كتاب الشركة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
المفتاح المحرك لها للمشي، ويقال له: (سوتش Switch) وكذلك الدراجة النارية على شيء فأتلفته ونحوه ضمنه؛ لأن المباشرة إنما حصلت ممن لا يمكن إحالة الحكم عليه كما لو نفر طائرًا أو أهاج دابة وأشلى كلبًا على صيد فقتله أو أطلق نارًا في متاع إنسان فإن للنار فعلاً لكن لما لم يمكن إحالة الحكم عليها كان وجوده كعدمه، ولأن الطائر وسائر الصيد من طبعه النفور وإنما يبقى على طبعه فإذا أزيل المانع ذهب لطبعه فكان الضمان على من أزال المانع كمن قطع علاقة قنديل أو لمبة أو أطلق زجاجة أو نحوها فانكسرت وهكذا حل قيد العبد أو الأسير، قال في «الفنون» : إلا ما كان من الطيور يألف الرواح ويعتاد العود فلا ضمان في إطلاقه ويضمن من حل وكاء وهو الحبل الذي يربط به نحو قربة وسواء كان ما حل وكاؤه مائعًا أو جامدًا فأذابته الشمس فاندفق بخلاف ما لو أذابته نار قربها إليها غير أو بقي الزق بعد فكه منتصبًا فألقته ريح أو ألقاه نحوه طير كحيوان أو زلزلة فاندفق فخرج ما فيه كله في الحال أو خرج قليلاً قليلاً أو خرج منه شيء بل أسفله فسقط فاندفق أو ثقل أحد جانبيه بعد حل وكائه فلم يزل يميل قليلاً قليلاً حتى سقط أو هتك حرزًا فسرق اللص الذي داخل الحرز ضمنه لتسببه في ذلك التلف سواء تعقب ذلك فعله أو تراخى عنه فالقرار على السارق ولا يضمن دافع مفتاح للص ما سرقه اللص من المال لمباشرته للسرقة فاللص أولى بإحالة الحكم عليه من المتسبب؛ لأن القاعد أنه إذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر.
ولا يضمن حابس مالك دواب تلفت بسبب حبسه، قال في «المبدع» : ينبغي أن يفرق بين الحبس بحق أو غيره، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويضمن الغاصب لو حبس إنسانًا عن طعامه بعد جعله على النار أو بعد
وضع خبزه في التنور فاحترق الطعام أو الخبز بسبب منعه، ولو بقي الطائر الذي فتح قفصه واقفًا أو بقيت الفرس التي حل ربطها واقفة حتى نفرها إنسان آخر قاصدًا تنفيرها ضمن المنفر؛ لأن سببه أخص فاختص الضمان به كدافع الواقع في البئر مع حافرها، وكذا لو حل إنسان حيوانًا وحرضه آخر فجنى فضمان جنايته على المحرض.
ولا يضمن المار إن نفر بسبب مروره حيث لا صنع له في التنفير وإن طار الطائر الذي فتح قفصه ووقف على جدار أو شجرة أو نحوهما فنفره آخر فطار لم يضمنه المنفر؛ لأن تنفيره لم يكن سببًا لفواته؛ فإنه كان ممتنعًا قبل ذلك وإن رماه إنسان فقتله ضمن الرامي ولو كان في داره أو في هواء دار غيره ضمنه؛ لأنه لا يمكن منع الطائر من الهواء، وإن سقط طائر غيره في داره لم يلزم رب الدار حفظه ولا إعلام صاحبه؛ لأنه لم يزل ممتنعًا، فإن كان غير ممتنع فكالثوب فيما سبق إذا ألقته الريح أو طائر أو نحوه في آخر جواب سؤال (9) ، وإن دخل برجه فأغلق عليه ناويًا إمساكه لنفسه ضمنه لتعديه، وإلا فلا ضمان عليه لعدم تعديه، ولو غصب فرسًا أو حمارة فتبعها ولدها فأكله ذئب ضمنه لتسببه في ذلك، وقد ألغز بعضهم بذلك وفي غيره، فقال:
وغاصب شيء كيف يضمن غيره
وليس له فعل بما يتغير
وغاصب نهر هل له منه شربه
وهل ثم نهر طاهر لا مطهر
البيت الأول واضح، وأما الثاني: فالجواب على قوله هل له منه شربة؟ ج- إن حوّل النهر عن موضعه كره شربه لظهور أثر الغصب بالتحويل، وكذا يكره الوضوء وإن لم يحوله فلا لثبوت حق كل أحد فيهما، والجواب عن
الشطر الثاني أنه الفرس السريع، فإنه يسمى نهرًا وبحرًا، قال - صلى الله عليه وسلم - في فرس أبي طلحة: «وإن وجدناه لبحرًا» ، والله سبحانه أعلم.
ولو أزال إنسان يد آخر عن عبد أو حيوان فهرس إذا كان الحيوان مما يذهب بزوال اليد عنه كالطير والبهائم الوحشية والبعير الشارد والعبد الآبق فيضمنه من أزال يد مالكه عند تسببه في فواته، وكذا لو أزال يده الحافظة لمتاعه حتى نهبه الناس أو أفسدته الدواب أو النار أو أفسده الماء فيضمنه.
وإن فتح بابًا تعديًا فيجيء غيره فينهب المال أو يسرقه أو يفسده بحرق أو غرق فلرب المال تضمين فاتح الباب لتسببه في الإضاعة والقرار على الآخذ لمباشرته فإن ضمنه المالك لم يرجع على أحد وإن ضمن الفاتح رجع على الآخذ.
وإن ضرب إنسان آخر فوقع من يده جنيه أو ريال أو دينار فضاع ضمنه الضارب لتسببه في الإضاعة، وكذا لو ضربه فسقطت غترته أو عمامته أو ساعته أو نظاراته فتلفت لوقوعها في نار أو بئر أو نحو ذلك أو سقطت في زحام بسبب هزه ونحوه فضاعت ضمنها الذي سقطت بفعله لتعديه.
قال في «شرح الإقناع» : قلت: فإن وقعت في نحو قدر ينقصها فعليه أرش النقص وإن رفد جدار بيته أو أسند عمودًا أو نحوه بجداره المائل ليمنعه من السقوط فأزال العمود أو نحوه آخر تعديًا فسقط الجدار أو السقف المرفود بالحال أي من حين أزال العمود ونحوه ضمن المزيل للعمود ونحوه لتعديه برفعه ما لزم الجدار ونحوه.
وإن حل إنسان رباط دابة عقور وجنت بعد حلها أو فتح اصطبلها ونحوه ضمن الحال ونحوه بجنايتها؛ لأنه السبب فيها كما لو حل سلسلة
فهد أو ساجور كلب فعقر، فالضمان على الحال لتسببه والساجور خشبة تجعل في عنق الكلب، ولو فتح إنسانًا بثقًا وهو الجسر الذي يحبس الماء فأفسد بمائه زرعًا أو أفسد بنيانًا أو غراسًا ضمن فاتح البثق ما تلف بسببه، قال في «شرح الإقناع» : قلت: وعلى قياسه لو فات ربه ري شيء من الأراضي فيضمن.
ويضمن مغرمًا أخذه ظالم بإغرائه ودلالته لتسببه فيه.
والمغري هو من يقول للحكم خذ من مال فلان كذا أو يأتي بكلام يكون سببًا لأخذ الظالم.
والدال هو الذي يقول له ماله في موضع كذا؛ لأنه يصدق عليه أنه تسبب في ظلمه فهو كالذي بعده.
ويضمن كاذب ما غرم مكذوب عليه عند ولي الأمر بسبب كذبه؛ لأنه تسبب في ظلمه وله الرجوع على الآخذ منه؛ لأنه المباشر ومثله من شكى إنسانًا ظلمًا فأغرمه شيئًا لحاكم سياسي كما أفتى به الشهاب بن النجار.
ومن ربط دابة في طريق أو أوقف دابة بطريق أو ترك بالطريق طينًا أو خشبة أو عمودًا أو حجرًا، أو أسند خشبة إلى حائط أو وضع كيس دراهم أو صندوقًا أو رش السوق أو أوقف سيارة أو ألقى فيها قشر موز أو بطيخ أو أوقف دبابًا أو سيكلاً أو عربية ضمن ما تلف بسبب ذلك الفعل لتعديه بوضعه في طريق المسلمين.
وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - مرفوعًا: «من أوقف دابة في سبيل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن» رواه الدارقطني، ولأن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها فإيقافها في الطريق كوضع الحجر ونصب السكين فيه ووضع براميل القز أو القاز أو البانزين
في السوق فيضمن ما تلف بسبب ذلك الفعل لتعديه.
ومن اقتنى كلبًا عقورًا بأن يكون له عادة بالعقر أو اقتنى كلبًا لا يقتنى بأن اقتنى كلبًا لا لحرث ولا لماشية ولا لصيد أو اقتنى كلبًا أسود بهيمًا بأن لا يكون فيه لون غير السواد ولو كان اقتناؤه لصيد أو ماشية أو حرث أو اقتنى أسدًا أو نمرًا أو ذئبًا أو هرًا تأكل الطيور وتقلب القدور عادة مع علمه بحالها فعقرت أو خرقت ثوبًا بمنزله ضمنها مقتنيها؛ لأنه تعد باقتنائه إذًا فإن لم يكن للهر عادة بذلك كالكلب الذي ليس بعقور إذا اقتناه لنحو صيد ولم يكن أسود بهيمًا فإن صاحبه لا يضمن جنايته.
ومن اقتنى نحو دب وقرد أو أسد أو صقر أو باز أو كبش معلم للنطاح فعقر أو خرق ثوبًا أو جرح أو أتلف شيئًا ضمنه لتعديه باقتنائه ولا فرق في ضمان إتلاف ما لا يجوز إقتناؤه مما تقدم بين إتلاف الليل والنهار؛ لأنه للعدوان بخلاف البهائم من إبل وبقر وغنم ونحوها إلا أن يخرق ثوب من دخل منزل ربه بلا إذنه أو دخل بإذنه ونبهه رب المنزل بأن الكلب ونحوه عقور أو أن حبله المربوط به غير موثوق به لرداءة ربطه أو لضعف الحبل فلا يضمن رب المنزل؛ لأنه دخل في الأولى بغير إذنه فهو المتعدي بالدخول.
وإن كان بإذن رب المنزل ونبهه على أنه عقور أو غير موثوق فقد أدخل الضرر على نفسه على بصيرة.
ويلزم رب المنزل تنبيهه قبل رؤية الحيوان للداخل وإعلامه بأن الحيوان مفترس؛ ليكون متيقظًا لدفعه عن نفسه.
ولو حصل عنده نحو كلب عقور وكقرد أو ذئب أو سنور ضار من غير اقتناء واختيار فأفسد بغير ما ذكر من عقر وخرق ثوب بأن أفسد ببول أو ولوغ أو تنجيس في إناء أو ثوب أو نحو ذلك؛ لأن هذا لا يختص بالكلب
العقور لم يضمن؛ لأنه لم يحصل الإفساد بسببه.
ويجوز قتل هر يأكل لحم كالفواسق، وقيل: له قتلها إذا لم تندفع إلا بالقتل كالصائل، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
ومن أجج نارًا بأن أوقدها حتى صارت تلتهب عادة بلا إفراط ولا تفريط بحيث لا تسري في العادة وتأجيجه إياها في داره أو على سطحه ولو كان ملكه لمنفعة الدار كملكه منفعتها بإجارة أو إعارة فتعدى ذلك إلى ملك غيره فأتلفه لم يضمن الفاعل؛ لأن ذلك ليس من فعله ولا من تعديه ولا من تفريطه، وكذا لو مر في الطريق العامة ومعه نار يحملها إلى أرضه وداره فهبت بها الريح غير متعد وهو محق في مروره في الطريق؛ لأن له حقًا في المرور بخلاف الطريق الخاص أو سقى مواتًا أو ملكه فتعدى ذلك السقي لملك غيره لم يضمن؛ لأنه لم يتعد ولم يفرط.
ولو سرى ما أججه من النار بملكه بطيران ريح إلى ملك غيره فأتلفه لم يضمن إذا كان التأجج جرت به العادة بلا إفراط ولا تفريط فإن أفرط بكثرة بأن أجج نارًا تسري عادة لكثرتها أو فتح ماء كثيرًا يتعدى مثله أو فرط بنحو نوم كإهمال بأن ترك النار مؤججة والماء مفتوحًا ونام عن ذلك أو أهمله ضمن لتعديه أو تقصيره، كما لو باشر إتلافه أو فرط بأن أججها وقت ريح شديدة تحملها إلى ملك غيره ضمن لتعديه، وكذا لو أججها فرب زرب: وهو المدخل، وموضع الغنم أو أججها قرب حصيد أو أقد نارًا بمكان غصب ضمن مطلقًا سواء فرط أو أسرف أو لا.
وكذا يضمن إن أبيست النار التي أوقدها ولو في ملكه شجرة غيره؛ لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة إلا أن تكون الأغصان في هوائه
فلا يضمن؛ لأنه لا يمنع من التصرف في ملكه، ولكن الأولى بل يتأكد في حقه أن يأمره بلي الأغصان عن هواء داره فإن نبهه فلم يمتثل فلا ضمان.
وإن أجج نارًا في السطح، ولم يكن له سترة وبقربه زرع ونحوه، والريح هابة ضمن.
وإن منع من ذلك لأذى جاره ضمن وإن لم يسرف، وإن اقتنى حمامًا أو غيره من الطير فأرسله نهارًا فلقط حبًا لم يضمنه؛ لأن العادة إرساله.
(12) من بنى في الطريق أو أخرج إليها جناحًا أو نحوه أو وضع في المسجد شيئًا إلخ
س12: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: من بنى دكة أو نحوها أو حفر بئرًا أو فتحها أو بنى في السابلة الواسعة نحو مسجد أو بنى جسرًا أو قلع حجرًا يضر بالمارة من المسلمين أو فعل ما فيه نفع أو أمر حرًا بحفر بئر أو أمر سلطان بحفرها أو بسط بمسجد حصيرًا أو بساطًا أو علق قنديلاً أو وضع في المسجد خزائن أو جلس في المسجد فعثر به إنسان أو أخرج جناحًا أو ميزابًا أو ساباطًا أو بنى حائطه مائلاً، أو أحدث في ملكه بركة أو بالوعة أو مستحمًا فزل إلى جدار جاره.
واذكر التفاصيل والقيود والمحترزات والأدلة والتعاليل والخلاف والترجيح.
ج: من بنى دكة وهي المبنية للجلوس عليها أو حفر بنفسه أو حفر أجيره أو حفر قنه أو ولده بأمره بئرًا لنفسه ليختص بنفعها في فنائه وهو ما كان خارج الدار قريبًا منها سواء حفر أو بنى بإذن الإمام أو بغير إذنه وسواء حفر البئر في حده نصفها ونصفها في فنائه ضمن ما تلف
بالبئر، وقال أصحاب الشافعي: وإن حفرها بإذن الإمام لم يضمن، وقال بعض الأصحاب: له حفرها لنفسه بإذن الإمام فعليه لا ضمان؛ لأن للإمام أن يأذن فيما لا ضرر فيه وجوابه بأنه حفر في مكان مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم فضمن ولا نسلم أن للإمام الإذن فيه فدل على أنه لا يجوز لوكيل بيت المال وغيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذ وأنه ليس للحاكم الحكم بصحته، وقاله الشيخ تقي الدين، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
وكذا الدكة؛ لأنه تلف حصل بسبب تعديه ببنائه أو حفره في مكان مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم فأشبه ما لو نصب في فنائه سكينًا فتلف بها شيء كحفر أجيره الحر بئرًا في فنائه فيضمن الأجير الحافر ما تلف بها سواء حفرها بأجرة أو لا؛ لأنه هو المتعدي، ومحل ذلك أن علم الأجير الحال بأنها ليست ملك الآذن إذ الأفنية ليست بملك؛ ولهذا قال القاضي: لو باع الأرض بفنائها لم يصح البيع؛ لأن الفناء ليس بملك، بل مرفق وإن جهل الحافر أنها في ملك الغير فالضمان على الآمر لتقريره الحافر، وكذا لو جهل الباني فلو ادعى الآمر علم الحافر والباني وأنكر الحافر والباني فقولهما؛ لأن الأصل عدمه.
ولا يضمن من حفر بئرًا في موات لتملك أو ارتفاق لنفسه أو حفر بئرًا بملكه إذ للإنسان التصرف في ملكه كيف شاء وإن حفر في طريق واسعة لنفع عام لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه شرعًا كما لو حفرها ليجمع فيها ماء المطر أو لينبع منها الماء ليشرب المارة فلا يضمن؛ لأنه محسن، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ ولو لم يجعل عليها حاجزًا لتعلم به فتتوقى، وفي «الغاية وشرحها» .
ولا يضمن من حفر بئرًا في موات ونحوها ولو لم يجعل عليها حاجز، ولا يضمن من لم يسد بئره سدًا يمنع الضرر.
اهـ.
وقال الشيخ تقي الدين - رحمه الله -: يضمن ما تلف بها، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
وما فتحه وأعاده الإنسان من الآبار القديمة يكون فتحه لها بمنزلة إحداثها ضررًا ونفعًا فلو فعله بملكه لا يضمن ما تلف بسببه؛ لأنه مأذون فيه شرعًا، ولو كان فتحه لها بغير ملكه يضمن لتعديه ويلزمه سدها سدًا بحيث يمنع الضرر بالمارة.
وإن بنى في السابلة الواسعة نحو مسجد أو مدرسة بلا ضرر بالمارة بإحداث ذلك، ولو فعله بلا إذن لم يضمن ما تلف بذلك؛ لأنه محسن، قال الشيخ تقي الدين: حكما ما بنى وقفًا على المسجد في هذه الأمكنة حكم بناء المسجد، وقيل: لا يضمن إن كان بإذن الإمام وإلا ضمن.
وقال بعض الأصحاب: ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان عنه فيما إذا حفرها في موضع مائل عن القارعة بشرط أن يجعل عليه حاجزًا يعلم به ليتوقى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
ومن بنى جسرًا وهو القنطرة ليمر عليه الناس وكذا فعل ما تدعو الحاجة إليه لنفع الطريق وإصلاحها كإزالة الماء والطين عنها وتنقيتها مما يضر فيها كقشر بطيخ أو موز ووضع حجر أو خشب ليطأ عليه الناس وحفر هدف وهو ما ارتفع وعلا في الطريق بحيث أنه بعد إزالتها يتساوى وتصير كغيرها، وكذا قلع حجر في الأرض يضر بالمارة ووضع الحصاء في حفر الأرض ليملأها وتسقيف ساقية فيها، فهذا كله مباح لا يضمن ما تلف به؛ لأنه إحسان ومعروف، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ .
وإن فعل ما فيه نفع عام كان حفر بئرًا أو بنى مسجدًا أو خانًا وهو الحانوت ونحوه في الطريق فتلف فيه شيء لم يضمن.
وإن فعل شيئًا لنفع خاص بنفسه أو كان يضر بالمارة كأن حفر البئر في القارعة أو بطريق ضيقة، فإنه يضمن ما تلف بها سواء فعله لمصلحة عامة أو لا بإذن الإمام أو لا لما فيه من الضرر.
ونقل المروذي حكم هذه المساجد التي بنيت في الطريق تهدم، وسأل محمد بن يحيى الكحال: يزيد في المسجد من الطريق، قال: لا يصلى فيه.
ونقل حنبل أنه: سُئل عن المساجد على الأنهار؟ قال: أخشى أن يكون من الطريق، وسأله ابن أهيم عن ساباط فوقه مسجدًا أيصلى فيه؟ قال: لا يصلى فيه إذا كان من الطريق.
ومن أمر حرًا بحفر بئر أو بناء بملك غير الآمر بأجرة أو لا فحفر المأمور وتلف بها شيء ضمن ما تلف به حافر علم بذلك وضمن بأن علم أن الأرض ملك لغير الآمر.
ويحلف الحافر والباني إن أنكر العلم بأنه ملك غير الآمر وادعى الآمر وعلمه؛ لأن الأصل عدمه وإن لم يعلم حافر بذلك أو كان المأمور قن الآمر فآمر يضمن ما تلف لتغريره.
ويضمن سلطان آمر بحفر بئر أو بناء في ملك غيره دون حافر وبان، وسواء علم أن الأرض ملك لغير السلطان أو لا؛ لأنه لا تسعه مخالفته أشبه ما لو أكره عليه، ومن بسط بمسجد ونحوه حصيرًا أو بادية أو مدة أو بساطًا أو زولية أو علق فيه أو أوقد فيه قنديلاً، قلت: ومثل ذلك الكهرب لو علق مروحة أو لمبة أو نجفًا أو كنديشة أو ثلاجة أو نصب رفًا أو بابًا؛ لنفع المسلمين لم يضمن ما تلف به.
ومن جلس من المسجد أن إضطجع فيه أو قام فيه مسلم فعثر به حيوان فتلف أو نقص لم يضمن نقصه ولا تلفه أو أقام في طريق واسع فعثر به حيوان فتلف أو نقص لم يضمن؛ لأنه فعل مباحًا لم يتعد به على أحد في مكان له فيه حق أشبه ما لو فعل بملكه ويضمن إن جلس أو اضطجع أو أقام في طريق ضيق لإضراره بالمارة.
وإن أخرج جناحًا وهو الروشن أو أخرج برندة (بلكونة Balcony) أو أخرج ميزابًا كساباط أو أبرز حجرًا في البنيان إلى طريق نافذ بلا إذن الإمام أو نائبه في ذلك بلا ضرر إذ ليس للإمام أن يأذن بما فيه ضرر أو أخرج ما ذكر في درب غير نافذ بغير إذن أهله فسقط على شيء فأتلفه ضمنه المخرج لحصول التلف بما أخرج إلى هواء الطريق أشبه ما لو بنى حائطًا مائلاً إلى طريق أو أقام خشبة في ملكه مائلة إلى الطريق فأتلف شيئًا.
قال ع ن: ومقتضى ما تقدم في حفر البئر أن نحو الجناح من ضمان الباني أي الأجير إذا كان حرًا وانظر هل يفرق بين العالم التحريم أم لا؟ انتهى.
ولو كان التلف بعد بيع وقد طولب البائع بنقضه قبل البيع ولم يفعل لحصول التلف بفعله وهو إخراجه ما تقدم إلى هواء الطريق.
وإن سقط بعد البيع ولم يكن طولب بنقضه قبل البيع لا ضمان عليه ولا على المشتري؛ لأنه لم يطالب بنقضه، وكذلك إن وهبه وأقبضه قبل الطلب ثم سقط فأتلف شيئًا لم يضمنه الواهب؛ لأنه ليس ملكه ولا الموهب له؛ لأنه لم يطالب، وكذا لو صالح به أو جعله صداقًا أو عوضًا في خلع أو طلاق أو عتق ومحل الضمان ما لم يأذن في الجناح والميزاب والساباط المخرج إلى الطريق إمام أو نائبه ولا ضرر على المارة بإخراجه فإن أذن فيه فأخرج فلا ضمان؛ لأن النافذ حق للمسلمين والإمام وكيلهم فإذنه كإذنهم.
ومع وجوب الضمان والتالف آدمي فديته على عاقلة رب المخرج؛ لأنها
تحمل دية الخطأ وشبه العمد فإن أنكرت العاقلة كون المخرج لصاحبهم أو أنكروا مطالبته بنقضه حيث اعتبر أو أنكروا تلف الآدمي لم يلزمهم شيئ إلا أن يثبت بينة؛ لأن الأصل عدم الوجود.
وإن مال حائطه لغير ملكه سواء كان مختصًا كهواء جاره أو مشتركًا كالطريق أو تشقق الحائط فكميله فلا ضمان إن لم يطالب بنقضه وأبى هدمه حتى أتلف شيئًا بسقوطه، وقيل: إن طولب بنقضه وأشهد عليه فلم يفعل ضمن واختاره جماعة، قال الموفق والشارح: والمطالبة من كل مسلم إن كان ميله إلى الطريق.
وقال أبو حنيفة: الإستحسان أن يضمن؛ لأن الجواز للمسلمين وميل الحائط يمنعهم، والقول الثاني: وهو قول من يقول بالإشهاد عليه هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم.
وإن بنى الحائط مائلاً لطريق ضمن ما تلف به، أو بناه مائلاً إلى ملك غيره بلا إذنه ضمن ما تلف به ولو لم يطالب بنقضه لتسببه بذلك، وإن بناه مائلاً إلى ملك غيره بإذنه أو مائلاً إلى ملك نفسه أو مال الحائط إلى ملك ربه لم يضمن ربه ما تلف به لعدم تعديه.
وإن أحدث بركة أو كنيفًا أو صهروجًا أو بالوعة فنزل إلى جدار جاره فأوهاه وهدمه ضمنه؛ لأن هذه الأسباب تتعدى ذكره في الفصول والتلخيص قالا: وللجار منعه من النزول إلى جدار جاره، وقال أيضًا: الدق الذي يهدم الجدار مضمون السراية؛ لأنه عدوان محض.
ومحترم الأموال إن تتلف أضمن
لغيرك أن تجهل وأن تتعمد
ويضمن أيضًا فاتح حبس طائر
ومن فك قيد المال أن تتشرد
وإن يثنيا من بعد هذا فنفرًا
فغرمهما أخصص بهذا المشرد
ومن يرد مملوكًا من الطير في هوا
جدرًا له أو فوقه يضمن الردي
كفاتح وعا السيال أو جامد به
فسال بما ليس أهل غرم بأجود
ومن ربط العجماء في ضيق من
الدروب ليضمن ما جنت لا تقيد
وقولان بالإطلاق إن يك واسعًا
كذابًا قتنًا كلب عقور بأجود
وعنه إن جنى في داخل دون إذنه
إلى داره لا غرم إذ هو معتدي
كذا الحكم في هر يصيد الطيور لا
إذا بال في شيء وولغ الذي ابتدي
وأن يوقد الإنسان نارًا بملكه
ويجري عليه ماؤه غير معتد
فليس عليه غرم تاو لجار
به مع سوى تفريطه والتزيد
ويمنع من إنشا مضر بجاره
ويضمن ما أردى بحفر مجدد
ويضمن منشي ما يضر بملكه
ومختصه في واسع لا تقيد
وإن ينشه في واسع لانتفاعنا
لا غرم حتى دون إذن بأوكد
ولا غرم في ملغى بموحل
وأشباهه من نافع غير مفسد
ومن يحتقرها في موات لنفعه
ونفع الورى التضمين عن مثله ذد
ولا غرم في شيء نوى في المجود
بوضعك قنديلاً وبسطًا بمسجد
ولا عائر في جالس وسط مسجد
ولا في طريق واسع في المجود
ويضمن في ذا واضع حجرًا به
ومن قشر بطيخ وماء مبدد
وما أتلف الميزاب في ملك غيره
وروشنه يضمن بلا إذن ذي اليد
وإن نحن جوزنا بإذن الإمام ما
خلا عن أذى وجهين في العرف أسند
وذو حائط قد مال في ملك غيره
فيدعى لإصلاح بإشهاد شهد
فضمنه أن يأتي فإن جاء ممكنًا
وقيل وإن لم يدع وأعكس بأوحكد
ولا يسقط التضمين تأجيل حاكم
ولا مفرد من شركة متعدد
وإن يبن ميالاً إلى ملك غيره
فمتلفه ضمنه دون تردد
والإتلاف في هذه الأمور من الخطأ
فما ليس معقولاً ففي مال معتد
ومن يدخل الإنسان حتى يضيفه
فيسقط ببئر عنده لم يحدد
ولم ير أما للعمى أو لسترها
فضمنه ما لم ينذر المرء ترشد
ومن يغتصب أرضًا فحظر دخولها
على غير رب الأرض إن حوطت قد
وإن لم تحوط جاز فيها دخوله
وأخذ الكلا منها على نص أحمد
(13) ما أتلفته البهائم الضارية وغير الضارية وما أتلفه المركوب عليه ... إلخ
س13: تكلم بوضوح عما يلي من أحكام ومفردات: ما أتلفته البهائم الضارية والجوارح وشبهها، ماذا يجب على رب البهيمة المعروفة بالصول، إذا حاله الدابة بين المال ومالكه البهائم غير الضارية، ماذا على السائق والقائد والراكب إذا أتلف المركوب شيئًا أو جنى على أحد، إذا تعدد الراكب إذا كانت البغال والإبل مقطرة، ما أفسدته البهائم بالليل أو بالنهار، إذا طرد الدابة من مزرعته ودخلت مزرعة غيره من صال عليه آدمي صغير أو كبير عاقل أو مجنون فقتله؟ واذكر ما يتصل بذلك من أحكام وشروط ومحترزات وتفاصيل وأدلة وتعليل وخلاف وترجيح.
ج: يضمن رب بهائم ضارية، والضارية: المفترسة المعتادة بالجناية، قال أبو الطيب:
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى ... ولا تتقى حتى تكون ضواريا
إذا كان عالمًا بضريانها أو أمر بإمساكها من لم يعلم بأنها ضارية فما أتلفته ضمنه.
ويضمن رب جوارح وشبهها ما أتلفته من نفس ومال، قال في «الفصول» : من أطلق كلبًا عقورًا أو دابة رفوسًا، ويقال لها: رموحًا أو عضوضًا على الناس وخلاه في طريقهم ورحابهم ومصاطبهم فأتلف مالاً أو نفسًا ضمن لتفريطه.
وكذا إن كان له طائر جارح كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس وحيواناتهم، انتهى.
قال في «الإنصاف» وهو الصواب.
ومتى عرفت البهيمة أنها تصول أي تعدو وتثب على الناس وجب على مالكها وغيره إمساكها أن تمكن من غير أن يصيبه ضرر وإلا فيتلفها دفعًا لضررها وحيث جاز إتلافها فله أن يتلفها بالمعروف على أي وجه لا تعذيب فيه للحيوان؛ لحديث: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» .
ولا يضمن البهيمة المعروفة بالصول إذا قتلت حال صولها؛ لأنها غير محترمة كمرتد وزان محصن، وإن حالت الدابة بين إنسان وبين ماله ولم تندفع بلا قتل قتلها، ولا شيء عليه ولو كانت مملوكة للغير؛ لأن قتلها دفعًا لشرها.
ومن القواعد إن من أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه وإن أتلف لدفع أذاه به ضمنه فمن صال عليه جمل أو ثور وأتلفه المصول عليه لم يضمنه.
وحيث جاز له قتلها إزالة لضررها بالحيلولة بينه وبين ماله فعليه أن يسمي عليها إن كانت مأكولة اللحم لئلا يضيعها على ربها فلو قتلها ولم يسمّ عليها سهوًا لا جهلاً بالحكم فلا شيء عليه؛ لسقوط التسمية بذلك، وإن ترك التسمية عمدًا ضمن لربها قيمتها مذكاة.
ولا يضمن رب بهائم غير معروفة بالصول وغير جوارح وشبهها ما أتلفته إن لم تكن يده عليها ولو كان ما أتلفته البهيمة بالحرم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «العجماء جرحها جبار» متفق عليه، أي هدر، فإن كانت ضاربة ضمن.
ويضمن جناية دابة سواء كانت ضارية أو غير ضارية راكب وسائق وقائد للدابة مالكًا كان أو غاصبًا أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو موصى له بنفعها أو مرتهنًا قادر على التصرف فيها؛ لأن العاجز عن التصرف وجوده كعدمه.
ويشترط تكليف المتصرف القادر على التصرف.
وما يضمنه جناية يدها وفمها وذنبها وولدها سواء جنى بيده أو فمه أو رجله أو ذنبه ولو لم يفرط؛ لحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فأوطأه بيد أو رجل فهو ضامن» رواه الدارقطني.
ولأن فعل البهيمة منسوب إلى من بيده البهيمة إذا كان يمكنها حفظها.
ولا يضمن ما نفحت برجلها ومعنى نفحت رمحت من غير سبب؛ لما روى سعيد مرفوعًا: «الرجل جبار» رواه أبو داود، وفي رواية أبي هريرة: «رجل العجماء جبار» فدل على وجوب الضمان في جناية غيرها، وخصص بالنفح دون الوطء؛ لأن من بيده الدابة يمكنه أن يجنبها وطء ما لا يريد أن تطأه بتصرفه فيها بخلاف نفحها فإنه لا يمكنه أن يمنعها منه، وحيث وجب الضمان وكان المجني عليه مما تحمله العاقلة فهي عليها.
ومحل عدم الضمان ما نفحت برجلها ما لم يجذبها باللجام زيادة على العادة أو يضربها في وجهها فيضمن لتسببه في جنايتها ولو فعل ذلك لمصلحة تدعو إليه.
ولا يضمن الراكب ونحوه ممن بيده الدابة جناية ذنبها؛ لأنه لا يمكن التحفظ من جناية ذنبها ولا يضمن متصرف بدابة سقوط حملها إذا لم يفرط.
ويضمن جنايتها مع سبب للجناية كنخس، ويقال: نغز وتنفير فاعل ذلك؛ لأنه المتسبب في جنايتها دون الراكب والسائق والقائد.
فإن جنت البهيمة على من نفرها أو نخسها فأتلفته، فالجناية هدر؛ لأنه السبب في الجناية على نفسه.
وإن تعدد راكب إثنان فأكثر فجنت جناية مضمونة ضمن الأول ما يضمنه المنفرد؛ لأنه المتصرف فيها والقادر على كفها عن الجناية إلا أن يكون الأول صغيرًا أو مريضًا أو أعمى أو مجنونًا، والثاني متولي تدبيرها، فعلى الثاني الضمان وحده لكونه المتصرف فيها.
وإن اشترك الراكبان في التصرف في البهيمة اشتركا في ضمان جنايتها المضمون لاشتراكهما في التصرف، وكذا لو كان مع البهيمة قائد وسائق وجنت جناية تضمن، فالضمان عليها؛ لأن كلا منهما لو انفرد ضمن فإذا اجتمعا ضمنا.
وإن كان مع القائد والسائق راكب أو كان مع أحدهما راكب شارك الراكب السائق والقائد أو أحدهما في ضمان جنايتها لاشتراكهم في التصرف؛ لأن كلا منهم لو انفرد مع الدابة انفرد بالضمان، فإذا اجتمع مع غيره منهم شاركه في الضمان.
ولو اجتمع الثلاثة أو إثنان منهم وانفرد واحد منهم بالتصرف اختص بالضمان.
وإبل وبغال وخيل مقطرة والتقطير أن تشد الإبل على نسق واحد خلف
واحد لواحدة على قائدها الضمان لما جنت كل واحدة من القطار؛ لأن الجميع إنما تسير بسير الأول وتقف بوقفه وتطأ بوطئه، وبذلك يمكنه حفظ الجميع عن الجناية.
وإن كان مع القائد سائق شارك السائق القائد في ضمان الأخير فقط إن كان السائق في آخرها؛ لأنهما اشتركا في التصرف الأخير ولا يشارك السائق القائد فيما قبل الأخير؛ لأنه ليس سائقًا له ولا تابعًا لما يسوقه فانفرد به القائد وإن انفرد راكب على أول قطار ضمن جناية الجميع؛ لأنه في حكم القائد لما بعد المركوب والكل يسير بسيره وتطأ بوطئه فأمكن حفظه من الجناية.
وإن ركب أو ساق غير الأول وانفرد ضمن جناية ما ركبه أو ساقه وما بعده لا ما قبل الذي باشر سوقه فيختص به القائد ولا يشارك فيه السائق؛ لأنه ليس سائقًا ولا تابعًا لما يسوقه.
وإن انفرد راكب بالقطار وكان الراكب على أوله ضمن الراكب جناية الجميع؛ لأن ما بعد الراكب الأول إنما يسير بسيره ويطأ بوطئه فأمكن حفظه عن الجناية فضمن كالمقطور على ما تحته.
ولو انفلتت دابة ممن هي بيده فأفسدت شيئًا فلا ضمان على أحد؛ لحديث: «العجماء جرحها جبار» فلو استقبلها إنسان فردها فقياس قول الأصحاب: الضمان، قاله الحارثي، ثم قال: ويحتمل عدم الضمان؛ لعموم الخبر، ولأن يده ليست عليها، قال: والبهيمة: النزفة التي لا تنضبط بكبح ولا نحوه، ليس له ركوبها بالأسواق، فإن ركب ضمن لتفريطه، وكذا الرموح والعضوض.
اهـ.
والكبح: الجذب، وكبح الدابة: جذب رأسها إليه، وفي حديث الإفاضة من
عرفات وهو يكبح راحلته، هو من ذلك، قال في «الغاية وشرحها» : ويتجه إن راد الدابة يضمن ما أتلفته إن ردها من عند نفسه لا إن ردها بأمر ربها، فإن ردها بأمر ربها ليمسكها فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن، انتهى.
﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ .
ويضمن رب الدابة ومستعير ومؤجر ومودع ومرتهن وأجير لحفظها وموصى له بنفعها ما أفسدته من زرع وشجر وثوب خرقته أو أكلته أو مضغته أو وطئت عليه ونحوه ومحل ذلك إذا أفسدته ليلاً فقط؛ لحديث مالك عن الزهري عن حزام بن سعد عن محيصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أن على أهل الحوائط حفظها النهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فهو مضمون على أهلها» قال ابن عبد البر: هذا وإن كان مرسلاً فهو مشهور، وحدث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول، ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا للرعي وحفظها ليلاً وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا، فإذا أفسدت شيئًا ليلاً كان من ضمان من هي بيده.
وإن فرط في حفظها بأن لم يضمها بحيث لا يمكنها الخروج، فإن ضمنها من هي بيد فأخرج غيره إذنه أو فتح عليها بابها فأتلفت شيئًا فعليه الضمان دون مالكها، ولا ضمان على من كانت بيده؛ لعدم تفريطه ولو كان ما أتلفته الدابة المعارة ونحوها ليلاً لربها ضمنه مستعير ومستأجر وإن لم يفرط ربها ونحوه بأن ضمها ليلاً بحيث لا يمكنها الخروج فأتلفت شيئًا فلا ضمان؛ لعدم تفريطه.
ولا يضمن ربها ومستعيرها ونحوه ما أفسدته نهارًا؛ للحديث السابق إذا لم يكن يد أحد عليها وسواء فرط بأن أرسلها بقرب ما تفسده أو لا لعموم الحديث السابق إلا غاصبها فيضمن ما أفسدت نهارًا أيضًا لتعد بإمساكها
وإن كان على البهيمة يد كقائد ضمن صاحب اليد ما أفسدت.
ولو ادعى صاحب زرع أن بهائم فلان رعت زرعه أو ادعى أنها أفسدت شجره ليلاً ووجد في الزرع أثر ولم يكن هناك بهائم لغيره قضي بالضمان على صاحب البهائم التي تفشت في الزرع ليلاً عملاً بالقرينة.
قال الشيخ تقي الدين: هذا من القيافة في الأموال وجعل القيافة معتبرة في الأموال كالقيافة في الإنسان ومن طرد دابة من مزرعة له فدخلت مزرعة غيره فأفسدت لم يضمن ما أفسدته من مزرعة غيره إلا أن يدخلها مزرعة غيره، فإن اتصلت المزارع لم يطردها؛ لأن ذلك تسليط على زرع غيره والذي تميل إليه نفسي أن طردها عن مزرعته إذا لم يدخلها مزرعة غيره وليس ذلك بتسليط، بل لدفع الضرر عن ماله، والله سبحانه أعلم.
ولو قدر أن يخرجها من زرعه وله منصرف يخرجها منه من محل غير المزارع فتركها تأكل من زرعه ليرجع على ربها فما أكلته هدر لا رجوع لربه به؛ لتقصيره بعدم صرفها.
والحطب على الدابة إذا خرق ثوب آدمي بصير عاقل يجد موضعًا يتحول إليه فالخرق هدر لا يضمنه الحطاب لتقصير رب الثوب بعدم الإنحراف وقياسه لو جرحه ونحوه، وكالحطب حديد ونحوه، وكذا لو كان صاحب الثوب مستدبرًا فصاح حامل الحطب منبهًا له ووجد منحرفًا ولم ينحرف فخرق ثوبه فهدر وكالمستدبر الأعمى إذا صاحب عليه منبهًا له بالإنحراف لموضع يمكنه الإنحراف إليه ولم يفعل وإن لم يجد منحرفًا وهو مستقبل له ولم ينبهه وهو مستدبر ضمن من مع الدابة أرش خرق الثوب، وكذا لو جرحه ونحوه.
ومن صال عليه آدمي صغير أو كبير عاقل أو مجنون أو غيره من البهائم
والطيور فقتله المصول عليه دفعًا عن نفسه لم يضمن إن لم يندفع إلا بالقتل؛ لأن قتله لدفع شره فكأن الصائل قتل نفسه ولو دفع إنسان الصائل عن غيره غير ولد القاتل ونسائه كزوجته وأمه وأخته وعمته وخالته فدفعه بالقتل ضمنه.
(14) مسائل تتعلق في اصطدام السفن وإتلاف آلات اللهو وقتل الصائل والاستعانة بالمخلوق والدعاء على الظالم
س14: إذا اصطدمت سفينتان فغرقتا، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا خرق إنسان سفينة فغرقوا أو أشرفت سفينته على الغرق أو ألقى أحد الركاب متاعه ومتاع غيره، أو قتل صائلاً عليه أو قتل خنزيرًا أو أتلف آلة لهو أو صليب أو آلة تصوير أو مزمارًا أو طنبورًا أو عودًا أو طبلاً أو دفًا بصنوج أو حلق أو أتلف نردًا أو شطرنجًا أو تلفزيونًا أو سينما أو راديوًا وهو المذياع أو أتلف بكمًا أو أتلف شيشة أو دخانًا أو إناء فيه خمر أو كسر آنية ذهب أو فضة أو حليًا محرمًا على ذكر أو نحو ذلك؟
ج: إذا اصطدمت سفينتان واقفتان أو مصعدتان أو منحدرتان فغرقتا ضمن كل واحد من قيّمي السفينتين سفينة الآخر وما فيها من نفس ومال إن فرطا في ردها أو تكميل آلتها من الرجال والحبال وإن كان مركبًا فما يحتاج من وقود وغيره وهو قيد في كل من المتعاطفين لحصول التلف بسبب فعليهما، فوجب على كل واحد منهما ضمان ما تلف بسبب فعله كالفارسين إذا اصطدما وإن لم يفرطا فلا ضمان على واحد منهما؛
لعدم مباشرته التلف وتسببه فيه، فإن فرط أحدهما دون الآخر ضمن المفرط وحده ما تلف بتفريطه لتسببه في إتلافه.
ومع تعمدهما التصادم فهما شريكان في ضمان إتلاف كل من السفينتين، وفي ضمان إتلاف من فيهما من الأنفس والأموال؛ لأنه تلف حصل بفعلهما فاشتركا في ضمانه أشبه ما لو خرقاهما، فإن كان الصدم يقتل غالبًا فعليهما القود بشرطه من المكافأة ونحوها؛ لأنهما تعمدا القتل بما يقتل غالبًا أشبه ما لو ألقياه في لجة البحر بحيث لا يمكنه التخلص فغرق وإن لم يقتل غالبًا بأن فعلا قريبًا من الساحل فهو شبه عمد كما لو ألقاه في ماء قليل فغرق به ولا يسقط فعل صادم.
ولو كان الاصطدام مع غيره عمدًا بأن كان خطأ أو شبه عمد بأن مات أحد القيمين دون الآخر بسبب تصادم السفينتين لم يهدر فعل الميت في حق نفسه بل يعتد به لمشاركة الآخر في قتل نفسه، فإن كان حرًا فليس لورثته إلا نصف ديته وإن كان عبدًا فليس لسيده إلا نصف قيمته؛ لأنه شارك في قتل نفسه أشبه ما لو تحامل هو وغيره على قتل نفسه بمحدد.
ولو خرق السفينة قيّمها عمدًا في اللجة فغرق من فيها بذلك أو خرقها شبه عمد بأن قلع اللوح بلا داع إلى قلعه قريب من الساحل لا يغرق به من فيها غالبًا فغرق عمل به أو خرقها خطأ بقلع لوح يحتاج إلى الإصلاح ليصلحه أو ليضع في مكانه في محل لا يغرق به من فيها غالبًا فغرقوا عمل بذلك فيقتص منه في صورة العمد بشرطه والدية على عاقلته في شبه العمد والخطأ على ما يأتي في الجنايات والكفارة في ماله والسفينة المشرفة على غرق يجب إلقاء ما يظن بإلقائه نجاة من الغرق، فإن تقاعدوا أثموا ولا ضمان، ولو ألقى متاعه ومتاع غيره فلا ضمان على أحد ومن امتنع من إلقاء متاعه ألقي وضمنه ملق غير الدواب فلا تلقى لحرمتها إلا عند إلجاء الضرورة إلى إلقائها
فتلقى لنجاة الآدمي؛ لأنهم آكد حرمة، ومن قتل حيوانًا صائلاً عليه ولو كان الصائل آدميًا صغيرًا أو كبيرًا عاقلاً أو مجنونًا حرًا أو عبدًا دفعًا عن نفسه لم يضمنه إن لم يندفع إلا بالقتل؛ لأنه لدفع شره فكأنه قتل نفسه، فإن كان قتله دفعًا عن غيره، فقيل: يضمنه، وقيل: لا يضمنه، وهو الموافق لما يأتي في حد قطاع الطريق.
وإن قتل خنزيرًا لم يضمنه؛ لأنه مباح القتل أشبه الكلب العقور والخنزير حيوان خبيث، يقال: أنه حرم على لسان كل نبي، وكذا كل حيوان أبيح قتله.
ومن أتلف مزمارًا بكسر أو نحوه أو أتلف طنبورًا لم يضمنه، والمزمار: آلة يزمر فيها، والطنبور: آلة طرب ذات عنق طويل لها أوتار من نحاس ج طنابير، أو أتلف عودًا أو طبلاً أو دفًا بصنوج أو حلق أو أتلف نردًا أو شطرنجًا أو أتلف صليبًا لم يضمن؛ لأنها محرمة.
والعود آلة من المعازف يضرب بها ج عيدان، وأعواد والطبل آلة معهودة ذات وجه أو وجهين والدف أيضًا آلة طرب والصنوج جمع صنجة من نحاس أصفر مدورة تضرب على أخرى مثلها للطرب والصنوج أيضًا ما يجعل في إطار الدف من الهنات المدورة، وكل هذه نسأل الله العافية من المحرمات.
ومن أتلف أو كسر أو شق إناء فيها خمر مأمور بإراقتها، قدر على إراقتها بدون الكسر أو لا لم يضمنه؛ لحديث ابن عمر قال: «أمرني - صلى الله عليه وسلم - أن آتيه بمدية فأتيته، فأرسل بها فأهرقت ثم أعطانيها، ثم قال: «أعد علي بها» فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر وقد جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كان من ذلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ففعلت، فلم أترك زقًا إلا شققته» رواه أحمد، والزق: وعاء الخمر، قال أبو الطيب:
ولا تحسبن المجد زقًا وقينة ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
ولأمره - صلى الله عليه وسلم - بكسر دنها، رواه الترمذي، فلو لم يجز إتلافها لم يأمر - صلى الله عليه وسلم - بكسر الدنان ولا شق الزقاق، ولا يضمن من أتلف تلفزيونًا أو سينما لما فيهما من المفاسد العظيمة والشرور وتحطيم العقائد والأخلاق ونشر الخلاعة والمجون، فإن هاتين الصناعتين هما المنتهى الذي وصل إليه المصورون في فن التصوير المحرم، وفيهما مع فتنة التصوير فتنة تسجيل أصحاب الصور وحركاتهم وهيئاتهم حال الرقص والغناء والمعازف والإختلاط والتبرج والسفور والتشبه بأعداء الله والسير في ركابهم، وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في «الأدلة الكاشفة» : وأما التلفزيون فهو آلة خطيرة وأضرارها عظيمة كالسينما أو أشد وقد علمنا عنه من الرسائل المؤلفة في شأنه، ومن كلام العارفين به في البلاد العربية وغيرها ما يدل على خطورته وكثرة أضراره بالعقيدة والأخلاق وأحوال المجتمع، وما ذلك إلا لما يبث فيه من تمثيل الأخلاق السافلة والمرائي الفاتنة والصور الخليعة وشبه العاريات والخطب الهدامة والمقالات الكفرية والترغيب في مشابهة الكفار في أخلاقهم وأزيائهم وتعظيم كبرائهم وزعمائهم، والزهد في أخلاق المسلمين وأزيائهم والاحتقار لعلماء المسلمين وأبطال الإسلام وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم المقتضية لإحتقارهم والإعراض عن سيرتهم وبيان طرق المكر والإحتيال والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس، ولا شك أن ما كان بهذه المثابة وترتب عليه هذه المفاسد يجب منعه، والحذر منه وسد الأبواب المفضية إليه ... إلخ كلامه (ص40، 41) انتهى.
وبالتالي لو لم يكن فيهما إلا الصور المحرمة لكان كافيًا للقول بحرمتهما
للأحاديث الواردة في تحريم الصور كلها عدا الشجر وما لا روح له ولتحريم النظر إلى الأجنبيات، ولما يترتب على ذلك من نشوز أحد الزوجين عن الآخر.
ولا يضمن من أتلف المذياع الراديو؛ لأنه آلة لهو محرم لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ الآية، وقد فسر لهو الحديث كثير من السلف من الصحابة والتابعين: بالغناء والمزامير، وفسره بعضهم: بالأساطير والقصص من أخبار ملوك الأعاجم والروم، وبعضهم فسر لهو الحديث: بكل باطل يلهي ويشغل عن الخير، فإن فسرت هذه الآية بالغناء والمزامير فهو رأس الملاهي كلها وإن فسرت بالأساطير والقصص والأضاحيك المهزولة فهي غاية أخباره، وإن فسرت بما يجمع ذلك من كل باطل يلهي ويشغل عن الخير فهو الجامع لذلك وفوق ذلك الوصف.
ومن المعلوم لدى كل ذي عقل سليم أن الراديو المقصود الأصلي منه اللهو والغناء والإشتغال عن طاعة الله وفي المذياع يجمع بين كلام الله والغناء، وهذا من أعظم التنقص والإمتهان له والإستهزاء به والاستخفاف به، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية، وعدم تنزيه كلام الله عن مزامير الشيطان من أعظم الظلم وأقبحه.
وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن الراضي بالمعصية كالفاعل لها فالاستماع إليهم والحالة هذه مشاركة لهم، وقد أجمع المسلمون على تعظيم القرآن وتنزيهه.
وقال القاضي عياض رحمه الله: أعلم أن من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه أو جحد حرفًا منه أو كذب بشيء مما هو مصرح به فيه
من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك أو شك في شيء من ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين، انتهى.
ومن المؤسف لدى كل ذي عقل سليم صاحب علم ودين محب لكلام الله أن يسمع الغناء يقف إثر كلام بديع السموات والأرض، وختامًا فعلى المسلم أن يطهر سمعه عن استماعه، وكل الملاهي والأغاني والنظر إليها، لعله أن يفوز باستماع أصوات الحور العين في جنات النعيم، ويرحم الله ابن القيم حيث يقول:
حب الكتاب وحب ألحان الغنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان
ويقول الآخر:
تقول نساء الحي تطمع أن ترى
محاسن ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها
سواها وما طهرتا بالمدامع
وتطمع منها بالحديث وقد جرى
حديث سواها في خروق المسامع
ولا يضمن من أتلف آلات اللهو بكمًا أو إسطوانة أو نحوهما لتحريمهما لما فيها من المفاسد والشرور، ولا يجوز بيعها أو شراؤها ولا إجارتها ولا إعارتها، ولا يضمن من أتلف كورة؛ لأنها من آلات اللهو، بل هي من أعظمها وقد عم البلاء بها في هذا الزمان وهي مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وكذا لا يضمن من أتلف الورق التي يلعب بها والكيرم ونحو هذه الملاهي.
ولا يضمن متلف الشيش المعدة لشرب الدخان ولا آلات شربه
ولا آلة توليعه وتطفيته كما أنه لا يضمن متلف الدخان؛ لأنه محرم شربًا وبيعًا وشراءً.
ومن الأدلة الدالة على تحريم الدخان قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ ولا يمتري عاقل في دخوله في قسم الخبائث، وورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل مسكر حرام» ، وقال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» ، وعن عائشة مرفوعًا: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملؤ الكف منه حرام» فهذه الأحاديث دالة على تحريمه، فإنه خبيث مسكر تارة ومفتر تارة أخرى.
ومن الأدلة على تحريمه أنه ثبت طبيًا أن التبغ يحتوي على كمية كبيرة من مادة النيكوتين السامة، وأن شاربه يتعرض لأمراض خطرة كثيرة في بدنه أولاً ثم تظهر تدريجيًا فيضطرب الغشاء المخاطي ويهيج ويسيل منه اللعاب بكثرة ويتغير ويتعسر عليه هضم الطعام.
وأيضًا يحدث إلتهابًا في الرئتين ينشأ عنه سعال، ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية وعروض أمراض صدرية ربما يتعذر البرء منها وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين يجتمع مثله على القلب فيضغط على فتحاته فيحصل عسر في التنفس.
ويؤثر على القلب بتشويش إنتظام دقاته وربما أدى بشرابه إلى الموت فيكون شاربه تسبب لقتل نفسه وقتل النفس محرم شرعًا، قال الله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا» .
ومن الأدلة الدالة على تحريمه أنه إسراف وليس فيه نفع مباح، بل هو
محض ضرر بأخبار أهل الخبرة، وقد حرم الإسراف والتبذير شرعًا، قال الله: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ وورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» .
ومن الأدلة الدالة على تحريمه كون رائحته الكريهة تؤذي الناس الذين لا يستعملونه، وعلى الخصوص في مجامع الصلاة ونحوها، فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعًا: «من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته» .
ومن المعلوم أن رائحة الدخان لا تقل عن كراهة رائحة الثوم والبصل، وورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس» ، وفي الحديث الآخر: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» ، وفيما ذكرنا كفاية من الأدلة الدالة على تحريمه، فالعاقل المتبصر ينظر ويتأمل ولا يغتر بأقوال أهل الأهواء.
ولا يضمن متلف آلة التصوير ولا متلف صور ذوات الأرواح مجسدة أو غير مجسدة كبيرة أو صغيرة؛ لأنها محرمة، وقد تواترت الأدلة على تحريم التصوير ومشروعية طمس الصور وفيها الوعيد الشديد للمصورين والأخبار بأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وقد قص الله علينا ما صنعه موسى –عليه السلام- بالعجل من إحراقه ونسفه وإلقائه في البحر، وأخبر تعالى عن خليله –عليه السلام- أنه قال لقومه: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ الآية، إلى أن قال: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ . وقد ذكرنا بعض الأدلة في الجزء الأول من «الأسئلة والأجوبة الفقهية» في (ص97) في (س ج 184) فنكتفي بذلك عن الإطالة.
ولا يضمن من كسر إناء فضة أو ذهب، وأما إذا أتلفه؛ فإنه يضمن بوزنه فضة أو ذهبًا بلا صناعة، والفرق بينه وبين آلة اللهو أن الذهب والفضة لا يتبعان الصنعة، بل هما مقصودان عملاً أو كسرًا، والخشب والرق يصيران تابعين للصنعة، فالصناعة في الذهب والفضة كالغناء في الآدمية؛ لأن الصناعة أقل من الأصل، والخشب والرق لا يبقى مقصودًا في نفسه، بل يتبع الصورة، ولا يضمن من أتلف آلة سحر أو آلة تعزيم أو آلة تنجيم ولا يضمن من أتلف وثنًا وهو الصنم يعبده المشركون، ولا يضمن من أتلف كتب مبتدعة مضلة أو كتب كفر وإلحاد، تنبيه: وليحذر اللبيب من اقتنائها أو المطالعة فيها، وإذا أشكل عليه معرفة كتاب، هل مصنفه مستقيم أم لا؟ فليسأل عنه أهل العلم المستقيمين العاملين بعلمهم الموثوق بدينهم وأمانتهم ممن يعرف المصنفين الموثوقين السلفيين ويعرف المشهورين بالبدع والقلوب المرضى بالشكوك والشبهات ليبعد عن كتبهم ويحذر عنها.
ولا يضمن من أتلف أو حرق مخزن خمر أو كتبًا فيها أحاديث موضوعة؛ لأنه يحرم بيعه، ولأن مخزن الخمر من أماكن المعاصي وإتلافها جائز؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حرق مسجد الضرار، وأمر بهدمه، قال ابن القيم في كتاب «الهدى» : ولا فرق بين كون المتلف مسلمًا أو كافرًا كل لا يضمن شيئًا مما ذكر.
وفي «الفنون» : يجوز إعدام الآية من كتب المبتدعة؛ لأجل ما هي فيه وإهانة لما وضعت له ولو أمكن تمييزها.
ولا يضمن من أتلف كتبًا فها سخائف لأهل الخلاعة كالمجلات الخليعة والدواوين المحتوية على الهجاء والإغراء بالفجور والفسق والإلحاد.
وختامًا: فعلى من منَّ الله عليه بأن لم يكن عنده شيء من المنكرات التي
تقدم ذكرها أن يذكر من حمد الله وشكره، ويسأل الله الثبات على ذلك حتى الممات، وعلى من كانت عنده للاستعمال أو يتعاطى بيعها وشراءها أن يبادر إلى الله بالتوبة النصوح وليبعدها عنه بإتلافها أو نحو ذلك، وإن كان عنده عوضها فليتصدق به على الفقراء أو يدفعه للإمام الأهل كما مر وليحذر كل الحذر أن يخلفها بعده نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله الحي القيوم العلي العظيم القريب المجيب أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها ومن أمثالها وأن يوفق ولاة المسلمين لإزالتها ومنعها، اللهم صل على محمد وآله وسلم.
ومن كسر حليًا محرمًا على ذكر لم يضعه مالكه يصلح للنساء كلجام وسرج ونحوه لم يضمنه؛ لعدم إحترامه، وأما إذا أتلفه فقد تقدم أن محرم الصناعة يضمن بمثله وزنًا وتلغى صناعته.
ولا يجوز كسر حلي صلح للنساء كخواتم ذهب، فإن كسرها؛ فإنه يضمن قيمتها، وأن اللبس الصالح للنساء كالأردية المنسوجة بالحرير والقصب يضمنها متلفها بتشقيق أو تخريق أو غيره، فأما إتلاف نحو عمامة حرير مختصة بالرجال، فإنها لا يضمنها متلفها لإزالته منكرًا ويؤيد عدم ضمان ما ليس بصالح للنساء نص الإمام أحمد في رواية المروذي على تخريق الثياب السود لما فيه من التشبه بالكفار المنهي عنه.
قال الشيخ تقي الدين: للمظلوم الإستعانة بمخلوق في دفع الظلم عن نفسه فاستعانته بخالقه أولى من استعانته بمخلوق وله الدعاء على ظالمه بقدر ما يوجبه ألم ظلمه، ولا يجوز له الدعاء على من شتمته أو أخذ ماله بالكفر؛ لأنه فوق ما يوجبه الظلم ولو كذب ظالم على إنسان لم يفتر عليه، بل يدعو الله فيمن يفتري عليه نظيره، وكذا إن أفغسد عليه دينه فلا يفسد عليه هو دينه، بل يدعو الله عليه فيمن يفسد عليه دينه.
هذا مقتضى التشبيه والتورع عنه أولى، قال أحمد: الدعاء قصاص، ومن
دعا على من ظلمه فما صبر يريد أنه انتصر لنفسه؛ لقوله –عليه السلام-: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» رواه الترمذي عن عائشة، ولمن صبر فلم ينتصر وغفر، إن ذلك الصبر والتجاوز لمن عزم الأمور.
من النظم فيما يتعلق بجناية البهائم وما لا يغرم وما يغرم
وما جنت العجماء نهارًا فمهدر
سوى مع تفريط وفي يد مرشد
كإرسالها عمدًا بقرب الذي جرت
بإفسادها عاداتها لا التبعد
وضمن بليل غير متقن حفظها
وإن غلبت من غير حبس فلا يد
وإن نفرت خذ ما جنت من منفر
وعنه بليل ضمنن لا تقيد
ومن راكب أو قائد أو مسوقها
يزن مطلقًا عدوان فيها مع اليد
وطاء برجل رفس نح بدائه
ويضمن نفحًا هاجه كبح مقود
وعنه ليضمن سائق فعل رجلها
وعنه عن الرجل أعف عن غير معتد
وإن تك مع راع ومن يستعيرها
ومستأمن ألزمه مأربها يد
وما غير أشجار وزرع بلازم الضمان
ولو ليلاً سوى مع مفسد
ولا شيء فيما جوز الصول قتله
ومكلف أو عجمًا وبله وفوهد
ولا غرم في المقتول دفعًا لشره
إذا لم يفرد قاتل بالتزيد
وأن يصطدم فلكان إن غرقا معًا
بتضمين كل متلف الآخر أشهد
إذا فرطا بالضبط حتى تصادما
ومن خص بالتفريط بالغرم أفرد
ومنحدرًا ضمنه مصعدة سوى
مع العجز عن ضبط ودع غرم مصعد
ومن غاص مع تفريطه مال غيره
بماء له واعتاض إخراج مورد
ليكسر له ملغى وإن لم يفرطن
ليضمن رب المال نقص التشرد
وهل بذل المظروف يلزم أخذه
مع البذل من ذي الظرف وجهين أسند
وإن يصطدم نفسان عمدًا فموتًا
فذا شبه عمد ليس عمدًا بأجود
وقيل إذا ما كان يقتل غالبًا
فأهد لكل بالتقاصص تهتدي
وعاقل كل ضامن قتل مخطئ
وفي ماله التكفير مع باق مفسد
وقيمة عبد متلف وركابه
كذلك قدر الحر في نفس أعبد
وعبدين إن كانا فماتا فما توى
لفوت محل الغرم أهدره ترشد
وسائرهم ضمنه متلف واقف
وقد قيل لا مع ضيق موقفه قد
وأهدر على المنصوص متلف سائر
وقد قيل لا بل قيل مع ضيق مورد
وإن غلب المركوب راكبه فلا
ضمان لمال متلف في مبعد
ومن يقل انبذ رحلك أضمنه تبح
فالزم وفي تضمينه قسطه قد
ويكره بيع وابتياع بموطن الظلام
كذا غصب لقصد التزهد
ولا غرم في كسر الصليب ولا أنا
لجين وعين قل ولا آلة الدد
وتمزيق كتب السحر أو لمنجم
وشبههما من كتب محظور أعدد
وشق ظروف الخمر يا صاح مطلقًا
وإن نفعت في غيره في الموطد
(15)
باب في الشفعة
س15: ما هي الشفعة؟ وما وجه مناسبتها للغصب؟ وبأي شيء ثبتت؟ وما أركانها؟ وما شروطها؟ وما الذي لا تجب به؟ وهل تسقط بالتحيل؟ ومثل له، وهل يقبل قول من ادعى ما يسقطها؟ ولأي شيء
شرعت الشفعة؟ وما الذي تسقط به؟ واذكر المحترزات والتفاصيل والأمثلة والأدلة والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: الشفعة بإسكان الفاء هي مشتقة من الزيادة والتقوية؛ لأن الشفيع يضمن المبيع إلى ملكه فيشفعه به وكأنه كان واحدًا وترًا فصار زوجًا شفعًا، وعين شافعة تنظر نظرين، وأنشد ابن الأعرابي:
ما كان أبصرني بغرات الصبا
فاليوم قد شفعت لي الأشباح
وأنشد ثعلب:
لنفسي حديث دون صحبي وأصبحت
تزيد لعيني الشخوص الشوافع
والشافع: هو جاعل الوتر شفعًا، والشفيع: فعيل بمعنى فاعل، ووجه مناسبة الشفعة للغصب تملك الإنسان مال غيره بلا رضا في كل منهما، والحق تقديمها عليه؛ لكونها مشروعة دونه؛ لكن توفر الحاجة إلى معرفته للاحتراز عنه مع كثرة وقوعه من الإستحقاق في البياعات والعقار والمنقول والأشربة والإجارات والشركات والمزارعات أوجب تقديمه.
ومن محاسن الشفعة: أن الجار ربما يكون في حاجة إلى هذه الحصة المبيعة كأن يكون بيته ضيقًا ويريد إتساعه أو تكون الأرض المشتركة بجوار مزارعه ويحتاج إليها، ومن محاسن الشفعة: التنبيه على عظم حق الجار والشريك حيث أن له الحق في التقدم على غيره في الشراء إلا إذا أسقط حقه بامتناعه عن الشراء، ومن محاسن الشفعة: دفع ضرر الجوار وهو مادة المضار، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وقال
النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا إضرار في الإسلام» ولا شك عند أحد
في حسن دفع ضرر التأذي بسبب المجاورة على الدوام من حيث إيقاد النار وإعلاء الجدار وإثارة الغبار وسائر أنواع الضرر.
ومن الفوائد المترتبة على الشفعة: أن يكون أحد الشريكين راغبًا في بيع حصته من دار أو أرض أو دكان فيأتي المشتري وربما كان عدوًا للشريك الآخر فيشتري الحصة المبيعة فيؤذي الشريك، فهذا الجوار بسبب البغض والحقد والحسد في النفوس، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا» الحديث، وربما يكون المشتري من ذوي الأخلاق الفاسدة والنفوس الشريرة فيصل الضرر إلى جاره، وربما ملّ الإنسان من ملكه، وما أحسن ما قيل:
كم معشر سلموا لم يؤذه سبع
وما نرى أحدًا لم يؤذه بشر
وقال الآخر:
إن السباع لتهدوا في مرابضها
والناس ليس بهاد شرهم أبدًا
والشفعة قبل الإجماع ثابتة بالسُّنة، فورد عن جابر قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» متفق عليه، ولمسلم قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه؛ فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه فهو أحق به» . وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط، والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد بيع نصيبه ويمكن من بيعه لشريكه
وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والإستخلاص، فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه لشريكه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص لشريكه من الضرر، فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه.
والشفعة في الشرع: إستحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد إن كان المتنقل إليه مثل الشفيع في الإسلام والكفر أو دون الشريك بأن كان الشريك مسلمًا، والمنتقل إليه الشقص كافرًا، ولا شفعة في الموروث والموصى به والموهوب بلا عوض ولا المجعول مهرًا أو عوضًا في خلع ونحوه أو صلحًا عن دم عمد ونحوه ولا تسقط الشفعة باحتيال على إسقاطها.
ويحرم الاحتيال على إسقاطها، قال الإمام أحمد: «ولا يجوز شيء من الحيل في إبطالها ولا إبطال حق مسلم له» ، واستدل الأصحاب بحديث أبي هريرة: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها، جملوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه» متفق عليه، ولأن الله تعالى ذم المخادعين قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ، وقال عبد الله بن عمر: من يخدع الله يخدعه.
واتفق السلف على أن الحيل بدعة محدثة لا يجوز تقليد من يفتي بها، ويجب نقض حكمه ومن احتال على تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرض الله، وتعطيل ما شرعه الله كان ساعيًا في دين الله بالفساد.
وقال الشيخ - رحمه الله -: وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال على إسقاط الشفعة فهو باطل؛ لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر فلو شرع التحيل لإبطالها؛ لكان عودًا على إبطال مقصود الشريعة.
وقال ابن القيم: من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله، ثم أنصف لم يشك أن تقرير الإجماع من الصحابة على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يدعى في إجماعهم، بل أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها، والمنع عنها ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسُّنة.
اهـ.
ومعنى الحيلة: أن يظهروا في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه ويتواطئوا في الباطن على خلافه كإظهار هبة شقص مشفوع لمشتر وإظهار هبة ثمن من مشتر لبائع بعد أن تواطئوا على ذلك، أو إظهار ثمن كثير وهو قليل مثل أن شتري شيئًا يساوي عشرة دنانير بألف درهم ثم يقتضيه عنها عشرة دنانير أو يشتريه بمائة دينار ويقضيه عنها مائة درهم، أو يشتري البائع من المشتري سيارة قيمتها مائة بألف في ذمته ثم يبيعه الشقص بالألف، أو يشتري شقصًا بألف يدفع منها مائة ويبرئه البائع من الباقي وهي تسعمائة، أو يشتري جزءًا من الشقص بمائة ثم يهب له البائع باقيه، أو يعقد البيع بثمن مجهول المقدار كأن يبيعه الشقص المشفوع بصبرة يجهل قدرها، والصبرة ما جمع بلا كيل ولا وزن ولا عد، أو حفنة قراضة أو جوهرة معينة أو سلعة معينة غير موصوفة، أو بمائة درهم ولولؤة ونحو ذلك، فإن وقع ذلك في غير حيلة سقطت الشفعة، وإن تحيلا به على إسقاطها لم تسقط، ويؤخذ الشقص فيما إذا ظهر التواهب بمثل ثمن وهب للبائع إن كان مثليًا أو قيمته إن كان متقومًا.
وفي الصورة الثانية: وهي ما إذا كان قيمة الشقص عشرة دنانير وأظهر أن الثمن ألف درهم يؤخذ شقص بمثل ثمن عقد باطنًا وهو عشرة دنانير.,
وفي الصورة الثالثة: وهي ما إذا اشترى الشقص بمائة دينار وقضاه عنه مائة درهم دون المائة دينار؛ لأنها غير المقصودة.
وفي الصورة الرابعة: وهي إذا اشترى سيارة قيمتها مائة بألف في ذمته ثم باعه الشقص المشفوع بألف يؤخذ مائة درهم أو قيمتها ذهبًا؛ لأن المائة هي المقصودة دون الألف.
وفي الصورة الخامسة: وهي ما إذا اشترى شقصًا بألف ودفع منها مائة وأبراه البائع من تسع مائة يؤخذ منه مائة أو الباقي بعد الإبراء؛ لأن ما زاد عليه ليس مقصودًا حقيقة.
وفي الصورة السادسة: وهي ما إذا اشترى جزءًا من الشقص بمائة ثم وهب له البائع بقية الشقص يؤخذ أيضًا مائة لا غير؛ لأنه إنما وهبه بقية الشقص عوضًا عن الثمن الذي اشترى به الجزء.
وفي الصورة السابعة: وهي ما إذا باعه الشقص بصبرة دراهم مشاهدة مجهول قدرها حيلة أو بحفنة قراضة أو جوهرة معينة ونحوها مجهولة القيمة حيلة ومع جهل ثمن شقص فيؤخذ مثل الثمن المجهول أو من الدراهم بقيمته إذا كان جوهرة ونحوها إن كان الثمن باقيًا ولو تعذر معرفة الثمن مع الحيلة بتلف المعقود عليه أو موت العبد ونحوه المجعول ثمنًا دفع الشفيع إلى المشتري قيمة الشقص المشفوع؛ لأن الأصل في عقود المعاوضات أن يكون العوض بقدر القيمة؛ لأنها لو وقعت بأقل أو أكثر؛ لكانت محاباة والأصل عدمها.
قال في «الفائق» : ومن صور التحيل أن يقفه المشتري أو يهبه حيلة لإسقاطها فلا تسقط بذلك عند الأئمة الأربعة ويغلط ومن يحكم بها ممن ينتحل مذهب أحمد، وللشفيع الأخذ بدون حكم، انتهى.
قال في القاعدة
الرابعة والخمسين: هذا الأظهر.
وإن تعذر علم قدر الثمن من غير حيلة في ذلك على إسقاط الشفعة بأن قال المشتري: لا أعلم قدر الثمن ولا بينة به، فقوله مع يمينه أنه لا يعلم قدر الثمن ويقبل قول مشتر في نفي الحيل على إسقاط الحيلة؛ لأن الأصل عدم ذلك فإن نكل قضي عليه بالنكول.
وتسقط الشفعة حيث جهل قدر الثمن بلا حيلة كما لو علم قدره عند الشراء ثم نسي؛ لأن الشفعة لا تستحق بغير البدل ولا يمكن أن يدفع إليه مالاً يدعيه ودعواه لا تمكن مع جهله.
وإن خالف أحد المتعاقدين ما تواطئا وأظهرا خلافه كما لو تواطئا على أن الثمن عشرة دنانير وأظهرا ألف درهم فطالب البائع المشتري بما أظهراه وهو الألف في المثال، فإنه يلزم المشتري دفع ما أظهره المتبايعان وهو الألف حكمًا؛ لأن الأصل عدم التواطؤ.
قال في «شرح الإقناع» : قلت: إن لم تقم بينة بالتواطؤ وله تحليف البائع أنه لم يتواطأ معه على ذلك، انتهى.
ولا يحل في الباطن لمن غر صاحبه الأخذ بخلاف ما تواطآ عليه بأن يأخذ منه زيادة؛ لأنه ظلم.
تتمة في التحذير من الحيل: قد مسخ الله تعالى أهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره إذ كان مشروعًا لهم فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل فلم تخلص منها يومها كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما