الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 77-116
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشركة

صفحات 77-116
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

إلى الموصى له، وقد أمرنا بقتل الحربي وأخذ سلبه، فلا معنى للوصية له مع قيام هذا كله، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه نفسي، والله سبحانه أعلم.
وأما المرتد، فقيل: تصح له الوصية، اختار هذا القول أبو الخطاب، والقول الثاني اختاره ابن أبي موسى، أنها لا تصح له؛ لأن ملكه غير مستقر، ولا يرث ولا يورث، فهو كالميت، ولأن ملكه يزول عن ماله، بردته في قول جماعة، فلا يثبت له الملك بالوصية، وهذا القول هو الذي تميل إليه نفسي، والله أعلم.
وتصح الوصية مطلقة، كأوصيت لفلان كذا، وتصح مقيدة كأن مت في مرضي هذا أو بلدي هذا أو عامي هذا، فلبكر كذا أو فلزيد كذا؛ لأنه تبرع يملك تنجيزه، فملك تعليقه كالعتق.
وأركان الوصية أربعة: موص، ووصية، وموصًا به، وموصًا له، فالأول أن تكون من مكلف لم يعاين الموت، فإن عاينه لم تصح؛ لأنه لا قول له، والوصية قول.
والقول هو الذي تطمئن إليه النفس أنها تصح ما دام العقل ثابتًا، والله أعلم.
وتصح من أخرس بإشاراته، وكذا معتقلاً لسانه على ما تميل إليه النفس يؤيده ما ورد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن جارية وجد رأسها قدرض بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟ فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، وحديث الجارية حين قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أين الله؟» فأشارت بأصبعها في السماء، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وكذا سفيه، وضعيف عقل، فتصح لتمحضها نفعًا له بلا ضرر كعبادته، ولأن الحجر على السفيه لحفظ ماله ولا إضاعة في الوصية؛ لأنه إن عاش فماله له.

وإن مات فله ثوابه، وهو أحوج إليه من غيره، ولا تصح الوصية من سفيه على ولده؛ لأنه لا يملك التصرف عليه بنفسه فوصيته أولى، ولا تصح الوصية من موص إن كان سكرانًا؛ لأنه حينئذ غير عاقل، أشبه المجنون، وطلاقه إنما وقع تغليظًا عليه.
ولا تصح الوصية من موص إن كان مبرسمًا؛ لأنه لا حكم لكلامه أشبه المجنون، وكذا المغمي عليه فإن كان يفيق أحيانًا وأوصى في حال إفاقته صحت، ولا تصح الوصية من طفل؛ لأنه لا يعقل الوصية ولا حكم لكلامه.
وتصح الوصية من المميز لما روى مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أن عمرو بن سليم أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن ها هنا غلامًا يفاعًا لم يحتلم وورثته بالشام وهو ذو مال، وليس له ها هنا إلا ابنة عم، فقال عمر: فليوص لها، فأوصى لها بمال، يقال: بئر جشم.
قال ابن عمرو بن سليم: فبعت ذلك المال بثلاثين ألفًا، ابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بن سليم، وهذه قضية انتشرت فلم تنكر، ولأنه تصرف تمحض نفعًا للصبي، فصح منه كالإسلام والصلاة؛ وذلك لأن الوصية صدقة يحصل ثوابها له بعد غناه عن ملكه وماله، فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه ولا أخراه.
بخلاف الهبة، والعتق المنجز، فإنه يفوت من مال يحتاج إليه، وإذا ردت رجعت إليه وها هنا لا يرجع إليه بالرد فإذا أوصى بوصية يصح مثلها من البالغ صحت منه، وما لا فلا، قال شريح وعبد الله بن عتبة وهما قاضيان من أصاب الحق أجزنا وصيته.

وتصح وصية كافر وفاسق رجلاً كان أو امرأة؛ لأن من كان كذلك هبته صحيحة، ولا تصح الوصية من طفل دون التمييز؛ لأنه لا يعقل الوصية ولا حكم لكلامه وإشارته ولا يجوز الوصية لعمارة القبور؛ لأن ذلك من مناهج الشرك ولا يجوز تنفيذها؛ لأن تنفيذها من أعظم التعاون على الإثم والعدوان.
ولا تصح الوصية لعمارة محل للتصوير ذوات الأرواح ولا لمحلات السينما والتلفزيون والمذياع؛ لأنها من البدع المحرمات المنكرات، وكذلك الفيديوهات؛ لأنها تنشر الفساد في الأرض والعياذ بالله، وكذلك محلات للفنانين المطربين والمطربات أبعدهم الله عن المسلمين، وكذلك للعابي الكرة، ونحو هذه المنكرات، ولا يجوز كتبها ولو أقدم الموصى على هذا المحرم، نسأل الله العافية وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، الله صل على محمد وآله وسلم.
والركن الثاني من أركان الوصية أن تكون صادرة بلفظ مسموع من الموصي بلا خلاف غير ما استثنى.
وتصح الوصية بخط إن ثبت أنه خط موص بإقرار وارث أنه خطه، أو بينة تشهد أنه خطه، ويعمل بها.
قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد صرح أصحاب أحمد والشافعي بأن الوارث إذا وجد في دفتر مورثه إن لي عند فلان كذا، جاز أن يحلف على استحقاقه، وكذا لو وجد في دفترته إني أديت إلى فلان ما علي، جاز أن يحلف على ذلك، إن وثق بخط مورثه، وأمانته.
وقال في «الاختيارات» : وتنفيذ الوصية بالخط المعروف،

وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد.
اهـ. والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» ، ولم يذكر أمرًا زائدًا على الكتابة، فدل على الاكتفاء بها.
واستدل أيضًا بأنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عماله وغيرهم ملزمًا لهم بالعمل بتلك الكتابة، وكذا الخلفاء الراشدون من بعده، ولأن الكتابة تنبئ عن المقصود، فهي كاللفظ المسموع.
قال الحارثي: وقول أحمد إن كان عرف خطه، وكان مشهور الخط ينفذ ما فيها، فإنه ناط الحكم بالمعرفة، والشهرة من غير اعتبار لمعاينة الفعل، وقال الحارثي أيضًا: ولا شك أن المقصود حصول العلم بنسبة الخط إليه وذلك موجود بحيث يستقر في النفس استقرارًا لا تردد معه فوجب الاكتفاء به.
اهـ. ومثل خط الموصى خط الحاكم وعليه عمل الناس قديمًا وحديثًا وما جرت به عادة الناس من كتب الشاهدين ونحو ذلك ليس فيه نص شرعي واستحبه بعضهم قطعًا للنزاع واحتياطًا لما فيها.
ومحل ذلك ما لم يعلم رجوعه عن الوصية فتبطل؛ لأنها جائزة كما يأتي فله الرجوع عنها، وإذا لم يعلم رجوعه عنها عمل بها، وإن طال الزمن أو تغير حال موص، مثل أن يوصي في مرضه فيبرأ منه، ثم يموت بعد ذلك أو يقتل؛ لأن الأصل بقاء الموصي على وصيته.
ولا تصح أن ختمها موص وأشهد عليها مختومة، ولم يعلم الشاهد ما فيها، ولم يتحقق أن الوصية بخط الموصي، فلا يعمل بها؛ لأن الشاهد لا تجوز له الشهادة، بما فيها بمجرد هذا القول، لعدم علمه بما فيها، ككتاب القاضي إلى القاضي، فإن ثبت أنه خطه عمل بها لما تقدم.

ويستحب أن يكتب في صدر وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصي به فلان بن فلان، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله، إن كانوا مؤمنين.
وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ رواه سعيد.
ومما ينسب لأبي حنيفة، وأنه أملاها على البديهة ما يلي: صورتها بعد البسملة الشريفة.
وقد حذفنا من آخرها ما نراه غير مناسب هذا ما أوصى به فلان بن فلان الفلاني، وشهوده به عارفون، في صحة من عقله، وثبوت فهمه، ومرض جسمه.
وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك ولم يكن له ولي من الذل، وهو الكبير المتعالي.
وأن محمد عبده ورسوله، وأمينه على وحيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
مبتهلاً إلى الله - سبحانه وتعالى - أن يتم عليه ذلك، ولا يسلبه ما وهب له فيه، وما امتن به عليه، حتى يتوفاه إليه، فإن له الملك وبيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وأوصى هذا الموصي فلان ولده وأهله وقرابته وأخوته ومن أطاع أمره بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ .

وأوصاهم جميعًا أن يتقوا الله حق تقاته، وأن يطيعوا الله في سرهم، وعلانيتهم في قولهم وفعلهم، وأن يلتزموا طاعته، وأن ينتهوا عن معصيته، وأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وجميع ما أوصاهم به فلا غنى لهم عنه، ولا غنى لأحد عن طاعة الله، وعن التمسك بأمره.
أوصى هذا المسمى عافاه الله - سبحانه وتعالى - ولطف به إلى فلان ابن أبي فلان الفلاني: أنه إذا نزل به حادث الموت، الذي كتبه الله على خلقه، وساوى فيه بين بريته، وصار إلى ربه الكريم، وهو يسأله خير ذلك المصير.
أن يحتاط على تركته المخلفة عنه، فيبدأ منها بمؤنة تجهيزه، وتكفينه ومواراته في حفرته، أسوة أمثاله، ثم يوفي ما عليه من الديون الشرعية المستقرة في ذمته، وهي التي أقر بها هذا الموصي المسمى بحضرة شهوده، وأشهدهم عليها بها، فمنها ما أقر به أن عليه وفي ذمته بحق شرعي لفلان بن فلان الفلاني كذا.
ومن ادعى غير من ذكرهم وسماهم عليه دينًا، وأثبته، فيدفعه إليه، وأن يخرج عنه من ثلث ماله المخلف لفلان كذا ولفلان كذا.
وإن كان يوصي بأشياء تجوز شرعًا ذكرها، ثم ما بقي بعد وفاء دينه وتنفيذ وصاياه يقسم بين ورثته وهم فلان وفلان على الفريضة الشرعية، وأن ينظر في أمر ولده الصغير فلان ويحفظ له ما يخصه من تركته إلى بلوغه وإيناس رشده أوصي بذلك جميعه إليه وعول فيما ذكر عليه لعلمه بديانته وأمانته وعدالته ونهضته وكفايته.
وجعل له أن يسند إلى من شاء، ويوصي به إلى من أحب، وللمسند إليه من جهته مثل ذلك، وللموصى إليه من جهته مثل ما إليه، وصيًا بعد وصي، ومسندًا بعد مسند، وقيل:

الوصي منه ذلك في مجلس الإيصاء، في وجه الموصي، قبولاً شرعيًا، وأشهد عليها بذلك، ويؤرخ.
صورة وصية إلى رجل وناظر عنه: هذا ما أوصي فلان إلى فلان –أو أسند فلان وصيته الشرعية- حذرًا من هجوم المنية، واتباعًا للسنة النبوية، حيث ندب إلى الوصية إلى فلان حال توعك جسده، وصحة عقله، حضور حسه وفهمه، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الموت حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
أنه إذا نزل به حادث الموت الذي كتبه الله على العبيد، وساوى فيه بين الصغير والكبير والغني والفقير، والشريف والحقير، والشقي والسعيد، أن يحتاط على تركته المخلفة بعده، أو المخلفة عنه.
ويبدأ أولاً منها بؤن التجهيز وتكفينه، ومواراته في حفرته، كأحسن ما يفعل بأمثاله، على وفق النصوص الشرعية من الكتاب والسُّنة الشريفة النبوية، ثم يقضي ديونه الشرعية، لتبرد عليه جلدته؛ لأن نفس المؤمن معلقة بدينه، وتنفيذ وصاياه من ثلث ماله راجيًا من الله العلي القدير أن تكون مقبولة عند الله مع صالح أعماله.
ثم يقسم تركته على مستحقي إرثه قسمًا شرعيًا ويراعى ما يعتبر فيه طريق الشرع، ويرعى ويحفظ ما يختص بأولاده الصغار لديه، وهم فلان وفلان، ويجتهد في حفظه والاحتراز عليه، ويتصرف لهم بما فيه الحظ والمصلحة والغبطة والنمو والزيادة عاملاً في ذلك بتقوى الله الذي الحكم له والإرادة.
ويعامل لهم فيه بسائر المعاملات الجائزة شرعًا، وينفق

عليهم من مالهم، ويكسوهم منه من غير إسراف ولا تقتير، مراقبًا في ذلك كله السمع البصير.
فإذا بلغ كل منهم رشده، مصلحًا لماله، وصالحًا في دينه، سلم إليه ما فضل من ماله.
وأوصاه بحسن التصرف، في ابتداء أمره ومآله، وأشهد عليه بقبضه، وصية صحيحة شرعية أسندها إليه، وعول فيها عليه، لعلمه بديانته وأمانته ونهضته وكفايته، وأذن له أن يسند وصيته هذه إلى من شاء من أهل الخير والديانة والصدق والعفاف والأمانة إذنًا شرعيًا، وقبل الموصى إليه ذلك منه قبولاً شرعيًا.
وجعل الموصى النظر في هذه الوصية لفلان، بحيث لا يتصرف الموصى المذكور في ذلك، ولا في شيء منه إلا بإذن الناظر المشار إليه، ومراجعته فيه ومشاورته ومشاركته وإطلاعه، إلا أن يسافر الناظر إلى فوق مسافة القصر.
فإن سافر أو مرض واشتغل بمرضه، كان للوصي التصرف من غير مشاركة إلى أن يعود من سفره قبل الوصي والناظر منه ذلك قبولاً شرعيًا، ورجع الموصى المذكور عن كل وصية كان أوصى بها قبل هذه الوصية، وأخرج من كان أوصى إليه وعزله عما كان أوصى به إليه، فلا وصية لأحد سوى هذا الموصي المسمى أعلاه، بنظر الناظر المشار إليه، أعلاه، ويكمل.
صورة وصية: الحمد لله الذي تقرر بالبقاء، وحكم على عباده بالفناء، والصلاة والسلا على سيدنا محمد المنزل عليه في الكتاب المبين ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ وعلى آله وأصحابه الذين كانوا إلى الخيرات يسارعون.
وبعد، فلما كانت الدنيا دار ممر ولا دار مقر، وكل من عليها

فان، وصائر إلى الزوال، ولا ينفع المرء إلا ما قدمه من صالح الأعمال في يوم لا بيع فيه ولا خلال.
وكان من أعظم القربات: فعل الخيرات، وعمل المبرات، وقد جاءت بالوصية السُّنة السنية، أوصي فلان، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصي من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين.
وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ . وأوصي بأنه إذا جاءه الأمر المحتوم، ونفذ به القضاء المعلوم، أن يبدأ في تجهيزه من تركته من غير تبذير، ولا تقتير، ثم يقضي ما عليه من ديون من دون تأخير، حقوق الله وحقوق الآدميين، لتبرد عليه جلدته؛ لأن نفس المؤمن معلقة بدينه.
ويشتري بثلث ماله عقارًا مما يكون أبقى أصلاً، وأكثر مغلاً ويشتري من ريعه ثلاث أضاحي واحدة ينوي ثوابها له، والثانية لوالدته ينوي ثوابها، والثالثة لوالده ينوي ثوابها، والباقي من الريع يعمر فيه مساجد، أو يصلح ما خرب فيها منه، أو يشارك في عمارتها.
أو يشتري فيه مصاحف جيدة الورق والتجليد، توزع على التالين لكتاب الله في كثير من الأوقات، أو يطبع منه كتب دينية مقوية للشريعة، مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومثل البخاري ومسلم.
أو يوزع على فقراء لا موارد لهم بتاتًا أو لهم شيء قليل لا يمونهم إلا بعض الحول، والوكيل على ذلك الصالح من الذرية، مهما تعاقبوا وتناسلوا ... إلخ.

فصل ويسن لمن ترك خيرًا، وهو المال الكثير أن يوصي بالخمس، روي عن أبي بكر وعلي -رضي الله عنهما-، قال أبو بكر: رضيت بما رضي الله به - سبحانه وتعالى - لنفسه، يعني في قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وعمر بالربع، قال قتادة: والخمس أحب إلي، وقال الموفق وغيره: هو أفضل للغني، وقال الوزير: أجمعوا على أنه إنما يستحب للموصي أن يوصي بدون الثلث مع إجازتهم له عملاً بإطلاق النصوص.
وقال بعضهم: إن كان له مال كثير، فإن كانت ورثته فقراء فالأفضل أن يوصي بما دون الثلث ويترك المال لورثته؛ لأن غنية الورثة تحصل بما زاد على الثلث إذا كان المال كثيرًا ولا تحصل عند قلته والوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع والوصية بالربع أفضل من الوصية بالثلث.
لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك شيئًا من حقه لورثته؛ لأن الثلث حقه.
وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: الخمس اقتصاد والربع جهد مقدمًا أولاً القريب الفقير الذي لا يرث؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - كتب الوصية للوالدين والأقربين فخرج منهم الوارثون، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث» ، وبقي سائر الأقارب على الوصية لهم، وأقل ذلك الاستحباب.
لأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل، فكذا بعد الموت، وإن لم يكن له قريب فقير وترك خيرًا، فالمستحب أن يوصي لمسكين وعاجز فقير، وصاحب دين فقير، وابن سبيل وغاز.
وتكره وصية لفقير إن كان له ورثة محاويج؛ لقوله –عليه الصلاة والسلام-: «إنك إن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة» ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الغني، فمتى يبلغ الميراث غناهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه فيكون ذلك أفضل من الوصية لغيرهم.
فعلى هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغناهم وفقرهم، وإن كان ورثة الفقير أغنياء أبيحت له الوصية.
وتباح الوصية ممن لا وارث له، لا بفرض ولا تعصيب ولا رحم بجميع ماله، روي عن ابن مسعود لأن المنع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، فحيث لا وارث له ينتفي المنع لانتفاء علته.
فلو مات وورثه زوج أو زوجة، وكان قد وصى بجميع ماله، ورد الوصية الزوج أو الزوجة بكل المال، بطلت الوصية في قدر فرض الرد من ثلثي المال.
فإن كان الراد زوجًا بطلت في الثلث؛ لأنه له نصف الثلثين، وإن كان زوجة، بطلت في السدس؛ لأن لها ربع الثلثين، وذلك أن الزوج والزوجة لا يرد عليهما والثلث لا يتوقف على إجازة الورثة فلا يأخذان من الثلثين أكثر من فرضيهما.
فيأخذ موص له الثلث؛ لأنه لا يتوقف على إجازة، ثم يأخذ ذو الفرض، وهو أحد الزوجين، فرضه من ثلثي المال، ثم تتمم الوصية من الباقي من الثلثين؛ لأن الزائد على فرض أحد الزوجين، لا أولى به من الموصى له، أشبه ما لو لم يكن لموص وارث مطلقًا.
ولو وصى أحد الزوجين للآخر بكل ماله ولا وارث له غيره، فللموصى له كل المال، فيأخذه جميعه إرثًا ووصية.
وقيل: لا يصح وله على الرواية الثانية الثلث بالوصية ثم فرضه من الباقي والبقية لبيت المال.
قال الناظم:

وإيصاء ذي مال كثير ووارث

غني بخمس المال ندب فأكد

وقال أبو بكر إذا بالوجوب

للقريب الفقير إن عن تراث يصدد

وإن كان ذا مال قليل ووارث

فقير فأيصا الفتى أكرهه واصدد

ومن لم يكن ذا وارث فهو جائز

بكل الذي يحويه في المتأكد

ومن زاد عن ثلثيه عن فرض زوجة

وزوج ولا تعصيب للزوج فاردد

ويكره لذي الوارث الإيصاء لبعضهم

وما زاد عن ثلث لشخص مبعد

وقف كل ممنوع على إمضاء وارث

ولو خص كلا قدر إرث بمبعد

ولا يمنع الإيصاء ذو رحم له

على أشهر الوجهين في الشرح فاقصد

وإن ضاق عن كل الوصايا لثلثه

فوزع على قدر الوصايا تسدد

وعن أحمد بطلان الإيصا لوارث

وقيل وفوق الثلث للمتبعد

ومن جائز التصريف في ماله من

الإجازة صحح لا سفيه وفوهد

وذو الإرث إن وصى له ثم لم يمت

إلى أن غدًا بالحجب عنه كأبعد

فصحح له الإيصاء وعكس بعكسه

لأن اعتبار الحال بالموت فارصد

وموص لسعدي ثم أوصت له متى

تزوجها إن رد الإيصاء تفسد

وما رد وارث الفتى قبل موته

وتنفيذهم مجد بلى بعده قد

كذا رد م أوصى له والقبول بالتـ

راخي وفي التنفيذ ذا لم أبعد

ويجب على من عليه حق بلا بينة ذكر الحق، سواء كان لله - سبحانه وتعالى -،

أو لآدمي لئلا يضيع.
وتحرم الوصية ممن يرثه غير زوج أو زوجة بزائد على الثلث لأجنبي ولوارث بشيء سواء كانت في صحته أو مرضه أما تحريم الوصية لغير وارث بزائد على الثلث، فلقوله - صلى الله عليه وسلم - لسعد حين قال: أوصي بمالي كله، قال: «لا» ، قال: فالشطر، قال: «لا» ، قال: فالثلث، قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» متفق عليه، وأما تحريمها للوارث بشيء، فللحديث: «أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» رواه الخمسة إلا النسائي.
وقد ألغز بعضهم حول قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا وصية لوارث» ، فقال:

ألا فاسألوا من كان في العلم بارعًا ... وفي الفقه أفتى عمره بابتذاله عن المرء يوصي قاصدًا وجه ربه ... لزيد كما سماه من ثلث ماله فإن يكن الموصى له متمولاً ... دفعنا له الموصى له بكماله وإن كان ذا فقر وقل وفاقة ... حرمناه ذاك المال فإرث لحاله أيحرم ذو فقر ويعطاه ذو الغنى ... لعمرك ما رزق الفتى باحتياله فلا تعتمد إلا على الله وحده ... ولا تستند إلا لعز جلاله

الجواب: أن يقال الموصى له المتمول أجنبي من الموصي غير وارث، وأما الفقير المحرم منها فهو الوارث؛ لحديث: «فلا وصية لوارث» . وتصح هذه الوصية المحرمة، وتقف على إجازة الورثة؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «لا تجوز وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» ، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «لا وصية لوارث، إلا أن تجيز الورثة» رواهما الدارقطني.
ولأن المنع لحق الورثة فإذا رضوا بإسقاطه نفذ.
وتصح لولد وارثه، فإن قصد نفع الوارث لم تجز فيما بينه وبين الله - سبحانه وتعالى -؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد وتنفذ حكمًا؛ لأنها لأجنبي ولو وصى إنسان له ورثة، بكل وارث منهم بمعين من ماله بقدر إرث الموصى له من الموصي صح، أجاز ذلك الورثة أو لا، سواء كان ذلك في الصحة أو المرض.
فلو ورثه ابنه وبنته فقط، وله عبد قيمته مائة، وأمة قيمتها

خمسون، فوصى لابنه بالعبد ونته بالأمة، صح؛ لأن حق الوارث في القدر لا في العين، لصحة معاوضة المريض بعض ورثته، أو أجنبيًا جميع ماله بثمن مثله، ولو تضمن فوت العين، عين جميع المال.
وإذا أوصى بوقف ثلثه على بعض ورثته، فقيل: يجوز سواء أجاز ذلك باقي الورثة أو رده في الصحة أو في المرض؛ لأنه لا يباع، ولا يورث، ولا يملك ملكًا تامًا، لتعلق حق من يأتي من البطون به، وهذه من المفردات.
والقول الثاني: لا يصح أن يوقف ثلثه على بعض ورثته، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه نفسي لإيجاب العدل بين الأولاد، والله أعلم.
ومن لم يف ثلثه بوصاياه ولم تجز الورثة أدخل النقص على كل من الموصى لهم بقدر وصيته، كمسائل العول، فلو وصى لواحد بثلث ماله ولآخر بمائة ولثالث بعبد قيمته خمسون وبثلاثين لفداء أسير ولعمارة مسجد بعشرين وكان ثلث ماله مائة، وبلغ مجموع الوصايا ثلاثمائة نسبت منها الثلث فهو ثلثها فيعطى كل واحد ثلث وصيته، وإن كانت وصية بعضهم عتقًا؛ لأنهم تساووا في الأصل وتفاوتوا في المقدار فوجب أن يكون ذلك.
وقيل: يقدم العتق، وما فاضل يقسم بين سائر الوصايا؛ لأن فيه حقًّا لله - سبحانه وتعالى - ولآدمي، فكان آكد، ولأنه لا يلحقه فسخ، ولأنه أقوى بدليل سرايته ونفوذه.
وإن أجاز الورثة الوصية بزائد على الثلث، أو لوارث بشيء بلفظ إجازة، كأجزتها أو بلفظ إمضاء كأمضيتها أو بلفظ تنفيذ كنفذتها لزمت الوصية؛ لأن الحق لهم، كما تبطل بردهم.
ولو أسقط مريض عن وارثه دينًا، أو عفا عن جناية موجبها

المال، أو أسقطت امرأة صداقها عن زوجها في مرضها المخوف، فكالوصية يتوقف على إجازة الورثة؛ لأنه تبرع في المرض فهو كالعطية فيه.

س10: تكلم بوضوح عن إجازة الورثة لما زاد على الثلث لأجنبي وللوارث بشيء، هل يثبت لها أحكام الهبة؟ وهل يحنث الحالف بها لا يهب شيئًا؟ ولمن ولاء العتق المجاز، ومن الذي يختص به؟ وهل يعتبر للزومها القبول والقبض؟ وما حكمها من السفيه والمفلس وغير المكلف؟ وهل تلزم مع جهالة المجاز؟ وما زاد على الثلث مما أجيز كيف يكون العمل به؟ ومتى وقت الاعتبار بالإجازة؟ وما الذي يعتبر فيمن وصى له أو وهب له، وإذا أجاز مشاعًا ثم قال: إنما أجزت ذلك لأني ظننته قليلاً فما الحكم؟ وبماذا يحصل قبول الوصية؟ ومتى محل القبول؟ وما حكم التصرف بالعين الموصى بها قبل القبول؟ وهل تجب الزكاة في الموصى به؟ ولمن نماء العين الموصي بها، وإذا كانت الوصية بأمة أو بزوجته الأمة فأحبلها الموصى له أو أحبلها الوارث في المسألة الأولى قبل القبول أو بعده، وضح ذلك مع ذكر ما يتعلق به من المسائل والقيود والمحترزات والخلاف والترجيح.

وهل يلزمه شيء، وإذا كانت الموصي بها أرض فغرس الموصى له قبل القبول، أو بنى بها قبل القبول فما الحكم؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: أجازة الورثة –لما زاد على الثلث للأجنبي وللوارث بشيء تنفيذ لما وصى به المورث ولا يثبت للإجازة أحكام الهبة، فلا تفتقر إلى أركان الهبة التي تتوقف عليها صحتها، من إيجاب وقبول، وقبض ونحوه، كالعلم بما وقعت فيه الإجازة، والقدرة على تسليمه.
ولا تثبت الهبة فيما وقعت فيه الإجازة، فلا يرجع أوارث من

موصى أجاز وصيته لابنه؛ لأن الأب إنما يملك الرجوع فيما وهبه لولده، والإجازة تنفيذ لما وهبه غيره لابنه.
ولا يحنث بالإجازة من حلف لا يهب؛ لأنها ليست هبة.
وولاء عتق من مورث يفتقر إلى الإجازة تنجيزًا كأن أعتق عبدًا لا يملك غيره ثم مات، أو موص به كوصيته بعتق عبد لا يملك غيره، فعتقه في الصورتين يتوقف على إجازة الورثة في ثلثيه، فإذا أجازوه نفذ وولاؤه لموص يختص به عصبته؛ لأنه المعتق والإجازة تنفيذ لفعله.
وما ولدته أمة موصى بعتقها قبل عتق وبعد موت يصير عتيقًا تبعًا لأمه كأم الولد والمدبرة.
وتلزم الإجازة بغير قبول من المجاز له وبغير قبض ولو كانت الإجازة من سفيه ومفلس بخلاف الصغير والمجنون؛ لأنها تنفيذ لا تبرع بالمال.
وقيل: إن إجازة السفيه والمفلس لا تصح، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه نفسي، والله أعلم.
وما جاوز الثلث من الوصايا إذا أجيز للموصى له فإنه يزاحم به مجاوز الثلث من لم يجاوزه كوصيتين إحداهما مجاوزة الثلث والأخرى غير مجاوزة كوصية بنصف ووصية بثلث فأجاز الورثة الوصية بالنصف فقط، فلذي نصف أجيز مع ذي ثلث لم يجز ثلاثة أخماس الثلث؛ لأن صاحب النصف يزاحم صاحب الثلث بنصف كامل فيقسم الثلث بينهما على خمسة وهي بسط النصف والثلث من مخرجهما وهو ستة لصاحب النصف ثلاثة أخماس ولصاحب الثلث خمساه، فيرد السدس إلى التركة اعتبارًا ثم يكمل لصاحب النصف نصف بالإجازة.
وإن قلنا: إنها عطية فإنما يزاحم بثلث خاصة إذ الزيادة عليه عطية محضة من الورثة لم تتلق من الميت فلا يزاحم بها الوصايا

لكن لو أجاز مريض مرض الموت المخوف وصية مورثة، جازت معتبرة من ثلثه لتركه حقًا ماليًا كان يمكنه أن لا يتركه، وقيل: إنها غير معتبرة من ثلثه؛ لأنها تنفيذ لا عطية.
ومحابات صحيح في بيع خيار له، بأن باع ما يساوي مائة وعشرين بمائة بشرط الخيار له إلى شهر مثلاً، ثم مرض البائع في الشهر المشروط فيه الخيار له، ولم يختر فسخ البيع حتى لزم، فإن العشرين تعتبر من ثلثه، لتمكنه من استدراكها بالفسخ، فتعود لورثته، فلما لم يفسخ، كان كأنه اختار ذلك للمشتري، أشبه عطيته في مرضه.
وكان مريض في قبض هبة وهبها وهو صحيح؛ لأنها قبل القبض كان يمكنه الرجوع فيها، ولا تعتبر محابات في خدمته من الثلث، بأن آجر نفسه للخدمة، بدون أجر مثله، ثم مرض فأمضاها، بل محاباته في ذلك من رأس ماله؛ لأن ترك الفسخ إذًا ليس بترك مال.
والاعتبار بكون من وصي له بوصية أو وهب له هبة من مريض وارثًا أو لا عند موت موص وواهب.
فمن وصى لأحد أخوته أو وهبه في مرضه، فحدث له ولد صحتا أن خرجتا من الثلث؛ لأنه عند الموت ليس بوارث.
وإن وصى أو وهب مريض أخاه، وله ابن فمات قبله، وقفتا على الإجازة إجازة باقي الورثة.
والاعتبار بإجازة وصية أو عطية، أو رد لأحدهما بعد الموت، وما قبل ذلك من رد، أو إجازة، لا عبرة به؛ لأن الموت هو وقت لزوم الوصية والعطية في معناها.
ومن أجاز من ورثة عطية، أو وصية، وكانت جزء مشاعًا كنصف أو ثلثين، ثم قال: إنما أجزته لأني ظننته قليلاً، ثم تبين أنه كثير، قبل قوله في ذلك بيمينه؛ لأنه أعلم بحاله والظاهر معه، فيرجع بما زاد على ظنه، لإجازته ما في ظنه.

فإذا كان المال ألفًا وظنه ثلاثمائة، والوصية بالنصف، فقد أجاز السدس، وهو خمسون، فهي جائزة عليه مع ثلث الألف، فللموصي له ثلاثمائة وثلاث وثمانون وثلث، والباقي للوارث، إلا أن يكون المال المخلف ظاهر، لا يخفى على المجيز، أو تقوم به بينة على المجيز بعلمه قدره، فلا يقبل قوله ولا رجوع له عملاً بالبينة.
وإن كان المجاز من عطية أو وصية عينًا كعبد أو فرس أو سيارة أو غسالة أو ثلاجة أو نحو ذلك يزيد هذا المعين على الثلث، فأجاز الورثة، وقال بعد الإجازة: ظننت المال كثيرًا تخرج الوصية من ثلثه، فبان قليلاً أو ظهر عليه دين، لم يقبل قوله.
أو كان المجاز مبلغًا معلومًا، كألف ريال أو مائة جنيه أو ألف صاع من بر، أو مائة كيلو تمر، تزيد على الثلث، أوصى وأجازها الوارث، وقال: ظننت الباقي كثيرًا بعده، فبان قليلاً أو ظهر عليه دين لم أعلمه، لم يقبل قوله، ولم يملك الرجوع؛ لأن المجاز معلومًا لا جهالة فيه.
وقال الشيخ تقي الدين: وإن قال: ظننت قيمته ألفًا فبان أكثر قبل، وليس نقضًا للحكم بصحة الإجازة ببينة أو إقرار، وقال: وإن أجاز، وقال: أردت أصل الوصية قبل، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه نفسي، والله أعلم.
من النظم:

وإن الغريم الوارث أوصى أو ابنه

أجز وكذا إسقاط دين ليعدد

ومن يجز الجزء المشاع وصية

يزعم أنه قد ظنه ذا تزهد

ليقبل منه قوله مع يمينه

وما زاد عما ظنه إن شاء يردد

على أظهر الوجهين ما لم يقم لنا

بعلم الفتى بالقدر أقوال شهد

ورد الذي أوصى له وقبوله

قبيل ممات الموصى لغو ليردد

وإن ردها الموصى له بعد موته

وهت وكذا إن مات من قبله اشهد

وما رده للوارثين جميعهم

وليس له يا صاح تخصيص مفرد

وموت الذي يوصى له قبل موت من

قد أوصى لبطلان الوصية أرصد

وإن مات وصى للفتى بوصية

فرد ولم يقبل فأبطل وصدد

وإن مات موص ثم مات عقيبه

ولم يتقبل أو يرد فيشهد

فوارث من أوصى له خلفًا له

ولا يبطل الأيصا إذا في المأكد

ويحكم له بالملك بعد قبوله

من الموت لا منذ القبول بمبعد

وقد قيل بل يبقى على ملك ميت

فيزداد من هذا النما ثلث ملحد

فمن قيل بعد الموت يملكه يكن

له ما نما ملكًا بغير تقيد

فموصى بعبد ماله غيره فلم

يجز وارثوه إن كسب بعد سيد

وفي حكمنا بالملك منذ القبول إن

يطأ قبله الوارث موصى به اشهد

بحرية الأولاد من غير قيمة

ولا مهر لكن قيمة الأم أورد

لموصى له من وطء كان وطؤه

مفوتها إذ هي له أم مولد

وإن يطأ الموصى بزوجته له

فأولدها قبل القبول المؤطد

فأولادها قن لوارثها ولم

تصر أم أولاد لزوج بأجود

ووطء الذي أوصى له لقبوله

كوط لزوجات رواجع فاعدد

وإن يمت الموصى له غير قابل

أباه وقد أوصى به للملحد

فإن قبل ابن الابن يعتق جده

ويمنع ميراث ابنه في المجود

وإن يقض من حين الممات بملكه

فأحكام ذا الفضل اعكسن لا تردد

وما وصى به لغير محصور، كالعلماء والفقراء والمساكين، ومن لا يمكن حصرهم كبني تميم أو بني هاشم، أو وصى به لنحو مسجد وثغر، أو رباط أو حج أو نحو ذلك، لم يشترط قبوله، ولزمت الوصية بمجرد الموت؛ لأنه متعذر قبول هذه الأشياء، فسقط اعتباره كالوقف عليهم، ولا يتعين واحد منهم، فيكتفي به.
ولو كان من الموقوف عليهم ذو رحم من الموصى به، مثل أن يوصي بعبد للفقراء، وأبو العبد فقير، لم يعتق عليه؛ لأن الملك لم يثبت لكل منهم إلا بالقبض.
وإن لم تكن الوصية كذلك، بل لآدمي معين ولو عددا يمكن

حصره اشترط قبوله؛ لأنها تمليك له كالهبة.
ويحصل قبول، بلفظ كقبلت، ولا يتعين اللفظ، بل يجزئ ما قام مقامه.
ويحصل قبول بفعل، دال على الرضى، كأخذ موص، ووطئ أمة موصى بها، كرجعة وبيع خيار، ويجوز فورًا أو متراخيًا.
ومحل القبول بعد الموت؛ لأن الموصى له لا يثبت له حق قبله، وكذا لا عبرة برد قبل الموت.
قال في «الفروع» : لا قبول ولا رد لموصى له في حياة الموصى ولا رد بعد قبوله.
ويثبت ملك موص له من حين القبول بعد الموت؛ لأنه تمليك عين لمعين يفتقر إلى القبول، فلم يبق الملك كسائر العقود، ولأن القبول من تمام السبب، والحكم لا يتقدم سببه، وهو القبول.
فلا يصح تصرف الموصى له في العين الموصى بها.
ولا يصح تصرف وارث قبل القبول ببيع ولا رهن ولا هبة ولا إجارة ولا عتق ولا غيرها؛ لعدم ملكه لها.
فلو باع الموصى له العين الموصى بها، أو وهبها أو أجرها أو كانت أمة فأعتقها، أو زوجها أو نحو ذلك، قبل قبوله، لم يصح شيء في ذلك؛ لأنها ليست في ملكه إذًا، والوارث مثله.
ولو كان الموصى به نصابًا زكويًا، وتأخر القبول مدة تجب فيها الزكاة فيما في مثله، بأن يكون نقدًا، فيحول عليه الحول، أو ماشية فتسوم الحول، أو زرعًا أو ثمرًا، فيبدو صلاحه، قبل قبول، فلا زكاة فيه على واحد منهما، من موص له ووارث؛ لأن ملك الموصى به غير مستقر لواحد منهما.

والذي يترجح عندي أنه يجري في حول الموصى له، فإن لم يقبل فعلى الورثة، والله أعلم.
وما حدث من عين موصًا بها يعد بعد موت موص وقبل قبول موص له بها من نماء منفصل، ككسب وثمرة وولد، فهو لوارث؛ لأن العين في ملكه حينئذ.
ويتبع العين الموصى بها نماء متصل، كسمن وتعلم صنعة كسائر العقود والفسوخ.
وإن كانت الوصية بأمة، فأحبلها وارث قبل القبول، وبعد موت موص، وولدت منه، صارت أم ولده؛ لأنها حملت منه في ملكه لها وولده حر؛ لإتيانها به من وطء في ملكه.
ولا يلزمه من أجل ذلك إلا قيمتها لموصى له بها، إذا قبلها بعد ذلك، كما لو أتلفها.
وإنما وجبت له قيمتها بإتلافها قبل دخولها لها في ملكه بالقبول إذا قبلها، لثبوت حق التملك له فيها بموت الموصى.
فإن قيل: كيف قضيتم بكونها أم ولد، وهي لا تعتق بإعتاقه، أجيب عن ذلك، بأن الإستيلاد أقوى من العتق، ولذلك يصح من المجنون والشريك المعسر وإن لم ينفذ إعتاقهما.
وإن وصى الأمة الموصى له بها بعد موت الموصي، كان ذلك قبولاً؛ لأنه إنما يباح في الملك، فتعاطيه دليل اختيار الملك، فيثبت له الملك به، كقبوله باللفظ، وكوطء الرجعية، تحصل به الرجعة.
وإن وصى لرجل بأرض فبنى فيها أو غرس فيها الوارث قبل قبول موص له، ثم قبل فكغرس مشتر شقصًا مشفوعًا ويغرم نقصه؛ لأن الوارث غرس وبنى في ملكه، فليس بظالم فلعرقه حق، سواء علم بالوصية أم لا.

ولو بيع شقص في شركة الورثة، والموصى له على تقدير قبوله، وكان البيع قبل قبول الوصية، ثم قبل الوصية، فلا شفعة له؛ لأنه لم يكن مالكًا للرقبة حال البيع، وتختص الورثة بالشفعة لاختصاصهم بالملك.
وإن وصى لإنسان حر بزوجته الأمة فقبلها الموصى له، انفسخ النكاح؛ لأنه لا يجتمع مع ملك اليمين، فإن أتت بولد كانت حاملة به وقت الوصية، فهو موص به معها تبعًا لها سواء ولدته قبل الموت أو بعده.
وإن أحبلها بعد الوصية، وولدته في حياة الموصي، فالولد للموصي تبعًا لأمه.
وإن أحبلها بعد الوصية، وولد بعد موت الموصى وقبل القبول لم تصر أم ولد لزوجها الموصى له بها؛ لأنها لم تكن ملكه حين أحبلها، والولد الذي حملت به قبل قبولها رقيق للورثة؛ لأنه نماء ملكهم، هذا إن لم يكن اشترط حرية أولاده، وإن أحبلها في حياة الموصي وولدت بعد القبول، فالولد لأبيه تبعًا لأمه.
وكل موضع كان الولد للموصى له، فإنه يعتق عليه بالملك؛ لأنه ابنه وإن أحبلها بعد موت الموصي، ووضعت قبل القبول، فالولد للورثة؛ لأنه نماء ملكهم.
وإن أحبلها بعد القبول فالولد لأبيه حر الأصل وأمه أم ولد؛ لأنها كانت مملوكة له حال إحباله.
هذا كله إن خرجت من الثلث، إن لم تجز الورثة، وانفسخ النكاح؛ لحصول الملك في البعض.
وكل موضع يكون الولد لأبيه فإنه يكون له منه ها هنا بقدر ملكه من أمه، ويسري العتق إلى باقيه، إن كان الموصى له موسرًا بقيمة باقيه، وإلا يكن موسرًا بقيمة باقيه، عتق ما ملك منه فقط، ولا سراية لعدم وجود شرطها.

وكل موضع قلنا تكون أم ولد هناك، فإنها تصير أم ولد هنا، موسرًا كان الموصى له أو معسرًا؛ لأن الاستيلاد من قبيل الاستهلاك.
وإن وصى لحر بأبيه الرقيق، فمات موصى له بعد موت موص، وقبل قبوله الوصية، فقبل ابن الموصى له الوصية بجده، صح القبول؛ لقيامه مقامه، وعتق موص به حين قبول الوصية، لملك ابن ابنه له إذا لم يرث العتيق من ابنه الميت شيئًا لحدوث حريته بعد أن صار الميراث لغيره.
ولو كان الموصى به ابن أخ للموصى له، وقد مات بعد موت الموصى، فقبل ابنه لم يعتق عليه ابن عمه؛ لأن القابل إنما تلقى الوصية من جهة الموصى، لا من جهة أبيه، ولذا لا تقضي ديون موصى له مات بعد موصي وقبل قبوله من وصيته إذا قبلها وارثه.
وعلى وارث ضمان عين لا دين إذا كانت العين حاضرة يتمكن من قبضها بمجرد موت مورثه إن تلفت، المعنى أنها تحسب على الوارث، فما نقص من التركة بعد موت المورث فعلى الوارث.
ولا ينقص بالتلف ثلث أوصى به المورث، ولا يكون على وارث سقي ثمرة موص بها؛ لأنه لم يضمن تسليم هذه الثمرة إلى الموصى له، بخلاف البيع.
وإن مات موص له قبل موت موص، بطلت الوصية؛ لأنها عطية صادفت المعطى ميتًا، فلم تصح كهبته ميتًا.
ولا تبطل الوصية إن مات موص له قبل موت موص، إن كانت الوصية بقضاء دين الذي مات قبل موت الموصى؛ لأن تفريغ ذمة المدين بعد موته كتفريغها قبله لوجود الشغل في الحالين حتى يؤدي الدين.

وإن رد موص الوصية بعد موت الموصى، فإن كان رده بعد قبوله للوصية، لم يصح رد مطلقًا، سواء قبضها أو لا، وسواء كانت مكيلاً أو موزونًا أو غيرهما، لاستقرار ملكه عليها بالقبول، كرده لسائر أملاكه، ولا عبرة بقبول الوصية قبل موت موص، ولا رده؛ لأنه قبله لم يثبت له حق.
وإن لم يكن رده للوصية بعد قبولها، بأن ردها قبله، بطلت الوصية؛ لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه، أشبه عفو الشفيع عن شفعة بعد البيع.
وكل موضع صح فيه الرد، بطلت فيه الوصية، وعاد الموص به تركة، ويكون الموصى به للوارث، ولو خص به الراد بعض الورثة، لم يتخصص، ويصير بين الجميع؛ لأن المردود عاد إلى ما كان قبل الوصية، فلا اختصاص.
وكل موضع امتنع الرد في الموصى به لاستقرار ملك الموصى له على الموصى به، فله أن يخص به بعض الورثة فيكون ابتداء تلميك؛ لأن له تمليكه لأجنبي، فله تمليكه لوارث، وحينئذ لو قال: رددت الوصية لفلان، فلا أثر لذلك، ألا أن يقترن به ما يفيد تمليك فلان، فيصح.
وقيل: يقال له: ما أردت، فإن قال: أردت تمليكه إياها، وتخصيصه بها، فقبلها، اختص بها، وإن قال: أردت ردها إلى جميعهم، ليرضى فلان، عادت إلى جميعهم إذا قبلوها، فإن قبلها بعضهم، فله حصته.
ويحصل رد بنحو قول موصى له، لا أقبل هذه الوصية، ويحصل الرد بقوله رددتها، وبقوله أبطلتها ونحو ذلك.
وإن امتنع موص له بعد موت موص من قبول، ورد للوصية، حكم عليه بالرد شرعًا، من غير حكم حاكم، وسقط

حقه من الوصية؛ لأنها إنما تنتقل إلى ملكه بالقبول، ولم يوجد.
وإن مات موص له، بعد موت موص، وقبل رد وقبول للوصية، قام وارثه مقامه في رد قبول للوصية؛ لأنه حق ثبت للمورث، فينتقل إلى ورثته بعد موته؛ لقوله –عليه الصلاة والسلام-: «من ترك حقًا فلورثته، وكخيار عيب» ، ولأن الوصية عقد لازم من أحد الطرفين، فلم تبطل بموت من له الخيار، كعقد الرهن والبيع إذ الشرط فيه الخيار لأحدهما، وبهذين فارقت الهبة، والبيع قبل القبول، وأيضًا الوصية لا تبطل بموت الموجب لها، فلم تبطل بموت الآخر.
فإن كان وارثه جماعة اعتبر القبول، والرد من جميعهم، فمن قبل منهم فله حكمه من لزوم الوصية في نصيبه، ومن رد منهم فله حكمه من سقوط حقه من نصيبه، لعوده لورثة الموصى له.
ويقوم ولي محجور عليه مقامه في ذلك، فيفعل ما فيه الحظ للمحجور عليه، كسائر حقوقه، وإن فعل الولي غير ما فيه الحظ لم يصح، فإذا كان الحظ في قبولها، لم يصح الرد، وكان له قبولها بعد ذلك.
وإن كان الحظ في ردها لم يصح قبولها؛ لأن الولي لا يملك التصرف في مال المولى عليه بغير ماله الحظ فيه، وحينئذ فلا يجوز لولي محجور عليه أن يقبل لموليه من يعتق عليه برحم وصى له به، إن لزمته نفقته كأبيه وابنه وأخيه وعمه، لكون الموصى به فقيرًا لا كسب له، والمولى عليه موسر، قادر على الإنفاق عليه؛ لأنه لا حظ في قبول هذه الوصية.

وإن لم يكن على المحجور عليه ضرر؛ لكون الموصى به ذا كسب، أو لكون المولى عليه فقيرًا لا تلزمه نفقته، وجب على الولي القبول؛ لأن فيه منفعة بلا مضرة.
أحكام الرجوع في الوصية وما يحصل به الرجوع

س11: تكلم بوضوح عما يلي: بأي شيء تبطل الوصية مثل لذلك، وهل للإنسان تغيير وصيته، وإذا قال موص عن موص به: هذا لورثتي أو هذا في ميراثي، أو قال: ما أوصيت به لزيد فلعمرو فما الحكم؟ وإذا وصى لإنسان شيء ثم وطئ به لآخر فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك: إذا باع موص موصى به، أو وهبه أو رهنه أو أوجبه، في بيع أو هبة أو عرضه لبيع أو هبة أو وصى ببيعه أو عتقه أو نحو ذلك، فما الحكم؟ واذكر ما يحصل به الرجوع وما لا يكون رجوعًا، إذا أوصى لزيد ثم قال: إن قدم عمرو فله ما أوصيت به لزيد فقدم عمرو فلمن يكون الموصى به؟ ومن الذي يخرج الواجب؟ وإذا وصى مع الواجب بتبرع أو قال: أخرجوا الواجب من ثلثي فما الحكم؟ وإذا قتل وصي موصيًا أو جرحه فهل تبطل الوصية، وإذا أوصى لرجل بعبد ولآخر بثلثه أو وصى بالعبد لاثنين أو وصى لاثنين بثلث ماله فرد الورثة ورد أحد الوصيين وصيته أو أقر وارث بوصيته لواحد ثم أقر أنه أوصى بها لآخر فما الحكم؟ إذا شهدت بينة بالثلث لواحد وأقر الوارث به لآخر، أو خلط الموصى به بغيره، أو ذبح الموصى به، أو بنى الحجر أو غرس النوى، أو نجر الخشب أو سمر بالمسامير، أو جحد الوصية، أو زوج الرقيق الموصى به، أو زرع الموصى بها، أو وطئ الموصى بها أو لبس الثوب، أو سكن موصًا به، فما الحكم؟ اذكر ما حول ذلك من المسائل والأدلة والتعليلات ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر المحترزات والقيود ورجح ما يحتاج إلى ترجيح.

ج: تبطل وصية بقول موص رجعت في وصيتي، أو أبطلتها، أو غيرتها، أو رددتها أو فسختها أو نسختها، أو قال: هو لورثتي، فهو رجوع عن الوصية، تبطل به؛ لقول عمر: يغير الرجل ما شاء من وصيته، ولأنها عطية تنجز بالموت، فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها، كهبة ما يفتقر إلى قبض قبل قبضه.
وتفارق التدبير فإنه تعليق على شرط، فلم يملك تغييره كتعليقه على صفة في الحياة، وإن قال موص عن موصى به: هذا لورثتي، أو هذا في ميراثي، فهو رجوع عن الوصية؛ لأن ذلك ينافي كونه وصية.
وإن قال: ما أوصيت به لزيد فلعمرو، فهو رجوع عن الوصية الأولى، لمنافاته لها، ورجوعه عنه، وصرفه إلى عمرو أشبه ما لو صرح بالرجوع.
وإن وصى بمعين لإنسان كعبده سالم مثلاً، ثم وصى به لآخر، ولم يقل ما وصيت به لزيد فلعمرو، فالموصى به بين الموصى له به أو لا، والموصى له به ثانيًا، لتعلق حق كل واحد منهما به على السواء، كما لو رجع بينهما، فوجب أن يشتركا فيه.
وإن أوصى لزيد مثلاً بثلثه، ثم أوصى لآخر بثلثه، فهو بينهما عند الرد، للتزاحم، وإن أجيز لهما أخذ كل الثلث؛ لتغايرهما.
وإن أوصى لزيد بجميع ماله، ثم وصى به الآخر، فهو بينهما للتزاحم.
ومن مات منهما قبل موص كان الكل للآخر، وكذا لو

تأخر موتهما عن موت موص ورد أحدهما الوصية بعد موت الموصى وقبل الآخر، كان كل الموصى به للآخر، وهو الذي قبل الوصية؛ لأنه اشتراك تزاحم، وقد زال المزاحم.
وإن قتل الموصى له موصيًا قتلا مضمونًا بقصاص أو دية، أو كفارة، ولو كان القتل خطأ، بطلت الوصية؛ لأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية أولى، ومعاملة له بنقيض قصده، على القاعدة المشهورة: من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وإن جرحه ثم أوصى له، فمات من الجرح فلا تبطل وصيته؛ لأنها بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها لم يطرأ عليها، بخلاف ما إذا تقدمت، فإن القتل طرأ عليها فأبطلها، وكذا فعل مدبر بسيده، فإن جنى على سيده، ثم دبره ومات السيد، لم يبطل تدبيره.
ومن أوصى لرجل بعبد، وأوصى لآخر بثلثه، فالعبد بينهما أرباعًا، بقدر وصيتهما؛ لأنه أوصى للأول بجميعه، وللثاني بثلثه، فكامل العبد ثلاثة أثلاث من جنس من أوصى به ثانيًا، وقد أوصى للثاني بثلث، فاجتمع معنا أربعة، فقسم عليها فكان للأول ثلاثة أرباع، وللثاني ربعه.
وإن وصى بالعبد لاثنين فرد أحدهما وصيته، وقبل الآخر، فللآخر نصف العبد؛ لأنه موصى له به، ولا مزاحم له فيه.
وإن أقر وارث بوصيته أن مورثه أوصى بها لواحد، ثم أقر أنه أوصى بها لآخر، بكلام متصل، فالمقر به من الوصية بينهما حيث لا بينة لواحد منهما، لقيام المقتضى.
وإن كان منفصلاً، فأما أن يكون في مجلسين، فلا يقبل

للمتأخر، لتضمنه رفع ما ثبت للمتقدم بإقراره، وإن كان في مجلس واحد، فالمقربة بينهما؛ لأن المجلس الواحد كالحال الواحدة.
ومن ادعى أن الميت أوصى له بثلث ماله، وشهد له بينة بالثلث الذي ادعاه، فأقر وارث مكلف ذكر لا أنثى ولا خنثى، عدل لا فاسق، إذ قرار الفاسق غير معتد به، أن مورثه أوصى بالثلث المدعى به لآخر، ورد الوراث الوصيتين، فالثلث بينهما سوية إن حلف المقر له يمينًا مع شهادة الوارث؛ لأن المال يثبت بشاهد ويمين.
وإن كان الوارث المقر غير عدل أو كان المقر امرأة أو خنثى فالثلث لذي البينة؛ لثبوت وصيته دون المقر، وإن فعل موص ما يقتضي عدوله عن الوصية بأن باع ما أوصى به أو وهبه، فرجوع؛ لأنه ينافي الوصية، ولو لم يقبل المبتاع أو المتهب في إيجاب البيع والهبة، وكذا لو عرضه للبيع، أو للهبة، فرجوع.
وكذا لو رهنه أو وصى ببيعه، أو وصى بعتقه، كأن يقول عبدي أعطوه زيدًا، ثم قال: اعتقوه، فهو رجوع، ومثله لو وصى بهبة ما أوصى به، فرجوع لدلالته عليه، أو كاتب ما أوصى به أو دبره أو خلطه بما لا يتميز منه، كزيت بزيت، أو دقيق بدقيق، أو سكر بسكر، أو أسمنت بأسمنت، أو جص بجص، أو سمن بسمن، أو نحو ذلك.
أو بنى الحجر، أو غرس النوى، أو نجر الخشب، أو أزال اسمه، أو أعاد دارًا انهدمت، أو جعلها دكاكين فرجوع؛ لأنه دليل على اختيار الرجوع، لا إن جحد الوصية، فليس رجوعًا؛ لأنها عقد كسائر العقود، وكذا يعد رجوعًا لو سمر بابًا بالمسامير الموصى بها.

وإن آجر موص عينًا موصى بها، أو زوج رقيقًا، موصى به أو زرع أرضًا موص بها فليس رجوعًا.
وإن غرس الأرض أو بناها فرجوع؛ لأنه يُراد للدوام، فيشعر بالصرف عن الأول.
وإن وطئ أمة موصى بها ولم يحمل من وطئه فليس برجوع، وإن حملت فرجوع.
وإن لبس ثوبًا موصى به أو غسله، أو سكن مكانًا موصى به، فليس رجوع؛ لأنه لا يزيل الملك، ولا الاسم، ولا يمنع التسليم.
وإن وصى بثلث ماله، فتلف الذي كان يملكه حين الوصية بإتلافه هو أو غيره أو باعه، ثم ملك مالاً غيره، فليس رجوعًا؛ لان الوصية بجزء مشاع من المال الذي يملكه حين الموت، فلا يؤثر ذلك فيها.
وكذا لو انهدمت الدار الموصى بها، ولم يزل اسمها، أو علم الرقيق الموصى به صنعة، ونحو ذلك مما لا يزيل الملك ولا الاسم ولا يمنع التسليم.
وكذا لو كانت الوصية بقفيز من صبرة، فخلطها بصبرة أخرى، ولو بخير منها، مما يتميز منه، فليس رجوعًا؛ لأن القفيز كان مشاعًا، وبقي على إشاعته، ولو كانت إحدى الصبرتين أحسن من الأخرى.
وزيادة موص في دار بعد أن أوصى بها للورثة؛ لأن الزيادة لم تدخل في الوصية، لعدم وجودها وقت الوصية، وأما ما انهدم من الدار الموصى بها إذا أعاده موص بعد الوصية فليس للورثة، بل للموصى له بها؛ لأن الأنقاض منها، فتدخل في الوصية، لوجودها حينها.

وإن وصى لزيد بنحو عبد، ثم قال: إن قدم عمرو فله ما أوصيته به لزيد فقدم عمرو بعد موت موص، فالموصى به لزيد دون عمر، ولأن الموصى لما مات قبل قدوم عمرو انقطع حقه من الموصى به، وانتقل لي زيد؛ لأنه لم يوجد إذ ذاك ما يمنعه فلم يؤثر وجود الشرط بعد ذلك كمن علق عتقًا أو طلاقًا بشرط فلم يوجد إلا بعد موته، وإن قدم عمرو في حياة الموصي كان له بلا نزاع.
وإن وصى لعمرو بثلثه، وقال: الموصى لعمرو إن مت قبلي أو رددته فهو لزيد فمات عمرو قبل موت الموصى أورد الوصية فعلى ما شرط الموصى فتكون لزيد عملاً بالشرط كقول موصى أوصيت لعمرو مثلاً بكذا إذا مر شهر بعد موتى أو قال: أوصيت لفلانة الحامل بكذا إذا وضعت بعد موتي فيصح التعليق؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم» ، وثبت عن غير واحد من الصحابة تعليقًا؛ لأن الوصية لا تتأثر بالتعليق لوضوح الأمر وقلة الغرر.
فإن كانت الصفة لا يرتقب وقوعها بعد الموت فالأولى عدم جوازه لما فيه من إضرار الورثة بطول الانتظار لا إلى أمد يعلم.
ويخرج موصى إليه بإخراج الواجب فإن لم يكن فوارث جائز التصرف، فإن لم يكن أو امتنع، أخرج حاكم الواجب على الميت من دين لآدمي أو لله - سبحانه وتعالى - كنذر وكفارة وزكاة من رأس المال وجوبًا أوصى به أو لم يوص به؛ لقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . ويجزي إخراج الواجب على الميت من أجنبي لا ولاية له من ماله كقضاء الدين عن حي بلا إذنه، وكما لو كان القضاء بإذن حاكم.

ولا يضمن الأجنبي، بل يرجع بما أخرجه على التركة إن نوى الرجوع، قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ، وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» وهذا من التعاون كل مؤمن يراه حسنًا، والله أعلم.
ومن الواجب وصية بعتق في كفارة تخيير وهي كفارة اليمين.
وإن أوصى مع الواجب بتبرع من معين أو مشاع اعتبر الثلث الذي تعتبر منه التبرعات من المال الباقي بعد أداء الواجب كأن كانت التركة أربعين، والدين عشرة، ووصى بثلث ماله، دفع الدين أولاً، ثم دفع للموصى له عشرة؛ لأنها ثلث الباقي؛ لحديث علي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدين قبل الوصية، خرجه الإمام أحمد في «المسند» ، والترمذي وابن ماجه؛ ولقوله –عليه الصلاة والسلام-: «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» رواه البخاري مختصرًا.
والحكمة في تقديم الوصية على الدين في الآية، أنها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض، فكان في إخراجها مشقة على الوارث، فقدمت حثًا على إخراجها، قالوا: ولذلك جيء بكلمة أو التي للتسوية، أي فيستويان في الاهتمام، وعدم التضييع، وإن كان مقدمًا عليها.
وقال ابن عطية: الوصية غالبًا تكون لضعاف فقوي جانبها في التقديم في الذكر لئلا يطمع ويتساهل فيها، بخلاف الدين، لكونه حظ غريم، يطلبه بقوة وسلطان.
وقيل: لما كانت ناشئة من جهة الميت قدمت بخلاف الدين، فإنه ثابت مؤدي ذكر أو لم يذكر.

وقيل: المقصود تقديم الأمرين على الميراث، من غير قصد إلى الترتيب بينهما، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وإن أوصى بكفارة إيمان، فأقل الواجب كفارة ثلاثة أيمان؛ لأنها أقل الجمع.
وإن قال: من عليه واجب، ووصى بتبرع، أخرجوا الواجب من ثلثي، بدئ بالواجب من الثلث، لما تقدم.
فإن فضل شيء من الثلث بعد الواجب، فهو لصاحب التبرع؛ لأن الدين يجب البداءة به قبل الميراث والتبرع، فإذا عينه بالثلث، وجبت البداءة به.
وما فضل للتبرع، وإن لم يفضل شيء من الثلث بعد إخراج الواجب منه، بطلت الوصية بالتبرع، كما لو رجع عنها، إلا أن تجيز الورثة، فيعطي ما أوصى له به.
من النظم فيما يتعلق بالرجعة في الوصية ونحوها

ورجعت موص في الوصية جائز

بقول وفعل يفهم العود أكد

كإخراجه عن ملكه ووصية

بإخراجه أو رهنه فتقلد

ووجهان في تخييره وكتابة

وفعل يزيل اسمًا لهدم المشيد

وطحن حبوب واختباز دقيقها

وتنجيز خشب الباب قصر ممرد

وسمر بمسمار ونسج الغزول

وابتناء بأحجار وشبه المعدد

وخلط بما لا يمكن الميز بعده

وجحد وصاياه فعي العلم ترشد

وإيجابه في البيع أو هبة ولو يردوا

فكل رجعة في المجود

وإن لم يزل بالهدم الاسم استحقه

وليس له الإنقاض في المتجود

فيملك نصًا ما استحق ببيعها

وما زيد فيها من بناء بمبعد

وليس رجوعًا زرع موص بأرضه

وفي الغرس والبنيان وجهين أسند

وليس رجوعًا غسل ثوب ولبسه

وسكنًا ديار أو إجارة أعبد

وتزويج من أوصى بها أفهم ووطؤها

إذا هي لم تحمل من الوطء قيد

وتعليم عبد صنعة وعمارة الديار

بتخصيص ونحو المعدد

كخلط طعام فيه كر وصية

بمثل وعود خلط هذا بأجود

وأما إذا أوصى به لمعمر

وأوصى ولم يرجع به لمحمد

فأيهما من قبل موص يمت يكن

لباق وإن عاشا فبينهما اقدد

وإن قال أن يقدم سليمان فالذي

لسلمان معطاه سليمان فاشهد

به لسليمان إن أتى في حياته

وإلا لسلمان أبذلنه بأجود

وواجب الإيصا على المرء إن يكن

عليه حقوق واجبات لتردد

ومن رأس مال أدها كلها تصب

وإن مات لم توص بها إن تدري تردد

ومن ثلث الباقي تبرعه وإن

يقل أخرجوا من ثلثي الواجب ابتدى

به فمتى يستغرق الثلث يبطل

التبرع في الوجه المجود

وقال أبو الخطاب حاصص بينهم

ومن رأس مال كمل الفرض تهتد

فصل في الموصى له

س12: من الذي تصح له الوصية والذي لا تصح له؟ واذكر ما يترتب على ذلك، ووضح معاني ما فيه من الكلمات التي فيها غموض، وإذا قال: ضع ثلثي حيث أراك الله، أو وصى في أبواب البر أو أن يحج عنه بألف أو قال حجة بألف، أو حج الوصي، أو الوارث بإخراجها، أو عين من يحج عنه فأبى، أو وصى بعتق نسمة بألف، فأعتق الورثة بخمسمائة، فما الحكم؟ إذا وصى بعتق عبد زيد، ووصيته له، فأعتق العبد سيده، أو وصى بعتق عبد بألف، أو وصى بشراء فرس للغزو بمعين، وبمائة نفقة له، فاشترى بأقل، أو وصى لأهل سكته، أو لجيرانه، أو لأقرب قرابته، أو لأقرب الناس إليه، أو نحو ذلك فما الحكم؟ وضح ذلك مع ما يتعلق به من مسائل ومحترزات وتقاسيم وأدلة وتعليلات وترجيحات وقيود وأمثلة.

ج: الركن الثالث من أركان الوصية: من تصح له الوصية؟ تصح لكل من يصح تمليكه، من مسلم معين كعمر، أولا كالفقراء، وتصح لكافر معين؛ لقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ . قال محمد بن علي بن أبي طالب: المعروف بابن الحنفية نسبة إلى أمه امرأة من بني حنيفة، قال: إن ذلك هو في الوصية وصية المسلم لليهودي، وقاله عطاء وقتادة كالهبة، فلا تصح لعامة

النصارى ونحوهم.
لكن لو أوصى لكافر بعبد مسلم، أو مصحف، أو سلاح، أو حد قذف، لم تصح، وبعبد كافر فأسلم قبل موت موصى بطلت، وكذا بعد موته وقبل القبول؛ لأنه لا يجوز أن يبتدي الكافر ملكًا على مسلم.
وتصح الوصية من إنسان لمكاتبه، ولمكاتب وارثه، كما تصح لمكاتب أجنبي من موص؛ لأن المكاتب مع سيده كالأجنبي في المعاملات، فكذا في الوصية، وسواء وصي له بجزء شائع كثلث ماله وربعه، أو بشيء معين كعبد وثوب؛ لأن الورثة لا يملكون مال المكاتب بموت سيده.
وتصح الوصية لأم ولده؛ لأنها حرة عند لزوم الوصية، فتقبل التمليك كوصيته أن ثلث قريته وقف عليها ما دامت حاضنة لولدها منه.
ويسقط حق أم ولده لو مات الولد؛ لأن قصد الواقف بذلك تربية ولده، والقيام بخدمته، وحفظه من الضياع، فإذا مات الولد انقطع ما لوحظ لأجله، فسقط حقها، عملاً بالشرط، ويصرف مصرف المنقطع، على ما تقدم في الوقف.
وإن شرط في وصيته عدم تزويج أم ولده أو زوجته الحرة فوافقت عليه، وأخذت الوصية، ثم تزوجت ردت ما أخذت من الوصية، لبطلان الوصية بفوات شرطها.
ولو دفع لزوجته مالاً على أن لا تتزوج بعد موته، ثم تزوجت، ردت المال الذي أخذت لزومًا، فترده للوارث، لفوات الشرط، وكذا لو أعطيته مالاً على أن لا يتزوج عليها فتزوج، رد ما أخذه وجوبًا.
وإن وصى بعتق أمته على أن لا تتزوج فمات الموصي، فقالت الأمة: لا أتزوج عتقت لوجود الشرط، فإن تزوجت بعد ذلك لم يبطل عتقها؛ لأن العتق لا يمكن رفعه بعد وقوعه.

وتصح الوصية لمدبره، فإن ضاق ثلثه عنه وعن وصيته بدئ بعتقه؛ لأنه أنفع له منها، وبطل ما عجز عن الثلث.
وتصح الوصية لقنه بما شاء كثلثه، وتصح الوصية لقنه بنفسه، بأن يقول: أوصيت لك بنفسك ويعتق كله بقبوله إن خرج، وإن لم يخرج كله من ثلثه، بل خرج بعضه، فإنه يعتق منه بقدر الثلث، أن لم تجز الورثة عتق باقيه.
وينتظر بتكليف الصغير، وإفاقة المجنون ليقبل أو يرد وإن كانت الوصية بثلثه وفضل منه شيء بعد عتقه أخذه، ولا تصح الوصية لقن غيره؛ لأنه لا يملك أشبه ما لو وصى لحجر.
وقيل: تصح الوصية لعبد غيره، وهذا القول هو الذي اختاره، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
ووصية الإنسان لعبد وارثه، كوصيته لوارثه، فتقف على إجازة باقي الورثة، ووصيته لعبد قاتل، كوصيته لقاتله لما تقدم، من أن الوصية إذا قبلها لسيده.
ولا تصح الوصية لحمل مشكوك في وجوده حينها، إلا إذا علم وجوده حين الوصية؛ لأنها تمليك فلا تصح لمعدوم، بأن تضعه الأم حيًا لأقل من ستة أشهر، من حين الوصية فراشًا كانت أو بائنًا؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
فإذا وضعته لأقل منها وعاش، لزم أن يكون موجودًا حين الوصية، أو تضعه لأقل من أربع سنين، إن لم تكن فراشًا، أو كانت فراشًا لزوج أو سيد، إلا أنه لا يطؤها لمرض، يمنع الوطء، أو أسر أو حبس أو بُعد عن بلدها، أو علم الورثة أنه لم يطأها، أو أقروا بذلك للحاقه بأبيه، والوجود لازم له فوجب ترتيب الاستحقاق.
ووطء الشبهة نادر، وتقدير الزنا إساءة ظن بمسلم، والأصل عدمها، فإن وضعته لأكثر من أربع سنين، لم يستحق

لاستحالة الوجود حين الوصية.
تنبيه: ويثبت الملك للحمل من حين قبول الوصية له بعد موت الموصي، وقيل: يثبت بعد الولادة، وقبول الولي يعتبر بعد الولادة لا قبل؛ لأن أهلية الملك إنما ثبتت حينئذ.
وإن وصى بالحمل من أمة أو فرس ونحوهما، فلا تصح إلا إذا علم وجوده حين الوصية، وإن وصى لحمل امرأة من زوجها، أو سيدها صحت الوصية له إن لحق به، أي بالزوج أو السيد لا إن نفى الحمل بلعان أو دعوى استبراء، فلا تصح الوصية؛ لعدم شرطه المشروط في الوصية.
ولو وصى لحمل امرأة بوصيته، فولدت ذكرًا وأنثى تساويا في الوصية؛ لأن ذلك عطية وهبة، أشبه ما لو وهبهما شيئًا بعد الولادة.
ومحل ذلك، إن لم يفاضل الموص بينهما، فإن فاضل بينهما، بأن جعل لأحدهما أكثر من الآخر، فعلى ما قال كالوقف.
وإن ولدت أحدهما منفردًا فله وصيته، لتحقق المقتضي، فإن قال موص لحمل امرأة: إن كان ما في بطنك ذكر، فله مائة ريال وإن كان ما في بطنك أنثى فلها خمسون ريالاً فكان في بطنها ذكر وأنثى بولادتها لهما، فلكل واحد منهما ما شرط له؛ لأن الشرط وجد فيهما.
ولو كان قال: إن كان ما في بطنك أنثى فلها كذا وإن كان ذكرًا فله كذا فكانا فلا شيء لهما؛ لأن أحدهما بعض ما في بطنها لا كله.
وطفل من لم يميز قال في «البدر المنير» : الطفل الولد الصغير من الإنسان والدواب.
اهـ. وقال غيره: الطفل من حين يخرج من بطن أمه إلى أن يحتلم، قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ، ويقال: طفل

وطفلة، وفي حديث الاستسقا أن أعرابيًا أنشد النبي - صلى الله عليه وسلم -:

أتيناك والعذراء يدمي لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل

والمطفل ذات الطفل من الإنس والوحش وقد أطفلت المرأة والظبية والنعم، قال لبيد:

فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها

وقال أبو ذؤيب في الإبل:

وأن حديثًا منك لو تبذلينه ... جنى النحل في ألبان عوذ مطافل

والصبي من لم يفطم بعد: وفي المحكم من لدن يولد إلى الفطام، وقيل إلى البلوغ.
قال في «فتح الباري» في حديث: «علموا الصبي الصلاة ابن سبع» يؤخذ من إطلاق الصبي على ابن سبع الرد على من زعم أنه لا يسمى صبيًا إلا إذا كان رضيعًا، ثم يقال له: غلام إلى أن يصير ابن تسع سنين ثم يصير يافعًا إلى عشر، ويوافق قول الجوهري الصبي الغلام، انتهى.
وقيل: الغلام الذي طر شاربه أو هو حين يولد إلى أن يشب، وفي حديث ابن عباس: قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أغيلمة بني المطلب على أحمرات لنا من جمع فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: أبني عبد المطلب لا ترموا الجمرة حتى الشمس.
وعهود الصبا أوقاته، قال الشاعر:

وجنب أوطان الرجال إليهم

مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم

عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل