كتاب الشركة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
القبض وإن أتلف العاملُ مال المضاربة ثم نقد الثمن من مالِ نفسِه بلا إذن ربّ المال لم يرجع ربُ المال على العامل بشيء، والعامل باق على المضاربة؛ لأنه لم يتعد فيه وإن قُتِل قنُّ المضاربة عمدًا فلرب المال أن يقتص بشرط؛ لأنه مالك المقتول وتبطل المضاربة فيه لذهاب رأس المال، وله العفو على مال ويكون المال المعفو عليه كبدل المبيع، وهو ثمنه؛ لأنه عوضٌ عنه، والزيادة في المال المعفو عليه على قيمة المقتول ربحٌ في المضاربة ومع ربح بأن كان ظهر ربح في المضاربة وقُتل قُّنها عمدًا، فالقودُ إلى ربّ المال والعامل كالمصلحة؛ لأنهما صارا شريكين بظهور الربح، ويملك عاملٌ حصته مِن ربحٍ بمجرد ظهوره قبل قسمته كمالك المال، وكما في المساقاة والمزارعة؛ لأن الشرط صحيح فيثبت مقتضاه، وهو أن يكون له جزء من الربح، فإذا وجد وجب أن يملكه، وأيضًا فهذا الجزء مملوك، ولابد له من مالك وربّ المال لا يملكه اتفاقًا فلزم أن يكون للمضارب ولملكه الطلب بالقسمة ولا يمتنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب ربّ المال من الربح ولو لم يعمل المضارب، إلا أنه صرف الذهب بورق فارتفع الصرف استحقه، ولا يملك المضارب الأخذ من الربح إلا بإذن رب المال؛ لأن نصيبه مشاع فلا يقاسم نفسه؛ ولأن ملكه له غير مستقر وإن شرط أنه لا يملكه إلا بالقسمة لم يصح الشرط لمنافاته مقتضى العقد وتحرم قسمة الربح وعقد المضاربة باقٍ إلا باتفاقهما؛ لأن وقاية لرأس المال فلا يجبر ربه على القسمة؛ لأنه لا يأمن الخسران فيجبره بالربح ولا العامل؛ لأنه لا يأمن أن يلزمه ما أخذه في وقت لا يقدر عليه؛ فإن اتفقا على قسمته أو بعضه جاز؛ لأنه ملكها كالشريكين، وإن أبى مالك البيع بعد فسخ المضاربة والمال عرض وطلبه عامل أجبر رب المال عليه إن كان فيه ربح؛ لأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع فأجبر الممتنع لتوفيته كسائر الحقوق؛ فإن لم يظهر ربح لم يجبر مالك على بيع؛ لأنه
حق للعامل فيه وربّه رضيه عرضًا، ومن الربح مهر وجب بوطء أمة من مال المضاربة أو بتزويجها باتفاقهما، ومنه ثمرة شجر اشترى من مالها، ومنه أجرة شيء من مالها أو جزء استعمل على وجه يوجبها أو تبعد على مالها، ومنه أرش جناية على رقيقها، ومنه نتاج نتجته بهيمتها؛ لأنه نماء مالها ككسب عبدها، وإتلاف مالك مال المضاربة كقسمة فيغرم حصة عامل من ربح، كما لو تلف بفعل أجنبي وحيث فسخت المضاربة والمال عرض أو دراهم وكان دنانير أو عكسه بأن كان دنانير وأصله دراهم فرضي ربه بأخذ مال المضاربة على صفته التي هو عليها قوَّم مال المضاربة ودفع حصة العامل من الربح الذي ظهر بتقويمه وملك رب المال ما قابل حصة العامل من الربح؛ لأنه أسقط عن العامل البيع، فلا يجبر على بيع ماله بلا حظ يكون للعامل في بيعه؛ فإن ارتفع السعر بعد ذلك لم يطالب العامل رب المال بقسطه، كما لو ارتفع بعد بيعه إن لم يكن فعل ربّ المال ذلك حيلة على دُخُول موسمٍ أو قفل فيبقى حق العامل في ربحه؛ لأن الحيلة لا أثر لها، وإن لم يرض ربّ مال بعد فسخ مضاربة بأخذ العروض أو الدراهم عن الدنانير أو عكسه، فعلى عاملي بيعه وقبض ثمنه؛ لأن عليه رد المال ناضًا كما أخذه وسواء كان فيه ربح أو لا؛ فإن نضَّ له قدر رأس المال لزمه أن ينض الباقي وإن كان صحاحًا فنضَّ قراضَه أو مكسره لزم العامل رده إلى الصحاح بطلب ربها فيبيعها بصحاح أو بعرض ثم يشتريها به، كما يلزم العامل بعد فسخ المضاربة تقاضى مال المضاربة لو كان دينًا ممن هو عليه سواء ظهر ربح أو لاقتضاء المضاربة رد رأس المال على صفته والدين لا يجري مجرى الناض فلزمه أن ينضه كله لا قدر رأس المال فقط؛ لأنه لا يستحق نصيبه من الربح إلا عند وصوله إليهما على وجه تمكن قسمته ولا يحصل ذلك إلا بعد تقاضيه.
40- مسائل تتعلق بموت العامل أو ربّ المال أو أحدهما
س40: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: خلط رأس مال قبضه من واحد في وقتين، إذا أذن له قبل التصرف في الأول أو بعده، إذا قضى العامل برأس المال دينه ثم اتجر بوجهه وأعطى ربّه حصته من الربح، إذا مات عامل أو مات مودع أو وصي وجهل بقاء ما بأيديهم إذا أراد المالك لمال المضاربة تقرير وارث، بيع وارث العامل لعرض المضاربة، وارث المالك إذا انفسخت المضاربة، الاشتراء بعد موت المضارب وهو ربّ المال، وإذا أخذ ماشية ليقوم عليها برعي وعلف وسقي وحلب وغير ذلك، فهل يجوز ذلك؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.
ج: لا يخلط عامل رأس مال قبضه من واحد في وقتين بلا إذنه لإفراده كل مال يعقد، فلا يُجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر كما لو نهاه عنه، وإن أذن للعامل رب المالين في خلطهما قبل تصرفه في المال الأول أو بعد تصرفه في الأول، وقد صفاه من العروض وجعله نقدًا كما أخذ جاز وصار مضاربة كما لو دفعها إليه مرة واحدة، وإن كان إذنه فيه بعد تصرفه في الأول، ولم ينض حرم الخلط؛ لأن حكم العقد الأول استقر فربحه وخسرانه يختص به فضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، فإذا شرط ذلك في الثاني فسد أو قضى العامل برأس المال دينه، ثم اتجر بوجهه بأن اشترى في ذمته بجاهه وباع وحصل ربح وأعطى ربّ المال الذي قضى به دينه حصته من الربح من تجارته بوجهه متبرعًا بها لربّ المال جاز، وإن مات عامل مضاربة أو مات مُوْدَعَ أو مات وصي على صغير أو مجنون أو سفيه، وجهل بقاء ما بيدهم من مضاربة ووديعة ومال محجوره، فهو دين في التركة؛ لأن الأصل بقاء المال بيد الميت واختلاطه
بجملة التركة ولا سبيل إلى معرفة عينه فكان دينًا؛ ولأنه لا سبيل إلى إسقاط حق المال ولا إلى إعطائه عينًا من التركة لاحتمال أن تكون غير عين ماله، فلم يبق إلا تعلقه بالذمة؛ ولأنه لما أخفاه ولم يعينه فكأنه غاصب فتعلق بذمته، قال في «شرح المنتهى» : قلت: وقياسه ناظر وقف وعامله ووكيل وأجير.
وإن أراد المالك لمال المضاربة بعد موت عامله تَقْرِير وَارِثِ عاملٍ مكانه فتقريرُهُ مُضاربةٌ مبتدأة ولا يبيع وارث عامل عرضًا للمضاربة بلا إذن ربّ المال؛ لأنه لم يأذنه؛ ولأنه إنما رضي باجتهاد مورثه ولا يبيع المالك بلا إذن وارث العامل لوجود حقه في الربح؛ فإن تشاح ربُّ المال ووارث العامل بأن أبى كلٌ الأذن للآخر في بيعه باعه حَاكمٌ ويقسم الربح بينهما على ما شرطاه، ووارث المالك كالمالك إذا انفسخت المضاربة وهو حي فيتقرر ما لمضارب من الربح، ويقدم به على الغرماء ولا يشتري عامل بعد موت رب المال إلا بإذن ورثته فيكون وكيلًا عنهم لبطلان المضاربة بموته، والعامل بعد موت رب المال في بيع عرض واقتضاء دين ونحوه، مما يلزم المضارب كفسخ مضاربة والمال ناض جاز ويكون رأس المال الذي أعطاه مورثه وحصته من الربح رأس مال الوارث وحصة العامل من الربح شركة له مشاع وإن أراد وارث رب المال المضاربة والمال عرض فمضاربة مبتدأة، وهذا على القول بأنها لا تجوز على العروض، وتقدم في (ص133) المقارنة بين القولين، وأن القول الذي تطمئن إليه النفس صحتها بالعروض.
والله أعلم.
من النظم فيما يتعلق في المضاربة
تبارك ذو الأحكام والحكم التي
تحار عقول الخلق فيها فتهتدي
ففي كل شيء حكمة ودلالة
لواع على توحيده والتفرد
أباح اكتساب المال من سبل حله
فكان له تحصيله خير مرشد
فمن حكمه أبداؤنا وأمورنا
ذوات ارتباط لا ذوات توحد
فكل امرئ لا يستقل بأمره
فسنّ لنا سبل التعاون فاهتدى
فطورًا بتوكيل وطورًا بأجرة
معينة في فعل شيء مقيد
وطورًا أباح الجهل عند تعذر التّعين
ومن هذا المضاربة اعدد
إليه انتها الأسباب في كل كائن
ومنه جميع الأمر ينهي ويبتدي
يعلق أطماعَ الأنام بمكسب
له يَركبون الهول في كل مقصد
يهون على هذا اقتحام بنفسه
وهذا يمال رغبة في التزيد
ليأتي بأرزاق يعز حصولها
إلى عاجز عنها ضجيع بمرقد
فسبحان من أبدى فأتقن صنعه
وجل تعالى عن أباطيل ملحدِ
وأشهد أن الله لا ربَّ غيره
بتصديق رسل الله أودع ملحدِ
وبعد فمعطي المال شخصًا مضاربًا
له عَيَنَنْ جزءً من الربح واحددِ
ولو من مريض فوق عرف وقَدِّمَنْ
به عاملًا عن كلِ دَين وأرفدِ
وإما يساقي أو يزارع بزائدٍ
على أجر مثل جاز في المتجودِ
فإن قال خذ المال والربح بيننا
فنصفين قسم فيهما الربح تقصد
وإن يقل اتّجرْ فيه والربح كله
لك احكم بقرض المال للعامل اشهد
وإن قال في هذا لي الربح كله
فذلك إبضاع صحيح لممدد
وإن قال في هذا مضاربة وما
ربحت فلي أو ربحه لك تفسد
وإن قال نصف الربح لي ومضاربي
له الثلث اعط السدس ذا المال تهتد
وقولك لي نصف يصح بأجودِ
وللعامل الباقي وفي العكس أطد
وقولك خذ ذا المال بالثلث جائز
وللعامل المشروط عند التنكد
كذا في المساقي فاحكمن ومزارع
وفي الشركة اطلب تلق كل مقصد
من المنع من فعل وإطلاقه له
وإلزامه مع كل شرط مؤكد
وإن شرطا جزأ لمن غير عامل
وَهَتْ وَلعبد المالك أو عامل طد
وإن يَنْفَسِدْ عقدُ المضاربة ابذلن
لذي المال كل الربح والأجر أوردِ
إلى عامل بل عند إن قل شرطه
ليعطي إذا أرضاه عند التعقدِ
وتعليقها بالشرط يا صاح جائز
وتوقيتها أيضًا على المتأكد
وامض إن يقل بع ذا وبالثمن اتجر
وخذ مودعي واتجر به إن أتى عد
وإن صَاحب الألفين ضارب عاملًا
على ربح ألف منهما امنع وفند
وقولك بالدَين الذي لي عليك يا
أخا العزم ضارب لا يصح فقيد
وإن يشاء بعد الفسخ يأخذ ماله
عروضًا ليعطي أو يشاء البيع يسعد
والزم بتطلاب الديون مضاربًا
ولو لم يفد أو بعد فسخ العقد
وإن جن رب المال أو مات تنفسخ
كذا إن جن أو مات المضاربُ تفسد
ووارث كل مثله في ابتدائهم
قراضًا بنقد أو بعرض كما ابتدى
41- فيما يقبل قول العامل والمالك فيه وغير ذلك
س41: ما الذي يصدق فيه العامل وإذا أقر بربح، ثم ادعى تلفًا أو خسارة أو غلطًا أو نسيانًا أو اقتراضًا تتم به رأس المال، فما الحكم؟ وما الذي يقبل فيه قول المالك وإذا أقام كل واحد منهما بينة بدعواه فمن المقدم بينته، وإذا دفع إنسان لآخر عبدًا أو دابة أو آلة حرث أو نحو ذلك لمن يعمل به بجزء من أجرته أو دفع ثوبًا إلى من يخيط أو غزلًا إلى من ينسجه بجزء من ربحه أو حصاد زرع أو رضاع قنّ أو طحن قمح أو استيفاء مال أو بناء دار أو نجر باب أو نحو ذلك بجزء منه، فما الحكم؟ وضح ذلك مع ما يتعلق به من تمثيل أو تفصيل أو دليل أو تعليل أو خلاف أو ترجيح.
ج: العامل أمين؛ لأنه يتصرف في المال بإذن ربه ولا يختص بنفعه أشبه الوكيل بخلاف المستعير؛ فإنه يختص بنفع العارية، يصدق عامل بيمينه في قدر رأس المال؛ لأنه منكر لما يدعي عليه زائدًا، والأصل عدمه، ولو كان ثمَّ ربح متنازع فيه كما لو جاء العامل بألفين، وقال: رأس ألف والربح ألف، وقال رب المال: بل هما رأس المال، فقول عامل حيث لا بينة.
قال في «شرح المنتهى» : فإن أقاما بيتين قدمت بينة رب المال، ولو دفع لاثنين قراضًا على النصف فنضيناه وهو ثلاثة آلاف، فقال ربّ المال: رأسه ألفان وصدقه أحدهما، وقال الآخر: بل ألف، فقوله مع يمينه، فإذا حلف أخذ نصيبه خمسمائة ويبقى ألفان وخمسمائة يأخذ ربّ المال ألفين؛ لأن الآخر يصدقه يبقى خمسمائة ربحًا يقتسمها ربّ المال مع الآخر أثلاثًا لرب المال ثلثاها، وللعامل ثلثها؛ لأن نصيب رب المال من الربح نصفه ونصيب هذا العامل ربعه فيقسم باقي الربح بينهما على ثلاثة وما أخذه الحالف زائدًا كالتالف منهما فهو محسوب من الربح.
انتهى.
ويصدق عامل بيمينه في قدر ربح وعدمه، وفي هلاك وخسران إن لم تكن بينة؛ لأن ذلك مقتضى تأمينه.
ولربِّ المال الاستفصال عن مفردات التلف والخسران ونحو ذلك حيث أمكن استظهار الصدق أو عدمه خصوصًا إذا ظهر أمارات الخيانة والكذب.
ويصدق بيمينه فيما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة، وكذا في شركة في عنان ووجوه ومفاوضة، وفي شركة أبدان إذا ذكر أنه تقبل العمل لنفسه دون الشركة فيصدق الشريك فيما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للشركة؛ لأنه أمين ولا تعلم نيته إلا منه.
ويصدق عامل بيمينه في نفي ما يدعي عليه من خيانة أو تفريط؛ لأن الأصل عدمها.
وإذا شرط العامل النفقة ثم ادعى أنه أنفق من ماله بنية الرجوع فله ذلك سواء كان المال بيده أو رجع إلى ربه كالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم، وإذا اشترط العامل شيئًا، وقال المالك: كنت نهيتك عنه وأنكر عامل، فقوله؛ لأن الأصل معه.
ولو أقر عامل بأنه ربح ثم ادعى تلفًا أو خسارة بعد الربح قُبِلَ قولُه؛ لأنه أمين، ولا يقبل قوله إن ادعى غلطًا أو كذبًا أو نسيانًا أو ادعى اقتراضًا تمَّمَ به رأس المال بعد إقرار العامل برأس المال لربّه بأن قال عاملٌ: هذا رأس مال مضاربتك ففسخ ربها وأخذه فادّعى العامل أن المال كان خسر وأنه خشي أن وجده ناقصًا يأخذه منه فاقترض مما تممه به ليعرضه عليه تامًا، فلا يقبل قول العامل فيه؛ لأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي ولا تقبل شهادة المقرض له؛ لأن فيه جر نفع له، ولا طلب له على ربّ المال؛ لأن العامل ملكه بالقرض ثم سلمه لرب المال فيرجع المقرض على العامل لا غير؛ لكن إن علم رب المال باطن الأمر، وأن التلف حصل بما لا يضمنه المضارب لزمه الدفع له باطنًا، ويقبل قول مالك في عدم رد مال المضاربة إن ادعى عامل رده إليه ولا بينة؛ لأنه قبضه لنفع له فيه أشبه المستعير ويقبل قول مالك في صفة خروجه عن يده؛ فإن قال: أعطيتك ألفًا قراضًا فربحه بيننا.
وقال العامل: بل قرضًا لا شيء لك من ربحه، فقول ربّ المال؛ لأن الأصل بقاء ملكه عليه، فإذا حلف قسم الربح بينهما، وقال في «المغني» : ويحتمل أن يتحالفا ويكون للعامل أكثر الأمرين مما شرطه له من الربح أو أجر مثله؛ لأنه إن كان الأكثر نصيبه من الربح فرب المال معترف له به، وهو يدعي الربح كله، وإن كان أجر مثله أكثر، فالقول قوله في عمله مع يمينه، كما أن القول قول رب المال في ربح ماله، فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل بهذا الشرط، وإنما عمل لغرض لم يسلم له فيكون له أجر المثل.
اهـ. وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
وإن خسر المال أو تلف، فقال ربه: كان قرضًا، وقال العامل: كان قراضًا أو بضاعة فقول ربه؛ لأن الأصل في القابض لمال غَيره الضمان، وإن أقاما بينتين بأن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه قدمت بينة عامل؛ لأن معها زيادة علم؛ لأنها ناقلة
عن الأصل، ولأنه خارج، وقيل: تقدم بينة رب المال، وإن قال رب المال: كان بضاعة، وقال العامل: كان قراضًا، حلف كل مهما على إنكار ما ادعاه خصمه وكان له أجر لا غير.
ويقبل قول مالك بعد ربح مال مضاربة في قدر ما شرط لعامل، فإذا قال العامل: شرطت لي النصف، وقال المالك: بل الثلث مثلًا، فقول مالك؛ لأنه ينكر السدس الزائد واشتراطه له، ويصح دفع عبده أو دفع دابة أو قدر أو آلة حرث أو نحو ذلك، لمن يعمل به بجزء من أجرته، ويصح خياطة ثوب ونسج وغزل وحصاد وزرع ورضاع قن واستيفاء مال ونحوه، كبناء دار وطاعون ونجر باب وطحن نحو بر بجزء مشاع منه؛ لأنها عين تتمي بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة، ولا يصح تخريجها على المضاربة بالعروض؛ لأنها إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه ولا يعارضه حديث الدارقطني: «أنه –عليه الصلاة والسلام- نهى عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان» لحمله على قفيز من المطحون فلا يدري الباقي بعده فتكون المنفعة مجهولة، وإن جعل له مع الجزء المشاع درهمًا فأكثر لم يصح، ويصح بيع وإيجار لمتاع وغزو بداية من ربح المتاع أو بجزء من سهم الدابة، نص عليه فيمن أعطى فرسه على النصف من الغنيمة، ويصح دفع دابة أو نحل ونحوهما لمن يقوم بهما مدة معلومة كسنة ونحوها بجزء منهما كربعها أو خمسها والنماء للدابة أو النحل ونحوهما ملك لهما للدافع والمدفوع إليه على حسب ملكهما؛ لأنه نماؤه، وإن دفع دابة أو نحلًا ونحوهما لمن يقوم بهما مدة ولو معلومة بجزء من نمائها كدر ونسل وصوف وعسل ونحوهما كمسك وزباد، قيل: لا يصح لحصول نمائه بغير عمل، وله أجر مثله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له، وقيل له: دفع دابة أو نخل لمن يقوم به بجزء من نمائه.
اختاره الشيخ تقي الدين،
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وهو الذي عليه العمل من قديم، من ذلك العدولة المتعارفة بين الناس يعطي إنسان البدوي الغنم، ويكون على البدوي رعيها والقيام بما يلزم لها وله مقابل ذلك نفعها الخارج منها من لبن ودهن وصوف فقط.
من النظم مما يتعلق في فصل والمضارب أمين
وإن مات مع جهل بمال قراضه
كدين عليه كالوديعة فارددِ
وليس عليه من ضمان لأنه
أمين بها في صحة وتفسدِ
ويقبل في الخسران منه وفي التوى
وفيما له أو للقراض اشترى اشهد
وفي نفس دعوى موجب لضمانه
وفي صفة أو قدر مال معددِ
وربح وفي أذن السفار بماله
ووصف التصرف فيهما اقبل بأوطدِ
وقد قيل رب المال يقبل فيهما
مقالته والمبتدأ نص أحمد
وإن يتعدى في فعال فضامن
لتاوٍ وإن يربح فلمالك انقد
وخذ قول رب المال في ردِ ماله
في الأقوى وعكس في الشراء بمقيدِ
وإن يختلف في قدر حظ مضارب
من الربح من ذي المال، فاقبل بأوكدِ
وعنه اقبلن من عامل أجر مثله
وبَيّنَةٌ منه مقدمة قد
وإن كان مغبونًا به الناس عادة
فأجرَة مثل أعطه لا تزَّيدِ
وإقراره بالربح ثم ادعاؤه الْخَسارة
أو هلكا إلى قوله عد
وإن قال إني كنت اقررت غالطًا
وناسيًا اردد قوله رد عمد
إن يقترض تتميمه خوف أخذه
فَيْؤْخَذُ بملك لم يرد لمسعدِ
وإن قال فرض لإقراض فلي النما
فمن ربه أقبل مع يمين مؤكدِ
وبينهما ربح وقيل ليحلفا
وللعامل الأعلى من أجر ومرصدِ
ودعوى قراض والمليك بضاعة
بوجهين واعكس في العطاء والمقلد
وإن يشتري ممن يرد مقاله
له أو بيعه من ضراب ليردد
وإن قال قرض لا بضاعة محلفًا
وللعامل أجر المثل غير مزيد
ودعواهما بالعكس والمال هالك
من الملك أقبل والمعامل ليردد
وإن يدعي الإنفاق من ماله وقد
تشرطه في العقد يرجع به اشهد
وللعامل أن يغضب طلاب بأجودٌ
وفي الغيبة احتم ثم أن يرج به أشهد
وإن كان للشخصين دين فمن قضى
الغريم يشاركه الشريك بأوطدِ
ومن شاء يطلب من غريم وقابض
فإن يتو مقبوض كالإبراء يوطد
42- شركة الوجوه
س42: تكلم بوضوح عن شركة الوجوه، ما هي؟ ولِمَ سميت بذلك؟ وما حكم ذكر الجنس لما يشتريانه وقدره ووقت الشركة والملك والربح والوضيعة؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: الثابت شركة الوجوه وهي أن يشتركا بلا مال في ربح ما يشتريان في ذممهما بوجوههما وثقة التجار بهما، سميت بذلك؛ لأنهما يعاملان فيهما بوجوههما والجاه والوجه واحد، يقال: فلان وجيه، أي ذو جاه، وهي جائزة عند أحمد وأبي حنيفة، ومذهب مالك والشافعي أنها باطلة.
قال أهل القول الأول: وجه جوازها لأن معناها وكالة كل واحد منهما صاحبه في الشراء والبيع والكفالة بالثمن، وكل ذلك صحيح لاشتمالها على مصلحة من غير مفسدة، وقال أهل القول الثاني: القائلون إنها شركة باطلة؛ لأن ما يشتريه كل واحد منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه، والذي
تطمئن إليه النفس القول الأول لما تقدم.
والله سبحانه أعلم.
ولا يشترط لصحتها ذكر جنس ما يشتريانه ولا ذكر قدره، ولا ذكر وقت الشركة، فلو قال أحدهما للآخر: كل ما اشتريت من شيء فبينا، وقال الآخر: كذلك صح العقد ولا يعتبر ذكر شروط الوكالة؛ لأنها داخلة في ضمن الشركة بدليل المضاربة وشركة العنان، وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن؛ لأنها مبناها على الوكالة والكفالة ويكون الملك فيما يشتريانه كما شرطا؛ لحديث: «المؤمنون على شروطهم» ؛ ولأن عقدها مبناه على الوكالة فينفذ بما أذن فيه وربح كما شرطا من تساوٍ وتفاضل؛ لأن أحدهما قد يكون أسلك مع الناس أوثق عند التجار وأبصر بالتجارة من الآخر؛ ولأنها منعقدة على عمل وغيره فكان ربحها على ما شرطا من تساوٍ وتفاضل؛ لأن أحدهما قد يكون أسلك مع الناس أوثق عند التجار وأبصر بالتجارة من الآخر؛ ولأنها منعقدة على عمل وغيره فكان ربحه على ما شرطا كشركة العنان والوضيعة، وهي الخسران بتلف أو بيع بنقصان عما اشترى به على قدر الملك فمن له فيه الثلثان فعليه ثلثا الوضيعة، ومن له الثلث عليه ثلثها سواء كان الربح بينهما كذلك أو لا؛ لأن الوضيعة نقص رأس المال وهو مختص بملاكه فيوزع بينهم على قدر الحصص وتصرُّف شريكي الوجوه فيما يجوز ويمتنع ويجب وشروط وإقرار وخصومة وغيرها، كتصرف شريكي عنان على ما سبق، من النظم تبع شركة الوجوه:
وذاك اشتراك لا بما بربح ما
بجهادهم ابتاعوه في الذمم احدد
وسيان أطلاق وتعين مُشْتَرٍ
بنوع ووقت أو بقدر مقيد
وضيعتهم كالملك والملك بينهم
على شرطهم كالربح في المتوطد
وكل وكيل للشريك وكافل
تصرفهم مثل العنان كما ابتدى
وإن فسدت فالربح كالملك بينهم
وتبقى كفالات فلم تتفسد
43- شركة الأبدان وأنواعها وأحكامها وشركة الدلالين
س43: ما هي شركة الأبدان، ولم سميت بذلك؟ وما هي أنواعها، واذكر أمثلة توضحها وما الذي يتقبلان به العمل، وإذا تقبل أحدهما عملًا فمن المطالب ومن الذي يلزمه العمل لذلك ومن الذي يملك طلب الأجرة للعمل وإذا تلفت بيد أحدهما أو اقر أحدهما بما في يده أو حصل شيء من مباح تملكاه أو أحدهما أو أجرة عمل تقبلاه أو أحدهما فما الحكم؟ وما الذي لا يشترط لصحتها وإذا كان أحدهما غير عارف للصنعة التي لزمته للمستأجر أو مرض أحدهما أو ترك العمل، فما الحكم؟ وما حكم شركة الدلالين وما صفتها؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: القسم الرابع شركة الأبدان سميت بذلك لإشتراكهما في عمل أبدانهما وأضيفت إلى الأبدان لأنهم بذلوها في الأعمال لتحصيل المكاسب وهي نوعان: أحدهما أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانها من مباح، كاحتشاش، واصطياد، وتلصص على دار الحرب، وكسلب من يقتلانه بدار الحرب.
وحكمها الجواز عند أحمد ومالك؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلما جيء أنا وعمار بشيء وجاء سعد أسيرين ومثله لا يخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك في غزوة بدر وكانت غنائمها لمن أخذها قبل أن يُشْرِكَ الله تعالى بينهم؛ ولهذا نقل أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أخذَ شيئًا فهو له» ، فكان ذلك من قَبِيلِ المباحات؛ ولأن العمل أحدُ جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال، وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح كالإحتشاش والاغتنام؛ لأن الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء؛ لأن من أخذها ملكها، وقال الشافعي: شركة الأبدان باطلة؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» وهذا الشرط ليس في كتاب الله، فوجب أن يكون باطلًا؛ ولأنها شركة على غير مال، فلم تصح كما لو اختلفت الصناعات والذي تطمئن إليه النفس أنها جائزة؛ للحديث السابق الوارد عن ابن مسعود الدليل للقول الأول.
والله سبحانه أعلم.
النوع الثاني أن يشتركا فيما يتقبلان في ذممهما من عمل كحدادة وقصارة وخياطة، ولو قال أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل، والأجرة بيننا، صح؛ لأن تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح، فصار كتقبل المال في المضاربة والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب فينزل منزلة المضاربة ويطالبان بم يتقبله أحدهما من عمل، وبعد تقبُّل أحدهما لا فسخ للآخر ويلزمهما عملُ ما تقبَّله أحدهما؛ لأن مبناها على الضمان، فكأنها تضمَّنَتْ ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه، ولكل من الشريكين طلبُ أجرة عمل ولو تقبله الآخر، ويبرأ مستأجر بدفع الأجرة لأحدهما وتلف الأجرة بلا تفريط بيد أحدهما علهما جميعًا؛ لأن كلا وكيل الآخر في قبضها والطلب بها، وإقرار أحدهما بما في يده يُقبل عليهما؛ لأن اليد له، فقبل إقراره بما فيها بخلاف ما في يد شريكه أو دين على شريكه؛ لأنه لا يدَ له عليه، والحاصل من مباح تملكاه أو أحدهما أو مِن أجرة عمل تقبلاه أو أحدُهما كما شرطا عند العقد من تساوٍ أو تفاضل؛ لأن الربح يستحق بالعمل، ويجوز تفاضلهما
فيه ولا يُشترط لصحتها اتفاق صنعة الشريكين، فلو اشترك حدادٌ ونجارٌ أو خياطٌ وقصارٌ فيما تقبلان في ممها من عمل، صح؛ لاشتراكهما في كسب مساح أشبه ما لو اتفقت الصنائع؛ ولأنه قد يكون أحدهما أحذق من الآخر مع إتفاق الصنعة، فربما تقبل أحدهما ما لا يمكن الآخر عملُه، ولا يمنع ذلك صحتها، فكذا اختلاف الصنعة ومن لا يعرف يتمكن من إقامة غيره بإجرة أو مجانًا، ولا يشترط لصحة الشركة معرفة الصنعة لواحد منهما، فلو اشترك شخصان لا يعرفان الخياطة في تقبلها ويدفعان ما تقبلاه لمن يعمله، وما بقي من الأجرة لهما صح، ويلزم غير عارف إقامةُ عارف للصنعة مُقامهُ في العمل ليعمل ما لزمه للمستأجر، وإن مرض أحدُ الشريكين، فالكسب بينهما على ما شرطاه.
قال أحمد: هذا بمنزلة حديث عمار وسعد وابن مسعود؛ ولأن العمل مضمون عليهما وبضمانهما له وجبت الأجرة فتكون لهما ويكون العامل منهما عونًا لصاحبه في حصته، ولا يمنع ذلك استحقاقه، ويلزم من عذر بنحو مرض في ترك عمل مع شريكه بطلب شريكه له أن يقيم مقامه في العمل لدخولهما على العمل فلزمه أن يفي بمقتضى العقد وللآخر الفسخ إن امتنع أو لم يمتنع؛ وأما شركة الدلالين فصفتها أن يشترك اثنان فيما يأخذان من الناس من الأموال التي يبيعونها فيما حصل لهما، ويكون معنى اشتراكهما أن كل واحد منهما يبيع ما أخذ شريكه كما يبيع هو ما أخذه من الناس، فقيل: لا تصح؛ لأنه لابد فيها من وكالة، وهي على هذا الوجه لا تصح كآجر دابتك، والأجرة بيننا؛ لأن الشركة الفرعية لا تخرج عن الوكالة والضمان، ولا وكالة هنا ولا ضمان؛ فإنه لا دين يصير بذلك في ذمة واحد منهما ولا تقبُّل عملٍ.
وقال الشيخ تقي الدين: وتصح شركة الدلالين وجعلها بمنزلة خياطة الخياط ونجارة النجار.
وموجب العقد التساوي في العمل والأجر، وهذا القول
هو الذي تطمئن إليه النفس، إذا علم الناس حالهما واشتراكهما؛ لأنهم وإن أعطوا أحدهما فقد علموا أن الآخر شريكه وإن لم يعلموا أنه شريكه فالأول الذي يترجح.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
س43: تكلم بوضوح عما يلي: إذا اشتركا ليحملا على دابتيهما والأجرة بينهما، إذا اشتركا في أجرة عين الدابتين أو في أجرة أنفسهما، إذا اشترك اثنان لأحدهما آلة قصارة وللآخر بيت يعملان فيه بها، أو اشترك ثلاثة لواحد منهم دابة وللآخر راوية وثالث يعمل، أو اشترك أربعة لواحد دابة وللآخر رحى ولثالث دكان ورابع يعمل، وما الذي للعامل وما الذي عليه، من استأجر شيئًا مما ذكر للطحن أو أيامًا معلومة، وكيف تقسيم الأجرة، إذا تقبل الأربعة العمل فكيف تكون الأجرة؟ وبماذا يرجع كل منهم على صاحبه؟ وما الحكم إذا قال رجل لآخر أجر عبدي أو دابتي والأجرة بيننا أو جمع بين شركة عنان وأبدان ووجوه ومضاربة، وما مُوجبُ العقد في جعالة وإجارة وشركة؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: يصح أن يشتركا ليحملا على دابتيهما ما يتقبلانه من شيء معلوم إلى موضع معلوم في ذممهما؛ لأن تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتيهما ولهما أن يحملا على أي ظهر كان والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه، ولا يصح أن يشتركا في أجرة عين الدابتين أو في أجرة أنفسها إجارة خاصة بأن أجرا الدابتين لحمله أو أجرا أنفسهما يومًا يومًا فأكثر؛ لأن الحمل ليس في الذمة، وإنما استحق الكرى منفعة البهيمة التي استأجرها أو منفعة الشخص الذي آجر نفسه، ولهذا تنفسخ الإجارة بموت المستأجر من البهيمة والإنسان، ولكل من مالكي الدابتين أجرة دابته فيما إذا آجرا عين الدابتين، ولكل أجرة نفسه فيما إذا أجرا أنفسهما لبطلان الشركة والذي
يترجح عندي صحة الشركة كما لو اشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما من المباح؛ فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل والنقل كان له أجر مثله؛ لأنها منافع وفاها بشبهة عقد.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وتصح شركة اثنين لأحدهما آلة قصارة وللآخر بيت على أنهما يعملان القصارة فيه بالآلة، وما حصل فبينهما لوقوع الإجارة على عملها والعمل يستحق به الربح في الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيئًا؛ لأنهما يستعملان في العمل المشترك فيهما كالدابتين يحملان عليهما، وإن كان لأحدهما آلة أو بيت، وليس للآخر شيء واتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز، ولا يصح أن يشترك ثلاثة لواحد منهم دابة وللآخر راوية وثالث يعمل بالراوية على الدابة، وما حصل بينهم أو أربعة لواحد دابة وللآخر رحى ولثالث دكان ورابع يعمل يطحن بالدابن والرحى في الدكان، وما ربحوا فبينهم؛ لأنه لا شركة ولا مضاربة، وقيل: يصح اشتراك الثلاثة ومثلها الأربعة، واختار القول بالصحة جمع منهم الموفق والشارح وصححه في «الإنصاف» ، وقدمه في «الفروع» و «الرعاية» ، وقال في «التنقيح» : وهو أظهر فعلى هذا يكون ما رزقهم الله بينهم على ما اتفقوا عليه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وعلى القول الأول للعامل الأجرة وعليه لرفقته أجرة آلاتهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومن استأجر من الأربعة ما ذكر من الدابة والرحى والدكان والعامل لطحن شيء معلوم وأيام معلومة صفقة واحدة صح العقد، وتكون الأجرة بين الأربعة بقدر قيمة أجر المثل بأن توزع عليهم على قدر أجر مثل الأعيان المؤجرة كتوزيع المهر، فيما إذا تزوج الرجل أربعًا من النساء بمهر واحد.
وإن تقبَّلُوا العمل في ذممهم بأن استأجرهم ربُ حبٍ لطحنه وقبلُوه صح العقد والأجرة بينهم أرباعًا؛ لأن كل واحد لزمه طحن ربعه بربع
الأجرة، ويرجع كل واحد منهم على رفقته الثلاثة لتفاوت قدر العمل بثلاثة أرباع أجر المثل فيرجع رب الدابة على رفقته الثلاثة بثلاثة أرباع أجرة مثلها وهكذا، ويسقط الربع الرابع؛ لأنه في مقابلة ما لزمه من العمل، فلو كانت أجرة مثل الدابة أربعين، والرحى ثلاثين، والدكان عشرين، وعمل العامل عشرة؛ فإن ربَّ الدابة يرجع على الثلاثة بثلاثة أرباع أجرتها وهي ثلاثون مع ربع أجرتها الذي لا يُرجعُ به على أحدِ وهو عشرة فيكمل له أربعون، ويرجع رب الرحى على الثلاثة باثنين وعشرين ونصف مع ما لا يرجع به وهو سبعة ونصف فيكمل له ثلاثون، ويرجع رب الدكان بخمسة عشر مع ما لا يرجع به وهو خمسة فيكمل له عشرون، ويرجع العامل بسبعة ونصف مع ما لا يرجع به وهو درهمان ونصف، فيكمل له عشرة ومجموع ذلك مائة درهم وهي القدر الذي استؤجروا به، وإنما لم يرجع بالربع الرابع؛ لأن كل واحد منهم قد لزمه ربع الطحين بمقتضى الإجازة، فلا يرجع بما لزمه على أحد ولو تولى أحدهما الإجارة لنفسه كانت الأجرة كلها له، وعليه لكل واحد من رفقته أجرة ما كان من جهته، ومن قال لآخر: آجر عبدي أو أجر دابتي والأجرة بيننا، ففعل، فالأجرة لرب العبد والدابة وللمؤجر أجرة مثله؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له، والذي تطمئن إليه النفس أنه إذا كان عن رضى وصحة عقل يكون على ما شرطا يؤيده حديث: «المؤمنون على شروطهم» والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويصح جمع بين شركة عنان وأبدان ووجوه ومضاربة لصحة كل منها منفردة، فصحت مع غيرها ومُوجب العقد في شركة وجعالة وإجارة التساوي في عمل وأجر؛ لأنه لا مرجح لأحدهم يستحق به الفضل، ولذي زيادة عمل لم يتبرع بالزيادة طلبها من رفيقه ليحصل التساوي.
44- شركة المفاوضة
س44: تكلم بوضوح عن شركة المفاوضة لغةً وشرعًا؟ وبين أقسامها؟ وما الذي يختص به كل واحد من الشريكين؟
ج: المفاوضة مأخوذة من قولهم قوم فوضى أي متساوون لا رئيس لهم، قال الأفوه الأودي:
لا يصلحُ الناسُ فَوْضَى لا سراة لهم
ولا سراةَ إذا جُهَّالُهم سَادُوا
ونعامٌ فَوضى: أي مختلط بعضهم ببعض، والناس فوضى: أي متفرقون وأمرهم فوضى بينهم، أي مختلط، والمفاوضة: الاشتراك في كل شيء، ويقال: متاعهم فوضى بينهم إذا كانوا فيه شركاء، ويقال أيضًا: فوضى فضا.
وقال الآخر:
طعامُهُمُ فَوضَى فَضًا في رِحَالهم
ولا يُحْسِنُون السِرَّ إلا تَنَادِيَا
والمفاوضة: المساواة، والمشاركة مفاعلة من التفويض، ومنه حديث معاوية قال لِدَغْفَل النَّسَّابة: بِمَ ضَبَطْتَ مَا أرَى؟ قال: بمفاوضة العلماء، قال: وما مفاوضة العلماء؟ قال: كنت إذا لقيتُ عالمًا أخذتُ ما عنده وأعطيته ما عندي، فكأن كل واحد منهما رد ما عنده إلى صاحبه، أراد محادثة العلماء.
وشرعًا: قسمان: أحدهما: صحيح، وهو نوعان: الأول: تفويض كل من إثنين فأكثر إلى صاحبه شراءً وبيعًا في الذمة ومضاربة وتوكيلًا ومسافرة بالمال وارتهانًا وضمانًا من الأعمال كخياطة وحدادة فهي صحيحة وهي الجمع بين عنان ومضاربة ووجوه وأبدان وتقدم وجه صحتها.
والنوع الثاني: أن يشتركا في كلما يثبت لهما وعلهما إن لم يدخلا في الشركة كسبًا نادرًا
أو غَرامةً؛ لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة التي تقدمت.
والقسم الثاني: فاسد، وهو أن يدخلا في الشركة كسبًا نادرًا كوجدان لقطة أو ركاز أو يدخلا فيها ما يحصل لهما من ميراث أو يدخلا فيها ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو أرش جنايةٍ أو ضمان عارية أو لزوم مهر بوطء؛ لأنه عقدٌ لم يرد الشرع بمثله، ولما فيه من كثرة الغررِ؛ لأنه قد يلزمُ فيه ما لا يقدرُ الشريك عليه، ولكل من الشريكين في هذا القسم ما يستفيده وله ربح ماله وله أجرة عمله لا يشركه فيه غيره لفساد الشركة، ويختص كل منهما بضمان ما غصبه أو جناه أو ضمنه عن الغير؛ لأن لكلِ نفسٍ ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ.
من النظم مما يتعلق بشركة الأبدان
وشركة أكسَاب بأبدانهم تجز
ولو باختلاف الصنعتين بأجودِ
بكل مباح كالتلصُصِ منهم
على أهل دار الحرب أو كالتصَيُّدِ
وصحتُها في الغُنْمِ في نَفَلٍ وفي
اسْتِلابِ قَتِيْلٍ إذ يُخَصَّا بِمُوْجِدِ
ومَن يَتَقَبَّل منهم عملًا يَصِرْ
عليهم وقسِمْ بَيْنَهم كَسْبَ مُفْرَدِ
ويَلْزَمَ ذَا قَسْمٍ مَتى يَبغِ نائب
وقيل إنْ تَرَكْ كسبًا بلا عُذْرِ أطد
وما كسباه اقْسمْهُ بَيْنَهُمَا على
تشارطُهم في مُبتدأ العَقْدِ تَهْتَدِ
وشَرْطَتُهُمْ في حَمْلِ ما اقْتَبَلُوا به
بذِمَّتِهم صَحِّحْ ولا تَتَردّدِ
وإن أجَّرُوا الأعيانَ كُلٌ امرء اثِبْ
على حَمْلِ ما يَخْتَصُّهُ في المجودِ
ومن يعط عبدًا أو بهائم عاملًا
عليها بنصف الكسب أو نحوه طد
كذا دَفْع أثوابٍ لِشَخْصٍ يَخِيْطُهَا
وغَزْل لِنسَّاجٍ بِرَيْعِ المُزَيّدِ
وإن يأخُذَنْ نَعْلا ورواية فَتى
وبَغْلا ودَارًا وَالرَّحَى مِن مُعَدّد
ويعمل فيها والمُحصَّلُ بَيْنَهم
يَصِحُّ وقيل ارْدُدْ وبالأجر زَوّدِ
كذا رفعُ قوس والشباك وصائد
بِمَعْلُومِ جُزْء الصَّيْدِ صَحّحْ كما ابتدى
وقيل لذي الآلاتِ أجرةُ مثِله
لبطلانها والصَّيدُ لِلْمُتَصَيِّد
ومن يشترط مع جزء كسب دراهمًا
لخيفة الاستغراق للكل يفسد
ويشرط في كل المسائل عامل
فإن آجروا أموالهم مع تعقد
على شركة فيما تحصل لم يجز
وكُلٌ بأجْرَة ملْكِهِ فَلْيُفَرَّدِ
والأوكد منع إعطاء ماشِيَةٍ لِمَنْ
يَعُولُ بثُلْثِ الدُّرِ والنَّسْل أسْنِدِ
وأن يرعها حولًا كمِيْلًا بثُلْثِهَا
له الثلثُ بالنامِي يَصحُّ بأوطد
وأربعةُ الأنواع جمْعُكَ بَيْنَها
صَحيح فشَارِكْ بالأمانةِ واجْهَدِ
وشركة دَلَّالِينَ غَير صَحِيْحَةٍ
وإن جَازَ تَوْكِيْلُ الوكيل فَجَوِّدِ
وإدخالُهم في شركة كسبُ نادرٍ
مُفَاوَضَىً عَنْ رَدِّهَا لا تَحَيَّدِ
45-
باب المساقاة
س45: ما هي المساقاة؟ ولماذا جعلت بين القراض والإجارة؟ وما الأصل فيها؟ وما الذي تصح عليه والذي لا تصح عليه؟ وما هي المناصبة؟ وما هي المغارسة؟ وما الدليل؟ وما هي المزارعة؟ ولماذا جمعت في باب واحد؟ وما الذي يعتبر للمساقاة والمزارعة؟ وما الألفاظ التي تصح بها؟ وتكلم عن إجارة الأرض بنقد أو بعرض أو بجزء، وعن ما إذا لم يزرعها المستأجر، وعن إجارة الأرض بطعام، وعن المساقاة على وَدْي النخل أو على شجر يغرسه ويعمل عليه.
واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: المساقاة: من السقي؛ لأنه أهم أمرها بالحجاز؛ لأن النخل تُسقى به نضحًا من الآبار فتكثر مشقته، ولما كانت شبيهة بالقراض في العمل في شيء ببعض نمائه، وللإجارة في اللزوم والتأقيت جعلت بينهما، وشرعًا: أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء
مشاع معلوم من ثمره.
والمزارعة: مفاعلة من الزرع، وشرعًا: دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل عليها والزرع بينهما.
والمخابرة هي المزارعة.
اختار الشيخ جواز المساقاة على شجر يغرس ويعمل عليه بجزء معلوم من الشجر أو بجزء من الشجر والثمر كالمزارعة، وقال: ولو كان مغروسًا، وإن اشتركا في الغرس والأرض فسدت وجهًا واحدًا، قاله في «الإنصاف» ، وقال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب صحتها، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
اهـ.
وسواء في ذلك النخل والكرم والرمان والجوز واللوز والزيتون وغيرها، وأن يكون معلومًا للمالك والعامل برؤية أو وصف، فلو ساقاه على بستان غير معين ولا موصوف أو على أحد هذين الحائطين لم يصح؛ لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان، لم تجز على غير معلوم كالبيع، والأصل في جوازها ما روى ابن عمر قال: «عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع» متفق عليه.
وعن طاوس: «أن معاذ ابن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع، فهو يعمل به إلى يومك هذا» رواه ابن ماجه.
وقال البخاري: قال قيس بن مسلم: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ما المدينة أهل بَيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، والمعنى شاهد بذلك، ودال عليه؛ فإن كثيرًا من أهل الشجر يعجزون عن عمارته وسقيه ولا يمكنهم الاستئجار عليه، وكثير من الناس لا تشجر لهم ويحتاجون إلى الثمر، ففي تجويز المساقاة تجويز للحاجتين وتحصيل لمصلحة الفئتين كالمضاربة بالأثمان، وما روي عن ابن عمر أنا قال: كنا نخابر أربعين سنة حتى حدثنا رافع بن خديج «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة» فمحول على رجوعه عن معاملة فاسدة، فسرها رافع في حديثه، ولا يجوز حمل حديث رافع على ما يخالف الإجماع؛
لأنه –عليه الصلاة والسلام- لم يزل يعامل أهل خيبر حتى مات ثم عمل به الخلفاء بعده ثم من بعدهم، فكيف يتصور نهيه –عليه الصلاة والسلام- عن ذلك! بل هو محمول على ما رواه البخاري عنه قال: «تكرى الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض، فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهانا» فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ، وروي تفسيره أيضًا بشيء غير هذا من أنواع الفساد وهو مضطرب أيضًا.
قال الإمامُ رافعُ يروي عنه في هذا ضروب كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه يوهن حديثه، وقال طاوس: إن أعلمهم –يعني ابن عباس- أخبرني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينهه عنه؛ ولكن قال: «لأنْ يَمْنَحَ أحدُكم أخاه أرضًا خيرٌ من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا» متفق عليه؛ وأما المساقاة على ما ليس له ثمر مأكول كالصفصاف، ويقال: له الخلاف، وذكر ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار» : أن الخلاف شجر سقط ثمره قبل تمامه، وهو الصفصاف.
وقال الشاعر:
توقَ خلافًا إن سَمَحْتَ بموعد
لِتسلَم مِن لوم الوَرى وتُعافَى
فلو صَدَقَ الصَّفْصَافُ مِن بَعدِ نورِهِ
إيواء آفةٍ مَا لَقَّبُوهُ خِلافًا
والسَّرر والوِرد ونحوها، فَقيل: لا تصح عليه؛ لأنه ليس منصوصًا عليه ولا في معنى المنصوص عليه؛ ولأن المساقاة إنما تجوز بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له، وقيل: تصح المساقاة على ماله ورق يقصد كتوت أو له زهر يقصد كورد وياسمين ونحوه إجراء للورق والزهر مجرى الثمرة، قالوا: وعلى قياس ماله ورقٌ أو زهر يُقْصَد وشجرٌ له خشبٌ يُقْصَدُ كَحَوَرِ وصَفْصَافٍ، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
وتصح المساقاة بلفظ مساقاة؛ لأنه لفظها الموضوع لها، وبلفظ معاملة، وبلفظ مفالحة، واعمل بستاني هذا حتى تكمل ثمرته على النصف مثلًا ونحوه وبكل لفظ يؤدي معناها؛ لأن القصد المعنى، فإذا دل عليه بأي لفظ كان صح كالبيع، وتقدم صفة القبول في الوكالة، وأنه يصح بما يدل عليه من قول وفعل فشروعه في العمل قبول.
وتصح المساقاة بلفظ إجارة وتصح مزارعة بلفظ إجارة، فلو قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط بنصف ثمرته أو زرعه، صح؛ لأنه القصد المعنى، وقد وجد ما يدل على المراد منه، وتصح إجارة أرض معلومة مدة معلومة بنقد معلوم، وبعروض معلومة، وتصح إجارتها بجزء مشاع معلوم كالنصف والثلث مما يخرج منها سواء كان طعامًا كالبر والشعير أو غيره كالقطن والكتان، وهو إجارة حقيقية كما لو أجرها بنقد، وهذا القول من المفردات، قال ناظمها:
ببعض ما تخرج أرض تؤجر
كالثلث أو كالنصف أو ما قدروا
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يصح ذلك؛ لأنها إجارة عين ببعض نمائها فلم يجز كسائر الأعيان.
وقال أيضًا ناظم المفردات:
يصحّ في الأرضين أن يزارعوا
ببعض ما تخرجه المزارع
ومنع النعمان ثم مالك
مِن ذا وقالا لا يصح ذلك
والشافعي وافقهم في البيضا
وقال لا يصح فيها أيضًا
وذاك باب كامل مطرد
مذهبنا به إذا ينفرد
وقال أبو الخطاب ومن تبعه: هي مزارعة بلفظ الإجارة مجازًا؛ فإن لم يزرعها المستأجر في إجارة أو مزارعة، وسواء قلنا إنها إجارة أو مزارعة نظر إلى معدل المغلّ أي الموازن لما يخرج منها لو زرعت فيجب القسط المسمى في العقد وإن فسدت فأجرة المثل.
وتصح إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس الخارج منها، كما لو أجرها ليزرعها برًا بقفيز بر، وتصح إجارتها بطعام معلوم من غير جنس الخارج منها بأن أجرها بشعير لمن يزرعها بُرًا وتصح المساقاة على شجر له ثمرة موجودة لم تكمل تنمى بالعمل وتصح المزارعة على زرع نابت ينمي بالعمل؛ لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر فيه، ففي الموجود مع قلة الغرر أولى؛ فإن بقي من العمل ما لا تزيد به الثمرة أو الزرع كالجذاذ والحصاد لم يصح عقد المساقاة ولا المزارعة.
وقال في «المغني» و «المبدع» :
بغير خلاف وإذا ساقاه على صغار النخل أو ساقاه على صغار شجر إلى مدة يحمل فيها غالبًا بجزء من الثمرة صح العقد؛ لأنه ليس فيها أكثر من أن عملَ العاملِ يَكثر ونصيبُه يقِل وهذا لا يمنع صحتها، كما لو جعل له جزء من ألف جزء، وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء مشاع معلوم من الثمرة أو من الشجر أو منهما، وهي المغارسة
والمناصبة صح، واحتج بحديث خيبر؛ ولأن العمل وعوضه معلومان فصحت كالمساقاة على شجر مغروس.
قال الشيخ تقي الدين: ولو كان
ناظر وقف وأنه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بلا حاجة.
انتهى.
ومراده بالحاجة ما يجوز معه بيع الوقف؛ فإن كان الغراس من العامل فصاحب الأرض بالخيار بين قلعه، ويضمن له نقصه وبين تركه في أرضه،
ويدفع إلى العامل قيمة الغراس كالمشتري إذا غرس في الأرض التي اشتراها، ثم أخَذَ الشقص المشفوع الشفيعُ بالشفعة، وإن اختار العام قلع شجره، فله ذلك سواء بذل له صاحب الأرض القيمة أولًا؛ لأنه ملكه فلم يمنع تحويله وإن اتفق صاحب الأرض والعامل على بقاء الغراس في الأرض ودفع أجرة الأرض جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما، وقيل: يصح كون الغراس من مساق ومزارع ومناصب.
قال المنقح: وعليه العمل، وقال في «الإنصاف» : حكمه حكم المزارعة اختاره الموفق، والشيخ تقي الدين وابن رزين وأبو محمد الجوزي، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
46- أركان المساقاة وشروطها وأمثلة لها مما يصح
ومما لا يصح وبحوث حول ذلك
س46: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا عمل اثنان في شجر لهما والشجر بينهما نصفان وشرطا التفاضل في الثمرة، وما هي أركان المساقاة؟ وما هي شروطها؟ جعل للعامل دراهم معلومة أو آصعًا معلومة مع الجزء المشاع، إذا كان في البستان شجر من أجناس كتين وزيتون فشرط للعامل من كل جنس إذا كان البستان لاثنين فساقيا عاملًا واحدًا على أن
له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر، إذا ساقى واحد على بستان له اثنين أو ساقاه على بستانه ثلاث على أن له في السنة الأولى
النصف، وفي الثانية الثلث، وفي الثالثة الربع، المساقاة على البعل، واذكر الدليل والتعليل والترجيح والشروط والقيود والمحترزات.
ج: إذا عمل اثنان في شجر لهما والشجر بينهما نصفان وشطر الشريكان التفاضل في الثمرة بأن قالا على أن لك الثلث ولي الثلثان صح؛
لأن من شرط له الثلثان قد يكون أقوى على العمل وأعلم به ممن شرط له الثلث، ومن شرط صحته تقدير نصيب العامل بجزء مشاع من الثمر كالثلث والربع والخمس؛ لما سبق من أنه - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فلو جعل للعامل جزأ من مائة جزء جاز أو جع لرب الشجر الجزء من مائة جزء لنفسه، والباقي للعامل جاز ما تراضَوا عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فلا يصح، وإن ساقا على النخل بسهم معلوم كالثلث أو الربح وشرط عليه زيادة وزان معلومة أو دراهم معلومة أو ساقاه على نخلة بخمسمائة وزنه أو أقل أو أكثر أو جعل له بدل التمر دراهم، فهذا النوع إجازة الشيخ تقي الدين والجمهور على المنع، والذي تطمئن إليه النفس ما قاله الشيخ.
والله أعلم.
وأركان المساقاة ثلاثة: إيجاب، وقبول، وصيغة، وشروطها: سبعة أن تكون من جائز التصرف أن تكون على شجر، فلا تصح على ما ليس بشجر كالخضروات أن يكون الشجر له ثمر أن يكون الثمر يؤكل عادة أن يكون نصيب كل منهما معينًا كالنصف والربع أن يكون الشجر معلومًا برؤية أو صفة أن لا يشترط لأحدهما ثمر شجرة أو شجر معين.
وإذا كان في البستان شجر من أجناس كتين وزيتون وكرم فَشَرطَ ربُّ البستان للعامل من كل جنس من الشجر قدرًا معلومًا كنصف ثمر
التين وثلث ثمر الزيتون وربع ثمر الكرم صح، أو كان البستان أنواعًا من
كل جنس فشرط من كل نوع قدرًا معلومًا كنصف البرني وثلث
الصيحان وربع الإبراهيمي، وربُّ البستان والعامل يعرفان قدر كل نوع صحَّ العقدُ على ما شرطاه؛ لأن ذلك بمنزلة ثلاثة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر، ولو ساقاه على بستان واحد نصفه هذا بالثلث ونصفه بالربع، وهما متميزان صح؛ لأنهما كبستانين، وإن
كان البستان لاثنين فَساقيا عاملًا واحدًا على أن له نصف نصيب أحدهما وثلث نصيب الآخر والعامل عالم ما لكل واحد منهما من البستان صح العقد؛ لأنه بمنزلة بُستانين ساقاه كل واحد منهما على واحد بجزء مخالف للآخر، وكذا إن جهل العامل ما لكل منهما من البستانين إذا شرطا قدرًا واحدًا، كأن يقولا: اعمل في هذا البستان في الثلث؛ لأن له ثلث نصيب كل منهما بالغًا ما بلغ، كما لو قالا: بعناك دارنا هذه بألف ولم يعلم المشتري نصيب كل واحد منهما؛ فإنه يصح؛ لأنه اشترى الدار كلها منهما وهما يقتسمان الثمن على قدر ملكيهما، ولو ساقى واحد على بستان له اثنين ولو مع عدم التساوي بينهما في النصيب بأن جعل لأحدهما السدس وللثاني الثلث صح، أو ساقا واحدًا على بستانه ثلاث سنين على أن له في السنة الأولى النصف، وفي السنة الثانية الثلث، وفي السنة الثالثة الربع صح؛ لأن قدر الذي له في كل سنة معلوم، فصح كما لو شرط له من كل نوع قدرًا.
47- حكم المساقاة والمزارعة وما حول ذلك من المسائل
س47: ما حكم المساقاة والمزارعة؟ وما الذي يبطلان به؟ وهل يفتقران إلى قبول أو ضرب مدة؟ وما الحكم فيما إذا فسخت؟ وإذا مات العامل في المساقاة أو المناصبة، فما الحكم؟ واذكر ما يترتب على ذلك، وإذا باع العامل نصيبه، واذكر مشابههُ، وما يترتب على ذلك، وإذا فسخ رب المال
أو وقتت أو ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا فلم تحمل الثمرة أو ظهر الشجر مستحقًا بعد العمل فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وهل يلزم الغاصب شيء؟ وعلى من يستقر الضمان؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا اقتسمها الغاصب والعامل، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ وما الذي يترجح من الأقوال؟
ج: المساقاة والمزارعة عقدان جائزان من الطرفين؛ لما روى مسلم عن ابن عمر في قصة خيبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نقركم على ذلك ما شئنا» ولو كان لازمًا لم يجز بغير توقيت مدة ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم؛ ولأنها عقد على جزء المال فكانت جائزة كالمضاربة، وهذا القول من المفردات، قال ناظمها:
عقد المُسَاقِي وكذا المزرعي
جوازُه ففي الأصحِ قَد رُعى
وقال أكثر الفقهاء: هو عقد لازم؛ لأنه عقد معاوضة فكان لازمًا كالإجارة؛ ولأنه لو كان جائزًا جاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل فيستضر، وللأمر بالوفاء والعهود وليست من عقود التبرعات أو من عقود الوكالات حتى يسمح لأحدهما في فسخها، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين أي أنها عقد لازم، وهو قول مالك، وهذا القول الشيخ تقي الدين، أي أنها عقد لازم وهو قول مالك، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
وعلى القول الأول يبطلان بما تبطل به الوكالة من موت وجنون وحجر لسفهٍ وعزل ولا يفتقران إلى ضرب مدة يحصل الكمال فيها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يضرب لأهل خيبر مدة ولا خلفاؤه من بعده، ولكل فسخا أي المساقاة والمزارعة؛ لأنه شأن العقود الجائزة؛ فإن فسخت المساقاة بعد ظهور الثمرة فالثمرة بين المالك والعامل على ما شرطاه عند العقد؛ لأنها حدثت على ملكهما وكالمضاربة ويملك العامل حصته من الثمرة بظهورها كالمالك والمضارب، ويلزم العامل تمام العمل في المساقاة كما يلزم المضارب بيع العروض إذا فسخت المضاربة، قال المنقح: فيؤخذ منه دوام العمل على العامل في المناصبة، ولو فسخت المناصبة إلى أن تبيد الشجر التي عقدت عليها المناصبة، والواقع كذلك؛ فإن مات العامل في المساقاة أو المناصبة قام وارثه مقامه في الملك
والعمل؛ لأنه حق ثبت للمورث وعليه فكان لوارثه؛ فإن أبى الوارث أن يأخذ ويعمل لم يجبر ويستأجر الحاكم من التركة من يعمل؛ فإن لم تكن تركة أو تعذر الاستئجار منها بيع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لتكميل العَمل واسُتؤجر من يعمله ذكره في «المغني» ، وإن باع العامل نصيبه لمن يقوم مقامه أو باعه وارثه لمن يقوم مقامه بالعمل جاز؛ لأنه ملكه وإن تعلق به نصيب حق المالك من حيث العمل لم يمنع صحة البيع؛ لأنه لا يفوت عليه؛ لكن إن كان المبيع ثمرًا لم يصح إلا بعد بدو الصلاح أو لمالك الأصل وإن كان المبيع نصيب المناصب من الشجر صح مطلقًا، وصح شرط العمل من البائع على المشتري كالمكاتب إذا بيع على كتابته، وللمشتري الملك وعليه العمل؛ لأنه يقوم مقام البائع فيما له وعليه؛ فإن لم يعلم المشتري بما لزم البائع من العمل فله الخيار بين الفسخ وأخذ الثمن وبين الإمساك وأخذ الأرش كمن اشترى مكاتبًا لم يعلم أنه مكاتب، وإن فسخ العامل أو هرب قبل ظهور الثمرة فلا شيء له؛ لأنه قد رضي بإسقاط حقه فصار كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح وعامل الجعالة إذا فسخ قبل تمام عمله، وإن فسخ المالك المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعد شروع العامل بالعمل فعليه للعامل أجرة عمله، بخلاف المضاربة؛ لأن الربح لا يتولد من المال بنفسه، وإنما يتولد من العمل ولم يحصل بعمله ربح والثمر متولد من عين الشجر، وقد عمل على الشجر عملًا مؤثرًا في الثمر، فكان لعمله تأثير في حصول الثمر وظهوره بعد الفسخ، ذكره ابن رجب في «القواعد» . ويصح توقيت المساقاة؛ لأنه لا ضرر في توقيت المدة وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا، فلم تحمل تلك السنة فلا شيء للعامل؛ لأنه دخل على ذلك وكالمضاربة وإن ظهر الشجر مستحقًا بعد العمل أخذ الشجر ربه وأخذ ثمرته؛ لأنه عين ماله ولا حق للعامل في ثمرته ولا أجرة له على رب
الشجر؛ لأنه لم يأذن له في العمل، وللعامل على الغاصب أجرة مثله؛ لأنه غره واستعمله كما لو غصب نقرة واستأجر من ضربها دراهم، وإن شمس العامل الثمرة فلم تنقص قيمتها بذلك أخذها المغصوب منه، وإن نقصت الثمرة بذلك فله أخذها وأرش نقصها، ويرجع به على من شاء منهما من العامل أو الغاصب ويستقر الضمان على الغاصب؛ لأنه سبب يد العامل وإن استحقت الثمرة بعد أن اقتسمها الغاصب والعامل وأكلاها، فللمالك تضمين من شاء منهما؛ فإن ضمن الغاصب فله تضمينه الكل وله تضمينه قدر نصيبه؛ لأن الغاصب سبب إزالة يد العامل فلزم ضمان الجميع وله تضمين العامل قدر نصيبه لتلفه تحت يده؛ فإن ضمن المالك الغاصب الكل رجع على العامل قدر نصيبه لتلفه تحت يده؛ فإن ضمن المالك الغاصب الكل رجع على العامل بقدر نصيبه؛ لأن التلف وجد في يده فاستقر الضمان عليه ويرجع العامل على الغاصب بأجرة مثله؛ لأنه غره وإن ضمن العامل احتمل أن لا يضمنه إلا نصيبه خاصة؛ لأنه ما قبض الثمرة كلها، بل كان مراعيًا لها وحافظًا، ويحتمل أن يضمنه الكل؛ لأن يده مشاهدة بغير حق؛ فإن ضمنه الكل رجع على الغاصب ببدل نصيبه منها وأجر مثله وإن يضمن كل ما صار إليه رجع العامل على الغاصب بأجرة مثله لا غيره، وإن تلفت الثمرة في شجرها أو بعد الجذاذ قبل قسمة، فمن جعل للعامل قابضًا لها بثبوت يده على حائطها قال: يلزمه ضمانها، ومن قال: لا يكون قابضًا إلا بأخذ نصيبه منها، قال: لا يلزمه الضمان ويكون على الغاصب ذكره في «المغني» و «شرح المنتهى» . اهـ. من «الإقناع وشرحه» باختصار وتصرف.
48- ما يلزم العامل في المساقاة والمزارعة
وما الذي يلزم رب الأصل فعله وذكر بعض الشروط المشترطة في ذلك
س48: ما الذي يلزم العامل في المساقاة والمزارعة؟ وما الذي يلزم رب
الأصل فعله؟ وما حكم شرط الجذاذ على العامل؟ وإذا شرط في المضاربة والمساقاة والمزارعة عمل مالك أو عمل غلامه معه أو شرط العامل إن أجر الأجير الذي يستعين به يؤخذ من المال، وما الذي تتبع به الكلف السلطانية؟ وما الذي قاله الشيخ تقي الدين حول هذا الموضوع؟ وعلى من يكون الخراج في الأرض الخراجية؟ وهل يقبل قول العامل في عدم التعدي أو في الرد؟ وماذا يعمل معه إذا خان في العمل؟ وإذا اختلفا فيما شرط لعامل أو في مبطل أو اتهم رب المال العامل فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل والترجيح.
ج: على عامل في المساقاة والمغارسة والمزارعة عند إطلاق العقد كل ما فيه نمو أو صلاح الثمر وزَرْعٍ من سقي بماء حاصل لا يحتاج إلى حفر بئر ولا إدارة دولاب وإصلاح طرق الماء بتنقية مجراه من طين وغيره وإصلاح محله بتسوية ما ارتفع من الأرض مع ما انخفض منها لتشرب العروق وتستوفي حظها من الماء وتشميسُ ما يحتاج إلى تشميس وإصلاح موضع الشمس وحرث وآلته وبقره وزبار وهو تخفيف الكرم من الأغصان الرّديئة وبعض الجيدة بقطعها بمنجل ونحوه، وتلقيح وهو جعل طلع الفحال في طلع التمر وقطع حشيش مضر بشجر أو زرع وقطع شوك وشجر يبس وآلة قطع كفأس ومنجل وتفريق زبل وتفريق سباخ، وهو ما يجمع من الأزقة
من رماد وغيره ونقل ثمر ونقل زرع لبيدر ومصطاح وحصاد ودياس ولقاط لنحو قثاء وباذنجان وتصفية زرع وتجفيف ثمرة وحفظها على الشجر
وحفظ زرع في الجرين إلى قسمة وإصلاح حفر أصول نخل وتُسمى
الأجاجين يجمع بها الماء ويثبت على الأصول فتروى وتنمو؛ لأن ذلك كله فيه صلاح الزرع والثمر وزيادتهما فهو لازم للعامل بإطلاق العقد، ويجب على رب أصل فعل ما يحفظ الأصل كسد حائط وتحصيل سياج وهو
الشوك يجعل على الجدار ليحفظ من الدخول وإجراء نهر وحفر بئر والجذاذ على العامل؛ لأنه كنقل الثمرة إلى الجرين فكان على العامل كالتشميس والحفظ ونحوه، وقيل: عليهما بقدر حصتيهما، والذي يترجح عندي القول الأول؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم، وهذا من العمل مما لا تستغني عنه الثمرة أشبه التشميس.
والله أعلم.
قال ناظم المفردات:
وعِنْدنَا العَامِلُ والمُسَاقِي
عَلَيْهما الجَذَاذُ في الإطلَاقِ
والشيخُ لِلْعَامِلِ بَلْ يَخْتَصُّ
كالحَصْدِ والأولُ فيه النَّصُ
والله أعلم.
وإن شرط في المضاربة والمساقاة والمزارعة عمل مالك أو عمل غلامه مع العامل بأن شرط أن يعينه في العمل، صح كشرطه عليه عمل بهيمة؛ لأنه هناك شرط مجرد المعونة فلم تؤثر في العقد ويتبع في الكلف السلطانية، وهي التي يطلبها السلطان العُرْف فما عرف أخذه من رب المال، وهو المالك فيؤخذ منه أو عرف أخذه من عامل فهو عليه، ويؤخذ منه ما لم يكن شرط جرى بينهما فيتبع ويعمل بمقتضاه؛ لحديث: «المؤمنون على شروطهم» وما طلب من قرية مِن كلف سلطانية فَعَلى قدر الأموال؛ فإن وُضِعَ على الزرع فعلى ربه، أو وضِعَ على العقار فعلى ربه ما لم يشترط على مستأجر، وإن وضع مطلقًا فالعادة، قاله الشيخ تقي الدين.
وقال في المظالم المشتركة التي تطلب من الشركاء في قرية أو مدينة إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم ورؤوسهم مثل الكلف السلطانية التي
توضع عليهم كلهم؛ أما على عدد رؤوسهم أو على عدد دوابهم أو عدد أشجارهم أو على قدر أموالهم، كما يؤخذ منهم أكثر من الزكاة الواجبة في الشرع أو أكثر من الخراج الواجب بالشرع أو تؤخذ منهم الكلف التي تؤخذ في غير الأجناس الشرعية كما وضع على المتبايعين للطعام والثياب والدواب والفاكهة وغير ذلك، وإن كان قد قيل إن ذلك وضع بتأويل وجوب الجهاد عليهم بأموالهم واحتياج الجهاد إلى تلك الأوال كما ذكره صاحب «غياث الأمم» وغيره مع ما دخل في ذلك من الظلم الذي لا مساغ له عند العلماء، ومثل ما يجمع لبعض العوارض لقدوم السلطان وحدوث ولد له ونحوه؛ وأما أن ترمي عليهم سلع تباع منهم بأكثر من أثمانها، وتسمى الحطائط، ومثل القوافل فيطلب منهم على عدد رؤوسهم أو دوابهم أو قدر أموالهم أو يطلب منهم كلهم، فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل على ما يطلب منهم، وليس لبعضهم أن يظلم بعضًا فيما يطلب منهم، بل عليهم التزام العدل فيم أخذ منهم بغير حق كما عليهم التزام العدل فيما يؤخذ منهم بحق؛ فإن هذه الكُلف التي تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم هي بمنزلة غيرها بالنسبة إليهم، وإنما يختلف حالهما بالنسبة إلى الآخذ، فقد يكون آخذًا بحق وقد يكون آخذًا بباطل؛ وأما المطالبون فهذه كلف تؤخذ منهم بسبب نفوسهم وأموالهم فليس لبعضهم أن يظلم بعضًا في ذلك، بل العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل الأحوال والظلم لا يباح منه بحال وحينئذ فهؤلاء المشتركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به ظلم غيره، بل إما أن يؤدي قسطه فيكون عادلًا؛ وإما أن يؤدي زائدًا على قسطه فيعين شركاءه فيما أخذه منهم فيكون محسنًا، وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك المال امتناعًا يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عليهم؛ فإن المال إذا كان
يؤخذ لا محالة وامتنع بجاه أو رشوة أو غيرهما كان قد ظلمَ من يؤخذ منه القسط الذي يخصه، وليس هذا بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره؛ فإن هذا جائز مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه، فلا يؤخذ ذلك منه ولا من غيره، وحينئذ فيكون الأداء واجبًا على جميع الشركاء كل يؤدي قسطه الذي ينوبه إذا قسم المطلوب بينهم بالعدل، ومن أدى غَيْرُهُ قِسْطَهُ بغير إكراه كان له أن يرجع إليه، وكان محسنًا إليه في الأداء عنه فيلزمه أن يعطيه ما أداه عنه، كما في المقرض المحسن، ومن غاب ولم يؤد حتى أدى عنه الحاضرون لزم قدر ما أدوه عنه ومن قبض ذلك من ذلك المؤدى عنه وأداه إلى هذا المؤدي جاز له أخذه سواء كان الملزِم له بالأداء هو الظالم الأول أو غيره؛ ولهذا له أن يدعي بما أداه عنه كما يحكم عليه بأداء بدل القرض ولا شبهة على الآخذ في أخذ بدل ماله، والخراج في الأرض الخراجية على رب ماله لا على عامل؛ لأنه على رقبة الأرض أثمرت الشجر أو لم تثمر؛ ولأنه أجرة الأرض فكان على مَن هي ملكه ولا يجب الخراجُ في الأرض الخراجية على عامل؛ لأنه لا ملك له فيها، كما لو زارع آخر على أرضٍ مستأجرةٍ، فالأجرة عليه دون العامل؛ لأن منافعها صارت مستحقة له فملك المزارعة فيها كذلك، وحكم موقوف عليه كمالك في مساقاة ومزارعة، وكذا ينبغي في ناظر الوقف إذا رآه مصلحة وحكم عامل في مساقاة ومزارعة كمضارب فيما يقبل قوله فيه أو يرد قوله فيه فيقبل قوله أنه لم يتعد ونحوه؛ لأن رب المال إئتمنه دون الرد للثمرة والزرع؛ لأنه قبض العين لحظ نفسه، وكذا إذا اختلفا في قدر ما شرط لعامل من ثمرة أو زرع، وفي مبطل لعقدها
كجزء مجهول أو دراهم ونحوها.
وفي جزء مشروط من ثمر أو زرع إذا اختلفا لمن هو؟ فإن خان عامل في مساقاة أو مزارعة فمشرف يمنعه الخيانة إن ثبت بإقرار أو بينة أو نكول فيضم إليه من يمنعه حفظًا للمال وتحصيلًا
للغرضين؛ فإن تعذر منعه من الخيانة بأن لم يكن المشرف والعامل مكانه من الخائن لقيامه عنه بما عليه من العمل، كما لو عجز العامل عن عمل لضعفه مع أمانته فيضم إليه قوي أمين، ولا تنزع يده؛ لأن العمل مستحق عليه ولا ضرر في بقاء يد.
49- مسائل حول ما يشترطه العامل على رب المال أو بالعكس وبحوث حول ذلك
س49: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: الحصاد والجذاذ ليلًا، ممن يكون البذر؟ إذا شرط لعامل نصف هذا النوع مثلًا أو الجنس وربع النوع أو الجنس الآخر، إذا شرط إن سقى سيحًا فله الربع وإن سقى بكلفة فله النصف، وإن زرعها شعيرًا فله الربع، وإن زرعها حنطة فله النصف، أو قال: لك الخمسان إن لزمتك خسارة وإلا فلك الربع، أو أن يأخذ رب الأرض مثل بذره، أو ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع، أو شرطا لأحدهما قفزانًا من الثمر أو دراهم معلومة أو زرع ناحية معينة، وإذا فسدت المساقاة أو المزارعة، فما الحكم؟ مَن زارع شريكه في أرض في نصيبه منها بجزء زائد عن حصته، من زارع أو آجر شخصًا أرضًا وساقاه على شجر بها، فسخ الإجارة لتبعيض الصفقة، واذكر ما حول ذلك من مسائل وأدلة وتعاليل وتفاصيل ومحترزات وترجيح وخلاف.
ج: يكره الحصاد والجذاذ ليلًا إلا لحاجة خشية ضرر؛ لأنه ربما أصابه أذى من حية ونحوها؛ وأما كون البذر من رب الأرض، فقيل: يشترط؛ لأنه عقد يشترط للعامل ورب المال في نمائه فوجب كون رأس المال كله من عند أحدهما كالمساقاة والمضاربة، وقيل: لا يشترط كون البذر من
رب الأرض، اختاره الموفق والمجد والشارح وابن رزين وأبو محمد يوسف الجوزي، والشيخ ابن القيم، وصاحب «الفائق» و «الحاوي الصغير» ، وعليه عمل الناس؛ لأن الأصل المعول عيه قضية خيبر في المزارعة ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن البذر على المسلمين، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
وإذا شرك رب المال لعامل نصف هذا النوع أو الجنس من ثمر أو زر وربع النوع أو الجنس الآخر وجهل قدر النوعين بأن جهلاهما أو جهل أحدهما لم يصح؛ لأن قد يكون أكثر ما في البستان من النوع المشروط فيه الربع وأقله من الآخر، وقد يكون بالعكس، وإن شرط إن سقَى سَيْحًا فله الربع، وإن سقى بكُلفة فله النصف، أو إن زرعها شعيرًا فله الربع، وإن زرعها حنطة فله النصف، فقيل: لم يصح لجهالة العمل والنصيب، وقيل: يصح، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
وإن قال: ما زرعتها من شيء فلي نصفه، صح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ساقى أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر أو جعل له في المزارعة ثل الحنطة ونصف الشعير وثلثي الباقلا، وبيَّنا قدر ما يزرع من كل واحد من هذه الأنواع؛ إما بتقدير البذر أو تقدير المكان وتعيينه مثل أن يقول نزرع هذا المكان قمحًا وهذا شعيرًا أو تزرع مدين حنطة ومدى شعير جاز؛ لأن كل واحد من هذه طريق إلى العلم، فاكتفى به، وإذا قال: لك الخمسان إن لزمتك خسارة وإلا فالربع، لم يصح نصًا، وقال: هذا شرطان في شرط، وكرهه، والذي أرى أنه مثل ما إذا قال: إن سقى سيحًا فله كذا، أو إن سقى بكلفة فله كذا، وتقدمت قبل سبعة أسطر.
والله أعلم.
وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره مما يحصل ويقتسما الباقي، فقيل: لم يصح، وقال في «الفروع» : ويتوجه تخريج من المضاربة.
قلت:
والذي يترجح عندي جوازه.
والله أعلم.
وجوز الشيخ تقي الدين أخذ البذر أو بعضه بطريق القرض، وقال: يلزم من اعتبر البذر من رب الأرض وإلا فقوله فاسد، وقال أيضًا: تجوز كالمضاربة وكاقتسامهما ما يبقى بعد الكلف، وإن قال رب بستانين فأكثر: ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك البستان الآخر بالربع فسدت المساقاة والمزارعة؛ لأنه شرط عقدًا في عقدين فهو في معنى بيعتين في بيع المنهي عنه كما لو شرط رب المال والعامل لأحدهما قزفانًا من الثمر والزرع أو دراهم معلومة؛ لأنه قد لا يخرج ما يساوي تلك الدراهم أو شرط لأحدهما زرع ناحية معينة من الأرض أو شرط لأحدهما ثمرة شجر معينة غير الشجر المساقي عليه؛ أما في الأولى فلأنه قد لا يزيد ما يخرج ما يزيد على القفزان المشروطة، وفي الثانية قد لا يتحصل في الناحية المسماة أو الأخرى بشيء أو شرط لأحدهما ثمرة سنة غير السنة المساقي عليها؛ لأنه كله يخالف موضوع المساقاة، وكذا لو شرط لأحدهما ما على السواقي أو الجداول منفردًا أو مع نصيبه، وحيث فسدت المزارعة والمساقاة فالزرع في المزارعة لرب البذر أو الثمر إذا فسدت المساقاة لرب الشجر؛ لأنه ماله ينقلب من حال إلى حال، وينمو كالبيضة تُحْضن فتصير فرخًا، وعلى رب البذر والشجر أجرة مثل عامل؛ لأنه بذل منافعه بعوض لم يلم له فرجع إلى بدله وهو أجرة المثل، وإن كان رب البذر عاملًا فعليه أجرة مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجرة العمل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض، ومن زارع أو آجر شخصًا أرضًا وساقاه على شجر صح؛ لأنهما عقدان يجوز إفراد كل منهما فجاز الجمع بينهما كجمع بين إجارة وبيع في عقد واحد فيصح، سواء قل بياض الأرض أو كثر، فلو جعل رب الشجر للعامل جزء من مائة، جزء لنفسه والباقي للعامل جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل وجودها أو قبل بدء صلاحها؛ فإن كان