كتاب الشركة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
فلم يضمن غير ما أخذه بدليل ما لو لتلف في يده قبل رده ما لم تكن الوديعة مختومة أو مشدودة أو مصرورة، فإن كان كذلك ضمن الجميع لهتك الحرز بغير إذن ربه أو يكن البدل الذي رده غير متميز وضاعت الوديعة فيضمن الجميع لخلطه الوديعة بما لا تتميز منه كما لو لم يدر أيهما ضاع هل هو المردود أو غيره من الوديعة فيضمنه؛ لأن الأصل عدم براءته.
وعند مالك: لو خلط دراهم الوديعة أو دنانير أو الحنطة بمثلها حتى لا تتميز لم يكن ضامنًا للتلف، وقال أبو حنيفة: إن رده بعينه لم يضمن تلفه وإن رد مثله لم يسقط عنه الضمان، وقال الشافعي: هو ضامن على كل حال بنفس إخراجه لتعديه، ولا يسقط الضمان سواء رده بعينه أو رده مثله.
والذي تميل النفس أنه إذا رده غير متميز لا يجب عليه ضمان الجميع، بل يضمن ما حصل فيه التعدي وهو الريال وحده، والله سبحانه أعلم.
ويضمن وديع بخرق كيس فيه وديعة من فوق شد أرش الكيس فقط دون ما في الكيس؛ لأنه لم يهتك حرزه ويضمن بخرقه من تحت شده أرشه وما فيه إن ضاع هتكه الحرز.
ومن أودعه صغير مميز أو لا أو أودعه مجنون أو أودعه سفيه وديعة لم يبرأ الوديع من صغير ونحوه إلا بردها إلى وليه في ماله كديته الذي له عليه.
ويضمنها قابضها من الصغير ونحو إن تلفت تعدى أو فرط أو لا لتعديه بأخذها؛ لأنه لا تسليط من المالك وقد تلفت بغير حق فضمنه؛ لأنه إتلاف يستوي فيه الكبير والصغير والعمد والسهو ما لم يكن المحجور عليه لحظه مميزًا مأذونًا له في الإيداع أو يخف الآخذ هلاكها معه فأخذها لحفظها حتى يسلمها لوليه حسبة فلا ضمان عليه كمال ضائغ وموجود في مهلكة إذا أخذ لحفظه لربه وتلف قبل التمكن من رده فلا ضمان عليه بأخذه
لقصده به التخلص من الهلاك فالحفظ فيه لمالكه وكأخذه مالاً مغصوبًا من الغاصب تخليصًا له ليرده لمالكه فتلف قبل التمكن من رده لم يضمنه؛ لأنه محسن.
ولو وجد إنسان حيوانًا حرم إلتقاطه لامتناعه من صغار السباع ووجده بمضيعة وهي الفلاة من الأرض البعيدة من العمران وعلم الواجد مالك الحيوان فأخذه ليحفظه لربه وتلف لا يضمنه؛ لأنه محسن صانع معروفًا، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ فغير لائق أن يعامل بضده.
وما أودع أو أعير لنحو صغير أو معتوه أو مجنون أو قن صغير لم يضمن المعار أو المودع بتلف في يد قابضه ولو حصل التلف من القابض أو حصل بتفريطه؛ لأن المالك سلطهم على الإتلاف بالدفع إليه.
ويضمن المودع والمعار العبد المكلف وهو البالغ الرشيد ومثله المدبر والمعلق عتقه بصفة وأم ولد في رقبته إذا أتلفه؛ لأنه مكلف فصح إستحفاظه وبه يحصل الفرق بينه وبين الصبي وكونه في رقبته؛ لأن إتلافه من جناية.
وقيل: إن إتلاف السفيه موجب للضمان كالرشيد وإلحاقه بالرشيد أقرب، وهذا القول هو الذي يترجح عندي، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإذا مات إنسان وثبت أن عنده وديعة أو مضاربة أو رهنًا ونحوها من الأمانات ولم يوجد تلك ونحوها بعينها في تركته فهي دين عليه تغرمها الورثة من تركته؛ لأنه لم يتحقق براءاته منها كبقية الديون، فإن كان عليه دين سواهما فهما سواء.
والمودع أمين؛ لأن الله سبحانه وتعالى سماها أمانة بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فيصدق المودع
في رد الوديعة بيمينه؛ لأنه لا منفعة له في قبضها، فقبل قوله بغير بينة أشبه الوكيل بلا جعل ويصدق الوديع في رد إلى مالكه.
قال في «نهاية التدريب» :
ولا خلاف أن قول المودع
مصدق في ردها للمودع
ويصد في رد إلى وكيل المالك في حفظها أو لزوجة المالك أو لخازن المالك أو لمن يحفظ ماله عادة؛ لأن يدهم كيد المالك فالدفع لهم كالدفع له، وكذا الوادعي الوديع الرد على يد قن مدعي الرد أو زوجته أو خازنه، قال في «الإنصاف» : لوادعي الأداء على يد عبده أو زوجته أو خازنه فكدعوى الأداء بنفسه.
ولو ادعى الوديع الرد على يد حافظه أو وكيله يصدق؛ لأنه لما كان له حفظها بنفسه وبمن يقوم مقامه كان له دفعها كذلك؛ لأن أيديهم كيده ويقبل قول مدعي ممن ذكر بيمينه.
ولو مات المودع وادّعى المودع أنه رد إليه الوديعة قبل موته بأن ادّعى ورثة المالك عليه، فقال: رددتها إليه قبل موته قبل قوله بيمينه، كما لو كان المالك هو المدعي وأنكر ويصدق الوديع أيضًا بيمينه في قوله لمالكها أذنت لي في دفعها.
وهو من «مفردات المذهب» ، وقيل: لا يقبل، قاله الحارثي وهو قوي؛ لأن الأصل عدم الإذن وله تضمينه، وهذا القول هو الذي يترجح عندي، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويصدق في قوله أذن لي مالكها قبل موته في دفعها لفلان أمانة ودفعتها إليه؛ لأن الوديع ادّعى دفعًا يبرأ به من الوديعة فكان القول قول
فيه، كما لو ادّعى ردها إلى مالكها ولا يلزم المدّعي عليه غير اليمين لما لم يقرّ بقبضه، وكذا إن أقرّ المالك بالإذن في الدفع وأنكر أن يكون دفع له قبل قول الوديع ثم ينظر في المدفوع إليه، فإن أقر بالقبض فلا كلام وإن أنكر حلف وبرئ وفاتت على ربها إن كان المدفوع إليه وديعًا، وإن كان دائنًا قبل قوله مع يمينه وضمن الدافع إن لم يشهد لتقصيره صدق المالك أو كذبه؛ لأنه لما قبل قوله على المالك فكذلك يقبل قوله على الورثة مع إنكارها.
ويصدق وديع بيمينه في دعوى تلف للوديعة بسبب خفي كالسرقة لتعذر إقامة البينة على مثل هذا السبب، ولأنه لو لم يقبل قوله في ذلك لامتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة إلى ذلك، قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم أن المستودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت قبل قوله مع يمينه.
وحكى الوزير الإتفاق على أن القول قول المودع في التلف والرد مع يمينه.
وقال ابن القيم: إذا لم يكذبه شاهد الحال، وقال: إذا ادّعى الهلاك في الحريق أو تحت الهدم أو في نهب العيارين ونحوهم لم يقبل إلا إذا تحقق وجود هذه الأسباب وإن هلكت من بين ماله.
اهـ.
وكذا إن لم يذكر السبب أو دعوى تلف للوديعة بسبب ظاهر كحريق وغرق ونهب جيش إن ثبت وجوده ببينة تشهد بوجود ذلك السبب، فإن عجز عن إقامة السبب الظاهر ضمن الوديعة؛ لأنه لا يتعذر إقامة البينة به والأصل عدمه.
ويكفي في ثبوت السبب الظاهر الإستفاضة ويصدق الوديع بيمينه
في عدم الخيانة وعدم تفريط وفي حرز مثل بلا نزاع؛ لأنه أمين، والأصل براءته.
وإن ادّعى الوديع رد الوديعة لحاكم أو ورثة مالك لم يقبل إلا ببينة؛ لأنهم لم يأمنوه أو ادعى ردًا بعد مطله بتأخيره دفعها إلى مستحقه بلا عذر، ثم ادّعى تلفًا لم يقبل إلا ببينة؛ لأنه بالمطل بطل الإستئمان وكذلك لو ادعى ردًا بعد منعه منها لم يقبل إلا ببينة؛ لأنه صار كالغاصب.
قال في «التدريب» :
وأن يؤخر ردها بعد الطلب
من غير عذر فالضمان قد وجب
أو وعد الوديع المالك رد ما أودعه ثم ادّعى الوديع الرد أو ادّعى تلفه قبل وعده برده إليه أو ادعى ورثة الوديع ردًا منهم أو من مورثهم ولو لمالك أو ادّعى ورثة الوديع أن مورثهم رد الوديعة قبل موته لم يقبل ذلك إلا ببينة؛ لأنهم غير مؤتمنين عليها من قبل مالكها.
وكذا لو ادعاه ملتقط أو من أطارت الريح الثوب إلى داره فلا يقبل إلا ببينة.
وكذا في الحكم كل من يقبل قوله بيمينه من الأمناء كالشريك والوكيل مجانًا والمرتهن إذ لا فرق بينهم وبين الوديع.
وإن أنكر الوديع الوديعة بأن قال: لم يودعني، ثم قرّ بالإيداع أو ثبتت عليه الوديعة ببينة، فادعى ردًا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يقبل منه ذلك؛ لأنه صار ضامنًا بجحود معترفًا على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
ولو أتى ببينة على الرد أو التلف وأطلقت البينة الشهادة فلم تقل قبل ولا بعد فلا تسمع لتكذيبه لها بجحوده.
وبهذا قال المالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي؛ لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.
وقيل: يقبل؛ لأن صاحبها لو أقر بذلك سقط عنه الضمان.
وقال في «الإنصاف» : ويحتمل أن يقبل ببينة، قال الحارثي: وهو المنصوص من رواية أبي طالب وهو الحق، وقال: هذا المذهب عندي، انتهى.
وهذا القول الذي تميل إليه النفس والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإن ادّعى ردًا أو تلفًا بعد جحوده كما لو ادّعى عليه بالوديعة يوم الأحد فجحدها ثم أقر بها يوم الاثنين ثم ادّعى أنه ردها أو تلفت بغير تفريط يوم الثلاثاء وأقام بينة شاهدين قبلا، والسبب في أنه يقبل الرد والتلف إذا أداهما بالبينة بعد الجحود؛ لأنه حينئذ ليس بمكذب لها ولا ضمان على وديع بتركه الوديعة عنده باختيار ربها بقائها بعد ثبوتها عند الوديع؛ لأنها بإبقاء ربها لها باختيار تعود أمانة.
وإن قال مدعى عليه: الودعية مالك عندي شيء أو لا حق لك عندي أو قبلي، ثم أقر بالإيداع أو ثبتت ببينة قبل منه رد أتلف سبقًا جحوده؛ لأنه ليس بمناف لجوابه أن يكون أودعه ثم تلفت عنده بغير تفريط أو ردها فلا يكون له عنده شيء.
ولا يقبل منه دعوى وقوع الرد والتلف بعد جحوده بلا بينة لاستقرار حكمه بالجحود فيشبه الغاصب وعليه ضمان وديعة ثبت أنها تلفت ببينة ما لم يكن جدد عقدًا بعد الجحود.
وإن قال إنسان لآخر: لك عندي وديعة ثم ادّعى المقر ظن البقاء بأن قال: كنت أظنها باقية ثم علمت تلفها قبل قوله بيمنه.
قال في «الإنصاف» : قلت: وهو الصواب، وقيل: إذا قال لك عندي وديعة ثم ادّعى ظن البقاء ثم علم تلفها لم يقبل قوله، والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وإذا مات مودع أو وكيل أو شريك أو مرتهن أو مضارب وانتقلت الوديعة إلى يد من بعده فالواجب على وارثه المنتقل إليه فورًا أحد شيئين: إما إعلام مالك بموت الوديع أو ردها.
ولا يجوز لمن هي بيده أن يمسكها قبل إعلام ربها بها؛ لأنه لم يأتمنه عليها.
ومحل ذلك إذا كان إذن مالكها لزوال حكم الائتمان بمجرد موت المورث.
فإن تلفت الوديعة عند وارث قبل إمكان الإعلام أو الرد إلى ربها لنحو جهل بها أو به لم يضمنها إذا لم يفرط بلا نزاع؛ لأنه معذور.
وإن تلفت بعد إمكان ردها إلى ربها أو إعلامه بموت الوديع فلم يفعل ضمن لتأخر ردها إلى ربها أو الإعلام مع إمكانه وحصولها بيده بلا إيداع بخلاف عبد أو حيوان دخل داره وعليه أن يخرجه ليذهب كما جاء؛ لأن يده لم تثبت عليه.
وكل من حصل في يده بلا ائتمان من صاحبها كلقطة وثوب أطارته ريح لداره وعلم به فعليه المبادرة إلى الرد مع العلم بصاحبها والتمكن منه أو إعلامه.
وكذا لو عزل نفسه نحو مودع كعدل بيده الرهن ومرتهن ووكيل ومضارب وشريك فيجب عليه الرد على الفور.
قال ابن رجب في «قواعده» : وكذا حكم الأمانات إذا فسخها المالك
كالوديعة والوكالة والشركة والمضاربة يجب الرد على الفور لزوال الائتمان صرح به القاضي في خلافه، وسواء كان الفسخ في حضرة الأمين أو غيبته، وظاهر كلامه أنه يجب فعل الرد، فإن العلم هنا حاصل للمالك، انتهى.
وحاصله أن الأمين إن كان أزال الائتمان بعزله نفسه فيجب عليه المبادرة إلى الرد أو الإعلام، وإن كان العزل صدر من المالك وطلب الرد وجب على الأمين التمكين من الرد، قال في «القواعد» : فمتى كان المالك عالمًا ولم يطلب فلا ضمان إذا لم تكن مؤونة الرد واجبة على من هو عنده.
(27) الواجب على من عنده عين انقضى ما أخذت من أجله وما تثبت به الوديعة وحكم المطالبة إذا غصبت ممن هي بيده أو أكره على دفع الوديعة بتهديد أو على الطلاق أن لا وديعة
س27: ماذا يجب على من عنده عين إجارة أو إعارة أو غصب أو مقبوض على وجه السوم أو رهن، وإذا أحرز الوديعة بعد طلب صاحبها فما الحكم؟ وما الذي تثبت به الوديعة؟ وإذا ادعى الوديعة إثنان فأقر لأحدهما أو أودع إثنان وديعة وطلب أحدهما نصيبه منها، وإذا غصبت العين المودعة أو الموجودة أو مال المضاربة أو الرهن فهل لمن هي بيده المطالبة، وإذا أكره مودع على دفع الوديعة فدفعها لغير ربها أو أكره على الطلاق أن لا وديعة عنده لفلان، وإذا نادى السلطان بتهديد من عنده وديعة وينكرها فجزاؤه كذا، أو قال من لم يحمل وديعة فلان عمل به كذا فحملها إنسان فما الحكم؟ واذكر القيود والمحترزات والتفاصيل والأمثلة والأدلة والتعاليل والخلاف والترجيح.
ج: الأعيان المضمونة يجب المبادرة بها إلى ردها بكل حال وسواء كان حصولها في يده بفعل مباح أو محرم أو بغير فعله.
فالأول: كالعواري يجب ردها إذا استوفى منها الغرض المستعارة له إذا انتهى قدر الانتفاع المأذون فيه وسواء طالب المالك أو لم يطالب؛ لأنها من قبيل المضمونات فهي شبيهة بالمقبوض، وكذا حكم المقبوض بالسوم.
والثاني: كالمغصوب والمقبوض بعقد فاسد.
ويجب على المستأجر رد العين المؤجرة إذا انقضت إجارة.
ويجب على مرتهن إذا وفى دين برهن رد الرهن لمالكه.
ويضمن وديع أحرز الوديعة فلم يمكن مالكها من أخذها بعد طلب فإن أخر الرد بعد طلبها بلا عذر في التأخير ضمن إن تلفت أو نقصت كالغاصب.
وإن طلبها في وقت لا يمكن دفعها إليه لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عنها وعن حملها لم يكن متعديًا بترك تسليمها ولم يضمنها لعدم العدوان.
ومثل الوديع من أخر دفع مال أمر بدفعه بلا عذر وتلف فيضمنه ولو لم يطلب الوكيل ذلك؛ لأنه أمسك مال غيره غير إذن.
ويمهل من طولب بوديعة أو بمال أمر بدفعه لنحو أكل أو لكونه في حمام إلى قضاء حاجته، وكذا يمهل لهضم طعام ونوم إلى أن يستيقظ ويمهل لمطر وطهر بقدره، فلا تضمن الوديعة بتلف زمن العذر؛ لعدم عدوانه.
وتثبت وديعة حكمًا بإقرار وديع بأن أقر أنها لفلان أو إقرار وارث أو وجود نحو بينة كإمارة ظاهرة.
وإن وجد وارث خط مورثه: لفلان عندي وديعة أو وجد على الكيس
ونحوه مكتوب هذا لفلان عمل الوارث به وجوبًا كما يعمل بإقراره باللفظ.
وإن وجد وارث خط مورثه بدين له على فلان جاز للوارث الحلف إذا قام به شاهد مثلاً، وكان يعلم أن مورثه لا يكتب إلا حقًا وأنه صادق أمين ودفع الدين إليه.
وإن وجد وارث خط مورثه بدين عليه لمعين عمل الوارث به وجوبًا ودفع الدين إلى من هو مكتوب بإسمه كالوديعة.
وإن ادّعى الوديعة إثنان فأقر المستودع بها لأحدهما فهي للمقر له مع يمينه؛ لأن اليد كانت للمودع وقد نقلها إلى المدعي فصارت اليد له ومن كانت اليد له قبل قوله بيمينه.
ومن إفراد ذلك لو قال المودع أودعنيها الميت، وقال هي لفلان، وقال ورثته: بل هي له، فقال الشيخ تقي الدين: بأن القول قول المودع مع يمينه ويحلف المودع أيضًا للمدعي الآخر الذي أنكره؛ لأنه منكر لدعواه وتكون يمينه على نفي العلم.
فإن حلف بريء وإن نكل لزمه بدلها له؛ لأن فوتها عليه، وكذا لو أقر له بعد أن اقر بها للأول فتسلم للأول ويغرم قيمتها للثاني.
وإن أقر بها لهما معًا فهي بينهما كما لو كانت بأيديهما وتداعياها ويحلف لكل واحد منهما يمينًا على نصفها، فإن نكل عن اليمين لزمه بدل نصفها لكل واحد منهما وإن نكل عن اليمين لأحدهما فقط لزمه لمن نكل عن اليمين له عوض نصفها ويلزم كل واحد منهما الحلف لصاحبه؛ لأنه منكر لدعواه.
وإن قال المودع: هي لأحدهما ولا أعرف عينه، فإن صدقاه أو سكتا
عن تصديقه وتكذيبه فلا يمين عليه إذ لا اختلاف ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة سلمت إليه بيمينه.
وإن كذباه بأن قالا: بل تعرف أينا صاحبها حلف لهما يمينًا واحدة أنه لا يعلم عينه، وكذا إن كذبه أحدهما وحده ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنها له لاحتماله عدمه وأخذها بمقتضى القرعة.
فإن نكل المودع عن اليمين أنه لا يعلم صاحبها حكم عليه بالمنكول وألزم بالتعيين بأن يعين صاحبها.
فإن امتنع عن التعيين أجبر على القيمة إن كانت متقومة وإن كانت مثلية أجبر على المثل فتؤخذ القيمة أو المثل أو العين فيقترعان عليهما ويتفقا عليهما، وكذلك إذا قال: أعلم المستحق ولا أحلف.
ثم إن قامت بينة بالعين لأخذ القيمة سلمت إليه العين للبينة وتقديمها على القرعة وردت القيمة إلى المودع ولا شيء للقارع على المودع؛ لأنه لم يفوت عليه شيئًا، بل المفوت البينة.
وإن أودع اثنان إنسانًا وديعة مكيلاً أو موزونًا ينقسم ولا ينقص بالتفرقة فطلب أحدهما حقه من الوديعة لغيبة شريكه أو حضوره وامتناعه من الأخذ ومن الإذن لصاحبه في أخذ حقه سلم للطالب نصيبه وجوبًا؛ لأنه أمكن تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب الآخر بغير غبن ولا ضرر، فإذا طلب أحدهما نصيبه لزمه دفعه إليه كما لو كان متميزًا.
وقيل: لا يلزمه الدفع إلا بإذن شريكه أو الحاكم، وقال القاضي: لا يجوز إلا بإذن الحاكم؛ لأن ذلك يحتاج إلى قسمة ويفتقر إلى حكم واتفاق، والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعلم مما تقدم أن ذلك لا يجوز في غير مثلي؛ لأن قسمته لا يؤمن فيها
الحيف لافتقارها إلى التقويم وهو ظن وتخمين.
قال المجد في «شرحه» : لو كان على الوديع دين بقدر الوديعة كألف درهم فأعطاه الوديع ألفًا ثم اختلفا، فقال الوديع: الذي دفعت إليك وفاء عن الدين، والوديعة تلفت، فقال المالك: بل هو الوديعة والدين بحاله، فالقول قول الوديع.
ولمودع ومضارب ومستأجر ومرتهن وعدل بيده الرهن وأجبر على حفظ عين والوكيل فيه والمستعير والمجاعل على عملها مطالبة غاصب العين من وديعة أو مضاربة أرهن أو مستأجره فله مطالبة غاصبها؛ لأنها من جملة حفظها المأمور به، والذي تميل إليه نفسي أنه يلزمه المطالبة بذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا يضمن مودع أكره على دفع الوديعة بتهديد على دفعها لغير ربها.
وإن طلب يمين الوديع أن لا وديعة لفلان عنده ولم يجد بدًا من الحلف بأن يكون الطالب بيمينه متغلبًا عليه بسلطته أو تلصص ولا يمكنه الخلاص منه إلا بالحلف وتأول فينوي لا وديعة عندي لفلان في موضع كذا من المواضيع الذي ليست بها ونحوه ولم يحنث لتأوله فإن لم يحلف حتى أخذها منه ضمنها.
وقيل: لا يأثم إن حلف الوديع مكرهًا أنه لا وديعة لفلان عنده ولم يتأول وهو دون إثم إقراره بها ويكفر، وقيل: إن حلف ولم يتأول أَثِمَ ووجبت الكفارة.
قال في «الإنصاف» : وإن حلف ولم يتأول أثم، وقال: الصواب وجوب الكفارة مع إمكان التأويل وقدرته عليه وعلمه بذلك ولم يفعله، وهذا القول الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وكونه يأثم إذا لم يتأول لحلفه كاذبًا لكن إثم حلفه دون إثم إقراره بها؛ لأن حفظ مال الغير من الضياع آكد من بر اليمين.
وإن أكره على الطلاق أن لا وديعة عنده لفلان وكان ضرر التغريم كثيرًا يوازن الضرر في صور الإكراه.
فهو إكراه لا يقع وإلا وقع ولم يقولوا أي الأصحاب وتأويل؛ لأن المكره لا يلزمه تأويل لعدم إنعقاد يمينه، قاله في «الغاية وشرحها» .
وإن نادى السلطان بتهديد من عنده وديعة وينكرها فجزاؤه كذا وكذا من أنواع العقوبة أو نادى بتهديد من لم يحمل وديعة فلان عمل به كذا وكذا من أنواع التهديد فحملها بلا مطالبة أثم إن لم يعينه.
وإذا استودع فضة وأمر بصرفها بذهب ففعل وتلف الذهب لم يضمنه.
وإذا قال: أصرف مالي عليك من قرض ففعل وتلف ضمنه، ولم يبرأ من القرض.
ومن نال منها بعضها ثم رده
فضاعت ليضمنه فقط في المؤكد
وهذا إذا لم تلف عنه حريزة
فتهتك عنها والتي لم تشدد
كذاك إذا رد البديل مميزًا
وإلا فضمنه الجميع بأوكد
ويبرأ برد للوديعة خائن
وإلا براء من غرم وعقد مجدد
وإن ثبتت في إرث ميت وديعة
فتفقد فدين أسوة الغرما أعده
وإن شك في بقيا وديعته إلى الممات
فلم توجد لتضمن بأجود
ومودعها في ردها أقبل مقاله
فهلك وأذن في تسلم أبعد
على مودع أو قابض منكر فإن
قضى عن ديون ضمن غير مشهد
وفي نفي تفريط ودعوى خيانة
وجاحد إيداع فيثبت بشهد
وإقراره أن يدعي قبل جحده
تلافًا ورد العين أمنعه وأصدد
ولو مع شهود صدقوه بأوطد
وتقبل دعوى الرد من بعد مجحد
وعن أحمد في قابض بشهادة
لدعواه ردًا دون شهدًا ردد
وفي قوله لا مال عندي لك ولا
علي أقبلن دعوى التوى والتردد
وقابضها ينوي الخيانة ضامن
كملتقط لا أن طر إذا تجدد
ورد ادعا الوارث رد فقيدهم
وديعته أو ردهم دون شهد
ولم يضمنوا إلا بكتمانهم لها
وإمكان رد أخروه بأجود
وتلزم بالإقرار أو شاهدين لا
بخط الردى حتى علي بمبعد
وإن يدع إثنان الوديعة عنده
فمن خصه يحلف ويعطي له طد
ويحلف للمحروم في المتجود
فإن يأب يضمنها له ويزود
وإن خص منهم واحدًا لا بعينه
فإن صدقا في نفي علم بمفرد
فليس عليه من يمين وإن هما
معًا كذباه أو فتى منهما قد
ليحلف يمينًا لست أعلم من هو
الذي يستحق العين يا ذا الترشد
وتعطي لفرد قارع مع يمينه
ومن قبلها إقرع وإن شئت بعد
وإن يأب الإيلاء أقر عن قبله فقط
ولا يلزم الإيلاء إن بقرعته إبتدي
سوى للفتوى المقروع حسب بشرطه إن
يكذبه المقروع في جهله أشهد
فإن يأب إيلاء له يلتزم له
بقيمة ما عنه زواه ويرفد
وإن جحد الشخصين مودعها معًا
ليحلف لكل منهما بتعدد
وخذ مع نكول منه عينًا وقدرها
وكل له بالقرعة إحدى المعدد
وبينهما في وجه اقسمهما كذا
مقر لكل مع نكول التعدد
ومن يبغ من موزونهم أو مكيلهم
نصيبًا له من ممكن القسم أسعد
وحرمه القاضي بلا إذن حاكم
وهذا الذي يقضي به عقل من هدي
ولا غرم أن يغصب وأن يعط مكرهًا
وللمودع التطلاب حفظًا بأجود
وردكها للحافظي مال ربها
على عادة مبرّ بغير تردد
وليس على مستودع أجر ربها
إذا لم يبعدها بأفعال معتدي
باب إحياء الموات
س28: ما هي الموات لغةً وشرعًا؟ وما الأصل فيها؟ وما الذي يملك بالإحياء؟ وإذا ملكه من له حرمة أو شك هل للموات مالك أم لا؟ أو ملك ثم دثر أو كان لغير معصوم، أو تردد في جريان الملك عليه أو كان به أثر ملك غير جاهلي؟ وما الذي يدخل فيما ملك بالإحياء؟ وما الأسباب المقتضية للإحياء والتي لا يحصل بها الإحياء؟ وكم أقسام الموات؟ وما هي؟ وما الذي يستثنى من ذلك؟ واذكر القيود والتفاصيل والمحترزات والأدلة والتعليلات والخلاف والترجيح.
ج: الموات والميتة والميتات بفتح الميم والواو والأرض الدارسة الخراب، وعرفها الأزهري: بأنها الأرض التي ليس لها مالك ولا بها ماء ولا عمارة
ولا ينتفع بها، والموات مشتق من الموت وهو عدم الحياة والموتان بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع، ورجل موتان القلب بفتح الميم وسكون الواو: يعني أعمى القلب لا يفهم، وفي «القاموس» : الموات كغراب الموت وكسحاب ما لا روح فيه وأرض لا مالك لها، ولموتان بالتحريك خلاف الحيوان أو أرض لم تحي بعد.
وفي «التيسير نظم التحرير» :
حقيقة الموات في الأراضي
ما لم يعمر في الزمان الماضي
وفي «نهاية التدريب» :
وكل أرض ما لها مياه
تسمى مواتًا ينبغي إحياء
واصطلاحًا: الأرض المنفكة عن الإختصاصات وملك معصوم مسلم أو كافر، قال الحارثي: عن هذا الحد فيدخل ما يملك بالإحياء وخرج كل ما لا يملك به، انتهى، والأصل في جوازه: حديث جابر مرفوعًا: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» رواه أحمد والترمذي وصححه، وحديث سعد بن زيد: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرف ظالم حق» قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعن عائشة مثله، رواه مالك وأبو داود، وقال ابن عبد البر: هو مسند صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم.
وعن أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعته، فقال: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» فخرج الناس تعادون يتخاطون، رواه أبو داود عن عائشة مرفوعًا: «العباد عباد الله، فمن أحيا من موات الأرض شيئًا فهو له» رواه أبو داود الطيالسي.
قال في «المغني» و «الشرح» وعامة فقهاء الأمصاد على أن الموات يملك بالإحياء وإن اختلفوا في شروطه.
ويملك بالإحياء كل موات لم يجر عليه ملك معصوم ولم يوجد فيه أثر عمارة.
ويملك الإنسان ما أحياه
إن لم يكن ملك امرئ سواه
قال في «المغني» : بغير خلاف نعلمه بين القائلين بالإحياء، ونقل أبو الصقر في أرض بين قريتين ليس فيها مزارع ولا عيون ولا أنهار تزعم كل قرية أنها لهم فإنها ليست لهؤلاء ولا لهؤلاء حتى يعلم أنهم أحيوها، فمن أحياها فله، ومعناها نقل ابن القاسم.
وإن كان الخراب الذي لم يوجد فيه أثر عمارة تتحقق أنه كان قد ملكه من له حرمة من مسلم أو ذمي أو مستأمن بشراء أو هبة أو ملكه من شك فيه بأن علم أن كان له مالك، وشك في حاله هل هو محترم أم لا؟ فإن وجد مالكه أو وجد أحد من ورثته لم يملك بالإحياء.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه، انتهى.
وكذا إن جهل مالكه بأن لم تعلم عينه مع العلم بجريان الملك عليه لذي حرمة فلا يملك بالإحياء؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من عمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها» رواه أحمد والبخاري، وهذه مملوكة، ولأن هذا المكان مملوك فلم يملك بالإحياء كما لو كان مالكه معينًا.
وإن علم أنه مات ولم يعقب ذرية ولا وارثًا لم يملك أيضًا بالإحياء
وأقطعه الإمام لمن شاء؛ لأنه فيء وإن ملك بالإحياء ثم ترك حتى دثر وعاد مواتًا لم يملك بالإحياء إن كان لمعصوم لمفهوم حديث: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» ، ولأن ملك المحيى أولاً لم يزل عنها بالترك بدليل سائر الأملاك.
وإن علم ملك الدارس الخراب لمعين غير معصوم بأن كان لكافر لا ذمة له ولا أمان، فإن كان أحياه بدار حرب واندرس كان كموات أصلي فيملكه من يحييه؛ لأن ملك من لا عصمة له كعدمه.
وإن لم يكن به أثر ملك وتردد في جريان الملك عليه ملك بالإحياء؛ لأن الأصل عدم جريان الملك فيه أو كان بالخراب أثر ملك غير جاهلي كالخرب جمع خربة وهي ما تهدم من البنيان التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها ولم يعلم لها مالك الآن ملك بالإحياء؛ لعموم ما سبق من الأخبار وسواء كان بدار الإسلام أو الحرب، ولأن عامر دار الحرب إنما يملك بالقهر والغلبة كسائر أموالهم أو كان به أثر ملك جاهلي قديم كديار عاد وآثار الروم فيملكه من أحياه لما سبق أو كان به أثر ملك جاهلي قريب ملك بالإحياء؛ لأن أثر الملك الذي به لا حرمة له.
قال الحارثي: مساكن ديار ثمود لا تملك؛ لعدم دوام البكاء مع السكنى ومع الإنتفاع.
ويكره دخول ديارهم إلا لباكٍ معتبر لئلا يصيبهم ما أصابهم من العذاب للخبر ومن أحيى مما يجوز إحياؤه ولو كان الإحياء بلا إذن الإمام ملكه؛ لعموم الحديث، ولأنه عين مباحة فلا يفتقر تملكها إلى إذن كأخذ المباح.
وقال أبو حنيفة: يحتاج إلى إذن الإمام.
وقام مالك ما كان في الفلاة أو حيث لا يتشاح الناس فيه لا يحتاج إلى إذن وما كان قريبًا من العمران وحيث يتشاح الناس فيه افتقر إلى إذن.
وقال الشافعي وأحمد: لا يحتاج إلى الإذن، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس لإذن الشارع في ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وهو مبني على أن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال سواء كان المحيي مسلمًا أو ذميًا إتفاقًا وسواء كان مكلفًا أو لا لكن شرطه أن يكون ممن يملك المال؛ لأنه يملكه بفعله كالاصطياد، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «موتان الأرض لله ورسوله ثم هملكم جوابه بعد تسليم صحته أنها لكم أي لأهل داركم، والذمي من دارنا تجري عليه أحكامنا فيملك الأرض المحياة بالإحياء كما يملكها بالشراء» .
ويملك مباحاتها من الحشيش والحطب والصيود والركاز والمعدن واللقطة وهي من مرافق دار الإسلام، فكذلك الموات مواتًا في دار الإسلام وغيرها إذ جميع البلاد سواء إلا موات الحرم وعرفات فلا يملك بالإحياء مطلقًا لما فيه من التضييق في أداء المناسك واختصاصه بمحل الناس فيه سواء.
ومنى ومزدلفة من الحرم كما سبق فلا إحياء فيهما.
وموات العنوة كأرض الشام والعراق كغيره مما أسلم أهله عليه كالمدينة وما صولح أهله أن الأرض للمسلمين.
فيملك موات العنوة بالإحياء.
ولا خراج على مسلم أحيا موات أرض العنوة وما روي عن الإمام: ليس في أرض السواد موات معللاً بأنها لجماعة فلا يختص بها أحدهم حملها القاضي على العامر ويحتمل أن أحمد قاله لكون السواد كان عامرًا في زمن عمر بن الخطاب وحين أخذه المسلمون من الكفار.
وسوى ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أن الأرض لهم
ولنا الخراج عنها؛ لأنهم صولحوا في بلادهم فلا يجوز التعرض لشيء منها؛ لأن الموات تابع للبلد ويفارق دار الحرب؛ لأنها على أصل الإباحة.
وسوى ما قرب من العامر عرفًا؛ لأن التحديد لا يعرف إلا بالتوقيف لا بالرأي ولم يرد من الشارع تحديد فوجب أن يرجع في ذلك إلى العرف كالقبض والإحراز وما قيل أن حد القريب خمس خمس الفرسخ وإذا وقف الرجل بأعلى صوته لم يسمع أدنى أهل المصر إليه أجيب بأنه لا يجوز أن يكون حدًا لكل ما قرب من عامر؛ لأن من أحيا أرضًا في موات حرم إحياء شيء من ذلك على غيره ما لم يخرج من الحد وتعلق بمصالحه كطرقه وفنائه ومسيل مائه ومرعاه ومحتطبه.
وحريم بئره وحريم نهره وحريم عين مائه ومطرح ترابه وقمامته وملقى آلاته التي لا نفع فيها ومرتكض خيله ومدفن موتى ومناخ إبل ومنازل مسافرين معتادة حول المياه وبقاع مرصدة لصلاة العيدين والإستسقاء والجنائز فمن أحيا ما يجوز إحياؤه ملك ما أحياه لمفهوم حديث: «من أحيا أرضًا ميتة من غير حق مسلم فهي له» ، ولأنه مملوك فأعطي حكمه.
ويملكه محييه بما فيه من كنز جاهلي ومعدن جامد باطن في الأرض كذهب وفضة وحديد ونحاس ورصاص وبلور ومن معدن جامد ظاهر كجص وكحل وكبريت وزرنيخ تبعًا للأرض؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها، وهذا منها فتبعها في الملك.
ويفارق الكنز الإسلامي فإنه يملك ما فيها من كنز عليها فيه علامة ضرب الإسلام؛ لأنه مودع فيها للنقل عنها وليس من أجزائها وإنما يملك المحيي المعادن التي أحياها إذا حفرها وأظهرها.
قال في «الشرح» و «المبدع» :ولو تحجر الأرض واقطعها فظهر فيها المعدن
قبل إحيائها كان له إحياؤها ويملكها بما فيها؛ لأنه صار أحق بتحجره وإقطاعه فلم يمنع من إتمام حقه.
ولا يملك من أحيا أرضًا ما فيها من معدن جار.
ولا يملك إنسان ما أحياه من معدن ظاهرًا كان أو باطنًا بإحيائه له مفردًا عن غيره، أما الظاهر وهو الذي يتوصل إليه من غير مؤنة ينتابه الناس وينتفعون به كمقطع الطين والملح والكحل والكبريت والقار والمومياء والنفط والبرام والياقوت فبلا خلاف؛ لأن فيه ضررًا بالمسلمين وتضييقًا عليهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع أبيض بن حمال معدن الملح فلما قيل له أنه بمنزلة الماء المعد رده، قال أحمد: وروى أبو عبيد والترمذي وأبو داود بإسنادهم عن ابيض بن حمال أنه استقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بمأرب فلما ولَّى، قيل: يا رسول الله، أتدري ما أقطعت له إنما أقطعته الماء العد، فرجعه منه قال: قلت: يا رسول الله، ما يحمي من الأراك؟ قال: «ما لم تنله إخفاف الإبل» ، ولأن هذا يتعلق به مصالح المسلمين العامة فلم يجز إحياؤه ولا إقطاعه كمشارع الماء وطرقات المسلمين.
قال ابن عقيل: هذا من مواد الله الكريم وفيض جوده الذي لا غنى عنه، فلو ملكه أحد بالاحتجار ملك منعه فضاق على الناس وإن أخذ العوض عنه أغلاه فخرج عن الوضع الذي وصفه الله من تعميم ذوي الحوائج من غير كلفة، قال في «المغني» : ولا أعلم فيه مخالفًا.
وأما الباطن وهو الذي يحتاج في إخراجه إلى حفر ومؤنة كحديد ونحاس وذهب وفضة وجوهر فلا يملك بإحيائه مفردًا؛ لأن الإحياء الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيى للانتفاع من غير تكرار عمل، وهذا حفر وتخريج يحتاج إلى تكرار عند كل إنتفاع ولا يملك من أحيا أرضًا كان فيها معدنًا ظاهرًا للناس يأخذون قبل الإحياء لتلك الأرض؛
لأن في ملكه إذا قطعا لنفع كان واصلاً للمسلمين ومنعًا لانتفاعهم وأما إذا ظهر بإظهاره فإنه لم يقطع عنهم شيئًا؛ لأنه إنما ظهر بإظهاره.
وفي «التيسير نظم التحرير» :
والمعدن الموجود إما ظاهر
أو باطن في أرضه فالظاهر
ما لم يعالج عند الإستخراج
والباطن المحتاج للعلاج
فليمتنع في الظاهر الإقطاع
وطالب الإحياء لا يطاع
بل ذك بين المسلمين مشترك
من نال منهم بعضه فقد ملك
وحيث ضاق فليقدم من سبق
فإن أتوا معًا فقرعة أحق
ويجب على ذمي خراج ما أحيا من موات أرض فتحت عنوة كأرض مصر والشام والعراق؛ لأن الأرض للمسلمين فلا تقر في يد غيرهم بدون خراج كغير الموات، وأما غير العنوة وهو ما صولح أهله على أن الأرض للمسلمين وما أسلم أهله عليه إذا أحيي الذمي فيه مواتًا فهو كالمسلم، وأما المسلم فلا خراج عليه فيما أحياه من أرض العنوة والصلح، وما أسلم أهلها عليها كالمدينة إذ الأرض للمسلمين وهو واحد منهم.
ويملك بإحياء ويقطع محل إذا حصل فيه الماء صار فيه ملحًا؛ لأنه لا تضييق على المسلمين بإحداثه بل يحدث بفعله بالعمل فيه فلم يمنع منه كبقية الموات وإحياء هذا بتهيئة لما يصلح له من حفر ترابه وتمهيده وفتح قناة إليه تصب الماء فيه؛ لأنه يتهيأ بهذا للانتفاع به.
ويملك بإحياء ما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه كالبعيد عنه؛ لعموم ما سبق من انتفاء المانع وهو التعلق بمصالح العامة وللإمام إقطاع ذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث العقيق وهو يعلم أنه من عامر المدينة، ولأنه موات لم تتعلق به مصلحة العامر فجاز إحياؤه كالبعيد.
ولا يملك بإحياء مكان غار ماؤه من الجزائر والرفاق مما لم يكن مملوكًا والرقاق بفتح الراء أرض لينة سهلة، قال ابن إبراهيم بن عمران الأنصاري:
رقاقها حزم وجريها خدم ... ولحمها زيم والبطن مقبوب
يريد أنها إذا عدت أضرم الرقاق وثار غباره كما تضطرم النار فيثور عثانها، وقيل: الرقاق رمال يتصل بعضها ببعض، قال أحمد في رواية العباس بن موسى: إذا نضبت الماء عن جزيرة إلى فناء رجل لم يبن فيها؛ لأن فيه ضررًا، وهو أن الماء يرجع إلى ذلك المكان فإذا وجده مبنيًا رجع إلى الجانب الآخر فأضر بأهله، ولأن الجزائر منبت الحطب والكلأ فجرت مجرى العادة الظاهرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا حمى في الأراك» ، وما روي عن عمر أنا أباح الجزائر أي ما نبت فيها، وقيل: ما نضب عنه الماء من الجزائر والرقاق مما لم يكن مملوكًا فلكل أحد إحياؤه كموات، قال الحارثي: مع عدم الضرر، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا يملك بإحياء ما غمره الماء من مكان مملوك بأن غلب عليه الماء ثم نضب عنه، بل هو باق على ملك ملاكه قبل غلبة الماء عليه فلهم أخذه لعدم زوال ملكهم عنه وإن كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره إنسان عمارة لا ترد الماء مثل أن يجعله مزرعة فهو أحق به من غيره؛ لأنه متحجر لما ليس فيه حق فأشبه المتحجر في الموات.
وإن ظهر فيما أحيى من موات عين ماء أو ظهر معدن جار وهو الذي كلما أخذ منه شيء خلفه عوضه كنفط وقار أو ظهر فيه كلأ أو شجر فهو أحق به؛ لأنه في ملكه خارج من أرضه أشبه المعادن الجامدة والزرع؛ لحديث: «من سبق على ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به» فهنا أولى.
ولا يملكه لما ورد عن خداش عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنار» رواه أحمد وأبو داود، ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس: «الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار» وثمنه حرام، ولأنها ليست من أجزاء الأرض، وما فضل من مائه الذي في قرار العين أو في قرار البئر عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه لزمه بذله لبهائم غيره.
ويجب بذله لزرع غيره وهو من «المفردات» ؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» متفق عليه.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمنع نقع البئر» رواه أحمد وابن ماجه، وعن عبادة بن الصامت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بين أهل المدينة أن لا يمنع نقع البئر، وقضى بين أهل البادية أن لا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ» رواه عبد الله بن أحمد في «مسنده» ، ولمسلم من حديث أبي هريرة: «لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ» ، وللبخاري: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «من منع فضل مائه أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة» رواه أحمد، ولا يتوعد على ما يحل ما لم يجد رب البهائم أو الزرع ماء مباحًا فإنه يكون حينئذ مستغنيًا به
أو يتضرر به الباذل فلا يلزمه دفعًا للضرر أو يؤذه طالب الماء بدخوله في أرضه.
أو يكون له في البئر ماء السماء أو يخاف عطشًا فلا بأس أن يمنعه منه؛ لأنه ملكه بالحيازة فلم يلزمه بذله كسائر أملاكه بخلاف العد.
وكذا لو حاز الماء العد في إناء لم يلزمه بذله لغيره إلا عند الإضطرار بشرطه وإذا خيف الأذى بورود الماشية الماء بعد الفاضل عن حاجة رب أرضه فيجوز لرعاتها سوق فضل الماء إليها؛ لأن فيه تحصيلاً للمقصود بلا مفسدة ولا يلزم من وجب عليه بذل الماء بذل حبل ودلو ويكره؛ لأنها تتلف بالإستعمال أشبهت بقية مال لكن عن اضطر بلا ضرر على ربها لزمه بذلها.
وقال مالك: إن كان البئر أو النهر في البرية فمالكها أحق بمقدار حاجته منها ويجب عليه بذل ما فضل عن ذلك.
وإن كانت في حائط فلا يلزمه بذل الفاضل إلا أن يكون جاره زرع على بئر فانهدمت أو عين فغارت، فإنه يجب عليه بذل الفاضل له إلى أن يصلح جاره بئر نفسه أو يصلح عينه وإن تهاون بإصلاحها لم يلزمه أن يبذله بعد البذل شيئًا، وهل يستحق عوضه على روايتين.
وقال أبو حنيفة وأصحاب الشافعي: يلزمه بذله لشرب الناس والدواب من غير عوض ولا يلزمه للمزارع وله أخذ العوض والمستحب تركه.
قال في «نهاية التدريب» :
وحافر بئرًا للارتفاق
أولى بذاك البئر باتفاق
وحيث كان الماء في ذلك المقر
وفاضلاً عن حاجة الذي حفر
فلا يجوز مطلقًا أن يمنعه
من شرب شخص أو بهيمة معه
ولم يجب لسقي زرع أو بنا
ولا لشرب أن يحزه في إنا
وتقدم لك مذهب الإمام أحمد والرواية الثانية عنه أنه لا يلزمه؛ لان الزرع لا حرمة له فعليها يجوز بيعه بكيل أو وزن، ويحرم بيعه مقدرًا بمدة معلومة خلافًا لمالك، ويحرم أيضًا بيعه مقدرًا بالري أو جزافًا قاله القاضي وغيره، والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأقسام الموات خمسة؛ لأنه إما أن لا يجري عليه ملك لأحد ولم يوجد فيه عمارة أو يجري عليه ملك مالك، فالأول يملك بالإحياء بغير خلاف بين القائلين بالإحياء.
والقسم الثاني: وهو ما جرى عليه ملك مالك إما أن يكون المالك معينًا أو لا، والأول: وهو المالك المعين إما أن يملكه بنحو شراء فلا يملك بالإحياء بغير خلاف.
وإما أن يملك بالإحياء ثم تركه حتى دثر وصار مواتًا فلا يملك كالذي قبله، والثاني: الذي لم يجر عليه ملك لمعين بل وجد فيه آثار ملك نوعان؛ لأنه إما أن يكون أثر الملك جاهليًا أو إسلاميًا فيملك فيهما.
ومن حفر بئرًا بأرض موات لنفع المجتازين فحافرها كغيره من
المجتازين بها كمن بنى مسجدًا فيكون كأحدهم في السقي والزرع
والشرب؛ لأن الحافر لم يخص بها نفسه ولا غيره ويكون في المسجد كأحدهم؛ لأنه لم يخص نفسه ولا غيره.
ومع الضيق والتزاحم يسقي آدمي أولاً لحرمته ثم حيوان؛ لأنه له حرمة ثم زرع بعدهما.
وإن حفر البئر في موات ليرتفق الحافر بمائها كحفر السفارة في بعض المنازل بئرًا ليرتفقوا بمائها وكحفر المنتجعين كالأعراب والتركمان ينتجعون أرضًا فيحفرون لشربهم ودوابهم لم يملكوها؛ لأنهم جازمون بانتقالهم عنها وتركها لمن نزل منزلتهم بخلاف الحافر للتملك والحافرون لها أحق بمائها مدة إقامتهم عليها ولا يملكونها.
وعلى الحافرين لها بذل الفاضل عنهم من مائها لشارب دون زارع للخبر السابق وبعد رحيلهم عن البئر يكون ماؤها سابلة للمسلمين؛ لأنه ليس أحد ممن لم يحفرها أحق من الآخر، فإن عادوا إليها كانوا أحق بها من غيرهم؛ لأنهم هم الذين حفروها ولم يحفروها إلا لأنفسهم ومن عادتهم الرحيل والرجوع فلم تزل أحقيتهم بذلك.
وإن حفر إنسان بئرًا في موات تملكًا فهي ملك لحافر كما لو حفرها بملكه الحي ولكل أحد أن يسقي من الماء الجاري لشربه وطهارته وغسل ثيابه وانتفاعه به في أشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير إذن ربه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه ولا يحل لصاحبه المنع من ذلك؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان بفضل ماء بالطريق فمنعه ابن سبيل» رواه البخاري، فأما ما يؤثر فيه كسقي الماشية الكثيرة، فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه لزمه بذله لذلك وإلا فلا وتقدم.
قال الحارثي: الفضل الواجب بذله ما فضل عن شفته وشفة عياله وعجينهم وطبخهم وطهارتهم وغسل ثيابهم ونحو ذلك، وعن مواشيه ومزارعه وبساتينه؛ لأن ذلك كله من حاجته.
من النظم فيما يتعلق في إحياء الموات
وإن موات الأرض داثرها بلا
اختصاص بمعصوم بها متفرد
فمن يحيه يملكه من مسلم ومن
ذوي العهد حتى دون إذن المقلد
ويروى ثلاث عنه مع جهل مالك
نعم لا نعم مع شك عصمة مبتدي
ولا يملك المحيي مكانًا عليه قد
جرى ملك معصوم عليه فقيد
ولا داثر المعصوم فيهم مآله
ورتب في الأولى إن كذا خص يفرد
ويملك بالإحياء داثر تربة
إذا ما جهلنا ربها في المؤكد
وخرج ألا ملك فيما يشك في
زوال إختصاص قبل الإسلام قلد
ولا ملك في داني مصالح عامر
كذا الداني لم يحتج إليه بأبعد
وليس بمملوك لملاك عامر
ولكنهم أولى به في المجود
وليس بمملوك موات بلاد من
نصالحهم والأرض ملكهم أعضد
ولا معدن من قبل الإحياء ظاهر
ينال بلا كد كملح أو أثمد
وقد حرموا إقطاعه وبعكسه المحيل لما
قد سيق ملح مجمد
ولا باطن فيما ينال بكلفة
كتبر في الأقوى أن يجبها بمفرد
ويملك في الأولى موات بعنوة
وعن أحمد لا بل بأجر فخلد
وإن يحيه الذمي يعط خراجه
وفي غير ذا الإحيا له حكم مهتدي
وعن عليه عشر ثمر وزرعه
وما قدم المنصور من نص أحمد
ولا يملك الذمي عند ابن حامد
مواتًا بإحياء بدار الموحد
ويملك محيي الأرض ما بان ضمنها
إتفاقًا لنا من معدن متجمد
فما حاز منه غيره فهو غاصب
بلا أجرة في فعله فعل معتدي
وإن قال ما اطلعت منه فخذ يجز
وإن قال لي نصف فلا في المجود
ولا يملك الجاري ولا الماء ولا الكلأ
في الأولى بلا حوز بل إن شابه إبتد
وبذلك فضل الماء لسقي بهائم
لغيرك حتم لا لزرع بأبعد
وإن وجدوا ماء مباحًا سواه لم
يحتم وينقل إن أضروا بورد
وليس عليه بذل آلة سقيه
ولا بذله من غير مرعى لقصد
ولا ملك فيما زال ما النهر عنه من
مجاريه خوفًا من أذى متجدد
وإن كان ما لا نفع فيه لجيرة
فحجر لزرع إن تشا لا تشدد
وإن زاد ماء النهر في ملك جاره
فملك الفتى باق عليه فخلد
(29) ما يحصل به الإحياء، ومقدار حريم البئر وما يتعلق بذلك، وبيان مسائل الإقطاع، وما يحدثه الجار مما يضر بجاره ومعرفة ذلك، وبيان حريم النخل والشجر وحريم الأرض والدار، وحكم التحجر للأراضي، وما يدول حول ذلك من بحوث ومسائل وتفاصيل ومحترزات وأدلة
س29: بما يحصل إحياء الأرض، وما مقدار حريم البئر العادية وغيرها؟ وما مقدار حريم القناة، والنهر، والشجرة، والأرض التي تزرع؟ وهل لمن تحجر مواتًا بيعه؟ ومن الذي يقطع للناس الموات؟ وهل يملك المقطع؟ وما مقدار المقطع؟ وهل للمقطع استرجاعه؟ ومتى يكون؟ وما حكم إقطاع الجلوس في الطرق وإذا جلس بحيث يمنع جاره رؤية المعاملين لمتاعه أو يمنع وصولهم إليه أو يضيق عليه فما الحكم؟ وما هي أقسام الإقطاع
وبين حكم ما إذا نزل إنسان عن وظيفته لآخر؟ واذكر التفاصيل
والمحترزات والقيود والأمثلة والأدلة والتعاليل والخلاف والترجيح.
ج: إحياء أرض في الموات بحوز يحاط منيع عادة بحيث يمنع الحائط ما وراءه؛ لحديث جابر مرفوعًا: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له» رواه أحمد وأبو داود ولهما عن سمرة بن جندب مرفوعًا مثله.
ويكون البناء مما جرت عادة أهل البلد البناء به من لبن أو حجر أو آجر أو أبيوك أو جص أو قصب أو خشب ونحوه سواء أرادها المحيى لبناء أو زرع أو أرادها حظيرة ماشية أو حظيرة خشب ونحوها.
ولا يعتبر في الإحياء تسقيف ولا نصب باب؛ لأنه لم يذكر في الخبر والسكنى ممكنة بدونه.
ويحصل إحياؤها بإجراء ماء يسوقه إليها من نهر أو بئر إن كانت لا تزرع إلا به؛ لأن نفع الأرض بالماء أكثر من الحائط أو منع ماء لا تزرع معه كأرض البطائح الذي يفسدها غرقها بالماء لكثرتها فإحياؤها بسده عنها وجعلها بحيث يمكن زرعها؛ لأنه بذلك يتمكن من الإنتفاع بها فيما أراد وجعلها بحيث يمكن زرعها من غير حاجة إلى تكرار ذلك كل عام.
وإن كانت الأرض لا تصلح للزرع والغراس لكثرة أحجارها كارض اللجاة ناحية بالشام فإحياؤها بقطع أحجارها وتنقيتها وإن كانت غياضًا ذات أشجار لا تزرع معها فإحياؤها بأن يقلع أشجارها ويزيل عروقها المانعة من الزرع؛ لأنه الذي يتمكن من الإنتفاع بها أو حفر بئرًا أو نهرًا.
وإن خرج الماء ملكه إلا أن تحتاج إلى وطئ فتمام الإحياء طيها.
وعند المالكية لا يحصل الإحياء بالتحويط عليها بسور قال في «نظم أسهل المسالك» في مذهب الإمام مالك:
ويحصل الإحياء بقطع الشجر
والحرث والغرس وكسر الحجر
وجريه للماء والتفجير
وبالبنا لا الخط والتحجير
وإن كانت الأرض الموات لا تصلح لغرس لكثرة أحجارها فينقيها ويغرسها؛ لأنه يراد للبقاء كبناء الحائط، قال في «الفروع» : ويملكها بغرسها وإجراء ماء، ولا يحصل الإحياء بمجرد الحرث والزرع؛ لأنه لا يراد للبقاء بخلاف الغرس.
ولا يحصل بخندق جعله حول الأرض الذي يريد إحياؤها؛ لأنه ليس بحائط ولا عمارة إنما هو حفر وتخريب.
ولا يحصل بشوك يحوطها به وشبهه، قلت: ومثله إحاطته بأعواد وجريد ويكون تحجرًا؛ لأن المسافر قد ينزل منزلاً ويحوطه على رحله بنحو ذلك.
وبحفر بئر في الموات يملك الحافر حريمها وهو حريم البئر من كل جانب في بئر قديمة، وهي التي يسمونها العادية نسبة إلى عاد ولم يرد عادًا بعينها، لكن لما كانت عاد في الزمن الأول وكانت لها آثار في الأرض نسب إليها كل قديم، نقل ابن منصور البئر العادية القديمة: هي التي انطمت وذهب ماؤها فمن جدد حفرها وعمارتها أو استخرج ماءها المنقطع ملكها ومنلك حريمها، والحريم ملقى نبيشة البئر، وفي الحديث: «حريم البئر أربعون ذراعًا» وهو الموضع المحيط بها الذي يلقى فيها ترابها، أي أن البئر التي يحفرها الرجل في موات فحريمها ليس لأحد أن ينزل فيه، ولا ينازعه عليه، وسمي به؛ لأنه يحرم منع صاحبه منه أو لأنه محرم على غيره التصرف فيه.
وفي «الصحاح» : حريم البئر وغيرها ما حولها من مرافقها وحقوقها وحريم النهر ملقى طينه والممشى على حافتيه ونحو ذلك، وقال أبو حنيفة: إن كانت لسقي الإبل فحريمها أربعون ذراعًا وإن كان للناضح فستون وإن كانت عينًا فثلاثمائة، وفي رواية خمسمائة، وقال مالك والشافعي: ليس لذلك حد والمرجع العرف، والقول الذي تميل إليه النفس والله أعلم قول من يقول: أنه من كل جانب خمسون ذراعًا، والحريم في غير القديمة خمسة وعشرون ذراعًا من كل جانب لما روى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب، قال في السُّنة في حريم القلب العادي خمسون 50 ذراعًا، والبدي خمسة وعشرون 25 وروى الخلاف والدارقطني ونحوه مرفوعًا.
ومن كانت له بئر فيها فحفر آخر قريبًا منها بئرًا يتسرب إليها ماء البئر الأول فليس له ذلك سواء كان محتفر الثانية في ملكه كرجلين متجاورين في دار حفر أحدهما في داره بئرًا أعمق منها فيسري إليها ماء الأولى أو كانتا في موات فسبق أحدهما فحفر بئرًا قريبًا منها تجتذب ماء الأولى؛ لأنه ليس له أن يبتدي ملكه على وجه يضر بجاره.
وعلامة تسرب الماء إلى المحدثة الثانية وضع بانزين أو قاز في الأولى، فإن ظهر في الثانية تبين أنها هي التي تسحب ماء الأولى.
وقيل: ليس عليه شيء وله أن يحفر ولو ذهب ماء البئر الأولى وتحول إلى الثانية؛ لأنه غير متعد وهو حافر في ملكه الذي له التصرف فيه والماء تحت الأرض لا يملك، فلا مخاصمة ولا منع كمن بنى حفيزًا قرب حفيز آخر نحو ذلك فكسد الأول فإنه لا شيء عليه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
وهكذا في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره فليس له أن يبتديه
في ملكه على وجه يضر جاره كأن جعل بداره مدبغة أو حمامًا أو خزانًا يضر بجدار عقار جاره أو ما يضر يحمي ناره أو رمادة أو دخانه أو يحفر في أصل حائطه بحيث يتأذى جاره برائحته أو رطوبته أو غيرها أو يجعل داره مخبزًا في وسط العطارين ونحوه مما يتأذى به جاره؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» ولأنه أحدث ضررًا بجاره كدق يهز الجدران والسواري ونحوها وكإلقاء السماد والتراب والوسخ والقمامة في أصل جدار جاره على وجه يضر به، ومما يتأكد منع إحداثه قرب الجيران السابقين وضع شيشة بانزين لما فيها من الضرر والخطر وكذلك يمنع من إحداث طاحون؛ لأنه يقلق راحة الجيران ويؤذيهم.
ولو كان لشخص مصنع فأراد جاره غرس شجرة مما تسري عروقه كالأثل فتشق جدار مصنع لجاره أو يتلفه لم يملك ذلك وكان لجاره منعه وقلعها إن غرسها وإن كان هذا الذي حصل منه الضرر سابقًا مثل من له في ملكه مدبغة أو مقصرة أي محل غسل ثياب فأحيا إنسان إلى جانبه مواتًا وبناه دارًا تتضرر بذلك لم يلزمه إزالة الضرر؛ لأن الأول سابق ملكه على ملك الأخير.
وحريم عين وقناة احتقرها إنسان في موات خمسمائة ذراع 500.
وقيل: قدر الحاجة ولو كان ألف 1000 ذراع اختاره القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب والموفق في «الكافي» وغيرهم، وقيل: الحريم لبئر قناة ما لو حفر فيه نقص ماؤها أو خيف إنهياره، والذي تطمئن إليه النفس أنه قدر الحاجة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وحريم نهر من جانبيه ما يحتاج النهر إليه لطرح كرايته وهي ما يلقى منه طلبًا لسرعة جريه وطريق قيمه وما يستضر صاحبه بتملكه عليه وإن كر،
قال في «الرعاية» : وإن كان بجنبه مسناة لغيره ارتفق بها في ذلك ضرورة، وله عمل أحجار طحن على النهر ونحوه وموضع غرس وزرع ونحوهما.
اهـ.
والمسناة: هي السد الذي يراد الماء من جانبه.
وحريم شجرة غرست في موات قدر ما أغصانها حواليها.
وحريم نخلة بقدر مد عسيبها؛ لحديث أبي سعيد قال: اختصم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حريم نخلة فأمر بجريدة من جرائدها فزرعت فكانت سبعة أذرع، فقضى بذلك، رواه أبو داود.
قال في «المغني» : وإن سبق إلى شجر مباح كالزيتون والخروب فسقاه وأصلحه فهو أحق به كالمتحجر الشارع في الإحياء، فإن طعمه ملكه بذلك وحريمه؛ لأنه تهيأ للانتفاع لما يراد منه فهو كسوق الماء إلى الأرض الموات.
وحريم أرض من موات تزرع محل يحتاج إليه لسقيها وربط دوابها وطرح سبخها فيه ونحوه مما يرتفق به زارعها كمصرف مائها عند الإستغناء عنه؛ لأن ذلك كله من مرافقها.
وحريم دار من موات حولها مطرح تراب وكناسة وثلج وماء ميزاب وممر باب؛ لأن هذا كله مما يرتفق به ساكنها.
ولا حريم لدار محفوفة بملك غيره من كل جانب؛ لأن الحريم من المرافق.
ولا يرتفق بملك غيره؛ لأن مالكه أحق به ويتصرف من أرباب الأملاك بحسب عادة في الإنتفاع فإن تعدى العادة منع من التعدي عملاً بالعادة.
ومن تحجر مواتًا بأن شرع في إحيائه من غير أن يتمه بأن أدار حوله أحجارًا أو ترابًا أو حائطًا غير منيع أو حفر بئرًا لم يصل ماؤها أو سقى شجرًا مباحًا وأصلحه بأن قطع أغصانه الرديئة أو اليابسة أو المضر فيها لتخلفها
أغصان جيدة ولم يركبه ونحو ذلك بأن خندق حول الأرض أو حرثها أو أدار حولها شوكًا أو شبكًا أو نحوه لم يملكه بذلك.
ومن أقطعه الإمام مواتًا ليحييه فلم يحيه لم يملكه بذلك؛ لأن الملك إنما يكون بالإحياء ولم يوجد والمتحجر أحق به من غيره؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» رواه أبو داود، وكذا وارثه من بعده يكون أحق به من غيره؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك حقًا أو مالاً فهو لورثته» ، ولأنه حق للموروث فيقوم الوارث مقامه كسائر الحقوق.
وكذا من ينقله المتحجر أو ورثه إليه بغير بيع فيكون أحق به من غيره؛ لأن من له الحق أقامه مقامه فيه، وليس للمتحجر أو وارثه أو من انتقل إليه من أحدهما بيعه؛ لأنه لم يملكه وشرط البيع أن يكون مملوكًا.
وكذا من نزل عن أرض خراجية بيده لغيره فإن المتروك له يكون أحق بها وورثته من بعده وليس للإمام أخذها منه بلا عوض.
قال ابن رجب في القاعدة السابعة والثمانين: ومنها منافع الأرض الخراجية فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها وتنتقل إلى الوارث فيقوم مقام مورثه فيها ونص الإمام أحمد في رواية عبد الله على جواز دفعها مهرًا ونص في رواية ابن هانئ وغيره على جواز دفعها إلى الزوجة عوضًا عما تستحقه عليه من المهر.
قال ابن رجب: وهذه معاوضة عن منافعها المملوكة فأما البيع فكرهه أحمد ونهى عنه، واختلف في قوله بيع العمارة التي فيها لئلا تتخذ طريقًا إلى بيع رقبة الأرض التي لا تملك، ل هي إما وقف وإما فيء للمسلمين جميعًا.
ونص أحمد في رواية المروذي على أنه يبيع آلات عمارته بما تساوي وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى وكذلك نقل عن ابن هانئ أنه
قال: يقوم دكانه وما فيه من علف وكل شيء يحدثه فيه فيعطي ذلك ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكان.
وقال في «المبدع» بعد أن ذكر النزول عن الوظائف ومما يشبه النزول عن الوظائف، النزول عن الإقطاع، فإنه نزول عن استحقاق يختص به لتخصيص الإمام له استغلاله أشبه مستحق الوظيفة ومتحجر الموات وقد يستدل بجواز أخذ العوض في النزول عن الوظائف وعن الإقطاعات بالخلع فإنه يجوز أخذ العوض مع أن الزوج لم يملك البضع وإنما ملك الاستمتاع به فأشبه المتحجر، انتهى ما في «المبدع» .
وقال ابن القيم: ومن بيده أرض خراجية فهو أحق بها بالخراج الذي ضربه أجرة لها كل عام فملكوا منافعها بالخراج الذي يبذلونه وترثه ورثته إلى غيره؛ لأنه أحق بها من غيره وإن نزل عنها أو آثر بها أحدًا فالمنزول له كذلك فيكونون أحق بها بالخراج وليس للإمام أخذها ممن هي بيده ودفعها إلى غيره والمؤثر أحق بها من غيره، انتهى.
أو نزل إنسان عن وظيفة من إمامة أو خطابة أو تدريس ونحوه لمن فيه أهلية للقيام بها فلا يقرر غير منزلو له لتعلق حقه بها فإن قرر من له الولاية كالناظر فقد تم الأمر له وإن لم يقرره من له ولاية التقرير، فالوظيفة للنازل؛ لأنه لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته، بل مقيدة بحصوله للمنزول له ولم يحصل.
وليس للناظر التقرير في مثل هذا إنما يقرر عن ما هو خال عن يد مستحق أو في يد من يملك إنتزاعه منه لمقتضى شرعه فحينئذ يكون تقريره سائغًا.
وقال الشيخ تقي الدين: لا يتعين المنزول له ويولي من له الولاية من
يستحقها شرعًا واعترض ابن أبي المجد بأنه لا يخلو أما أن يكون نزوله بعوض أو لا وعلى كل لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته ثم قال: وكلام الشيخ في قضية عين فيحتمل أن المنزول له أهل ويحتمل عدمه.
قال في «المبدع» :
وفيه نظر فإن النزول يفيد الشغور وقد سقط حقه بشغوره إذ الساقط لا يعود وقوله في قضية عين الأصل عدمه.
وقال الموضح: ملخص كلام الأصحاب يستحقها منزول له إن كان أهلاً وإلا فلناظر تولية مستحقها شرعًا، انتهى.
قلت: وما قال الشيخ تقي الدين هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
يؤيده ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» ، وما ورد عن يزيد ابن أبي سفيان، قال: قال لي أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام يا يزيد، إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالأمانة، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعدما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً حتى يدخله جهنم» ، والله أعلم.
وليس لمن هو أحق بشيء كالمتحجر للموات ونحوه بيعه؛ لأنه لم يملكه فلم يملك بيعه كحق الشفعة قبل الأخذ بالشفعة وكمن سبق إلى مباح.
فإن طالت مدة التحجير للموات عرفًا ولم يتم إحياءه وحصل متشوق لإحياء المتحجر قال له الإمام أو نائبه إما أن تحييه فتملكه أو تتركه وترفع يدك عنه ليحييه غيرك؛ لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بين الجميع فلم يمكن
من ذلك كما لو وقف على ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع ولا يدع غيره ينتفع.
فإن طلب المتحجر المهلة لعذر أمهل ما يراه حاكم من نحو شهر أو شهرين أو ثلاثة؛ لأنه بسيط وإن كن ليس له عذر فلا يمهل، ويقال له: إما أن تعمرها وإما أن ترفع يدك عنها، فإن لم يعمرها كان لغيره عمارتها وحيث انظر لعذر فلا يملك المكان المتحجر بإحياء غير المتحجر زمن إنظاره أو قبله؛ لمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحيا أرضًا ميتة في غير حق مسلم فهي له» ، ولأنه أحيا في حق غيره فلم يملكه كما لو أحيا ما يتعلق به مصالح ملك غيره، ولأن حق المتحجر أسبق فكان أولى كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري.
وإن أحياه بعد مضي مدة إنظاره فإنه يملك ما أحياه.
قال في «الإنصاف» : لا أعلم فيه خلافًا اهـ. وذلك لأن الأول لا ملك له وحقه زال بإعراضه حتى مدة الإمهال.
وأقسام الإقطاع ثلاثة: (1) إقطاع تمليك.
(2) إقطاع استغلال.
(3) وإقطاع إرفاق.
وللإمام إقطاع موات لمن يحييه ولا يملكه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث العقيق، وروى علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقطعه أرضًا فأرسل معه معاوية «أن اعطه إياها» ، أو قال: «أعطها إياه» ، وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه، فقال: «أعطوه من حيث وقع السوط» ، وروى أن أبا بكر أقطع الزبير وأقطع عمر عليًا وأقطع عثمان - رضي الله عنهم - خمسة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزبير وسعدًا وابن مسعود وخبابًا وأسامة بن زيد - رضي الله عنهم -.