كتاب الشركة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
إليه النفس، وهو اختيار الشيخ تقي الدين.
والله أعلم.
فعلى القول أن الإجارة لا تنفسخ بذلك يأخذ المنتقلُ إليه الاستحقاق حصته من أجرة قبضها مؤجر من تركته إن مات، أو يأخذها من المؤجر إن انتقل عنه الاستحقاق حيًا، كمن كان وقف داره على ابنته ما دامت عزبًا؛ فإن تزوجت فعلى زيد، ثم أجرَّت الدار مدة وتعجلت الأجرة، ثم تزوجت في أثنائها فيأخذ زيد منها ما يقابل استحقاقه، وقال في «الإقناع» : والذي يتوجه أنه لا يجوز للموقوف عليهم أن يستسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها فالتسليف لهم قبض مالًا يملكونه ولا يستحقونه بخلاف المالك، وعلى هذا فللبطن الثاني أن يطالب بالأجرة المستأجر الذي سلَّف المستحقين؛ لأنه لم يكن له التسليف، ولهم أن يطالبوا الناظر إن كان هو المسلف ذكره في «الاختيارات» ، وإذا بيعت الأرض المحتكرة أو ورثت فالحكم على من انتقلت إليه في الأصح، كما قاله الشيخ تقي الدين.
انتهى.
وإن لم تقبض الأجرة فالمنتقل إليه الاستحقاق يأخذ حصته من مستأجر لعدم براءته منها، وعلى الوجه السابق، وهو القول بانفساخ الإجارة بانتقال الاستحقاق عن المؤجر عير المشروط له النظر، وهو الذي تميل إليه النفس كما سبق.
ينتزع من آل إليه الوقف أو الإقطاع ذلك من يد المستأجر، ويرجع مستأجر عجَّل أجرته على ورثة قابض مات أو عليه إن كان حيًا، ووجه انفساخ الإجارة: أن المنافع بعده حق لغيره، فبموته تبين أنه آجر حقه وحق غيره، فصح في حقه دون حق غيره، كما لو آجر دارين أحدهما له والأخرى لغيره، بخلاف الطلق إذا مات مؤجره؛ فإن الوارث يملكه من جهة مورثه فلا يملك منه إلا ما خلفه، وما تصرف فيه في حياته لا ينتقل إلى وارثه، والمنافع التي أجرها قد خرجت عن ملكه بالإجازة، فلا تنتقل إلى وارثه، والبطن الثاني في الوقف يملكون من جهة الواقف فما حدث منها بعد
البطن الأول، فهو ملك لهم وإن آجر الناظر العامُّ، وهو الحاكم أو آجر من جعل الإمام له ذلك لعدم الناظر الخاص، وهو أجنبي بأن كان الوقف على غيره لم تنفسخ إجارته بموته ولا عزله قبل مضي مدتها؛ لأنه بطريق الولاية، ومن يلي النظر بعده إنه يملك التصرف فيما لم يتصرف فيه الأول، وسواء كان عينه الواقف أو أقامه الحاكم، وإن آجر سيد رقيقه أو آجر ولي يتيمًا محجورًا له أو آجر مال محجوره كداره أو رقيقه أو بهائمه، ثم عتق الرقيق المأجور أو بلغ اليتيم أو رشد المحجور عليه أو مات المؤجر أو عزل الولي قبل انقضاء مدة الإجارة لم تنفسخ إجارة الرقيق؛ لأنه تصرف لازم يملكه المتصرف كما لو زوج أمة ثم باعها أو أعتقها.
ولا رجوع له على مولاه بشيء؛ لأن منفعته استحقت بالعقد قبل العتق فلم يرجع ببذلها ولا تفسخ إجارة اليتيم أو إجارة ماله بموت الولي المؤجر ولا عزله؛ لأنه تصرف وهو من أهل التصرف فيما له الولاية عليه فلم يبطل تصرفه بزوال ولايته كما لو زوَّجه أو باع داره إلا أن عمل الولي بلوغ اليتيم في المدة بأن كان ابن أربع عشرة سنة وآجره أو آجر داره سنتين فتنفسخ ببلوغه لئلا يفضي إلى صحتها على جميع منافع طول عمره وإلى تصرفه في غير زمن ولايته على المأجور، ومثله إذا علم سيد عتق الرقيق في مدة الإجارة بأن قال: أنت حر بعد سنة ثم آجره سنتين فتنفسخ بعتقه، وإذا لم تنفسخ الإجارة بموت أو عزل مؤجر لا يعلم عتق الرقيق حينئذ فنفقة في عتق على سيد إلا إن شرطت النفقة على مستأجر فعليه، وإذا بيعت الأرض المحتكرة أو ورثت فالحكر على من انتقلت إليه في الأصح، قاله الشيخ تقي الدين:
لو ورث المأجور أو اشترى أو اتهب أو وصَّي به لإنسان أو أخذ صداقًا أو أخذه الزوج عوضًا عن خلع أو صلحًا أو غير ذلك، فالإجارة
بحالها، ويجوز بيع العين المستأجرة ولا تنفسخ الإجارة إلا أن يشتريها المستأجر، وإذا آجر الوقف بأجرة المثل فطلبه غير مستأجره بزيادة فلا فسخ، وكذا لو أجره المتولي على ما هو على سبيل الخير.
من النظم فيما يتعلق بالإجارة
ومن شرطها إمكان تسليم مؤجر
لمدته مع نفعه المتعودِ
فلا يؤجر المغصوب إلا لغاصب
وقاهره مع آبق متمرد
وغير مجاز في الأصح إجارة
المشاع فقط إلا لشركته قد
وإيجار أرض سبخة لزراعة
كإيجاره للنسخ من أقطع اليد
وإيجار إنسان ليقتص جائز
ومن مال من يقتص منه لممدد
وجدر لوضع الخشْبِ أو صائد لمن
يصيد ولا تؤجر سوى المتصيد
ويحرم إيجار الكلاب جميعها
سواه ما اقتناه جائز بمبعد
ويحرم إيجار المحرم بيعه
سوى الحر مع وقف وأم مولد
وإيجار نقد للتحلي به أجز
ووزن به قيدت أولى بأجود
وفي ذينك استعمل بإطلاق عقد
وقرض لدى القاضي إذا لم يقيد
وللخدمة استأجر وليدك لا أبًا
وللحضن والإرضاع زوجًا بأجود
وتمنعْ بلا إذن إجارَة نفسها
سوى في اشتراك لم يشن نيل مقصد
وجائز استئجار طيب كعنبر
ودار تهيأ للصلاة كمسجد
ويشرط علم العين إما برؤية
أو الوصف أن يُضبَط به في المجوَّدِ
وقيل أجز من غير وصف ورؤية
وللمكتري التخيير في الرؤية اشهد
وحظر كرا الإسلام كفرًا لخدمة
وفي عمل في ذمة ليوطد
وقولان في إيجاره لا لخدمة
لمعلوم أعمال بوقت محدد
وأجرة حمام حلال كريهة
كأثمانه والعقد غير مفسَّد
ويشرط ملك النفع فيه لمؤجر
أو الإذن في الإيجار شرعًا بأوكدِ
وأن تقبض العين إن تشاء أجر أو أعر
لمثلك في ضر فأدنى بأوطدِ
وحتى لمكريها ولو بزيادة
في الأولى وعنه إن زدت تعميرًا ازدد
وجوز بلا قبض في الأقوى لأبعد
وفي المؤجر أن تمنعه في ذا تردد
وإن تشترط أن لا يلي النفعَ غيره
لغا الشرط لم يلزم على المتأطد
ويملك أيضًا مستعير إجارة
بإذن معير في زمان مجدد
ويملك أجر المثل لا الفسخ إن يعد
لتغريره مستأجرًا عند معقد
وإيجار وقف تحت حكم الفتى أجز
مدى عمره في الظن إن لم يحدد
ولم تنفسخ في الإنتقال بأجود
ومن أجرة للثاني حصته أمهد
ولو قيل إن يؤجره ذو نظر في المحبس
لم يفسخ فقط لم أبعد
وإن آجر الطفلَ الوليُّ وعبده
فلا فسخ إن يبلغ ويعتق بأجود
كذا مال محجور عليه لحظه
إذا انفك حِجر بعد إيجاره اشهد
57- صور العين المعقود عليها، وما يشترط في الصور منها والذي
لا يشترط وحكم إجارة العين المشغولة وقت عقد إجارتها
وبما تستوفي السنة
س57: ما هي صور العين المعقود عليها؟ وما الذي يشترط في الصور منها؟ وما الذي لا يشترط؟ وما حكم إجارة العين المشغولة وقت عقد؟ وما حكم إجارتها من وكيل مطلق؟ وكم للوكيل أن يؤجر إذا لم يُحدَّد له؟ وبين حكم إجارة الآدمي، ومن هو الأجير الخاص؟ ولِمَ سمي بذلك؟ وما الذي يستثنى من الوقت شرعًا؟ وبِمَ تستوفي السنة وبين حكم ما يعتبر بالأشهر، وحكم ما إذا قالا سنة عددية أو سنة بالأيام أو سنة رومية أو شمية أو فارسية أو قبطية، وهل للمستأجر ركوب لمثل المكان الذي استأجر إليه أو مخالفة الطريق؟ وبين حكم ما إذا استأجر للحج وتقدير المسافة والسير ... إلخ.
ج: لإجارة العين المعقود على منافعها معينة كانت أو موصوفة في الذمة صورتان: إحداهما: أن تكون إلى أمد كهذه الدار شهرًا أو فرسًا صفته كذا ليركبه يومًا، وشرط في هذه الصورة علم الأمد كشهر من الآن أو وقت كذا؛ لأنه الضابط للمعقود عليه المعرف له وإن استأجره سنة وأطلق حمل على الأهلة؛ لأنها المعهودة شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ الآية؛ فإن قالا: سنة عددية، أو قالا: سنة بالأيام فثلاث مائة وستون يومًا [360] ؛ لأن الشهر العددي ثلاثون، وإن قالا: سنة رومية أو شمسية أو فارسية وهما يعلمانه، جاز وله ثلاثمائة وستون يومًا [360] ويشترط أن لا يظن عدم العين المؤجرة بنحو موت أو هدم في مدة الإجارة، فتصح، وإن طال الأمد؛ لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها، قال في «الفروع» : ولو ظن عدم العاقد ولا فرق بين الوقف والملك، بل الوقف
أولى قاله في «الرعاية» ، قال في «المبدع» : وفي أولوية الوقف نظر، وإذا استأجر سنة لم يفتقر إلى تقسيط أجر كل شهر ولا أن تلي مدة الإجارة العقد، فتصح إجارة عين لسنة خمس في سنة أربع لجواز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها مفردة، ولو كانت مؤجرة أو مرهونة، قال في «الإنصاف» : إن غلب على الظن القدرة على التسليم وقت وجوبه صحت، وإلا فلا، قال: ومحل الخلاف إذا كان الرهن لازمًا؛ أما إن كان غير لازم فيصح إجارته قولًا واحدًا.
انتهى.
والذي يترجح عندي أن غجارة المرهون تتوقف على الإذن.
والله أعلم.
أو مشغوله بنحو زرع وقت عقد كمسلم فيه لا يشترط وجوده وقت عقد إن قدر مؤجر على تسليم ما آجره عند وجوب التسليم وهو أول دخول المدة، فلا تصح إجارة في أرض مشغولة في غرس وبناء وأمتعة كثيرة يتعذر تحويلها إذًا إن كانت الإجارة لغير المستأجر صاحب الغرس أو البناء ونحوهما، لعدم القدرة على تسليمه إذًا، ويصح استئجار عين شهرًا أو سنة، ويطلق ولو بمدة تلي العقد وابتداؤه من عقد، ولا تصح إجارة من وكيل مطلق لم يُقَدِّرْ له الموكلُ مدة طويلة كخمس سنين؛ لأنه المتبادر مع الإطلاق، وكما لو قال: اشتر لأهلي خبزًا فاشترى قنطارًا منه فلا يلزم الموكل، وقال الشيخ تقي الدين: ليس لوكيل مطلق إيجار مدة طويلة، بل العرف كسنتين ونحوهما.
وقال في «الإنصاف» : الصواب الجواز إن رأى في ذلك مصلحة وتعرف بالقرائن، والذي يظهر أن الشيخ تقي الدين لا يمنع ذلك.
اهـ. وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
وتصح إجارة الآدمي لرعي وخدمة مدة معلومة، وتقدمت الأدلة في أول باب الإجارة، ويسمى مؤجر نفسه مدة معلومة الأجير الخاص لتقدير زمن يستحق المستأجر نفعه في جميعه مختصًا به سوى فعل الصلوات الخمس بسننها الراتبة في أوقاتها، وسوى زمن فعل
صلاة جمعة، وصلاة عيد فطر، وصلاة عيد أضحى، فكل هذه مستثناة شرعًا، ولا يستنيب أجير خاص فيما استؤجر له لوقوع العقد على عينه كمن آجر دابة معينة لمن يركبها ونحوه، ومن استأجر سنة من العقد في أثناء شهر استوفى السنة بالأهلة فيستوفي أحد عشر وكمل ما بقي من أيام الشهر الذي استؤجر فيه ثلاثين يومًا لتعذر إتمامه بالهلال فيتم بالعدد؛ وأما ما عداه فقد أمكن استيفاؤه بالهلال فوجب؛ لأنه الأصل، وكذا كلما يعتبر بالأشهر، ثاني الصورتين أن تكون العين المعقود على منفعتها لعمل معلوم كدابة معينة أو موصوفة لركوب لمحل معين أو لحمل شيء معلوم إلى معين كبلد كذا، وله أن يركب الدابة المستأجرة للركوب لمنزله، ولو لم يكن منزله في أول عمارة البلد؛ لأنه العرف، وللمستأجر ركوب مؤجرة لمحل مثل المكان الذي استأجر إليه في جادة مماثلة للطريق المعقود عليه في مسافة وسهولة وحزونة وخوف وأمن، قلت: ومثل ذلك من استأجر سيارة أو طائرة أو السفينة أو المركب أو الدراجة أو الدباب، ولو كانت الطريث التي يعدل إليها أقل ضررً جاز على الصحيح من المذهب اختاره القاضي، وقدمه في «الفروع» .
قال في «الرعاية الصغرى» : جاز في الأكثر وجزم به في «الحاوي الصغير» ؛ لأن المسافة عُيِّنت ليستوفي منها النفعة ويعلم قدرها بها، فلم تتعين كنوع المحمول والراكب، واختار الموفق في «المغني» جواز العدول إلى غير المعين إن لم يكن لمكر غرض في المحل الأول.
قال: ويقوى عندي أنه متى كان للمكري غرض في تلك الجهة لم يجز العدول إلى غيرها كمكر جماله لمكة ليحج معها أو إلى بلد به أهله، فلا يعدل مكتر لغيره، ولو أكرى جماله جملة إلى بلد أخرى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ولو أكرى جماله إلى بغداد لكونه أهله بها أو ببلد العراق لم يجز الذهاب بها إلى مصر، وذلك لأنه عين المسافة
لغرض في فواته ضرر فلم يجز تفويته كما في حق المكري؛ فإنه لو أراد حمله إلى غير المكان الذي اكترى إيه لم يجز، وإن سلك المستأجر أبعدمن المكن الذي استأجر إليه أو سلك أشق منه فعليه المسمى وأجرة المثل للزائد لتعديه به، ومن اكترى بعيرًا لمكة لا يركب لعرفة؛ لأنه زيادة على المعقود عليه، ولو اكترى للحج فله الركوب لمكة ثم الركوب من مكة لعرفة ثم الركوب لمكة لطواف الإفاضة ثم الركوب لمنى لرمي الجمار؛ لأن ذلك كله من أعمال الحج، ولا يحتاج لتقدير السير فيه كل يوم؛ لأن ذلك ليس إليهما ولا مقدورًا عليه لهما، وإن سن ذكر قدر السير كل يوم قطعًا للنزاع، لاسيما إذا كان بطريق ليس السير فيه إليهما، وإن كان الكرى في طريق السير إليهما استحب ذكر قدر السير في كل يوم؛ فإن أطلق والطريق منازل معروفة جاز؛ لأنه معلوم، ومتى اختلفا في قدر السير أو وقته ليلًا أو نهارًا أو اختلفا في موضع المنزل إما داخل أو في خارج منه حُمِل على العرف؛ لأن الإطلاق يحمل عليه وإن لم يكن للطريق عرف وأطلقا العقد، فقال الموفق: الأولى صحة العقد؛ لأنه لم تجر العادة بتقدير السير ويرجع إلى العرف في غير تلك الطريق.
58- استئجار البقر لحرث أو دياس واستئجار الآدمي على دلالة أو خياطة إلخ
س58: تكلم بوضوح عما يلي: إستئجار بقر لحرث أو دياس زرع، إستئجار آدمي ليدل على طريق أو يلازم غريمًا أو يخيط أو يقصر أو يكون له ثوبًا أو لفصده أو لختْن أو حلق شعر رأس أو لحية أو بعض الرأس أو لمداواة شخص أو حلب حيوان أو رحى لطحن شيء، وما
الذي لا يؤجّر إلا لمدة، وما الذي يشترط لذلك والذي يعتبر التقدير به؟ وبين حكم استئجار الآدمي لذبح حيوان وحكم استئجار الرحى، وحكم ما إذا ضم لما استأجره غيره أو استأجر لحفر بئر؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف.
ج: يصح إستئجار دواب العمل كبقر معينة أو موصوفة لحرث أرض معلومة لهما بالمشاهدة لإختلاف الأرض بالصلابة والرخاوة فيصح أن يستأجر البقر وحدها ليحرث هو بها وأن يستأجرها مع صاحبه بآلتها من سكة وغيرها، ويجوز تقدير العمل بالمساحة كجريب أو [جريبين] عن هذه الأرض وبالمدة كيوم أو يومين وهو من الصورة الأولى ويعتبر تعيين البقر؛ لأن الغرض يختلف باختلافها في القوة والضعف، وإن شرط المستأجر حمل زاد مقدر كمائة رطل وشرط المستأجر أن يبدل منها ما نقص بالأكل أو غيره فله ذلك لصحة الشرط، وإن شرط أن لا يبدله فليس له إبداله عملًا بالشرط؛ فإن ذهب بغير الأكل كسرقة أو سقوط ضاع به فله إبدال ما سرق أو ضاع، وإن أطلق العقد فلم يشترط إبدالًا ولا عدمه فله إبدال ما ذهب بسرقة أو أكل ولو معتادًا كالماء؛ لأنه استحق حمل مقدار معلوم فملكه مطلقًا، ويصح إستئجار آدمي حر أو عبد ليدل على طريق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر استأجرا عبد الله بن الأريقط هاديًا خِرِّيتًا ليدلهما على الطريق إلى المدينة، والخريت الماهر في الهداية.
قال الشاعر:
كأنهم في قفارٍ ظلَّ سالكُها ... نهْجَ الطريق وما في القوم خرِّيتُ
ويصح استئجار آدمي يلازم غريمًا يستحق ملازمة؛ لأن الظاهر أنه محق؛ فإن الحاكم في الظاهر لا يحكم إلا بالحق، ويصح أن يستأجر من
يخيط له ثوبًا أو يغسله أو يكويه أو يفصله أو يقلع سنًا أو ضرسًا معينين أو يستأجر لفصد عرق أو لختن أو حلق شعر أو تقصيره؛ وأما شعر اللحية فيحرُمُ على المستأجرِ والمستأجرْ وعلى الحالق لها والمحلوق، ولو بلا أجرة؛ لأنه يحرم شرعًا حلقها وقصها ونتفها وتحريقها، وفي حلقها إن لم تعد دية كاملة، وتقدمت الأدلة الدالة على تحريم حلقها في الجزء الأول في سؤال (35) (ص18) الطبعة الأولى، وكذا لا يصح الاستئجار لما يسمى بالتواليت، وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه إلا إذا كان هناك جرح أو أذى، وكذا لا يصح الاستئجار لحلق رأس المرأة أو قصه للتشبه بالكفار إلا ما تقدم في الحج من أنها تقصر منه أنملة، ويصح استئجار طبيب لمداواة شخص معين، ويحرم الخلو بالمرأة لاسيما وقد ظهر وكثر إستعمال ما يسمى بالبنج وقلة الأمانة، وصار الطبيب المسلم نادر الوجود كالكبريت الأحمر ما تجد إلا من لا يُرى لا في جمعة ولا جماعة، ولذبح حيوان معين؛ لأن هذه أعمال مباحة لا يختص فاعلها أن يكون من أهل القرية فجاز الاستئجار عليها كسائر الأفعال المباحة وكإستئجار رحىً لطحن معلوم من حب معلوم؛ لأنه يختلف فمنه ما يسهل ومنه ما يعسر ما لا عمل له كدار وأرض لا يؤجر إلا لمدة، قاله المجد.
وما له عمل ينضبط يجوز تقدير إيجاره بمدة وعمل، ويكفي ذكر أحدهما عن الآخر وشرط علم كل عمل استؤجر له وضبطه بما لا يختلف؛ لأنه إن لم يكن كذلك لكان مجهولًا، فلا تصح الإجارة فيعتبر في إجارة دابة لإدارة رحى معرفة صاحب الدابة الحجر إما بنظر أو وصف؛ لأن عمل البهيمة يختلف بثقله وخفته ويعتبر تقدير عمل بزمان كيوم أو يومين أو طعام اعتبر ذكر كيله كقفيز واعتبر ذكر جنس مطحون كاستئجار رحى لطحن بر أو شعير أو ذرة، وإن استؤجر دابة لإدارة دولاب اعتبر مشاهدة الدولاب مع مشاهدة دلائه لاختلافها
واعتبر تقدير المذكور بزمن أو ملء نحو حوض، ولا يصح تقديره بسقي أرض لتروى؛ لأنه لا ينضبط وإن استأجر دابة سقي بدلو اعتبر مشاهدة الدلو واعتبر تقديره بعدد الدلاء أو زمن كيوم أو أسبوع أو بماء نحو حوض كبركة، وإن قدر السقي بشرب ماشية جاز؛ لأن شربها يتقارب غالبًا كما يجوز تقديره ببل تراب معروف بالعرف، وإن استأجر دابة لسقي عليها اعتبر معرفة الآلة التي يسقى فيها من راوية أو قرابة أو جرارًا أو برميلًا أو تنكًا إما بالرؤية أو بالصفة؛ لأنها تختلف.
ويقدر العمل بالزمان كيوم أو شهر أو بالعدد أو بمثل شيء معين، وإن قدر العمل بقدر المرَّات بالماء ويصب فيه للسقي من قرب وبعد؛ لأنه يختلف، وكذا إن استأجروا بيتًا لسقي اعتبر معرفته لإختلاف في الصغر والكبر، واعتبر معرفة الماء لإختلافه حلاوةً ومرارةً وكدرةً وصفاءً ونظافةً وضدُّها، ومن اكترى زورقًا، وهو نوعٌ من السفن – فزواهُ، بأن جمعه مع زورق له فغرقًا ضمن؛ لأنها مخاطرة لاحتياجهما إلى المسافة ككفة الميزان كما لو اشترى ثورًا لإستقاء ماء فقرنه بثور آخر لإستقاء الماء فتلف ضمن؛ لأنها مخاطرة وإن استأجر دابتين واحدة لمكة والأخرى للمدينة بيَّن الدابة التي لمكة وبين الدابة التي للمدينة قطعًا للنزاع.
قلت: ومثله لو استأجر سيارتين لإختلافهما واختلاف الدرب، وإن استأجر لحفر نحو بئر أو لحفر نهر أو ساقيه اعتبر معرفة أرض تحفر واعتبر معرفة دور بئر، واعتبر معرفة مقدار عمقها؛ لأن الأرض تختلف بالصلابة وضدها واعتبر معرفة آلتها إن طواها بحصى أو نحوه.
واعتبر معرفة طول نهر وعمقه وعرضه؛ لأنه يختلف وإن حفر بئرًا استؤجر لحفرها فعليه نقل ترابها منها؛ لأنه لا يمكنه الحفر إلا به فقد تضمنه العقد فإن تهوَّر فيها تراب من جانبها أو سقط
فيها نحو بهيمة فانهال بها تراب لم يلزم الأجير إخراج التراب، وهو على مكتر لحفرها إن أراد تنظيفها؛ لأنه سقط فيها من ملكه ولم يتضمن عقد الإجارة رفعه وإن وصل الأجير في الحفر لصخرة أو محل صلب يمنع الحفر لم يلزم الأجير حفره؛ لأن ذلك مخالف لما شاهده فوق، فإذا ظهر في الأرض ما يخالف المشاهدة كان للأجير الخيار في الفسخ والإمضاء؛ فإن فسخ الأجير فله من الأجرة بقسط ما عمل من المؤاجر عليه؛ لأن المانع من الإتمام ليس من قبله فيسقط الأجر المسمى على ما بقي من العمل وعلى ما عمل الأجير، فيقال: كم أجر ما عمل؟ وكم أجر ما بقي؟ فيسقط الأجر المسمى عليهما، فإذا فرضنا أن أجر ما عمل عشرة وما بقي خمسة عشرة، فله خمسا، ولا يُقسَّط على عدد الأذرع؛ لأن أعلى البئر يسهل نقلُ التراب منه وأسفله يشقُ، فمن استجر لحفر عشرة أذرع طولًا وعشرة أذرع عرضًا وعشرة عمقًا فحفر الأجير خمسة طولًا في خمسة عرضًا في خمسة عمقًا وأردت أن تعرف ما يستحقه من الأجرة المسماة له فاضرب عشرة بعشرة في مائة فاضربها في عشرة بألف، فهي التي استؤجر لحفرها واضرب خمسة في خمسة بخمسة وعشرين فاضربها في خمسة بمائة وخمسة وعشرين، وذلك الذي حفره وهو الخارج بالنسبة إلى الألف – فهو ثمن الألف، فللأجير ثمن الأجرة؛ لأنه وفَّى بثمن العمل، وإن نبع من المحفور من بئر
أو نهر ما منع الأجير من الحفر فكالصخرة في الحكم للأجير الفسخ ويقسَّط على ما عمل وما بقي ويأخذ بالقسط ومن ذلك ما يُحكى أن شخصين مع أحدهما ثلاثة أرغفة ومع الآخر خمسة فخلطا الجميع فجاءهما ثالث فأكل معهما، ثم أجازهما بثمانية دراهم فترافعا إلى علي، فحكم لرب الثلاث بواحد ولرب الخمسة بسبعة.
وقال لهما: لأن مجموع الخبز
يضرب في ثلاثة عدد الأشخاص بأربعة وعشرين ثم تضرب أرغفة
كل واحد في الثلاثة، فلرب الثلاثة ثلاثة في ثلاثة بتسعة أكل منها ثمانية وبقي واحد، ولرب الخمسة خمسة في ثلاثة بخمسة عشر أكل منها ثمانية وبقي سبعة، فتم لكل ثمانية وهي مجموع الأربع وعشرين.
من النظم فيما يتعلق بإجارة العين
وإيجار عين مدةً سَمِّ مؤجرًا ... بها بالأجير الخاص لا تتردد وليس عليه من ضمان لتالف ... إذا لم يكن منه تعدي معتدي وبشرط علم الوقت فيه وإن بطل ... وظن بقاء العين مدة معقد وقيل ثلاثين احدُدَتْها وقيل بل ... بحول وفي الوقف اختصر لا تزيد وليس بشرط أن تلي وقت عقدها ... ولا عدم الإشتغال وقت التفقدِ وللمكتري في الوقت فعل فرائض ... بسُنَّتها معْ جمعة ومعيَّد فإن تلِهْ لم يُشَرط لها ذكرُ بدوها ... وإن تتراخى فاشترطه وجدَّد وإن يُطلِقنْ حولًا فمن حين عقدهم ... يكون ابتداءُ الحول في المتأطدِ ويملك بالعقد المنافعَ قبل أن ... توفي لتقدير الوجود كموجد وإن يؤجرون في الشهر حولًا فواحد ... يُعَدُّ وباقٍ في الأهلة فاسرد وعن أحمد بالعدل كل وهكذا ... جميع الذي علقت بالأشهر اعدد وإن يكتري لليل أو لنهاره ... فأوله لا الآخر احْدُد بأجود وإن يكتري عينًا لفعل معين ... فيشرط ضبط قاطع للتنكد وإن يكتري شيئًا إلى مكة ولم ... يبين متى يخرج فذا العقد أفسد وجائز استئجار ما للركوب للحـ ... ـراثة والمعكوس في المتعود ويكره أجرٌ للملازم لامرئ ... غريم على المنصوص من قول أحمد وجائز استئجار حافر بئره ... بأرض كذا شهرًا وعن شاغِل ذُدِ وشيْلُ تراب الحفر في شر أذرع ... معينة لْزم أجيرك تسْعد
وما انهارَ فيه بعدُ يلزم ربَّه ... وإن شاء يَفسخ إن يَبنْ ذا تجمد ويأخذ إن يفسخ بقيمة فعله ... من الكل لا من مثل أذرع فاهتد وجائز إيجار لنسخ القرآن والحديث ... وكتب الفقه والشعر ولا الرَّد بمديرة أو تقد أوراقه مع السُّـ ... ـطور ووصف الخط والهامش أحدد
59- مسائل حول تقديرات المؤجر ومخالفة المؤجر
ما استؤجر له وبيان النوع الثاني من نوعي الإجارة
س59: بأي شيء تعرف الأرض المرادة للحرث؟ وبأي شيء يقدر الكحل وإذا برئ في أثناء مدة الإجارة أو مات فما الحكم؟ وإذا استأجر من يقلع له ضرسه فقلع غيره، فما الحكم؟ وإذا امتنع من قلعه فما الحكم؟ وما هو النوع الثاني من نوعي الإجارة؟ وما الذي يشترط لذلك؟ وما مثال ذاك، وما الذي لا يشترط له، ومتى يلزم الأجير الشروع في العمل؟ واذكر ما يتعلق بذلك من أحكام، ومحتزات، وبين أحكام ما يلي: أكل الحجام أجرته، كسب المصور، وحلاق اللحى ورؤوس النساء وصاحب الملاهي والمطربين وبائعي الصور ومصلح آلات اللهو ومعلم الصور وبائع المسكرات أصحاب القيادة والزنا واللوط ... إلخ.
ج: تعرف الأرض المرادة للحراثة بالمشاهدة لاختلافها بالصلابة والرخاوة؛ وأما تقدير العمل فيجوز بأحد أمرين؛ إما بمدة كيوم، أو تجديد عمل، فقوله هذه القطعة، أو قوله: أحرث من هنا إلى هنا، أو بمساحة كقوله له: احرث جريبًا أو جريبين، أو كذا ذراعًا في كذا ذراعًا ومع تقدير العمل بمدة فلابد من معرفة ما يحرث عليه كبقر ونحوها؛ لأن الغرض يختلف باختلافها، ومن استؤجر لكحل عيني أرمد صح؛ لأنه عمل جائز
يمكن تسليمه أو استؤجر طبيب لمداواة مريض صحَّ واشترط تقدير التكحيل أو المداواة بما ينضبط به من عمل أو مدة، ولو كان التقدير بمرة واحدة أو مرات متعددة، وقيل: تعتبر صحة التقدير بالمدة فقط، والقول الأول أرجح.
والله أعلم.
وشرط بيان عدد ما يكحله كل يوم، فيقول: مرة أو مرتين؛ فإن كان الكحل من العليل جاز؛ لأن آلة العمل تكون من المستأجر كاللبن في البناء، والطين والآجر ونحوها، وإن شرطه على الكحال جاز لجريان العادة به، ويشق على العليل تحصيله وقد يعجز عنه بالكلية، فجاز ذلك، كالصبغ من الصباغ، والحبر والأقلام من الناسخ، واللبن في الرضاع، وإن استأجره مدة فكحله فلم تبرأ عينه؛ فإنه يستحق الأجرة لأنه وفَّى بالعمل الذي وقع عليه العقد، فوجب له الأجر وإن لم يبرأ، كما لو استأجره لبناء حائط يومًا أو لخياطة قميص فلم يتمه فيه، وإن برئ الأرمد في أثناء المدة انفسخت فيما بقي من المدة؛ لأنه قد تعذر العمل أشبه ما لو حجز عنه أمر غالب أو مات في أثنائها انفسخت الإجارة لما مر، ويستحق من الأجرة بالقسط، وإن امتنع مريض من طب مع بقاء مرض في عينه استحق الطبيب الأجرة بمضي المدة، كما لو استأجره للبناء فلم يستعمله فيه؛ ولأن الإجارة عقد لازم، وقد بذل الأجير ما عليه ويصح أن يستأجر من يقلع له ضرسه أو سنه عند الحاجة إلى قلعه؛ فإن أخطأ الأجير فقلع غير ما أمر به من ضرس ضمنه؛ لأنه جناية ولا فرق في ضمانها بين العمد والخطأ إلا في القصاص وعدمه، وتنفسخ الإجارة ببرء قبل قلعه؛ لأن قلعه بعد برئه غير جائز ويقبل قول المريض في برء الضرس؛ لأنه أدرى به، وإن لم يبرأ الضرس وامتنع ربه من قلعه لم يجبر على قلعه؛ لأنه إتلاف جزء من الآدمي محرم في الأصل، وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررًا وذلك مفوَّضًا إلى كل إنسان في نفسه إذا كان أهلًا لذلك، وصاحب الضرس
أعلم بمضرته ونفعه وقدر ألمه.
القسم الثاني من قسمي الإجارة: أن تكون على منفعة بذمة، وهي نوعان:
أحدهما: أن تكون في محل معين كاستأجرتك لحمل هذا الطرد أو هذا الكيس أو الغرارة البر إلى محل كذا على بعير أو سيارة تقيمها من مالك بكذا.
والثاني: أن تكون في محل موصوف كاستأجرتك لحمل كيس سكر أو غرارة بر صفته كذا إلى مكة بكذا أو إلى المدينة بكذا وشرط ضبط المنفعة بوصف لا يختلف به العمل كخياطة ثوب يذكر قدره وجنسه وصفته لخياطةٍ وبناء دار يذكر الآلة ونحوها وحَمْلٍ لشيء يذكر جنسه وقدره لمحل معين ليحصل العلم بالمعقود عليه، كحمل جماعة على دابة أو سيارة أو سفينة أو طائرة أو مركب، فلابد من ذكر عددهم، فكل موضع وقع العقد عل مدة فلابد من معرفة ظهر يحمل عليه؛ لأنه يختلف بالقوة والضعف والبطء والسرعة، والغرض يختلف باختلافه وإن وقع العقد على عمل معين لم يشترط معرفة الظهر الذي يحمل عليه؛ لأن القصد العمل، وحيث ضبط حصل المطلوب، وكذا لو وقع العقد على ركوب عُقْبة بأن يركب تارة ويمشي أخرى لم يشترط معرفة ركوب لحصول الغرض بدونها، ويصح العقد؛ لأنه إذا جاز اكتراؤها في الجميع جاز في البعض، ولابد من كون العُقبة معلومة فتقدر بمسافة كفراسخ معلومة بأن يركب فرسخًا ويمشي آخر وتقدير بزمن بأن يركب ليلًا ويمشي أخرى مثلها ويعتبر في هذا زمان السير دون زمان النزول، وإطلاق العقبة يقتضي نصف الطريق حملًا على العرف وإن اتفقا على أن يركب ثلاثة أيام ويمشي ثلاثة أيام أو ما زاد أو نقص جاز أو اتفقا على أن يمشي يومًا ويركب يومًا، وإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما؛ لأن فيه ضررًا على كل واحد منهما على الماشي لدوام المشي وعلى المركوب،
وإن اختلفا في البادئ منهما أقرع بينهما؛ لأنه لا مُرجِّح لأحدهما على الآخر فتعينت القرعة؛ لأنها تستعمل عند اشتباه المستحقين وعند تزاحمهم، وليس أحدهما أولى من الآخر وشرط كون أجير في المنفعة في الذمة آدميًا جائز التصرف؛ لأنها معاوضة على عمل في الذمة فلم تجز من غير جائز التصرف ويسمى الأجير فيه الأجير المشترك لتقدير نفعه بالعمل؛ ولأنه يتقبل أعمالًا لجماعة فتكون منفعة مشتركة بينهم، وشرط أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل كقوله استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في هذا اليوم؛ لأنه قد يفرغ منه قبل انقضاء اليوم؛ فإن استعمل في بقيته فقد زاد على المعقود عليه وإن لم يعمل فقد تركه في بعض زمنه فيكون غررًا يمكن التحرز منه ولم يوجد مثل في محل الوفاق، والذي تطمئن إليه نفسي جوازها.
والله أعلم.
ويصح الجمع بين تقدير المدة والعمل في الجعالة؛ لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الإجارة، فإذا تم العمل قبل إنقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها؛ لأنه وفي ما عليه قبل مدته فلم يلزمه شيء آخر كقضاء الدين قبل أجله، وإن مضت المدة قبل العمل فللمستأجر فسخ الإجارة؛ لأن الأجير لم يف له بشرطه؛ فإن رضي بالبقاء عليه لم يملك الأجير الفسخ؛ لأن الإخلال بالشرط منه فلا يكون ذلك وسيلة إلى الفسخ؛ فإن اختار إمضاء طالبه بالعمل لا غير كالمسلم إذا صبر عند تعذر المسلم فيه إلى حين وجوده لم يكن له أكثر من المسلم فيه، وإن فسخ العقد قبل العمل سقط الأجر والعمل، وإن كان بعد عمل بعضه فله أجر مثله؛ لأن العقد قد انفسخ فسقط المسمى ورجع إلى أجر المثل، ويلزم الأجير المشروع في عمل ما استؤجر له عقب العقد لجواز مطالبته به إذًا؛ فإن أخَّر العمل بلا عذرٍ فتلف المعقودُ عليه ضمن لتلفه بسبب تركه ما وجب عليه، وشرط كون عمل لا يختص فاعله بمسلم كخياطة ونساجة ونحوهما؛ أما إن كان فاعله يختص بالمسلم كأذان وإقامة وإمامة وتعليم قرآن
وفقه وحديث ونيابة في حجة وقضاء بين الناس، فتحرم الإجارة عليه، ولا تصح ولا يقع إلا قربة لفاعله؛ لحديث عثمان بن العاص أن آخر ما عهد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» . قال الترمذي: حديث حسن، وعن عبادة بن الصامت قال: علَّمْتُ ناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلي رجل منهم قوسًا، قال: قلت: قوس وليس بمال، قال: قلت أتقلدها في سبيل الله، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقصصتُ عليه القصة، قال: «إن سرَّكَ أن يُقلدَك الله قوسًا من نار فاقبلْها» ، وعن أُبي بن كعب أن علم رجلًا سورة من القرآن، فأهدي له خميصة أو ثوبًا، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنك لو لبستها لألبسك الله مكانها ثوبًا من نار» رواه الأثرم في «سننه» ، وعن أبي قال: كنت أختلف إلى رجل مُسِنٍّ قد أصابته علةٌ وقد احتبس في بيته أقرئه القرآن، فكان عند فراغه مما اقرؤه، يقول للجارية: هلمي طعام أخي فنؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فجال في نفسي منه شيء فذكرته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إن كان ذلك الطعام طعامه وطعامُ أهله فكل منه، وإن كان يُتحفك به فلا تأكله» ، وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اقرأوا القرآن، ولا تغلو فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» قال عبد الله بن شقيق: هذه الرُّغفان التي يأخذها المعلمون من السُّحْت؛ ولأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلا يصح أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر إنسانًا يصلي خلفه الجمعة أو التراويح، وقيل: يصح للحاجة، نقل أبو طالب عن احمد أنه قال: التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومِن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة ومِن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقي الله بأمانات الناس، التعليم أحب إلي ممن أجاز ذلك مالك والشافعي، ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج رجلًا بما معه من القرآن» متفق عليه.
فإذا جاز تعليم القرآن عوضًا في النكاح وقام مقام المهر جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، ولما ورد عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؛ فإن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أنا أخذت على كتاب الله أجرًا حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» رواه البخاري.
وعن أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيدٌ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم بعض شيء فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لُدغَ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحدٍا منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقى؛ ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ فكأنما نُشِطَ من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا، فقدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكروا له ذلك، فقال: «وما يدريك أنها رقية؟» ، ثم قال: «قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهمًا» وضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، رواه الجماعة إلا النسائي، وهذا لفظ البخاري.
وإذا أجاز أخذ الجعل جاز أخذ الأجرة؛ لأنه في معناه؛ ولأنه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، فجاز أخذ الأجرة عليه كبناء
المساجد؛ ولأن الحاجة تدعو إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه، وعجز عن فعله، ولا يكاد يوجد متبرع بذلك فيحتاج إلى بذل الأجرة فيه، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين، وقال: لا يصح الاستئجار على القراءة وإهداؤها إلى الميت؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة الإذن في ذلك، وقد قال العلماء: إن القارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له، فأي شيء يُهدى إلى الميت وإنما يصل إلى الميت العمل الصالح والاستئجار على مجرد التلاوة، ولم يقل به أحد من الأئمة وإنما تنازعوا في الإستئجار على التعليم والمستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج لا أن يحج ليأخذ فمن أحب إبراء ذمة الميت أو رؤية المشاعر يأخذ ليحج ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح ففرق بين من يقصد الدين فقط والدنيا وسيلة أو عكسه والأشبه أن عكسه ليس له في الآخرة من خلاق.
قال: وحجه عن غيره ليستفضل ما يوفي دينه الأفضل تركه لم يفعله السلف، ويتوجه فعله للحاجة.
قال صاحب «الفروع» : ونصره ونقل ابن هانئ فيمن عليه دين وليس له ما يحج أيحج عن غيره ليقضي دينه؟ قال: نعم، والذي يترجح عندي قول من قال بصحته للحاجة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا يحرم أخذ جعالة على ذلك على القول الأول والثاني؛ لأنها أوسع من الإجارة، ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة ولا يحرم أخذ الأجرة على رقية؛ لحديث أبي سعيد المتقدم وكما لا يحرم أخذ ذلك بلا شرط؛ لحديث عمر بن الخطاب المتقدم في الزكاة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إستشراف نفس فخذه ومالًا فلا تتبعه نفسك» متفق عليه.
وأما ما لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة كتعليم خط وحساب ونحو ذلك، وبناء مسجد وقناطر وذبح هدي وأضحية وتفريق صدقة، فيجوز الاستئجار له، وأخذ الأجرة عليه؛ لأنه يقع
تارة قربة وتارة غير قربة، أشبه غرس الأشجار وبناء البيوت، ولا يحرم أخذ رزق من بيت المال أو من وقف عليه على متعد نفعه كقضاء وتعليم قرآن وحديث ونيابة في حج وتحمل شهادة وأدائها وأذان؛ لأنه من المصالح العامة فجرى مجرى الوقف على من يقوم بها، وليس بعوض، بل رزق للإعانة على الطاعة ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدح في الإخلاص؛ لأنه لو قدح ما اسُتحقِت الغنائم وسلبُ القاتل، بخلاف الأجر، فيمتنع أخذ الأجر على ذلك لما تقدم فَمَن عَمِلَ ممَّن يقوم بالمصالح لله أثيب على عمله الذي أخلصه لله.
قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ وحرم أخذ رزق وأخذ جعل وأخذ أجر على فعل قاصر على فاعله لا يتعدى نفعه كصوم وصلاة خلفه وكحجة عن نفسه واعتكافه؛ لأنه ليس من المصالح إذ لا تدعو حاجة بعض الناس إلى بعض من أجله؛ ولأن الأجر عوض الإنتفاع فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها ومَن نفعه قاصر على نفسه كالحاج عن نفسه والمعتكف والطائف عنها لا يجوز له أن يأخذ رزقًا من بيت المال إلا ما فضل عمَّن نفعهُ متعدِّ، وتقدم أن الفاضل عمن تعدى نفعه يقسم بين المسلمين غنيهم وفقيرهم لاشتراكهم فيه، والاشتراك يقتضي التسوية، وصح استئجار لحجم وفصد، ولا يحرم أجره؛ لما روى ابن عباس قال: «احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الحجام أجره» ، ولو كان حرامًا لم يعطه، متفق عليه.
وفي لفظ: لو علمه خبيثًا لم يعطه؛ ولأنها منفعة مباحة لا يختص أن يكون فاعلها من أهل القرية فجاز الاستئجار عليها كالرضاع، وكره لحر لا رقيق أكل أجرته، ولو أخذها بلا شرط تنزيهًا له ويطعمه رقيقًا وبهائم؛ لقوله –عليه الصلاة والسلام-: «كسب الحجام خبيث» متفق عليه.
وقال: «أطْعمه ناضِحَك ورقيقكَ» رواه الترمذي وحسنه.
فعلم منه أنه ليس بحرام إذ غيرُ جائز أن يُطعِمَ رقيقه ما يحرم أكله؛ فإن الرقيق آدمي يُمنع من
ما يمنع منه الحر، ولا يلزم من تسميته خبيثًا التحريمُ، وقد سمى - صلى الله عليه وسلم - الثوم والبصل خبيثين مع عدم تحريمهما، وإنما كُرِه للحُر تنزيهًا له لدناءة هذه الصناعة، وقال القاضي: إنه لا يحل للحجام أكل أجرته على ذلك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كسب الحجاب خبيث» . وقال ناظم المفردات مشيرًا إلى قول القاضي:
وكَسْبُ حَجَّامٍ فَقُلْ خَبيثُ
سُحْتٌ بذا قد جاءنا الحديث
أكْلًا لِحُرٍ ليس بالمُلَائِمِ
يُطْعَمُ لِلْعَبْدِ ولِلْبَهِائِمِ
يَحْرُمُ نَصًّا جَاءَ قَال القَاضِي
وَعَقْدُها لَيْسَ بعَقْدٍ مَاضِي
وَقَالَهُ قَوْمُ وَقومٌ حَرَّموا
بالعَقْدِ لَا بِغَيْرِهِ اكْرَهْ جَزَمُوا
ومَذْهَبُ الشَّيْخَيْنَ فَاكْرَهْ مُطْلَقًا
وعَقْدُهَا يَصِحُّ فِيمَا حُقّقَا
وكذا أجرة كسح الكنيف أي إخراج ما في المحل المعد لقضاء الحاجة، ويصح الاستئجار لذلك ولشفط البالوعة لدعاء الحاجة إلى ذلك وكراهة أكل الأجرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كسْبُ الحجام خبيث» ، ونهي الحر عن أكله، فهذا أولى، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلًا حجَّ ثم أتاه، فقال له: إني رجل أكنس فما ترى في مكسبي؟ قال: أي شيء تكنس؟ قال: العَذِرَة، قال: ومنه حججتْ ومنه تزوجت، قال: نعم، قال: أنت خبيثٌ وحجُّك خبيثٌ وما تزوَّجتَ خبيث، أو نحو هذا.
ذكره سعيد بن منصور في «سننه» بمعناه؛ ولأن فيه دناءة فكره كالحجامة ويحْرمُ كسْبُ
المصور للأحاديث الواردة في تحريم الصُّور مجسَّدة أو غير مجسدة والوعيد الشديد عليهم، ويُحرم كسْبُ حلاق اللحى للأحاديث الواردة في تحريمُ حلقها، ويحرم كسبُ مَن كسبُه من آلات اللهو كالسينماء والتلفزيون والبكمات، ويحرم كسبُ المطربين والمطربات وإعطاؤهم؛ لأنه إعانة وتشجيعٌ على المعاصي، وكذا المغنيين بالدماميم، وهي الطبول من رجال ونساء؛ لأن ذلك منكر ومع ذلك يحصل نظر محرم واستماع للملاهي واستماع لأصوات النساء الأجنبيات والتلذذ بها، وغير ذلك من المفاسد، وإن حصل ما يسمى عند الفساق والمنحلين بالتشريع، فلا تسأل عن عظم المفاسد وأضرارها ويحرم كسب حلاقي رؤوس النساء، ومن يقصُّها للتشبه بالكفر وللتمثيل بالشعر والتغيير لما خلقه الله عليها جمالًا لها وميزة عن الرجال، وكذا يحرم كسب من مكسبه من عمل التصوير، وكذا من مكسبه من بيع ملابس الرجال للنساء وملابس النساء للرجال لحرمة التشبه، وكذا يحرم كسب من مكسبه من عمل الرؤوس الصناعية أو بيعها؛ لأنه إذا كان وصل الشعر بشعر آخر حرام فجمعه أولى؛ لما في «الصحيحين» أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي أصابتها الحصبة، فتمزق شعرها، وإني زوجتها أفأصل فيه؟ فقال: «لعن الله الواصلة والموصولة» ، وفي رواية: أن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال: «لا، إنه قد لعن الموصولات» . وروى مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا، وكذا يحرم كسب من مكسبه من خطه وعمله للدعايات المحرمة في اللوحات والأوراق ونحوها للترغيب في المحرمات؛ لأنه إعانة على نشر الفساد بين المسلمين والمعاصي، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، وكذا يحرم كسب من مكسبه من عمل خواتم ذهب للرجال أو من بيعها ومكاسبها، وكذا يحرم كسب
من مكسبه مما يأخذه من الناس باسم التأمين على الأموال أو على الأنفس؛ لأنه غرر وجهالة وأكل لأموال الناس بالباطل، وقد نهى الله عن ذلك بقوله جل وعلا: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ويأتي –إن شاء الله- الكلام على التأمين بأبسط من هذا في باب السبق في آخر هذا الجزء.
ويحرم مكسب بائع الصور مجسدة أو غير مجسدة للأحاديث الواردة في تحريمها؛ ولأنه إعانة على نشر المعاصي والمفاسد والمفاتن؛ ولأنها من المعاصي المتعدية أضرارها ويحرُمُ مكسب مُصلح آلاتِ اللهو والمَعازِف؛ لأنه إعانة على المعاصي، ويحرم كسْبُ مَن مكسبُه من تعليم التصوير أو صنع آلات اللهو لما تقدم من أنه إعانة على نشر المعاصي والمفاسد؛ ولأنها من المعاصي المتعدي ضررها إلى الغير، ويحرم كسب من مكسبه من عمل المسكرات أو من بيعها لتحريمها، وتأتي الأدلة في كتاب حد شارب الخمر آخر الكتاب في الجزء الثامن –إن شاء الله تعالى-، ويحرم كسب من مكسبه من اللوط أو الزنا أو القيادة، ويقال لها الجرارة؛ لأنها من أعظم المحرمات.
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ويكره كسب منمصة لإشتمال فعلها على التنميص المنهي عنه وكسب حمامي؛ لأنه لا يسلم داخلوه من كشف العورة.
من النظم فيما يتعلق في الإجارة في الذمة
ويشترط في استئجار فعل بذمة
بيان صفات الفعل كالسلم أحدد
وتعيينه وقتًا لفعل معين
يرد على الأولى وعنه ليوطد
فإن تم قبل الوقت يبرأ أجيره
فللمكتري الفسخ وفي عكسه قد
ومشترك هذا الأجير ولم يكن
سوى آدمي جائز الأمر أرشد
وإن يستنب فيها الأجير فجائز
إذا كنت لم تشرط مباشرة اليد
وإن يهرب أو يمرض أقام مقامه
بأجر عليه حاكم ذو تقلد
وإن يأذن الإنفاق أو يستدين أو
يبيع بعيرًا فاضلًا للمعرد
ويرجع في الأولى بلا إذن حاكم
بالإنفاق أن يشهد لعذر ممهد
وإن هو لم يشهد لإعواز شهد
ليرجع على الأقوى إن نوى العود فاشهد
وبعد إنقضاء وقت الإجارة فليبع
ويقضيه قاض والنماء للمشردِ
وإن عاد جمال وناكر منفقًا
فللمنفق القول أرض ما لم يزيد
وللمكتري عند التعذر فسخها
ويفسخها فوت المحل المقيد
وسيان برء والفرار وهلكه
بكل زمان العقد قبل التأطدِ
ويشرط في الأعيان علم صفاتها
فإن تتعطل في ابتداء العقد تفسد
وإن كان في أثناء فسخ بما بقي
وإن شئتَ فسخًا في المُعَيَّبِ فاردد
وإن شئت فامسك وأغرم الأجر كله
وإمساكها بالإرث ليس بمبعدِ
وإن غار ماء الزرع في الأرض أو هوى
الديار انفسخ فيما بقي في المجودِ
ومن يكتري شيئًا لمعلوم شغله
فيغصب ليصبر إن يشَا أو ليردد
وإن يبق نفع لم يُبَح معْ سلامةٍ
وهَتْ ولنقص وارتجا قربة طد
وإن يكن الإيجار وقتًا بعينه
له الفسخ أو أجر على غاصب قد
وإن شرط الإنفاق في مال مكتر
أو الأجر وقت العطلة اردد وأفسد
وأما إذا استأجرت عينًا بوصفها
فكالسلم أقض في الصفات وقيد
وإن يتعذر نفعها بعد دفعها
أو اعتابت استبدل وإن شئتَ فاردد
وأما إذا استأجرتها مدة مضت
بغير انتفاع للتعذر تفسد
وجوز على برء جعالة طبة
في الأقوى وقل للبرء لا أجر فاشهد
وإن مات أو [؟؟؟] على غير طبةً
ينلْ أجره لا القسط حسبُ بأجود
وكل الدوا من مال من طب لا على
الطبيب سوى كُحْل شرطت بأجود
وإن تكتريه مدة ليطب فاشترط
كل يوم كم يداوي وقيد
فإن تنقضي لم يَبْرَ يحْظَ بأجره
وفيما بقي أفسخ إن ترى أو بريء أشهد
ويحرم إيجار على فعل قربة
بإيجارها يختص كل موحد
كحج وتأذين وفعل إمامة
وتعليم قرآن وفقه بأوكد
وخذ ما أتى من غير شرط كوقفه
ورزق الفتى من بيت مال مرصد
وما قد يخص المسلمين بفعله
كتعليم خط والحساب ليوطد
ولا تؤجرن للحمل إلا برؤية
أو الوزن أو كيل كوصف بمبعد
وإن ينقص المحمول أكل وهلكة
فإن له تحميل مثل بأجود
60- مسائل حول استيفاء النفع وما يمنع من المستأجر والذي يجوز له إلخ
س60: هل للمستأجر أن يستوفي النفع بمثله؟ وما الذي يعتبر إن كان له ذلك؟ واذكر ما يتعلق بذلك من أمثلة، وما الذي يمنع منه المستأجر والذي يجوز له والذي يملكه والذي لا يملكه، وإذا فعل مكتر ما لا يملكه أو سلك طريقًا أشق أو اكترى لحمولة قدر فزاد أو إلى موضع فزاد عليه أو تلفت الدابة أو أردف على الدابة أو اكترى أرضًا، لوضع قدر فزاد على القدر أو اختلفا في قدر الأجرة أو صفة الانتفاع أو اختلفا في قدر المدة، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: لمستأجر استيفاء نفع معقود عليه بمثله ضررًا كبدونه بإعادة أو إجارة لملكه المنفعة، ولو اشترط المستأجر أن يستوفي النفع بنفسه لبطلان الشرط لمنافاته مقتضى العقد وهو ملك النفع والتسلط عليه بنفسه أو نائبه فتعتبر مماثلة راكب لمأجور في طول وقصر وفي خفة وثقل فلا يركبها أطول ولا أثقل منه؛ لأنه لا يملك أكثر مما عقد عليها، وقيل: لا يشترط ذلك، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ويكفي في العلم بالمماثلة غلبة الظن فمن استأجر دابة ليركبها وأراد أن يعيرها أو يؤجرها الآجر، فإذا غلب على ظنه أنه مساوٍ له في الطول والقصر والخفة والثقل كفى ذلك، ولا يحتاج إلى اعتبار نفسه بالوزن، ثم يعتبر الآخر كذلك؛ فإن ساواه عقد عه وإلا فلا؛ لأن ذلك يعسر جدًا، وقد يتعذر فاغتفر فيه التفاوت اليسير، وتقدم أن القول الذي تميل إليه النفس عدم اعتبار ذلك والتفاوت بسيط، ولا تعتبر مماثلة في معرفة ركوب؛ لأن التفاوت يسير فعفى عنه، ولهذا لا يشترط ذكره في الإجارة، وقيل: تعتبر المماثلة؛ لأن قلة المعرفة تثقل على المركوب وتضر به.
قال الشاعر:
لم يركبوا الخيل إلا بعد ما ركبوا ... فهم ثقال على أعجازها عُنُف
ولا يضمنها مستعير بتلف عنده بلا تفريط لقيامه مقام المستأجر في استيفاء المنفعة فحكمه حكمه في عدم الضمان، والذي يترجح عندي أن يضمنها إلا أن أذن له المالك.
والله أعلم.
ويجوز استيفاء مستأجر ونائبه بمثل ضرر ما استؤجر له فما دون ضرره من جنسه، قال أحمد: إذا استأجر دابة ليحمل عليها تمرًا فحمل حنطة أن لا يكون به بأس إذا كان الوزن واحدًا لا إن كانت المنفعة التي يستوفيها أكثر ضررًا؛ لأنه لا يستحقه أو كانت بمخالف ضرر المستأجر في ضرر المعقود عليه؛ فإنه لا يجوز، فلو استأجر أرضًا لزرع بر فله زرع بر وزرع نحو شعير كعدس وباقلاء؛ لأنه دون البر في الضرر والمعقود عليه منفعة الأرض دون البر، ولهذا يستقر عليه العوض بمضي المدة إذا تسلم الأرض وإن لم يزرعها وإنما ذكر البر لتقدر المنفعة به، ولا يملك مستأجر أرضًا لزرع بر زرع نحو دخن وذرة وقطن وقصب؛ لأن ذلك أكثر ضررًا من البر، ولا يملك مكتر لزرع غَرس أو بناء؛ لأن ضررهما أكثر من الزرع، وإن استأجر أرضًا للغراس لم يملك البناء بها وإن استأجرها البناء لم يملك الزرع لاختلاف ضررهما، فالغراس بباطن الأرض يضر والبناء يضر بظاهرها وإن اكتراها لغرس له زرعها؛ لأن ضرره أقل من ضرر الغراس وهو من جنسه؛ لأن كلًا منهما يضر بباطن الأرض، وإن اكتراها للبناء ملك الزرع، والقول الأول عندي أنه أرجح.
والله أعلم.
ولا تخلو الأرض من قسمين:
أحدهما: أن يكون لها ماء دائم إما من نهر لم تجر العادة بانقطاعه كالأراضي التي تشرب من النيل والفرات، ونحوهما أو لها ماء لا ينقطع إلا مدة لا تؤثر في الزرع أو تشرب من عين تنبع أو بركة من مياه الأمطار يجتمع فيها
الماء ثم تسقى به أو تشرب من بئر تقوم بكفايتها أو ما يشرب بعروقه لنداوة الأرض، وقرب الماء الذي تحت الأرض، فهذا كله دائم، ويصح استئجار هذا القسم من الأرض للغراس والزرع، قال في «المغني» : بغير خلاف علمنا وكذلك الذي تشرب من مياه الأمطار وتكتفي بالمعتاد منه؛ لأن حصوله معتاد، والظاهر وجوده.
القسم الثاني: أن لا يكون لها ماء دائم، وهي نوعان:
أحدهما: ما يشرب من زيادة معتادة تأتي وقت الحاجة بإذن الله تعالى كأرض مصر الشاربة من زيادة النيل وما يشرب من زيادة الفرات وأشباهه وأرض البصرة الشاربة من المد والجزر وأرض دمشق الشاربة من زيادة بردي وما يشرب من الأودية الجارية من ماء المطر المعتاد، فهذه تصح إجارتها قبل وجود الماء الذي تسقى به؛ لأن حصوله أجرى الله العادة بوجوده؛ ولأن ظن القدرة على التسليم في وقته كاف في صحة العقد كالسلم في الفاكهة إلى أوانها.
النوع الثاني: أن يكون مجيء الماء إليها نادرًا أو غير ظاهر كالأرض التي لا يكفيها إلا المطر الشديد الكثير الذي يندر وجوده أو يكون شربها من فيض واد مجيئه نادرًا أو يكون شربها من زيادة غير معتادة، بل نادرة في نهر أو غير غالبة، قاله في «المغني» ، من نيل أو غيره فهذه إن أجرها بعد وجود ما يسقيها به صح العقد؛ لأنها مشتملة على النفع المقصود منها، وإن آجرها قبل وجود ما يسقيها للزرع أو الغرس لا يصح العقد؛ لأن الأرض لا تُنِبتُ الزرع أو الغرس بلا ماء وحصوله غير معلوم، ولا مظنون فأشبهت السبخة إذا أوجرت للزرع، وإن اكتراها على أنها لا ماء لها، صح؛ لأنه يتمكن بالانتفاع منها بالنزول فيها، ووضع رحله وجمع الحطب.
وقال الشيخ تقي الدين: وما لم يرو من الأرض فلا أجرة له اتفاقًا، وإن قال في الإجارة مقيلًا ومراحًا وأطلق؛ لأنه لا يرد عليه عقد كالبرية، وليس له أن ينبني ولا يغرس فيها؛ لأن ذلك
يُراد للتأبيد وتقدير الإجارة بمدة يقتضي تفريغها عند انقضائها بخلاف ما إذا صرح بالبناء والغراس؛ فإن تصريحه صرف التقدير عن مقتضاه، وكذا لو أطلق مع علمه بحالها لا إن ظن إمكان تحصيله.
والدار إذا استؤجر للسكنى لمستأجرها أن يسكن ويكِّن من يقوم مقامه في الضرر أو دونه ويضع فيها ما جرت عادة الساكن به من الرحل والطعام والبز، ويخزن فيها الثياب ونحوها مما لا يضرها، وكل ما جرت العادة بوضعه فيها مما لا يضر بها ولا يعمل فيها حدادة ولا قصارة؛ لأنه لإفضائه إلى تخريق الأرض وجدران البيت وأبوابه ولا يعمل شيئًا ثقيلًا فوق السطح؛ لأنه يثقله ويكسر الخشب ولا يجعل فيها شيئًا يضربها كسرجين، وإن كان فيها موضعًا معدًا لربط الدواب فلا مانع من إسكانها الدواب عملًا بالعرف، وإن كان شرط على المؤجر أن يجعل فيها سرجينًا فله ذلك؛ لأنه فوق المعقود عليه، وله إسكان ضيف وزائر، ومن استأجر دابة لركوب أو حمل لا يملك الآخر لاختلاف ضررهما؛ لأن الراكب يعين الظهر بحركته لكنه يقعد في موضع واحد فيشتد على الظهر والمتاع لا معونة فيه؛ لكنه يتفرق على الجنبين، وإن اكتراها لحمل حديد أو قطن لا يملك الآخر؛ لأن ضررهما مختلف، فالقطن يتجافى وتهب فيه الرياح فيتعب الظهر، والحديد يكون في موضع واحد فيثقل عليه؛ فإن فعل مكتر ما ليس له فعله أو سلك طريقًا أشق مما عينها فيلزمه المسمى بعقد مع تفاوت المنتفعين في أجرة مثل زيادة على المسمى إن كان قد سمى أجرًا؛ لأن الزيادة غير متميزة، ولأنه متعد بالجميع بدليل أن رب الدابة منعه من سلوك تلك الطريق كلها، بخلاف من سلك تلك الطريق وجاوزها؛ فإنه إنما يمنع من الزيادة لا غير، وإن اكترى ظهرًا لحمل حديد فحمل عليه قطنًا فعليه أجرة المثل، وعكسه إذا اكترى لحمل
قطن، فحمل حديدًا فيلزمه أجرة المثل؛ لأن ضرر أحدهما مخالف للآخر فلم يتحقق كون المحمول مشتملًا على المستحق بعقد الإجارة وزيادة عليه، وقيل: كالتي قبلها بأن يلزمه المسمى في تفاوت أجر المثل من غير استثناء والذي يترجح عندي القول الأول؛ لأنه أقرب إلى العدل فيما أرى والله سبحانه أعلم.
وإن اكترى دابة ليركبها عريًا لم يكن له أن يركبها بسرج؛ لأنه زائد عما عقد عليه، وعكسه بأن اكتراها ليركبها بسرج لم يجز له ركوبها عريًا؛ لأنه يحمي ظهره وربما أفسده، وإن استأجرها ليركبها بسرج لا يركبها بسرج أثقل منه؛ زيادة عن المعقود عليه كما يمتنع عليه ركوب حمار بسرج برذون إن كان أثقل من سرجه أو أضر –كما تقدم- لا إن كان أخف أو أقل ضررًا من سرجه، وإن اكتراها لحمولة قدر كمائة رطل حديد، فزاد عليه أي على المقدار كما لو حملها مائة وعشرين، فعليه المسمى ولزائد أجرة مثله أو اكترى ليركب أو يحمل إلى موضع معين فجاوزه بأن زاد عليه، فعليه الأجر المسمى لاستيفاء المعقود عليه متميزًا عن غيره، وعليه لزائد أجرة مثله لتعديه كالغاصب، وإن تلفت الدابة المؤجرة، وقد خالف المستأجر ففعل ما لا يجوز له فعليه قيمتها كلها لتعديه سواء أتلفت في الزيادة أو تلفت بعد ردها إلى المسافة؛ لأن يده صارت ضامنة بمجاوزة المكان فلا يزول الضمان عنها إلا بإذن جديد ولم يوجد، وسواء كان صاحبها مع المكتري أو لم يكن، وقيل: إن تلفت في حال التعدي ولم يكن صاحبها مع راكبها فلا خلاف في ضمانها بكمال قيمتها وكذا إذا تلفت تحت الراكب أو تحت حمله وصاحبها معها؛ وأما إن تلفت في يد صاحبها بعد نزول الراكب عنها؛ فإن كان بسبب تعبها بالحمل والسير فهو كما لو تلفت تحت الحمل والراكب، وإن تلفت بسبب آخر فلا ضمان فيها، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
وإن تلفت بافتراس سبع أو سقطت في هوة أو جرحها إنسان فماتت؛ فإنه لا ضمان على المكتري؛ لأنها لم تتلف في عارية وإحالة ضمانها على الجارح لها أو نحوه أولى من المكتري، وإن اكترى إنسان لحمل قفيزين فحملهما فوجدهما ثلاثة؛ فإن كان المكتري تولى الكيل ولم يعلم المكري بأنها ثلاثة فكمن اكترى لحمولة شيء فزاد عليه يلزمه المسمى وأجرة المثل للزائد، وإن كان الأجير تولى الكيل والتعبئة ولم يعلم المكتري أو علم ولم يأذن فهو غاصب، فلا أجر له في حمل الزائد، وإن تلفت دابته فلا ضمان على المستأجر لها؛ لأن تلفها بتعدي مالكها، وحكمه في ضمان الطعام إذا تلف حكم من غصب طعام غيره فتلف يضمنه بمثله، ومن استأجر دابة ليركبها فأردف غيره معه ضمنها، وإن تولى الكيل والتعبئة أجنبي ولم يعلم المستأجر والأجير ولم يأذنا بزيادة فهو متعد عليهما عليه الطعام ضمان مثل طعامه إن تلف، وسواء كان الطعام أحدهما ووضعه الآخر على ظهر الدابة أو كان الذي كاله وعبأه وضعه على ظهر الدابة، فالحكم منوط بالكائل؛ لأن التدليس منه لا بمن وضعه على ظهر الدابة ومكتر مكانًا لطرح قفيز من حنطة ونحوها، فزاد على ذلك بأن طرح أردبين فأكثر؛ فإن كان الطرح على الأرض فلا شيء لزائد؛ لأن ذلك لا يضر بالأرض، وإن كان الطرح على السطح فيلزمه لزائد أجر مثله لتعديه بزائد وإن اكتراه لطرح ألف رطل قطن فطرح فيه ألف رطل حديد لزمه المسمى مع تفاوت أجر مثل وإن اختلف المُكري والمكتري في صفة الانتفاع، بأن قال مستأجر: استأجرتها للغراس، فقال مؤجر: بل للزرع ولا بينة فقول مؤجر بيمينه كما لو أنكر الإجارة؛ لأن الأصل معه، وإن اختلفا في قدر أجرة تخالفا وإن اختلفا في قدر مدة الإجارة بأن قال مؤجرًا: أجرتكها سنة بدينار، فقال المستأجر: بل أجرتنيها سنتين بدينارين، فالقول قول مالك؛ لأنه منكر للزيادة فكان القول قوله فيما أنكره، وإن قال: أجرتكها
سنة بدينار.
فقال مستأجر: بل سنتين بدينار فهاهنا قد اختلفا في قدر العوض والمدة جميعًا فيتحالفان؛ لأنه لم يوجد الإتفاق منهما على مدة بعوض فصار كما لو اختلفا في قدر الأجرة مع إتفاق المدة، وإن قال المالك: أجرتكها سنة بدينار، فقال الساكن: بل أجرتني على حفظها بدينار، فقال أحمد: القول قول رب الدار إلا أن يكون للساكن بينة وذلك لأن سكنى الدار قد وجد من الساكن واستيفاء منفعتها وهي ملك صاحبها، والقول قوله في ملكه، والأصل عدم استئجار الساكن في الحفظ فكان القول قول من ينفيه.
من النظم فيما يتعلق في استيفاء النفع
وللمكتري إستيفاء نفع بنفسه
ومن دونه أو مثله في الأذى قد
وقيل بتصحيح اشتراط تعين
لشخص على إستيفاء نفع مقيد
وليس له استيفاء فوق الذي اكترى
ولا ما يخالف في الأذى بل ليصدد
فإن فعل ألزمه بأجر زيادة الأذى مَعَ
ما سَمَّاهُ في نصِّ أحمد
ومَن يكتري للحج يركب إلى منى
وقيل إلى طَوْفِ الزيادةِ قِيدِ
ووجهان فِيمَنْ يكْتَرِيْهِ لمكة
أيملك حجًا أم إلى مكةٍ قدِ
وقد قيل اجر المثل خذ فيهما معًا
كفعل المخالف في الأذى في المؤطد
كذا في اكترا عِنْسٍ إلى بُقعة مَتى
سَلكَ مِثلَها أو في أذىً فَتَردَّدِ
وقيمة توكُّلُها في يَد الذي
نَوَى بَتعَدٍّ منه خُذْ لا تَرَدَّدِ
ولو كان مَعْهُ ربُّها إن يَكُنْ نَوَى
لَدى رَبِّهِ فالنصفُ حَسْبُ بِمُبْعَدِ
ومَن يَكْتَرِي لِلزَّرعِ أرضًا فمَالهُ
بناءُ ولا غرس بغير تردد
وإن يكتري للغرس يَملكُ زرعَها
وليس له فيها بناءُ المُشَيَّدِ
ومُستأجرٌ أرْضًا لِيزرع حِنْطَةً
فلا بأسَ أن يَزْرَعْ شَعِيرًا بأجْوَدِ
وليس له زرعٌ لِقُطْنٍ وسِمْسِمٍ
وعن ذُرَةٍ والدَّخْنِ فامنْعهُ واصْدُدِ
وصَح ازْرَعَنْ ما شِئْتَ لا مَع أو اغْرِسَنْ
وَوَجْهَانِ في واغْرِسْ بواوٍ فَقَيِّدِ
ومستأجر عِنْسًا لِسَيْرِ مَسَافَةٍ
له سَيْرُ مِثْل القَدْرِ والوصف وازهَدِ
ومستأجرٌ ظَهْرًا لِيَركَبَه فَلَا
يَجُوزُ له تحْمِيلهُ ولْوكِّدِ
بذلك في معكوسِ هذا ومكترٍ
لِقُطنٍ فلا يَحْمِلْ حَديِدًا وَوَطِّدِ
كذلك في معكوسِه وكذاك في
العَوارِي مَعَ الإطلاق لا في التَّقَيُّدِ
وإن يكتري المرءُ القميصَ فلا تُجِزْ
له لُبْسَه في لَيْلِهِ عِندَ مَرْقَدِ
ولكن نهارًا ثم يَتَّزرَنْ بهِ
ووجهان فيه هل يُباحُ لِمُرْتَدِي
ومستأجرٌ دارًا ليَسْكُنَهَا فما
أضَرَّ بِهَا فلجْتَنِبه ويُبْعِدِ
كخزن طعام أو مضر لِسُفْلِهَا
ورَبْطِ مُضِرٍ كَالأُتنْ والعَمَرَّدِ
ويُحْرِزُ ما لابُدَّ منه لِقُوتِهِ
وحَاجَاتِه مِن آنياتٍ وبُرْجُدِ
وأمَا إذا عَيَّنْتَ كُلًا فجائزٌ
ولو لمضر أو بناء لمسجد
61- ما يجب على مؤجر وما يجب على مكتر وما يلزم كل منهما وما يتعلق بذلك
س61: ما الذي يجب على مؤجر؟ وما مثاله؟ وما الذي يجب على مكتر وما الذي يلزمه، والذي لا يلزم المؤجر، وما الحكم فيما إذا امتنع أحدهما مما يجب عليه، أو شرط أحدهما ما يجب على الآخر فعله، وما مثاله؟ وبين حكم ما إذا عمر مكتر بإذن مؤجر أو بدونه؟ واذكر ما يتعلق بذلك من شروط صحيحة أو فاسدة أو ضوابط أو محترزات أو أدلة أو تعليلات أو خلاف أو ترجيح.
ج: يجب على مؤجر مع الإطلاق كل ما جرت به عادة أو عرف من آلةٍ كزِمام مركوب ليتمكن به من التصرف فيه ورحله وقتبه وحزامه ولفرس لجام وسرج ولحمار وبغل وبرذعة وإكاف؛ لأنه العرف فيحمل عليه الإطلاق أو فعل كقوْدٍ وسوْقٍ لمركوبٍ وضدٍّ ورفعٍ وحطٍّ لمحمول؛ لأنه العرف، وبه يتمكن المكتري من الانتفاع ولزوم دابة لنزولٍ لحاجةِ بولٍ أو غائطٍ، وكذا طهارة وواجب كفرض صلاة.
قال في «المبدع» : وفرض كفاية كالعين لا لِسُنَّة راتبة لصِحَّتها على الراحلة ويدع البعير واقفًا حتى يقضي الغرض؛ لأنه لا يمكنه فعلُ ذلك على ظهر الدابة، ولابد له منه بخلاف أكل وشرب ونحوه مما يمكن راكبًا وعلى مؤجر تبريكُ بعير لامرأةٍ وشيخٍ وضعيفٍ ومريضٍ وسمينٍ ونحوهم ممَّنْ يعجز عن الركوب والنزول والبعير واقف لركوبهم ونزولهم؛ لأنه المعتاد لهم؛ فإن احتاجت الراكبة إلى أخذ يد ومس جسم تولى ذلك محرمها دون الجمال؛ لأن أجنبي ويلزمه أيضًا تبريكه لمريض وكل عاجز عن الركوب والنزول ولو طرأ مرضُه على الإجارة؛ لأن العقد اقتضى الركوب بحسب العادة، قاله
في «المغني» و «الشرح» ، ويلزمه أيضًا حبسه لأج لطهارة ويدع البعير واقفًا حتى يقضي حاجته ويتطهر ويصلي الفرض؛ لأنه لا يمكنه فعل شيء من ذلك على ظهر الدابة، ولابد له منه بخلاف نحو أكل وشرب مما يمكنه راكبًا، فإذا أراد مكتر إتمام الصلاة وطلبه الجمال بقصرها لم يلزمه، بل تكون خفيفة في تمام ولزوم ما تقدم إذا وقع العقد على أن يسافر مع المكتري، ومن أكرى بعيرًا لإنسان يركبه لنفسه، وسلمه إليه لم يلزمه سوى ذلك؛ لأنه وفى له بما عقدا عليه بخلاف ما إذا عقد على أن يسافر معه وعلى مؤجر ما يتمكن به مستأجر من نفع كترميم دار مؤجرة بإصلاح منكسر، وإقامة مائل من حائط وسقف وبلاط وعمل باب وتطيين سطح وتسميته إن كان غير طيني وتنظيفه من ثلج وإصلاح بركة دار وأحواض حمام ومجاري مياهه وسلاليم الأسطحة؛ لأن ذلك وشبهه يتمكن به مستأجر من النفع المعقود عليه؛ فإن لم يفعل مؤجر ذلك فلمستأجر الفسخ إزالةً للضرر الذي يلحقه بتركه، ولا يجبر مؤجرٌ على تجديدٍ لبيتٍ زائدٍ عما في الدار حالَ الإجارة ولا على هدم عامرٍ وإعادته جديدًا؛ لأنه لم يتناوله العقد ولو آجر دارًا أو حمامًا ونحوه وشرط مؤجر على المستأجر أن يقوم بأجرتها مدة تعطيلها إن تعطلت لم يصح أو يشرط عليه أن يأخذ بقدر مدة تعطيلها بعد مدة الإجارة عليها لم يصح أو شرط عليه العمارة لم يصح؛ أما في الأولى فلأنه لا يجوز أن يؤجره مدة لا يمكنه الإنتفاع في بعضها؛ وأما في الثانية فلأنه يؤدي إلى الجهل بانتهاء مدة الإجارة؛ وأما في الثالثة والرابعة، فلأن العمارة لا تنضبط فيؤدي إلى جهالة الأجرة؛ لكن لو عمر مكتر بهذا الشرط المذكور رجع أو عمر بإذن المكري له في العمارة رجع مكثر على مكر؛ لأنه أنفق على عين بإذن ربها أشبه ما لو أذن له في النفقة على عبده ودابته، وإن اختلفا في قدر النفقة في العمارة ولا بينة رجع بما قال مكر بيمينه؛ لأنه منكر، وقال في «الترغيب» وغيره: رجع
بما قال مكتر؛ لأنه كالوكيل قال في «الإنصاف» وهو الصواب، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
ولا يلزم المؤجر ولا المستأجر تزويق ولا تجصيص ونحوهما مما يمكن الانتفاع بدونه بلا شرط؛ لأن الانتفاع لا يتوقف عليه.
ولا يلزم مؤجر محملٌ ومحارة ومظَّلة ووطاء فوق الرحل وحبل قران بين المحملين والعدلين، بل ذلك على المستأجر كأجرة دليل إن جهلا الطريق؛ لأن ذلك كله من مصلحة المكتري وهو خارج عن الدابة وآلتها فلم يلزم المكري، كالزاد، قال في «القاموس» : والمحمل كمجلس شقتان على البعير يحمل فيهما العديلان: والمِظلَّة الكبير من الأخبية وهو دون البيت من الشعر ونحوه والوطاء خلاف الغطاء، ومن اكترى بئرًا ليستقي منها فعليه بكرة وحبل ودلو لمكتر أرضًا لزرع فآلة حرث وزرع عليه وعلى مكتري دار أو حمام ونحوه تفريغ بالوعة وكنيف إذا تسلمها فارغة لحصوله بفعله كقماشة، وقال في «الإنصاف» : قلت: يتوجه أن يرجع في ذلك إلى العرف، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
ويلزم مكتري الدار تفريغها من قمامة ونحو زبل ورماد ونحوه إن حصل بفعله، كما لو ألقى فيها جيفة أو ترابًا ونحوه وعلى مكر تسليم مفتاح؛ لأنه به يتمكن من الإنتفاع ويتوصل إليه والمفتاح أمانة بيد المستأجر كالعين المؤجرة؛ فإن ضاع بلا تفريط فعلى مؤجر بدل، وإن أضاعه المستأجر أو فرط في حفظه فعليه.