإن انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه.
وقوله حمش الساقين: دقيقهما والجعد لئيم الحسب ويطلق على الكريم، قال كثير في السخاء يمدح بعض الخلفاء:
إلى الأبيض الجعد بن عاتكة الذي ... له فضل ملك في البرية غالب
وخدلج الساقين: ممتلئهما، قال الشاعر:
إن لها سائقًا خدلجًا ... لم يدلج الليلة فيما أدلجا
وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابن أمة زمعة حين رأى به شبهًا بينًا بعتبة بن أبي وقاص: «احتجبي منه يا سودة» ، فعمل بالشبه في حجب سودة عنه.
فإن قيل: فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشبه فيهما، بل ألحق الولد بزمعة، وقال لعبد بن زمعة: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، ولم يعمل شبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف.
قلنا إنما لم يعمل به في أمة ابن زمعة؛ لأن الفراش أقوى، وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها لا يوجب الإعراض عنها إذا خلت عن المعارض، ولذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل إيمانها بدليل قوله: «لولا الأيمان لي ولها شأن» على أن ضعف الشبه في إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب، فإن الحد في الزنا لا يثبت إلا بأقوى البينتين وأكثرها عددًا وأقوى الإقرار حتى يعتبر فيها تكراره أربع مرات ويدرأ بالشبهات.
والنسب يثبت بشهادة امرأة واحدة على الولادة ويثبت بمجرد الدعوى ويثبت مع ظهور انتفائه حتى لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها فكيف يحتج على نفيه بعد إقامة الحد، ولأنه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو أهل الخبرة، فجاز كقول المقومين.
فإن قيل: فهاهنا إذا عملتم بالقيافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به، قلنا: إنما انتفى النسب هاهنا لعدم دليله؛ لأنه لم يوجد إلا مجرد الدعوى وقد عارضها مثلها فسقط حكمها، وكان الشبه مرجحًا لأحدهما، فانتفت دلالة الأخرى فلزم إنتفاء النسب لانتفاء دليله وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل به عند عدمه كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها.
وإن ألحته القافة بإثنين لحق نسبه بهما لما روى سعيد عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال: القائف قد اشتركا فيه جميعًا فجعله بينهما، وبإسناده عن الشعبي، قال: وعلي يقول هو ابنهما وهما أبواه يرثهما ويرثانه،
رواه الزبير بن بكار عن عمر، فيرث اللقيط الملحق بأبوين كلاً من الأبوين إرث ولد كامل، فإن لم يخلف غيره ورث جميع مالهما ويرثانه إرث أب واحد.
وحيث كان إلحاقه القافة لقيطًا بإثنين معتبرًا فلو تزوج من ألحقت القافة الولد به بنت المحلق الآخر المفروض في مسألتنا، قيل في الشخص الذي تزوج قد تزوج هذا أخت ابنه لأبيه في النسب لا في الرضاع؛ لأنها أجنبية منه.
قال في «شرح الغاية» : قال الخلوتي: إذا ألحقته القافة بإثنين وكان لكل من هذين الإثنين بنت وللقيط أم جاز لواحد أجنبي عنهما أن يجمع بين بنتي هذين الشخصين وأم اللقيط؛ لأن كلاً منهن أجنبي من الآخرين.
ويعابا بها، فيقال: شخص تزوج بأم شخص وأختيه معًا وأقر النكاح مع إسلام الجميع، وفي ذلك قلت ملغزًا:
يا فقيهًا حوى الفضائل طرا
وتسامى على الأنام بعلمه
أفتنا شخص تزوج أختين
لشخص مع البناء بأمه
وأجازوا عقوده دون ريب
أو ملام في الشرع أرشد لفهمه
وإن وصى الملحق بإثنين قبلا له الوصية أو وهب له قبلا له الهبة؛ لأنهما بمنزلة أب واحد، وعلى قياس ذلك سائر التصرفات من نكاح أو غيره، قال الموضح: وهما وليان في غير ذلك كنكاح وغيره.
وإن خلف الملحق بإثنين أحدهما فللمخلف منهما إرث أب كامل ونسبه مع ذلك ثابت من الميت لا يزيله شيء كما أن الجدة إذا انفردت أخذت ما تأخذه الجداب والزوجة وحدها تأخذ ما تأخذه الزوجات ولأمي أبويه إذا مات وخلفهما مع أم أمه وعاصب نصف سدس؛ لأنهما بمنزلة
جدة الأب ولأم أمه نصف السدس كما لو كانت مع أم أب واحد، وكذا لو ألحقته القافة بأكثر من إثنين فيلحق بهم وإن كثروا؛ لأن المعنى الذي لأجله ألحق باثنين موجود فيما زاد عليه فقياس عليه وإذا جاز أن يخف من إثنين جاز أن يخلف من أكثر.
ولو توقفت القافة في إلحاقه بأحد من ادّعاه أو نفته عن الآخر لم يلحق بالذي توقفت به؛ لأنه دليل له.
وإن ادّعى نسبه رجل وامرأة ألحق بهما؛ لأنه لا تنافي بينهما لإمكان كونه منهما بنكاح أو وطيء بشبهة فيكون إبنهما بمجرد دعواهما كالإنفراد، فإن قال الرجل: هو ابني من زوجتي وادّعت زوجته أنه ابنها منه وادّعت امرأة أنه ابنها فهو ابنه وترجح زوجته على الأخرى؛ لأنه زوجها أبوه فالظاهر أنها أمه.
وإن ادعت امرأة نسبه، فقيل: يقبل لأنها أحد الأبوين فقبل إقرارها بالنسب كالأب.
وقيل: لا يقبل؛ لأنه يمكن إقامة البينة على ولادته من طريق المشاهدة، فلا يحكم فيها بالدعوى بخلاف الأب، فإنه لا يمكن إقامة البينة على ولادته من طريق المشاهدة، فقبلت فيه دعواه.
ولهذا إذا قال لامرأة إن دخلت الدار: فأنت طالق لم يقبل قولها في دخول الدار إلا بينة، ولو قال لها: إن حضت فأنت طالق قبل قولها في الحيض من غير بينة فكذلك هنا.
والثالث: إن كانت فراشًا لرجل لم يقبل قولها؛ لأن إقرارها يتضمن إلحاق النسب بالرجل وإن لم تكن فراشًا قبل؛ لأنه لا يتضمن إلحاق النسب بغيرها.
وإن لم توجد قافة وادعاه إثنان فأكثر ضاع نسبه، فإن وجدت ولو بعيدة
ذهبوا إليها وإن نفته القافة عمن ادعياه أو ادعوه أو أشكل أمره على القافة فلم يظهر لهم فيه شيء ضاع نسبه؛ لأنه لا دليل لأحدهم أشبه من لم يدع نسبه أو اختلف فيه قائفان فألحقه أحدهما بواحد والآخر بآخر أو اختلف قائفان اثنان وثلاثة من القافة فأكثر بأن قال اثنان منهم هو ابن زيد، وقال الباقون هو ابن عمر ضاع نسبه لتعارض الدليل ولا مرجح لبعض من يدعيه أشبه تعارض البينتين.
ولا يرجع أحدهم بذكر علامة في جسده؛ لأنه قد يطلع عليها الغير فلا يحصل الثقة بذكرها.
ويؤخذ بقول قائفين اثنين خالفهما قائف ثالث لكمال النصاب إن اعتبر التعدد وإلا فتعارض القائفين يقتضي تساقطهما، والثالث خلا عن معارض فيعمل به كبيطارين خالفهما بيطار في عيب وكطبيبين خالفهما طبيب في عيب قاله في «المنتخب» .
ويثبت النسب ولو رجعا بعد التقويم بأن قوماه بعشرة ثم رجع إلى إثني عشر أو ثمانية لم يقبل، قاله الحارثي، وينبغي حمله على ما بعد الحكم.
ولو رجع عن دعواه النسب من ألحقته قافة به لم يقبل منه الرجوع؛ لأنه حق عليه ومع عدم إلحاق القافة به فرجع أحدهما عن دعواه ألحق بالآخر لزوال المعارض ولا يضيع سبه.
ويكفي قائف واحد في إلحاق النسب لما روي عن عمر أن استقاف المصطلقى وحده، وكذلك ابن عباس استقاف ابن كلدة واستلحق به، ولأنه حكم فقبل فيه الواحد كالحاكم وهو كحاكم فيكفي مجرد خبرة؛ لأنه ينفذ ما يقوله بخلاف الشاهد.
فإن ألحقه بواحد ثم ألحقه قائف آخر بآخر كان لاحقًا بالأول فقط؛ لأن
إلحاقه جرى مجرى حكم الحاكم فلا ينقض بمخالفة غيره له وكذا لو ألحقه بواحد ثم عاد فألحقه بغيره.
وإن أقام آخر بينة أنه ولده حكم له به وسقط قول القائف؛ لأنه بدل فيسقط بوجود الأصل كالتيمم مع وجود الماء.
ويشترط كونه القائف ذكرًا؛ لأن القيافة حكم مستند النظر والإستدلال فاعتبر فيه الذكورة كالقضاء.
ثانيًا: أن يكون عدلاً؛ لأن الفاسق لا يقبل قوله.
ثالثًا: أن يكون مسلمًا مجربًا بالإصابة؛ لأنه أمر علمي فلابد من العلم بعلمه له وذلك لا يعرف بغير التجربة فيه.
قال في «المغني» : وقد روينا أن رجلاً شريفًا شك في ولد له من جاريته وأبى أن يستلحقه فمر به إياس بن معاوية في المكتب وهو لا يعرفه، فقال: ادع لي أباك، فقال المعلم: ومن أبو هذا؟ قال: فلان، قال: من أين علمت أنه أبوه؟ قال: هو أشبه من الغراب بالغراب، فقام المعلم مسرورًا إلى أبيه فأعلمه بقول إياس فخرج الرجل، وسأل إياسًا: من أين علمت أن هذا ولدي، فقال: سبحان الله، وهل يخفى ذلك على أحد؟ لأنه لأشبه منك من الغراب بالغراب فسر الرجل واستلحق ولده.
وإن وطئ إثنان امرأة بشبهة في طهر ولا زوج لها أو وطئا أمتهما في طهر واحد أو وطئ أجنبي بشبهة زوجة لآخر أو سرية لآخر هي فراش لذلك الآخر وهو أن يجدها الواطئ على فراشه فيظنها زوجته أو أمته أو يدعو زوجته أو أمته في ظلمة فتجيبه زوجة آخر أو أمة الآخر أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجًا فاسدًا أو يكون نكاح أحدهما صحيحًا والآخر فاسدًا مثل أن يطلق رجل امرأته فينكحها آخر في عدتها ويطؤها أو يبيع
جاريته ويطؤها المشتري قبل استبرائها، فإذا وقع شيء من ذلك المذكور وأتت بولد يمكن كونه من الواطئين، فإنه يرى القافة معهما.
قال في «المحرر» : سواء ادعياه أو جحداه أو أحدهما وقد ثبت الإفتراش ولم يدع زوج أنه من واطأ ونفقة المولد المشتبه نسبه على الواطئ لاستوائهما في إمكان لحوق بهما فإذا ألحق بأحدهما رجع من لم يلحق به على الآخر بنفقته لتبين أنه محل الوجوب.
ويقبل قول القائف في غير بنوه كأخوة وعمومة وخؤولة؛ لحديث عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه الولد أعمامه» ذكره الحارثي، ولا يختص بالعصبات كما تقدم؛ لأن المقصود معرفة شبه المدعي للميت بشبه مناسبيه وهو موجود فيما هو أعم من العصبات.
وإن وطئت مزوجة أو أمة بزنا وهي فراش لزوج أو سيد وأتت بولد بعد ستة أشهر من الواطئ فالولد الذي أتت به الزوجة لزوج والذي أتت به الأمة لسيد لقوة جانب كل منها بكونها فراشًا له وأنه إذا وطئ إثنان أمة لهما وأتت بولد وأشكل أمره في أمتهما المشتركة بينهما ولم يدعه أحدهما ولا قافة موجودة يعرض عليها أو وجد قافة وأشكل الأمر عليها يلحق الولد الواطئين معًا إذ لو انفرد كل منهما بالملك للحقه؛ لأنه صاحب فراش فكذلك هنا إذ لا فرق وتعتق بموتهما؛ لأنها أم ولدهما وبموت أحدهما يعتق منها قدر نصيبه.
وليس لزوج وطئت زوجته بشبهة وأتت بولد وألحق به الولد بإلحاق القافة به وهو يجحده اللعان لنفيه؛ لأن شرط صحة اللعان أن يكون معه قذف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ وهذا ليس بقاذف فلا يصح اللعان؛ لعدم شرطه.
ولو ولدت امرأة ذكرًا وولدت امرأة أخرى أنثى، واختلفا بأن أدّعت كل واحدة منهما أن الذكر ولدها دون الأنثى عرض الولد أن مع أميهما على قافة كرجلين فيما تقدم فليلحق كل واحد منهما بمن ألحقته به القافة كما لم يكن لها ولد آخر لا يلحق الولد الواحد بأكثر من امرأة واحدة، فإن ألحقه القائف بأمين سقط قوله لاستحالة ذلك.
فإن لم يوجد قائف اعتبر باللبن خاصة فلبن الذكر يخالف لبن الأنثى في طبعه وزنته، فلبن الذكر أثقل من لبن الأنثى، فمن كان لبنها لبن الذكر فهو ولدها والبنت للأخرى، وإن كان الولدان ذكرين أو أنثيين وادعتا أحدهما تعين عرض الولد المتنازع فيه على القائف كما تقدم وإن ادّعى إثنان مولودًا، فقال أحدهما: هو ابني، وقال الآخر: هو بنتي نظر، فإن كان ذكرًا فلمدعيه وإن كان أنثى فلمدعيها سواء كانت بينة أو لا؛ لأن كل واحد منهما لا يستحق سوى ما ادعاه وإن كان خنثى مشكل عرض معهما على القافة؛ لأنه ليس قول أحدهما أولى من الآخر، والله أعلم.
من النظم مما يتعلق باللقيط
وفي نسب ألحقه حيًا وميتًا
بمن يدعي حتى كفور وخرد
ولا تتبعن في الرق أو كفر مدع
بلا شهد في فرشه بالتولد
وقيل وقول الشاهدين بأنه
ولد كافرين أشرط وحيين فازدد
وعنه ولا تتبع مزوجة وفي
مقال عن المعروفه الأهل بعد
وقد قيل ذا أطلق كذا بادعائها
وعن كل زوج بإدّعا الآخر أصدد
وعبد كحر والأماء كحرة
إذا ادعيا في نسبة لا تبعد
وذا شهد قدمه عند تنازع
وإلا سبوقًا دون فرش أم فوهد
وعبد وحر والكفور ومسلم
كحريق مهديين في المتعدد
وإن جاء كل بالشهود تساقطا
لفقد إستهام واقتسام بها طد
وعند التساوي في الأمور إن تنازعوا
فبالقافة أفصل بينهم ثم قلد
فلحق بمن قد ألحقوه به تصب
ولو بمثنى أو بجمع بأوطد
ولا تتعدى إثنين عند ابن حامد
وعند أبي يعلى الثلاثة فاحدد
ولا تتعدى الأم من غير مرية
وبامرأتين إن ألحقوه ليردد
ويحظر طفل مع قرائب مدع
توى فيهم إن ألحق ألحق بملحد
وإن تنفه عن واحد وتوقفت
على خصمه ألحق بذي الخصم ترشد
وإن يتعذر قائف أو تعارضوا
أو أشكل عليهم أو نفوا عن معدد
فقد ضاع أصل الطفل عند ابن جعفر
وقيل ليلحق من يشار في الترشد
ويختار مجد الدين إلحاقه بهم
هنا حبذ حبرًا مجيدًا فقلد
كذا حكم وطء إثنين أنثى بشبهة
متى اشتركا في وطء طهر فتولد
ووطء فراش المرء أو أمة له
بإمكان كون الطفل من كل مورد
وسيان مع دعوى الوليد وجحده
من الجمع أو من بعضهم بتفرد
ومن الحقوا بالزوج والزوج منكر
له بلعان نفيه في المؤكد
لأن بقاه محرمًا وارثًا أذى
ولاحقه بالإنتساب كذا أعدد
وإن يختلف نفسان في ابن وطفلة
فبالقافة التوزيع في المتجود
وقيل يرى ألبان أمهما كمن
له خبرة التجريب في المتعود
ويقبل قول القائف الذكر الرضي
المجرب قدمًا في إجابة مقصد
ووجهان في حرية ثم يكتفي
بإخبار فرد في الأصح المسدد
وعن أحمد لا بُدَّ في قول قافة
من إثنين مع لفظ الشهادة فأشهد
فإن يتعارض قائفان وثالث
فالإثنين فاقبل حسب في نص أحمد
ولا تنقضن ما ألحقوا بتحالف
طرًا ومقال إثنين كالمتريد
ويسقط حكم القائفين بشهد
لثان كماء مع تيمم فقد
وعنه إثنتان بالولادة يثبت
إنتساب الذي أقصاه منه فأطد
ومن ينف طفلاً في يد لفراشه
ومن بتها أن تشهد امرأة قد
وقيل مقال الأم يقبل مطلقًا
وقد قيل لا بل من زوجة بتفرد
(39)
باب الوقف
س39: ما هو الوقف؟ وما الأصل فيه وإلى أين يصرف ربعه؟ وما الذي يقصد به؟ وما حكمه؟ وما هي أركانه؟ وما صيغة الوقف؟ وهل يصح من الأخرس؟ واذكر أمثلة لما لا يتضح إلا بها، وما هو صريح الوقف؟ وما هي كنايته؟ وما الذي يلزم معها؟ وإذا قال: تصدقت بداري على زيد، ثم قال: رددت الوقف وأنكر زيدًا، وقال: جعلت هذا المكان مسجدًا أو جعلت ملكي للمسجد، أو وقف؟ وما الذي يلزم معها؟ وإذا قال: تصدقت بداري على زيد، ثم قال: رددت الوقف؟ والترجيح.
ج: الوقف: مصدر وقف، بمعنى حبس وأحبس، يقال: وقفت الدار للمساكين أقفها بالتخفيف لغة رديئة معناه منعت أن تباع أو توهب أو تورث
ووقف الرجل إذا قام ومنع نفسه من المضي والذهاب ووقفت أنا ثبت مكاني قائمًا وامتنعت من المشي كله بغير ألف، قال بشر:
ونحن على جوانبها وقوف ... نغض الطرف كالإبل القماح
والوقف مما اختص به المسلمون، قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية وإنما حبس أهل الإسلام، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فإن أبا طلحة لما سمعها رغب في وقف بيرحاء وهي أحب أمواله - رضي الله عنه -، فعن أنس - رضي الله عنه - أن أبا طلحة قال: «يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال: «بخ بخ، ذلك مال رابح مرتين» ، وقد سمعت: «أرى أن تجعلها في الأقربين» ، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» متفق عليه.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والوقف من فعل الخير المأمور به، ومن أفضل القرب المندوب إليها؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه، وحمل بعضهم الصدقة الجارية على بقية الخصال العشر التي ذكروا أنها لا تنقطع بموت ابن آدم، وقد نظمها السيوطي بقوله:
إذا مات ابن آدم ليس يجري ... عليه من خصال غير عشر علوم بثها ودعاء نجل ... وغرس النخل والصدقات تجري وراثة مصحف ورباط ثغري ... وحفر البئر أو إجراء نهر
وبيت للغريب بناه يأوي ... إليه أو بناء محل ذكر وتعليم لقرآن كريم ... فخذها من أحاديث بحصر
وفي «صحيح البخاري» من حديث عمرو بن الحارث قال: «ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا، ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة» ، وقال جابر: لم يكن أحد ذو مقدرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وقف.
وعن ابن عمر أن عمر أصاب أرضًا من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله، أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه فما تأمرني، فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول، وفي لفظ: «غير متأثل مالاً» رواه الجماعة.
وفي حديث عمرو بن دينار قال في صدقة عمر: «ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكل صديقًا غير متأثل» ، قال: «وكان ابن عمر هو الذي صدقة عمر ويهدي لناس من أهل مكة كان ينزل عليهم» أخرجه البخاري، وفيه من الفقه أن من وقف شيئًا على صنف من الناس وولده منهم دخل فيه.
وعن عثمان: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» ، فأشتريتها من صلب مالي» رواه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن.
وفيه جواز إنتفاع الواقف بوقفه العام، وعن ابن عمر قال: قال عمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن المائة السهم التي لي بخيبر لم أصيب مالاً قط أعجب إلي منها
قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحبس أصلها وسبل ثمرتها» رواه النسائي وابن ماجه.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا، فإن شبعه وروثه في ميزانه يوم القيامة حسنات» رواه أحمد والبخاري، وعنه - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله تعالى، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها» ، ثم قال: «يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه» رواه مسلم، وفي حديث سعد ابن عبادة: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل، قال: «الماء» فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد، رواه أبو داود والنسائي، وكان - صلى الله عليه وسلم - يرخص في وقف المنقول والمشاع، ويقول لمن سأله عن إباحة ذلك: «إن كانت نخلاً أحبس أصلها وسبل ثمرتها» .
وعن ابن عباس قال: أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحجتي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: ما عندي ما أحجك، قالت: أحجتي على جملك؟ فلأن قال ذلك حبيس في سبيل الله، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسأله، فقال: «أما أنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله» رواه أبو داود.
والوقف: تحبس المكلف الرشيد الحر ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرفه: أي إمساك المال عن أسباب التملكات بقطع تصرف مالكه وغيره في رقبته بشيء من التصرفات يصرف ريع غلة المال وثمرته ونحوها بسبب تحبيسه إلى جهة بريعينها واقف.
ومعنى قولهم وتسبيل المنفعة: إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلة
وثمرة وغيرها للجهة المعينة تقربًا إلى الله تعالى بأن ينوي بها القربة.
وهذا الحد لصاحب المطلع وتبعه عليه في «التنقيح» ، و «المنتهى» ، و «الإقناع» ، وتبعهم المصنف، واستظهر شارح «المنتهى» أن قوله تقريبًا إلى الله تعالى إنما يحتاج إلى ذكره في حد الوقف الذي يترتب عليه الثواب لا غير ذلك، فإن الإنسان قد يقف ملكه على غيره توددًا لا لأجل القربة ويكون وقفًا لازمًا.
ومن الناس من يقف عقاره على ولده خشية على بيعه له بعد موته وإتلاف ثمنه واحتياجه إلى غيره من غير أن تخطر القربة بباله ومنهم من يستدين حتى يستغرق الدين ماله وهو مما يصح وقفه فيخشى أن يحجر عليه ويباع ماله في الدين فيقفه ليفوت على رب المال ويكون وقفًا لازمًا لكونه قبل الحجر عليه مطلق التصرف في ماله لكنه أثم بذلك، ومنهم من يقف على ما لا يقع عليه غالبًا إلا قربة كالمساكين والمساجد قاصدًا بذلك الرياء، فإنه يلزم ولا يثاب عليه؛ لأنه لم يبتغ به وجه الله تعالى ففقد الشرط المعتبر.
ولا يصح الوقف من نحو مكاتب ولا سفيه ولا وقف كلب لم يعلم ولا الخمر ولا نحو المطعوم والمشروب إلا الماء، ويأتي - إن شاء الله تعالى -، فالوقف سُّنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ ؛ ولفعله - عليه الصلاة والسلام - وفعل أصحابه.
وأركان الوقف: واقف، ووقف، وموقوف عليه، وما ينعقد به من الصيغ القولية أو الفعلية، فيصح الوقف بإشارة من أخرس مفهمة؛ لأنها قائمة مقام القول من الناطق.
ويصح الوقف بفعل مع شيء دال على الوقف عرفًا كما يحصل بذلك القول؛ لاشتراكهما في الدلالة عليه كبناء هيئة مسجد مع إذن عام في الصلاة فيه ولو بأذان وإقامة فيما بناه على هيئة المسجد بنفسه أو بمن نصبه؛ لذلك لأن الأذان والإقامة فيه كالإذن العام في الصلاة فيه.
قال الشيخ تقي الدين: ولو نوى خلافه ونقله أبو طالب أن نية خلاف ما دل عليه الفعل لا أثر لها.
وقال الحارثي: وليس يعتبر للإذن وجود صيغة، بل يكفي ما دل عليه من فتح الأبواب والتأذين أو كتابة لوح بالأذان أو الوقف، انتهى.
وإن كان ما بناه على هيئة المسجد وأذن في الصلاة فيه سفل بيته وينتفع بسطح البيت فيصح ولو كان إنتفاعه به بجماع فيباع؛ لأنه من الإنتفاع بملكه.
وقال أبو حنيفة: إذا جعل علو داره مسجدًا دون أسفلها أو أسفلها دون أعلاها لا يصح؛ لأن المسجد يتبعه هواه والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أو جعل علو البيت مسجدًا وانتفع بعلوه وسفله ولو لم يذكر استطراقًا إلى ما جعله مسجدًا فيصح الوقف ويستطرق إليه كما لو باع بيتًا من داره ولو لم يذكر له استطراقًا فإنه يصح البيع والإجارة ويستطرق إليه على العادة.
أو بنى بيتًا لقضاء حاجة وتطهر ويشرعه يفتح بابه إلى الطريق ويملأ خابية ماء على الطريق أو ينثر على الناس نثارًا فمن فعل شيئًا من ذلك كان تسبيلاً وإذنًا في الإلتقاط وأبيح أخذه.
وكذلك دخول الحمام وإستعمال مائه من غير إذن مباح بدلالة الحال.
أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن للناس إذنًا عامًا بالدفن فيها؛ لأن الإذن الخاص قد يقع على غير الموقوف فلا يفيد دلالة الوقف، قاله الحارثي.
وباحتماله قوي أو يفرش نحو حصير كبساط بمسجد ومدرسة ويأذن للناس إذنًا عامًا في الصلاة عليه، وكذلك لو دفعه لقيم المسجد وأمره بافتراشه فيه أو خاطه بمفروش بجانبه فيصح ذلك ويلزم بمجرد فعله ذلك.
ويحصل الوقف بقول رواية واحدة وصريحة وقفت وحبست وسبلت