كتاب الشركة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
س31: ما هي الشركة؟ وبأي شيء ثَبتت؟ وما هي أنواعها؟ ومن الذي تجوز منه؟ وما حكم مشاركة المسلم للكافر أو من ماله حرام أو يتعامل بالمحرمات؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: الشركة -بفتح الشين مع كسر الراء وسكونها وبكسر الشين مع سكون الراء بوزن سَرِقةٍ ونِعْمَةٍ ومتمرةٍ- هي: اجتماع في استحقاق وتصرف، وهي ثابتة بالكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية، والخلطاء: الشركاء.
وأما السُّنة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه قال: «إن الله
يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يَخُنْ أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما» رواه أبو داود، وعن السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك لا تداريني
ولا تماريني» رواه أبو داود وابن ماجه، ولفظه: «كنت شريكي فنعم الشريك، لا تداريني ولا تماريني» ، وعن أبي المنهال «أن زيد بن أرقم
والبراء بن عازب كانا شريكين فاشتريا فضةً بنقد ونسيئة، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرده» رواه أحمد والبخاري، وعن أبي عبيدة عن عبد الله قال: «اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجيء أنا وعمار بشيء» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وفي «الصحيحين» وغيرهما: عن أبي موسى - رضي الله عنه -: أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الأشعريين إذا قلَّ طعامهم» ، وفي رواية: «إذا أرسلوا أو قل طعامهم جمعوا متاعهم» ، وفي رواية: «جمعوا ما عندهم ثم اقتسَمُوهُ بالسوية» ، وفي رواية: «في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم» . وللبخاري من حديث جابر: «أن الصحابة اشتركوا في أزوادهم في غزوة الساحل» ، ومن حديث سلمة:
«إنهم جمعوا أزوادهم فدعا لهم فيها بالبركة» .
وعن رويقع بن ثابت قال: «إن كان أحدنا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأخذ نِضْوَ أخيه على أن له النِصف مما يَغْنَم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح» رواه أحمد وأبو داود، وعن حكيم ابن حزام -صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالًا مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبدٍ رَطْبةٍ ولا تحمله في بحر ولا تنزل به بطن مسيل؛ فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنتَ مالي.
رواه الدارقطني.
وكان عثمان - رضي الله عنه - كثيرًا ما يعطي ماله قِراضًا لمن يعمل فيه ويشترط عليه الربح بينهما، وكان ابن عمر وغيره يقولون لمن يقارض: إذا نقص المال أو هلك تضمنه، فيقول: نعم، فيعطيه، وكان عليّ - رضي الله عنه - يقول في المضاربة أو الشريكين: لوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه، ومن قاسم الربح فلا ضمان عليه.
وأجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة وإنما اختلفوا في أنواع منها نبينّها –إن شاء الله تعالى-، وهي قسمان:
أحدهما: اجتماع في استحقاق كشركة إرث بأن ملك اثنان أو جماعة عبدًا أو دارًا أو نحوهما، ووصية كما لو ورث اثنان أو جماعة عبدًا أو نحوه موصي بنفعه أجنبي؛ فإن الورثة شركاء في رقبته فقط، وهبة عين كملك اثنين أو أكثر عبدًا أو نحوه بهبة أو مغنم، أو منفعة دون العين كما لو وصي لإثنين أو أكثر بمنفعة عبد أو نحو ذلك؛ فإن الموصي لهم شركاء في المنفعة دون الرقبة ويلحق بذلك ما إذا اشتركا في حق الرقبة كما لو قذفهما إنسان بكلمة واحدة؛ فإنَّه يُحَدُ لهما حدًا واحدًا، ويأتي –إن شاء الله تعالى-.
وفي «التيسير نظم التحرير» :
وقُسِمَتْ نوعَين نوعٌ قد جَرى
في الملكِ مُطلقًا كإرثٍ وشِرا
وما جَرَى بالعَقدِ وهو الثاني
فَشرِكةُ العِنانِ والأبدَانِ
وشركةُ الوجُوه والمفاوضَه
وما عَدا العِنانِ غَيرَ ناهِضَهْ
والقسم الثاني: اجتماع في تصرّف، وهي شركة العقود المقصودة هنا، وتكره شركة مسلم مع كافر كمجوسي؛ لأنه لا يؤمن معاملته بالربا وبيع الخمر وكل ما يحرم استعماله.
ولا تكره الشركة مع كتابيّ لا يلي التصرف، بل يليه المسلم؛ لحديث الخلال عن عطاء، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون البيع والشراء بيد المسلم، ولانتفاء المحظور
بتولي المسلم التصرف.
وقيل: تكره، وهذا القول أرجح لقول ابن عباس: أكره أن يشارك المسلم اليهودي، وعلى القول الأول: ما يشتريه كافر
من نحو خمر بمال الشركة أو المضاربة ففاسد، ويضمنّه؛ لأن العقد يقع للمسلم، ولا يثبت ملك مسلم على خمر أشبه شراؤه ميتة ومعاملته بالربا.
قلت: ومثله شراء سينما وتلفزيون وصور ومذياع ودخان وسائر المحرمات على المسلم ففاسد الشراء ويضمنه، وما خفي أمره على المسلم، فالأصل حلّه، وتكره معاملة مَن في ماله حلال وحَرام يُجْهَل، قُلتُ: ومعاملة من يتعاطى بيع المحرمات كالصور والسينمات والتلفزيونات والبكم والإسطوانات والمذياع والدُّخان، وكذا تكره إجابة دعوته وأكل هديته وصدقته ونحوها، وكذا تكره معاملة من أكثر دخله من أسهم له أو فلوس له فيما يَسْتَمِدُّ منه أهل المعاصي تنويرًا أو لتصليح آلات الملاهي وأنواع المحرمات، وكذا من أكثر دخله من حرفة التصوير أو حلق اللحى أو تصليح آلات اللَّهو أو كتب المبتدعة أو المجلات الخليعة طبعًا أو توريدًا أو تفريدًا، وكذا تكره معاملة من أكثر دخله من مشاركته في الأسمدة النجسة لحرمة بيعها وشرائها أو يتعاطى الكتب التي تحتوي على الصور أو قطع غيار لآلات الملاهي أو يتعامل بالربا أو بالغش للمسلمين، أو نحو ذلك مما هو معصية أو معين عليها.
ويأتي -إن شاء الله- في باب وليمة العرس بأتم من هذا، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام، وقلّته؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» الحديث.
32- شركة العنان
س32: ما هي شركة العنان؟ ولِمَ سمّيت بذلك؟ وما حكمها؟ وهل لها شروط؟ وبأي شيء تنعقد؟ ومثّل لما تصح به وما لا تصح به، وهل التصرف نافذ من الجميع؟ وهل لابد من خلط الأموال أو أن تكون بأيديهم؟ وتكلم
عما إذا تلف المال أو شيء منه أو شرط لبعضهم جزءًا من الربح أو ربح دراهم مُعينة أو أحد السفرتين أو ما يربح في يوم أو شهر أو سنة معينة؟ وهل المساقاة والمزارعة كشركة العنان في ذلك؟ وإذا اشترى بعض الشركاء شيئًا أو أبرأ أو أقر فما الحكم، وكيف تكون الوضعية، وإذا قال: عزلت شريكي أو فسخت الشركة، أو قال: ربُّ اليد إنما بيده له أو اختلفا في القسمة أو كانت المضاربة بنقرة أو بمغشوشة أو بفلوس، فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: هي أن يشترك اثنان فأكثر في مال يتجران فيه ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه، وسميت بذلك؛ لأن الشريكين يتساويان في المال والتصرف كالفارسين إذا استويا بين فرسيهما وتساويا في السير، وقيل: مشتقة من عَنَّ إذا ظهر، ومنه قول امرئ القيس:
فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعَاجَهُ
عَذَارٍ دوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ
وقال المتنبي:
وَزَاركَ بي دُونَ المُلوكِ تَحَرُّجِي
إذا عَنَّ بَحْرٌ لم يَجُز لي التَّيَمُّمُ
أي ظهَر، ويقال: عَنَّت لِفلان حاجةٌ إذا عرضت؛ لأن كل واحد من الشريكين قد عَنَّ أي عَرَض له مشاركةُ صاحبه، وشركة العنان مشهورة عند العرب.
قال الجعفري:
وشاركنا قريشًا في تقاها
وفي أحسابها شرك العنان
وهي جائزة إجماعًا، ذكره ابن المنذر، وإن اختلف في بعض شروطها،
وشروطها أربعة: فشركة العِنَان أن يُحْضِرُ كُل واحد من عدد اثنين فأكثر جائز التصرف فلا تعقد على ما في الذمة ولا مع صغير ولا سفيه من ماله فلا تعقد بنحو مغصوب ويحضرا نقدًا ذهبًا أو فضة مضروبًا أي مسكوكًا معلومًا قدرًا وصفةً ولو كان النقد مغشوشًا قليلًا لِعُسْر التحرز منه لا كثيرًا، أو كان النقدين من جنسين كذهب وفضة أو كان متفاوتًا بأن أحضر أحدهما مائة والآخر مائتين أو كان شائعًا بين الشركاء إن علم كل منهم قدر ماله كما لو ورّثوه لأحدهم النصف ولآخر الثلث ولآخر السدس واشتركوا فيه قبل قسمته.
ولا تَصح على عَرضٍ؛ لأن الشركة إما أن تقع على عين العرض أو قيمته أو ثمنه وعينُها لا يجوز عقدُ الشركة عليها؛ لأنها تقضي الرجوع عند فسخها برأس المال أو مثله ولا مثل لها يرجع إليه وقيمتها، ولا يجوز عقدها عليها؛ لأنها قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة وثمنها معدوم حال العقد وغير مملوك لهما، واشترط كون النقد مضروبًا دراهم أو دنانير؛ لأنها قيمة المتلفات وأثمان البياعات وغير المضروب كالعروض واشتراط إحضاره عند العقد لتقدير العمل وتحقيق الشركة كالمضارب والعلم به؛ لأنه لابد من الرجوع برأس المال ولا يمكن مع جهله.
قال في «الإنصاف» : قال ابن رزين في «شرحه» : وعنه تصح بالعروض، وهي أظهر، واختاره أبو بكر وأبو الخطاب وابن عبدوس في «تذكرته» ، وصاحب «الفائق» ، وجزم به في «المنور» ، وقدم في «المحرر» والنظم، قلت: وهو الصواب على الرواية الثانية بجعل رأس المال قيمتها وقت العقد كما قال المصنّف يرجع كل واحد منهما عند المفارقة بقيمة ماله عند العقد، كما جعلنا قميتها نصابًا، وسواء كانت مثلية أو غير مثلية.
اهـ. وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعًا وكون ربح
المال بينهما وهو حاصل في العروش كحصوله في الأثمان فتصح الشركة والمضاربة بها كالأثمان، وأيضًا الحاجة داعية إلى هذا وكما أن غير النقدين يصح أن يكون ثمنًا في البيع ونحوه وأجرة الإجارة ونحوها فيصح أن يكون رأس مال الشركة والمضاربة، وأيضًا المشاركات أوسع من المعاوضات، وقولهم: بأن النقدين قيم المتلفات وأثمان المبيعات، يقال: هذا في الغالب وإلا فقد تكون العروض قيمًا للمتلفات وأثمانًا للمبيعات.
والله أعلم.
وقال شيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي –رحمه الله-: قول الأصحاب –رحمهم الله- في شركة العنان، وكذا المضاربة إذا كانت من متعددين، ولا يشترط أن يكون المالان من جنس واحد، فيصح أن يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم، وعند التراجع كل منهما بما أخرج ويقسمان الباقي هذا بناء منهم على ثبات النقدين وبقاءهما بقاءً مستمرًا بسعر واحد لا يزيد ولا ينقص كما هو في الأوقات الماضية، إذا كانت الدراهم والدنانير قيم الأشياء ونسبة بعضها لبعض لا تزيد ولا تنقص؛ وأما في هذه الأوقات فقد تغيرت الحوال وصار النقدان بمنزلة السلع تزيد وتنقص وليس لهما قرار يربطهما فهذا لا يدخل في كلام الأصحاب قطعًا؛ وأما في هذا الوقت فيتعين إذا أخرج أحدهما ذهبًا، والآخر فضة أن يجعل رأس ماليهما متفقًا إما ذهب تقوم به الفضة أو فضة يقوم به الذهب، فهذا هو العدل وهو مقصود الشركات كلها إذا كانت مبنية على العدل واستواء الشريكين في المغنم والمغرم وتحريم ما ينافي هذا ويضاده؛ لأن تجويز كون مال أحدهما ذهبًا ومال الآخر فضة مع عدم قرارهما يقتضي أنه عند التراجع والقسمة إذا كان أحد النقدين زائدًا سعرًا أن يستوعب صاحبه الربح كله ويبقى الآخر محرومًا فكما لا يجوز لأحدهما أن يشترط له ربح أحد الزمانين أو أحد السفرتين أو ربح السلعة الفلانية، وللآخر ربح الشيء الآخر، فهذا كذلك،
بل أولى للغرر والخطر؛ لأنه قمار ظاهر وهو مقصود الأصحاب، ولا ريب؛ لأن تعليلاتهم تدل عليه انتهى، ويعملان في المال ببدنيهما وربحه كُلٌ له مِنهُ بنسبةِ مَالِهِ بأن شَرطُوا لرب النصفِ نصف الربح ولرب الثلث ثلث الربح ولرب السدس سُدس الربح مثلًا أو على أن لكل منهم جزء مشاعًا معلومًا ولو أكثر من نسبة ماله كأن جعل لرب السدس نصف الربح لقوة حذقه أو يقال على أن الربح بيننا فيستوون فيه لإضافته إليهم إضافة واحدة بلا ترجيح أو ليعمل فيه البعض من أرباب الأموال على أن يكون للعامل منهم أكثر من ربح ماله كأن تعاقدوا على أن يعمل رب السدس، وله الثلث من الربح أو النصف ونحوه وتكون الشركة إذا تعاقدوا على أن يعمل بعضُهم كذلك عنانًا من حيث إحضار كل منهم لماله ومضاربة؛ لأن ما يأخذه العامل زائدًا عن ربح ماله في نظير عمله في ماله غيره، ولا تصح إن أحضر كل منهم مالًا على أن يعمل فيه بعضهم، وله في الربح بقدر ماله؛ لأنه إبضاع لا شركة وهو دفع المال لمن يعمل فيه بلا عوض، ولا تصح إن عقدوها على أن يعمل أحدهم بدون ربح ماله؛ لأن من لم يعمل لا يستحق ربح مال غيره ولا بعضه، وفيه مخالفة لموضوع الشركة وكونها لا تصح في الصورتين لفوات شرطها إذن وهو شرط جزء زائد على ربح مال العامل؛ لكن التصرّف صحيح لعموم الإذن، ولكل ربح ماله ولا أجرة لعامل لتبرُّعه بعمله وتنعقد الشركة بمَا يَدل على الرضى من قول أو فعل يدل على إذن كل منهما للآخر في التصرف وائتمانه، ويغني لفظ الشركة عن إذن صريح في التصرف لدلالته عليه وينفذ التصرّف في المال جميعه من كل الشركاء بحكم الملك في نصيبه وبالوكالة في نصيب شريكه؛ لأنها مبنية على الوكالة والأمانة، ولا يشترط للشركة خلط أموالها ولا أن تكون بأيدي الشركاء؛ لأنها عقد على التصرف كالوكالة، ولذلك صحت
على جنسين، ولأن مورد العقد العمل وبإعلام الربح يُعلم العمل والربح نتيجة العمل؛ لأنه سببه والمال تبع للعمل، فلا يشترط خلطه وما تلف من أموال الشركاء قبل خلط فهو من ضمان جميع الشركاء، كما لو زاد؛ لأن من مُوْجَبِ الشركة تعلق الضمان والزيادة، بالشركاء خُلطَ المال أو لم يخلط لصحة قسم المال بمجرد لفظ كخرص ثمر على شجر مشترك فكذلك الشركة، احتج به أحمد، وقيل: إذا تلف قبل الاختلاط فهو من ضمان صاحبه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
وقال أبو حنيفة: متى تلف أحد المالين فهو من ضمان صَاحبه.
والله أعلم.
ولا تصح الشركة إن لم يذكر الربح في العقد كالمضاربة؛ لأنه المقصود منها فلا يجوز الإخلال به، ولا يصح أن يشترط لبعض الشركاء جزء من الربح مجهول كحِصَّةٍ أو نصيبٍ أو مثل ما شرط لفلان مع جهله أو ثلثا الربح إلا عشرة دراهم؛ لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب؛ ولأن الربح هو المقصود فلا تصح مع جهله كثمن وأجرة، ولا يصح أن يشترط لبعضهم فيها دراهم معلومة كمائة؛ لأن المال قد لا يربح غيرها فيأخذ جميع الربح فيختص به من سّمي له وهو مناف لموضوع الشركة وقد لا يربح فيأخذا جزء من المال، وقد يربح كثيرًا فيتضرر مَن شرطت له، ولا تصح إن شرط لبعضهم فيها ربح عين معينة كربح ثوب بعينه، أو ربح عين مجهولة كربح ثوب أو أحد هذين الثوبين أو شرط لأحدهم فيها ربح أحد السفرتين أو ما يربح المال في يوم أو شهرٍ أو سنة مُعَينةٍ؛ لأنه قد يربح في ذلك دون غيره فيختص به من شرط له وهو مناف لموضوع الشركة، وكذا مساقاة ومزارعة فلا يصحان إن شرط
لعامل جزء مجهول أو آصعٌ معلومة أو ثمرة شجرة معينة أو مجهولة
أو زرع ناحية بعينها ونحوه، وما يشتريه البعض من الشركاء بعد عقد الشركة فهو للجميع؛ لأن كلًا منهم وكيلُ الباقين وأمينُهم
إلا أن ينوي الشراء لنفسه فيختص به وما أبرأه البعضً من مالها فمن نصيبه، وما أقر به البعض قبل فسخ الشركة من دين أو عين للشركة فهو من نصيبه فيكون ذلك في قدر ما يخصه من المبري منه أو المقر كنصفه، وثلثه مثلًا؛ لأن شركاءه أذنوا له بالتجارة، وليس الإقرار داخلًا فيها وإن أقر البعض بمتعلق بالشركة كأجرة دلّال وحمّال وأجرة مخزن كحافظ فهو من مال الجميع؛ لأنه من توابع التجارة والوضيعة وهي الخسران في مال الشركة بقدر مال كل من الشركاء سواء كان التلف أو نقصان ثمن أو غيره؛ لأنها تابعة للمال، ومَن قال من شريكين عزلتُ شريكي صَحَّ تصرفُ المعزولُ في قدر نصيبه من المال فقط، وصح تصرفُ العازل في جميع المال لعدم رجوع المعزول عن إذنه، ولو قال أحدهما: فسختُ الشركة انعزلا فلا يتصرف كل منهما إلا في قدر نصيبه من المال؛ أن فسخ الشركة يقتضي عزل نفسه من التصرف في مال صاحبه وعزل صاحبه من التصرف في مال نفسه، وسواء كان المال نقدًا أو عرضًا؛ لأن الشركة وكالة والربح يدخل ضمنًا وحق المضارب أصلي ويُقبل قولُ رب اليد، وهو واضع يده على شيء إنما بيده له لظاهر اليد ويُقبل قولُ منكرٍ للقسمة إذا ادَّعاها الآخر؛ لأن الأصل عدمُها ولا تصح شركة عنان ولا مضاربة بنُقرةٍ وهي الفضة التي لم تضرب؛ لأنها كالعروض، ولا تصح بمغشوشة غشًا كثيرًا ولا فلوسٍ ولو كانت المغشوشةُ والفلوسُ نافقتين؛ لأنها كالعروض بل الفلوس عروض.
33- لكل من الشركاء أن يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي ويرد بعيب إلخ
س33: تكلم بوضوح حول ما لكل من الشركاء عمله وما يلحقه من ضمان، وما لا يجوز له فعله نحو الشركة واذكر المحترزات والتفاصيل، واذكر الأدلة والتعليلات والخلاف والترجيح.
ج: لكل من الشركاء أن يبيع من مال الشركة ويشتري به مساومة ومرابحة ومواضعة وتولية وكَيْفَ ما رأى المصلحة؛ أنه عادة الشركاء وله أن يأخذ ثمنًا ومثمنًا ويعطي ثمنًا ومثمنًا، ويطالب بالدين ويخاصم فيه؛ لأن من ملك قبض شيء ملك الطلب به والمخاصمة فيه بدليل ما لو وكله في قبض دينه، ويُحيل ويحتال؛ لأن الحوالة عقدُ معاوضةٍ وهو يملكها ويردَّ بعيب للحظ فيما ولي هو أو شريكه شراءه، ولو رضي شريكه كما لو رضي بإهمال المال بلا عمل فلشريكه إجباره عليه، لأجل الربح ما لم يفسخ الشركة بخلاف أحد اثنين اشتريا معيبًا فرضي أحدهما بعيبه؛ فإن الآخر إنما يرد في نصيبه، والفرق أن كلا من الشريكين هنا محجور عليه لحظ شريكه؛ ولأن القصد هنا حصول الربح، ولكل من الشركاء أن يقر بالعيب فيما بيع من مالها؛ لأنه من متعلقاتها وله إعطاء أرشه وأن يحطَّ من ثمنه أو يؤخره للعيب، وأن يُقايل فيما باعه أو اشتراه؛ لأنه قد يكون فيها حظ وأن يؤجر ويستأجر مِن مالها لجريان المنافع مَجْرى الأعيان، وله أن يقبض أجرة المؤجرة، ويعطي أجرة المستأجرة، وأن يبيع نساء لمن يعرف ويتمكن من أخذ الثمن منه عند حلوله وأن يشتري معيبًا؛ لأن المقصود هنا الربح وله شائبة ملك فغلبت حتى صار كأنه متصرف لنفسه بخلاف الوكيل فهو نائب محض عن غيره فتوقف على إذن صريح في ذلك، وله أن يفعل كل ما فيه حظ للشركة
كحبس غريم، ولو أبى الشريك الآخر حبسه وله أن يودع مال الشركة لحاجة إلى الإيداع؛ لأنه عادة التجار، وله أن يرهن ويرتهن عند الحاجة؛ لأن الرهن يُراد للإيفاء، والارتهان يُراد للاستيفاء، وهو يملكهما فكذا ما يُراد لهما وله أن يسافر بالمال مع أمن الطريق والبلد فحيث كان الغالب السلامة فلا ضمان وحيث كان الغالب العطب، أو استواء الأمرين ضمن، ومثله ولي يتيم ومضارب فلهما أن يُسافرا بالمال مع الأمن لانصراف الإذن المُطلق إلى ما جرت به العادة وعادة التجار جارية بالتجارة سفرًا وحضرًا وإن لم يكن أمنًا لم يجز وضمن لتعديه، ومتى لم يعلم شريك سافر بالمال خوفَه لم يضمن أو لم يعلم ولي يتيم سافر بماله إلى محل مخُوفٍ خوفه أو باع شريك أو وليُ يتيم لمفلَّسٍ ولم يَعْلَمَا فَلَسَ مشتر ففات الثمن، لم يضمن أحدهما ما فات بسببه لعسر التحرز عنه ولغالب السلامة بخلاف شراء الشريك أو ولي اليتيم خمرًا للشركة أو لليتيم جاهلًا به فيضمن نصًا؛ لأنه لا يخفى غالبًا، وإن علم شريك أو ولي يتيم عقوبة سلطان ببلد بأخذ مالٍ فسافر فأخذ السلطان مال الشركة أو اليتيم ضَمن المسافر ما أخذ منه لتعريضه للآخذ.
فلو لم يعلم إلا بعد سفره ولم يتمكن من الخروج من البلد الخوف فلا ضمان عليه، ولا يجوزو للشريك أن يكاتب قنا من الشركة؛ لأنه لم يأذن فيه شركيه والشركة تنعقد على التجارة، وليست منها ولا أن يزوجه لما ذكر؛ ولأن التزويج للعبد ضرر محض ولا أن يعتقه ولو لمال إلا بإذن؛ لأنه ليس من التجارة المقصودة بالشركة ولا أن يهب من مال الشركة إلا بإذن ولا أن يقرض أو يحابي في بيع أو شراء فيبيع بأنقص من ثمن المثل أو يشتري بأكثر منه؛ لأن الشركة انعقدت على التجارة بالمال وهذه ليست منها، ولا أن يضارب بالمال؛ لأن ذلك يُثبت بالمال حقوقًا ويستحق ربحه لغيره
ولا أن يشارك في مال الشركة ولا أن يخلط مال الشركة بماله ولا مال غيره؛ لأنه يتضمن إيجاب حقوق في المال، وليس هو من التجارة المأذون فيها، ولا أن يأخذ بمال الشركة سفتجه -بفتح السين وضمها وفتح التاء- فارسي معرب، والجمع: سفاتج، ويسميه التجار بولصة، وكلاهما ليس بعربي، وهي بأن يدفع الشريك من مال الشركة لإنسن على سبيل القرض مالًا، ويأخذ من المدفوع إليه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر ليستوفي منه ما أخذه منه موكله، أو يعطي السفتجة بأن يشتري الشريك عرضًا للشركة ويعطي بثمنه كتابًا إلى وكيل المشتري ببلد آخر ليستوفي البائع منه الثمن؛ لأن فيه خطرًا لم يؤذن فيه، وقيل: يجوزو أخذها.
قال في «الفروع» : وإلا صح ويجوز أخذ سفتجةٍ، قال في «الإنصاف» : قلت: وهو الصواب لأنه لا ضرر فيها إذا كان لمصلحة، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وكذا إعطاء السفتجة إذا كان لمصلحة ولا ضرر فيها فيما أرى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال في «الاختيارات الفقهية» : ولو كتب ربّ المال للجابي أو للسمسار ورقة ليسلمها إلى الصيرفي المتسلم ماله، وأمره أن لا يسلمه حتى يقبض منه فخالف ضمن لتفريطه ويُصدق الصيرفي مع يمنيه، والورقة شاهدة له؛ لأنه العادة.
اهـ. ولا للشريك أن يبضع من الشركة، والإبضاع: أن يدفع من مال الشركة إلى من يتجر فيه متبرعًا ويكون الربح كله للدافع وشريكه، وليس له أني ستدين على مال الشركة؛ لأنه يدخل فيها أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه فلم يجز، كما لو ضم إليها شيئًا من ماله والاستدانة بأن يشتري بأكثر من رأس المال أو يشتري بثمن ليس معه من جنسه؛ لأنه يدخل فيها أكثر مما رضي الشريك بالشركة فيه كما تقدم، إلا في النقدين بأن يشتري بفضة ومعه ذهب أوب ذهب ومعه فضة؛ لانه عادة التجار ولا يمكن الفرار
منه إلا أن يأذن الشريكُ في كل ما تقدم من المسائل؛ فإن أذن في شيء منها جاز، ولو قال الشريك لشريكه: اعمل برأيك ورأى مصلحةً جاز له أن يعمل كل ما يقع في التجارة من الإبضاع والمضاربة بالمال والمشاركة بالمال والمزارعة ونحوها لدلالة الإذن عليه بخلاف التبرع والقرض والعتق ونحوها للقرينة.
34- مسائل تتعلق باستدانة الشريك وما يتولاها كل من الشركاء وبيان أقسام الشركة
س34: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: ما استدان شريك بدون إذن شريكه، إذا أخر أحدهما حقه من دَين، تقاسم الدين في الذمم الذي على كل من الشركاء توليه، إذا فعل ما عليه توليه بنائب بأجرة، ما جرت العادة أن يستنيب فيه، بذل خفارة وعشر على المال، الاشتراط في الشركة نوعان فما هي الأمثلة الموضحة لذلك؟ وإذا كان لأحدهما ضابط فاذكره، وإذا فسدت شركة العنان فما صفة تقسيم الربح؟ وما صفة توزيع الوضيعة؟ وماذا يلزم من تعدَّي من الشركاء؟ وهل يفرق بين العقد الفاسد والصحيح في الضمان وعدمه؟ وما الذي تبطل به الشركة، وإذا مات أحد الشريكين وله وارث أو مُولى عليه أو كان الميت قد وصى بمال الشركة أو بعضه، فما الحكم؟ وما الفرق بين الباطل والفاسد في الفقه؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: ما استدان شريك بدون إذن شريكه باقتراض أو شراء أو بضاعة ضمها إلى مال الشركة أو بثمن نسيئة ليس عنده من جنسه غير النقدين فعلى المُستدين وحده المطالبة بما استدانه وربحه له؛ لأنه لم يقع للشركة،
وإن أخرَّ أحدُهما حقه من الدين الحال جاز لصحة انفراده بإسقاط حقه من الطلب به كالإبراء بخلاف حق الشريك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ ولكن القول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
وللذي أخر حقه من الدين مشاركة شريكه الذي لم يؤخر لاشتراكه بينهما، وإن تقاسما دينًا في ذمة شخص أو أكثر، لم يصح؛ لأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل والقسمة تقتضيهما؛ لأنها بغير تعديل البيع وبيع الدين غير جائز؛ فإن تقاسما ثم هلك بعض الدين فالباقي بينهما والهالك عليهما، وقيل: يصح صححه في النظم، واختاره الشيخ تقي الدين، وقدمه في «الرعايتين» ، وبه قال الحسن وإسحاق؛ لأن الاختلاف لا يمنع القسمة كاختلاف الأعيان فعليها لا رجوع إذا أبرأ كل منهما صاحبه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
ومحل الخلاف إذا كان في ذمتين فأكثر؛ وأما إن كان في ذمة واحدة فلا يصح قولًا واحدًا قاله في «المغني» و «الشرح» . وقال الشيخ تقي الدين –رحمه الله-: يجوز أيضًا، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
وعلى كل من الشركاء تولي ما جرت عادة بتوليته من نشر ثوب وطيه وختم وإحراز لمالها وقبض نقده لحمل إطلاق الإذن على العرف، ومقتضاه تولي مثل هذه الأمور بنفسه؛ فإن فعل ما عليه توليه بنائب بأجرة فهي عليه؛ لأنه بذلها عوضًا عما عليه، وما جرت عادة بأن يستنيب فيه، كالنداء على المتاع فله أن يستأجر من مال الشركة إنسانًا حتى شريكه لفعله إذا كان فعله مما لا يستحق أجرته إلا بعمل كنقل طعام ونحوه، ككيله وكاستئجار غرائر شريكه لنقله فيها أو داره ليحرز فيها، وليس للشريك فعل ما جرت العادة بعدم توليه بنفسه ليأخذ أجرته بلا استئجار صاحبه له؛ لأنه قد تبرع بما لا يلزم فلم يستحق شيئًا كالمرأة التي تستحق الاستخدام إذا خدمت المرأة نفسها، ويحرم على شريك في زرع فرك شيء من سنبله
يأكله بلا إذن شريكه.
قال في «الفروع» : ويتوجه عكسه.
اهـ. لأن ذلك شيء قليل معلوم فيه رضي الشريك غالبًا، وهذا هو القول الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
وللشريك بذل خفارة وعشر على المال فيحْتَسِبُهُ الشريك أو العامل على رب المال كنفقة العبد المشترك، وكذا ما يبذل لمحارب ونحوه، ولو من مال يتيم ولا ينفق أحدهما أكثر من الآخر بدون إذنه، والأحوط أن يتفقان على شيء من النفقة لكل منهما.
قال الإمام أحمد: ما أنفق على المال المشترك، فعلى المال بالحصص كنفقة العبد المشترك.
فائدة: إذا كان بينهما دَين مشترك بإرث أو إتلاف.
قال الشيخ تقي الدين –رحمه الله-: أو ضريبة سبب استحقاقها واحد فللشريك الأخذ من الغريم، ومن القابض على الصحيح من المذهب؛ لأنهما سواء في الملك وعنه يختص به، وقاله جماعة منهم أبو العالية وابن سيرين، كما لو تلف المقبوض في يد قابضه تعين حقه فيه، ولم يرجع على الغريم، لعدم تعديه؛ لأنه قدر حقه مع أن الأصحاب ذكروا لو أخرجه القابض برهن أو قضاء دين فله أخذه من يده كمقبوض بعقد فاسد.
قال في «الفروع» : فيتوجه منه تعديه في التي قبلها ويضمنه وهو وجه.
واختاره الشيخ تقي الدين، ويتوجه من عدم تعديه صحة تصرفه في التفرقة نظر ظاهر.
انتهى.
والإشتراك في الشركة نوعان: نوع صحيح: كأن يشترط أحدهما على الآخر أن لا يتجر إلا في نوع كذا كالحرير والبز وثياب الكتاب ونحوها، سواء كان مما يعم وجوده في ذلك البلد أو لا، أو يشترط أن لا يتجر إلا في بلد بعينه كمكة ودمشق، أو أن لا يبيع إلا بنقد كذا كدراهم أو دنانير صفتها كذا، أو أن لا يشتري ولا يبيع إلا من فلان أو أن لا يسافر بالمال؛ لأن الشركة تصرف بإذن فصح تخصيصُهَا بالنوع والبلد والنقد والشخص
كالوكالة، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي إذا شرط أن لا يشتري إلا من رجل بعينه أو سلعةٍ بعينها، أو ما لا يعم وجُوده كالياقوت الأحمر والخيل البلق، لم يصح؛ لأنه يفوت مقصود الشركة والمضاربة وهو التقلب وطلب الربح، فلم يصح، كما لو شرط أن لا يبيع ولا يشتري إلا من فلان، أو أن لا يبيع إلا بمثل ما اشترى به، والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس يؤيده حديث: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالًا، أو أحل حرامًا» رواه الترمذي وصححه.
والله أعلم.
والنوع الثاني فاسد، وهو قسمان: قسم مفسد للشركة: وهو ما يعود بجهالة الربح كشرط دراهم لزيد الأجنبي والباقي من الربح لهما أو اشتراط ربح ما يشتري من رقيق لأحدهما، وما يشتري من ثياب للآخر أو لأحدهما ربح، هذا الكيس وللآخر ربح الكيس الآخر فتفسد الشركة والمضاربة بذلك لإفضائه إلى جهل حق كل منهما من الربح أو إلى فواته؛ ولأن الجهالة تمنع من التسليم فتقضي إلى التنازع.
وقسم فاسد غير مفسد للشركة: كاشتراط أحدهما على الآخر ضمان المال إن تلف بلا تعد ولا تفريط أو أن عليه من الخسارة أكثر من قدر ماله أو أن يعطيه برأس ماله أو ما يختار من السلع التي يشتريها أأن يرتفق بها كلبس ثوب أو استخدام عبد أو ركوب دابة أو يشترط ربّ المال على المال في المضاربة أن يضارب في مال آخر أو يأخذ بضاعة أو قرضًا أو أن يخدمه في كذا، أو أبدًا أو أن لا يبيع إلا برأس المال أو أقل أو أن لا يبيع إلا ممن اشترى منه أو يشترط على المضارب خدمة شهر أو سنة ونحوه، فهذه الشروط كلها فاسدة لتفويتها المقصود من عقد الشركة أو منع الفسخ الجائز بحكم الأصل والشركة والمضاربة صيحة كالشروط الفاسدة في البيع والنكاح ونحوهما.
وإذا فسدت الشركة بجهالة الربح أو غيرها قسم ربح شركة عنان وربح شركة وجوه على قدر المالين؛ لأنه نماؤها كما لو كان العمل من غير الشريكين وقسمٌ أجرٌ ما تقبَّله الشريكان من عَمَلٍ في شركة أبدانٍ عليهما بالسَّوية؛ لأنه استحق بالعمل وهو منهما، وقُسمت وضيعة على قدْر مالِ كل من الشركاء ورجع كل من الشريكين في شركة عنان وشركة وجوه وشركة أبدان بأجرة نصف عمله، لعمله في نصيب شريكه بعقد يبتغي به الفضل في ثاني الحال، فوجب أن يقابل العمل فيه عوضًا كالمضاربة، فإذا كان عمل أحدهما مثلًا يساوي عشرة دراهم والآخر خمسة تقاصا بدرهمين ونصف، ورجع ذو العشرة بدرهمين ونصف، ويرجع كل من ثلاثة شركاء على شريكيه بأجرة ثلثي عمله، وعنه إن فسدت بغير جهالة، وقيل: إن فسد بغير جهالة الربح وجب المسمى.
وذكره الشيخ تقي الدين –رحمه الله تعالى- ظاهر المذهب، وأوجب الشيخ تقي الدين في الفاسد نصيب لمثل فيجب من الربح جزء جرت العادة في مثله، وأنه قياس مذهب أحمد؛ لأنها عنده مشاركة لا من باب الإجارة.
اهـ.
ومن تعدى من الشركاء مخالفة أو إتلاف صار ضامنًا لما بيده من المال صحت الشركة أو فسدت لتصرفه في ملك غيره بما لم يأذن فيه كالغاصب وَربْحُ مال تُعُدِّي فيه لربه؛ لأنه نماء مال تصرف فيه غير مالكه بغير إذنه فكان لمالكه كما لو غصب حنطة وزرعها.
والخلاصة: أنه إذا تعدى العامل ما أمر به رب المال بأن فعل ما ليس له فعله، واشترى شيئًا نهى عنه ثم ظهر ربح، ففيه ثلاث روايات: إحداها: له أجرة مثله؛ لأنه عمل ما يستحق به العوض ولم يسلم له المسمى، فكان له أجرة مثله كالمضاربة الفاسدة، والثانية: لا شيء له والربح كله للمالك؛ لأنه عقدَ عقدًا لم يؤذن له فيه، فلم يكن له شيء كالغاصب وهذه هي المذهب
وعنه يتصدقان بالربح؛ لأنه ربح ما لم يضمن، وهو منهى عنه فيتصدق به.
قال ناظم المفردات:
وإن تعدى عام لما أمِرَا ... به الشريك ثم ربح ظهرا فأجرة المثل له وعنه لا ... والربح للمالك نصًا نقلًا وعنه بل صدقة ذا يحسن ... لأن ذاك ربح ما لا يضمن
وعقد فاسد في كل أمانة وتبرع كمضاربة وشركة ووكالة ووديعة ورهن وهبة وصدقة وهدية ووقف ونحوها، كعقد صحيح في ضمان وعدمه، فلا يضمن منهما ما لا يضمن في العقد الصحيح لدخولهما على ذلك بحكم العقد، وإنما ضمن قابض الزكاة إذا كان غير أهل لقبضها ما قبضه؛ لأنه لم يملكه به وهو مفرط بقبض ما لا يجوز له قبضه فهو من القبض الباطل لا الفاسد، وكل عقد لازم أو جائز يجب الضمان في صحيحه يجب في فاسده كبيع وإجارة ونكاح ونحوهما كقرض.
قال في «شرح المنتهى» : والحاصل أن الصحيح من العقود إن أوجب الضمان ففاسده كذلك، وإن كان لا يوجبه فكذلك فاسده، وليس المراد أن كل حال ضمن فيها في الصحيح ضمن فيها في الفاسد؛ فإن البيع الصحيح لا تضمن فيه المنفعة، بل العين بالثمن والمقبوض ببيع فاسد يجب ضمان الأجرة فيه، والإجارة الصحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم العين المعقود عليها انتفع المستأجر أو لم ينتفع، وفي الإجارة الفاسدة روايتان، والنكاح الصحيح يستقر فيه المهر بالخلوة دون الفاسد.
قال الشيخ تقي الدين: الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه، قيل للمالك، وقيل للعامل، وقيل يتصدقان به، وقيل بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة، قال: وهو أصحها إلا أن يتجر به على غير وجه العدوان، مثل أن يعتقد أنه مال نفسه فيبين مال غيره، فهنا
يقتسمان الربح بلا ريب إنصاف؛ وأما الفرق بين الباطل والفاسد، فقال في «شرح مختصر التحرير» لصاحب «المنتهى» : وفرق أصحابنا وأصحاب الشافعي بين الباطل والفاسد في الفقه في مسائل كثيرة، قال في «شرح التحرير» : قلت: غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد إذا كانت مختلفًا فيها بين العلماء والتي حكموا عليها بالبطلان.
إذا كانت مجمعًا عليها إذ الخلاف فيها شاذ ثم وجدت بعض أصحابنا، قال: الفاسد من النكاح ما يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل ما كان مجمعًا على بطلانه.
انتهى.
وقال في «الغاية» : ويتجه المراد بالفاسد ما اختل شرطه، والباطل ما اختل ركنه، والصحيح ما توافر فيه فالعقد مع نحو صغير باطل فيضمن آخذ منه.
انتهى.
وتبطل الشركة بموت أحد الشريكين وبجنونه المطبق وبالحجر عليه لفلس أو سفه أو فيما حجر عليه فيه وبالفسخ من أحدهما وسائر ما يبطل الوكالة؛ فإن عزل أحدهما صاحبه انعزل المعزول ولو لم يعلم كالوكيل ولم يكن له أن يتصرف إلا في قدر نصيبه من المال؛ فإن تصرف في أكثر ضمن الزائد وللعازل التصرف في جميع مال الشركة؛ لأنها باقية في حقه؛ لأن شريكه لم يعزله بخلاف ما إذا فسخ أحدهما الشركة فلا يتصرف كل إلا في قدر ماله هذا إذا نض المال بأن صار مثل حاله وقت العقد عليه دنانير أو دراهم، وإن كان المال عرضًا لم ينعزل أحدهما بعزل شريكه له، وله التصرف بغير ما ينض به المال؛ أنه معزول ولا حاجة تدعو إلى ذلك بخلاف التنضيض، قال في «شرح الإقناع» : وظاهر كلام أحمد والمذهب أنه ينعزل مطلقًا وإن كان عوضًا ورد قياسه على المضارب بأن الشركة وكالة، والربح يدخل ضمنًا، وحق المضارب أصلي.
اهـ.
وإذا مات أحد الشريكين وله وارث رشيد، فللوارث أن يقيم على الشركة ويأذن له الشريك في التصرف، ويأذن هو لشريكه فيه، وبقاؤه على الشركة إتمام الشركة وليس بابتدائها، فلا تعتبر شروط الشركة من حضور المال وكونه نقدًا مضروبًا وبيان الربح ونحوها مما تقدم، وللوارث مطالبة الشريك بالقسمة لمال الشركة؛ فإن كان الوارث مولى عليه لكونه محجورًا عليه قام وليه مقامه في إبقاء الشركة والمقاسمة، ولا يفعل المولي إلا ما فيه مصلحة للمولى عليه كسائر التصرفات؛ فإن كان الميت قد وصى بمال الشركة أو ببعضه لمعين، فالموصى له إذا قبل كالوارث فيما ذكر لانتقال الملك إليه، وإن كان لغير معين كالفقراء لم يجز للوصي الإذن في التصرف، ووجب دفع المال الموصى به إلى الموصي لهم ويعزل الوصي نصيب الميت ويفرقه على الموصي لهم عملًا بالوصية؛ فإن كان على الميت تعلق الدين بتركته فليس للوارث إمضاء الشركة حتى يقضي دينه؛ فإن قضاه الوارث من غير مال الشركة فله إتمام الشركة، وإن قضه منه بطلت الشركة في قدر ما مضى.
من النظم فيما يتعلق بالشركة
ومَن صَحَّ منه البيعُ صَحَّ اشتراكه
وبالإذن من والٍ له الإذن فاعقد
من شرطها تعيين ما أشركا به
وإحضاره كيما يسوغ لمقصد
وأربعة أنواع جائز شركة
عنان بأبدان ومالٍ منقد
ولو باختلاف القدر والجنس وأكره
اشترك كفور أو فجور ومهتد
وأن يتفرد بالتصرف مُتَّق
فليس بمكروه بغير تردد
وصحح بعرض الاشتراك وعنه
وفي الغش مع جار الفلوس تردد
وبينهم ما يشتري كل واحد
كذاك من العرض المشارك فامهد
وكل له في العرض قيمة عرضه
وكالنافق المغشوش والأفلس اعدد
ومن قال هذا لي شريت وذا لنا
ولم يشر من مال اشتراه يقلد
ومن بعد عقد ذا نوى فهو بينهم
ولو قيل خلط المال غير مقيد
ولكن بقدر المال قدر وضيعة
وقسمتهم ربحًا على شرط ابتدي
إن شرطوا أن يعمل الكل واحد
ويأخذ أو في من نما ماله طد
ويملك كل الفعل كل وسيلة
إلى الربح مع فعل التجار المعودِ
وقول الشريك اعمل برأيك فليبح
له كل فعل للتجار ممهد
سوى قرض شيء أو حطيطته أو التبرع
أو عتق الرقيق المعبد
ولو مع شرط المال في عتقه أو
تزوج رقيقًا أو مكاتبه تعتد
ولا يَأْخذن بالمال سفتجة ولا
يبايع ويعطيها للإيفاء يصدد
وفي مشتر شيئًا بما ليس جنسه
لديه سوى النقدين وجهين أسند
والإيضاع في الأولى وإيداعه أجز
وفي سفر بالمال مع ظن أجود
وبيع النَّسَا والارتهان كذا والإقالة
في الأقوى لا الإذن جود
ولا تخلطن مال اشتراك بغيره
وإما يشارك أو يضارب اردد
وقيل إن يضارب كلما شرطوا له
وأدنى يجز مثل الوكيل بما ابتدي
وأن يستدن من غير إذن عليهما
يخص به غنمًا وغُرمًا بأوطد
كذاك شرًا ما لم تجوزه مطلقًا
له اجعله والأثمان من ماله قد
ومن ثمن إن يبرأ أو ينسه امرؤُ
أو إن خيار جاز في حقه قد
وإقراره جوز في الأولى عليهما
وقسمتهم دينًا يجوز بأوكدِ
وكل وكيل فالذي فوق حقه
بعزل وفسخ العقد كل ليصدد
ويلزم كل الفعل كل معود
فإن يكتري فالأجر من ماله قد
وما لم يكن من عادة المن فعله
فمن ماله أجر المباشر أورد
فإن باشر الفعل الشريك بنفسه
ليأخذَ أجرًا لم يجز في المسندِ
وما منع أو جوزت أو ألزموه للشريك
به احكم في المضارب ترشد
فصل في الشروط الفاسدة
ومع جهل رأس المال أوْ لِتَعيُّبٍ
فليس صَحِيحًِا ذا بغير تردد
ولابد من تعيين ربح لكلهم
فإن أهملوه حالة العقد يفسدِ
كذا شرط مجهول لهم أو لغيرهم
وشرط نما عرض ونقد مقيدِ
وأما يقولا بيننا الربع سَوِّيا
ومن ضاربْ أو سَاقيْ كذا زارعْ اعْدُدِ
في الشروط الفاسدة التي لا تعود بجهالة الربح
وشرط لزوم العقد يا صاح مطلقًا
وحملك نقصًا فوق مالك أفسدِ
وشرط ضمان المال أو أن يخصه
بما شاء أو نفع به كُلًا اردد
وشرط اشتراط القوم في كل ثابت
لهم وعليهم كل ذا الغ تهتد
كذا كل شرط فاسد غير عائد
بإبهام ربح الغ والعقد وطد
وينقل عنه كالعيوب فساده
فيعطي لرب المال ربح المعددِ
وللعامل ابذل مطلقًا أجر مثله
وربح عنان والوجوه لينقد
على حَسَبِ الملكيْن أولى وعنه بل
كما شرطا إذ قد ترضوا بما ابتدى
وكل له أجر على قدر فعله
في الأولى وعنه امْنَعْهُ إذ لم يقصد
وقال أبو يعلى كذا في فساده
بإبهام ربح والمسمى ليورد
بإفساده مع غير مجهول ربحهم
وفي الفاسدات احكم كغير المفسدِ
وفي شركة الأبدان تَفْسُد اقسم المحصل
بين الجمع غير مزيد
وتعيين نوع أو مكان ومشتر
ونقد اجز شرطًا فمن يَعصِ يردد
فإن أطلقوا فأطلق له فعل ما يرى
أحظا وإسفارًا سليم التعودِ
35- المضاربة وما يتعلق بها س35: ما هي المضاربة؟ وضحها وما يتعلق بها من أمثلة ومحترزات وأسمائها في تنقلاتها، وهل يعتبر لها قبض أو قول؟ وهل تصح من المريض وإذا سمى للعامل أكثر من أجر مثله وفيه غرماء، فما الحكم؟ وما صفة الإبضاع؟ وإذا قال: اتجر به وربحه لك أو ربحه بيننا، أو قال: خذه مضاربة ولك ربحه أو ولي ربحه، فما الحكم؟ وإذا قال: وليس ثلث الربح أو لك ثلث الربح؟ وضح حكم ذلك مع ذكر ما يدور حول ذلك من أمثلة وأدلة وتعليلات وخلاف وترجيح.
ج: الثاني المضاربة من الضرب في الأرض بطلب الرزق.
قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ قال الأزهري: وعلى قياس هذا المعنى، يقال للعامل ضارب؛ لأنه هو الذي يضرب في الأرض، قال: وجائز أن يكون كل واحد من رب المال، ومن العامل يسمى مضاربًا؛ لأن كل واحد منهما يضارب صاحبه، وكذلك المقارض.
اهـ. ومن ضرب كل منهما بسهم في الربح، وهذه تسمية أهل العراق وأهل الحجاز يسمونها قراضًا من قرض الفأر الثوب، أي قطعه، كأن رب المال اقتطع للعامل قطعة من ماله وسلمها له واقتطع له قطعة من ربحها أو من المقارضة بمعنى الموازنة ويُقال: تقارض الشاعران إذا توازنا، وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها، وحكي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام، ولم يعرف لهم مخالف ولحاجة الناس إليها.
وهي شرعًا: دفع مال، وما في معنى الدفع كوديعة وعارية وغصب، إذا قال ربها لمن هي بيده ضارب بها على كذا مُعيّن، فلا يصح ضارب بإحدى هذين الكيسين تساوي ما فيهما أو اختلف علمًا ما فيهما أو جهلاه؛ لأنها عقد تمنع صحته الجهالة، فلم تجز على غير معين كالبيع معلم قدره، فلا تصح بصبرة دراهم أو دنانير إذ لابد من الرجوع إلى رأس المال عند الفسخ ليعلم الربح ولا يمكن مع الجهل، لمَنْ يتجر فيه بجزء معلوم من ربحه كنصفه أو عشرة للمتجر فيه أو لقنّه؛ لأن المشروط لرقيقه لسيده فلو جعلاه بينهما أو بين عبد أحدهما أثلاثًا كان لصاحب العبد الثلثان، وللآخر الثلث وإن كان العبد مشتركًا بينهما نصفين فكما لو لم يذكر العبد والربح بينهما نصفين أو شرط الجزء للعامل ولأجنبي مع عمل من الأجنبي بأن يقول: اعمل في هذا المال بثلث الربح لك، ولزيد على أن يعمل معك؛ لأنه في قوة قوله: اعملا في هذا المال بالثلث؛ فإن لم يشترط عملًا من الأجنبي لم تح
المضاربة؛ لأنه شرط فاسد يعود إلى الربح كشرط دراهم.
وتسمى المضاربة قراضًا ومعاملة من العمل، وهي أمانة ووكالة بالإذن بالتصرف؛ فإن ربح المال بالعمل فشركة لصيرورتهما شريكين في ربح المال.
قال ابن القيم في «الهدي» : المضارب أمين وأجير، ووكيل وشريك فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يباشره من العمل بنفسه وشريك إذا ظهر فيه ربح، وإن فسدت المضاربة فكالإجارة الفاسدة؛ لأن الربح كله لرب المال، وللعامل أجرة مثله وإن تعدى العامل في المال بأن فعل ما ليس له فعله فكغصب في الضمان لتعديه ويرد المال وربحه ولا أجرة له.
قال في «الرعاية الكبرى» : وإن تعدى المضارب الشرط أو فعل ما ليس له فعله أو ترك ما يلزمه ضمن المال ولا أجرة وربحه لربه.
اهـ. ولا يعتبر لمضاربة قبض عامل رأس المال، فتصح، وإن كان بيد ربه، وتنعقد بما يؤدي معنى المضاربة والقراض من كل قول دل عليها؛ لأن المقصود المعنى فجاز بكل ما يدل عليه وتكفي مباشرة العامل للعمل، ويكون قبولًا لها كالوكالة، وتصح المضاربة من مريض مرض الموت المخوف؛ لأنها عقد يبتغي به الفضل أشبه البيع والشراء، ولو سمي فيها لعامله أكثر من أجر مثله فيستحقه ويقدم به على الغرماء؛ لأنه غير مستحق من مال رب المال، وإنما حصل بعمل المضارب في المال فما حصل من الربح المشروط يحدث على ملك العامل بخلاف ما لو حابى أجيرًا في الأجر؛ فإن الأجر يؤخذ من ماله أو ساقي أو زارع محاباة فتعتبر من ثلثه لخروج المشروط فيهما ن عين ملكه بخلاف الربح في المضاربة؛ فإنه إنما حصل بالعمل، وقول رب مال لآخر: اتجر به وكل ربحه لي إبضاع؛ لأنه قرن به حكم الإبضاع فانصرف إليه لا حق للعامل فيه؛ لأنه ليس بمضاربة ولا أجرة له، وإن قال مع ذلك: وعليك ضمانه، لم
يضمنه؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد وقول رب المال اتجر به وكل الربح لك قرض لا مضاربة؛ لأنه قرن به حكم القرض فانصرف إليه؛ فإن قال: معه ولا ضمان عليك، لم ينتف كما لو صرح به، ولا حق لربه وهو الدافع في الربح.
وإن قال: اتجر به والربح بيننا صح مضاربة، ويستويان في الربح لإضافته إليهما واحدة ولم يترجح به أحدهما، وإن قال: اتجر به ولي ثلث الربح يصح، وباقيه للآخر، أو قال: اتجر به ولك ثلث الربح يصح مضاربة، وباقي الربح للآخر الذي لم يسمي له؛ لأن الربح لا يستحقه غيرهما، فإذا قدر نصيب أحدهما عنه فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فلما لم يذكر نصيب الأب علم أن الباقي وهو ثلثي الميراث له، وكذا لو وصى بمائة لزيد وعمرو، وقال لزيد: منها ثلاثون، فالباقي لعمرو، وإذا قال: اتجر به ولك نصف الربح ولي ثلثه، وسكت عن السدس، صح، وهو لربِّ المال، وإذا قال: خذه مضاربة على الثلث أو الربع أو بالثلث ونحوه صح والمقدر للعامل ويستحق بالعمل وهو يكثر ويقل، وإنما تتقدر حصته بالشرط وإن أتى مع الثلث ونحوه بربع عشر الباقي بأن قال: اتجر به ولك الثلث وربع عشر الباقي من الربح ونحوه، صح، واستخرج بالحساب وطريقه أن تلقى بسط الثلث وهو واحد يبقى اثنان وربع العشر مخرجه أربعون فتنظر بين الباقي بعد البسط وهو اثنان، وبين الأربعين يوافق في «الإنصاف» فتضرب الثلاثة في نصف الأربعين تبلغ ستين وتأخذ ثلثها عشرين وربع عشر الباقي وهو واحد يبلغ إحدى وعشرين ونحوه، كاتجر به على الربع وخمس ثمن الباقي، صح؛ لأن جهالته تزول بالحساب، وإن قال: خذه مضاربة ولك ثلث الربح وثلث ما بقي فللعامل خمسة أتساع الربح؛ لأن مخرج الثلث وثلث الباقي تسعة وثلثها ما بقي اثنان ونسبتها إلى التسعة
ما ذكر، وإن قال ربّ المال: خذه مضاربة ولك ثلث الربح وربع ما بقي فله النصف؛ لأن مخرج الثلث وربع الباقي ستة وثلثها اثنان وربع الباقي واحد والثلاثة نصف السّتة، وإن قال رب المال: خذه مضاربة ولك الربع وربع ما بقي فله ثلاثة أثمان ونصف ثمن؛ لأن مخرج الربع وربع الباقي من ستة عشر.
وربعها أربعة وربع الباقي ثلاثة والسبعة نسبتها إلى السَتَة عشر ما ذكر سواء عرفا الحساب أو جهلاه؛ لأن إزالته ممكنة بالرجوع إلى غيرهما ممن يعرف بالحساب، وإن قال: خذه مضاربة، ولك جزء من ربحه أو شركة في الربح أو شيء من الربح، أو نصيب من الربح، أو حظ من الربح لم يصح؛ لأنه مجهول، والمضاربة لا تصح إلا على قدر معلوم.
36- مسائل حول الاختلاف في الجزء المشروط وما تتفق فيه المضاربة وشركة العنان وتوقيت المضاربة وتعليقها والمضاربة بالدين وما إلى ذلك
س36: إذا اختلِفَ لِمَنْ الجزء المشروط فلِمَنْ يكون، وما الذي تتفق فيه المضاربة وشركة العنان، وإذا قال رب المال للعامل: اعمل برأيك أو بما أراك الله تعالى أو فسدت المضاربة أو وقتت أو علقت، أو قال: ضارب بدين عليك، أو الذي على زيد، أو قال: ضارب بوديعة لي عند زيد أو عندك، أو قال ضارب بغضبِ لِي عند زيد أو عندكَ أو بثمن عرض أو عمل مع مالك والربحُ بينهما أو شرط العاملُ في مضاربة أو مزارعة أو مساقاة عَمَل مالك أو غلامِهِ أو عمل بهيمة أو اشترى عامل لاثنين برأس مال كل واحد أمة أو نحوها أو اتفق ربّ المال والمضارب على أن الربح بينهما والوضيعة، فما الحكم؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تفصيل أو خلاف أو ترجيح.
ج: إذا اختلفا في المضارب لمن الجزء المشروط فهو للعامل أو اختلفا في مساقاة أو في مزارعة لمن الجزء المشروط، فهو للعامل؛ لأن ربّ المال يستحق الربح بماله؛ لأنه نماؤه وفرعه والعامل يستحقه بالشروط ومحله إذا لم يكن للمالك بينة، فلو أقاما بينتين قدمت بينة عامل؛ لأنها خارجة وبينة المالك داخلة؛ لأن رب المال واضع يده على المال حكمًا وإن لم يكن واضعًا لها حسًا، وقيل: إذا اختلفا لمن الجزء المشروط أن يرجع إلى العادة والعرف في الشركة والمساقاة والمزارعة، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ومضاربة فيما لعامل أن يفعله من بيع وشراء وأخذ وإعطاء ورد بعيب وبيع نساء وبعرض وشراء معيب وإيداع لحاجة ونحوه مما تقدم أو لا يفعله
كعتق وكتابة وقرض ونحوه وفيما يلزمه فعله من نشر وطبي لثوب وختم وحرز ونحوه، وفي شروط صحيحة ومفسدة وفاسدة كشركة عنان على ما سبق تفصيله لاشتراكهما في التصرف بالإذن، وإن قال رب المال لعامل: اعمل برأيك أو بما أراك الله، والعامل مضارب بالنصف فدفع المال لعامل آخر ليعمل به بالربع من ربحه صح، وعمل به؛ لأنه قد يرى دفعه إلى أبصر منه، وإن قال: أذنتك في دفعه مضاربة صح، والمقول له وكيل لرب المال في ذلك؛ فإن دفعه لآخر ولم يشترط لنفسه شيئًا من الربح صح العقد، وإن شرط لنفسه من شيئًا لم يصح؛ لأنه ليس من جهته مال ولا عمل والربح إنما يستحق بواحد منهما، وملك العامل إذا قيل له: اعمل برأيك أو بما أراك الله الزراعة؛ لأنها من الوجوه التي يبتغي بها النماء؛ فإن تلف المال في الزراعة لم يضمنه، ولا يملك من قيل له ذلك التبرع والقرض والمكاتبة للرقيق وعتقه بمال وتزويجه إلا بإذن صريح فيه؛ لأنه مما ينبغي به التجارة وإن فسدت المضاربة فللعامل أجرةُ مثلهِ ولو خسر المالُ والتسميةُ فاسدةٌ؛ لأنها من توابع المضاربة، وحيث فاته المُسمى وجب ردُّ عمله؛ لأنه لم يعمل إلا ليأخذ عوضه وذلك متعذر فتجب قيمته وهي أجرة مثله كالبيع الفاسد إذا تقابضاه وتلف أحد العوضين.
وقيل: إن فسدت يتصدقان بالربح، وقيل له: الأقل من أجرة المثل أو ما شرطه له من الربح، واختار الشريف أبو جعفر أن الربح بينهما على ما شرطاه كما في شركة العنان إنصاف.
وقال الشيخ تقي الدين: له نصيب المثل إذا فسدت المضاربة، وهو الموافق للقواعد الشرعية، وهو الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
ولو قال رب المال: خذه مضاربة والربح كله لي فلا شيء للعامل لتبرعه بعمله أشبه ما لو أعانه أو توكل له بلا جعل، ويصح توقيت المضاربة بأن يقول رب المال: ضاربتك على هذه الدراهم أو الدنانير سنة، فإذا مضت فلا تبع ولا تشتر؛ لأنه تصرف يتوقت بنوع
من المتاع فجاز توقيته بالزمان كالوكالة، ولو قال رب المال: ضارب بهذا المال شهرًا ومتى مضى الأجل فمال المضاربة قرض، صح ذلك؛ فإن مضى الأجل والمال ناض صار المال قرضًا، وإن مضى الأجل وهو متاع فعلى العامل تنضيضه، فإذا باعه ونضضه صار قرضًا؛ لأنه قد يكون لرب المال فيه غرض، وإن قال رب عرض: بع هذا العرض وضارب بثمنه صح، أو قال رب وديعة: اقبض وديعتي من زيد أو منك وضارب بها، أو قال رب دين: اقبض ديني من فلان وضارب به، صح؛ لأنه وكله في قبضه الدين أو الوديعة وعلق المضاربة على القبض وتعليقها صحيح، وإن قال: ضارب بديني الذي عليك فللعلماء فيها قولان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الدين في الذمة ملك لمن هو عليه ولا يملكه رب إلا بقبضه ولم يوجد، وهذا المذهب وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل الرجل دينًا له على رجُل مضاربة.
والقول الثاني: يصح؛ لأنه إذا اشترى شيئًا للمضاربة فقد اشتراه بإذن رب المال ودفع الثمن إلى من أذن له في دفع ثمنه إليه فتبرأ ذمته منه ويصير كما لو دفع إليه عرضًا، وقال: بعه وضارب بثمنه، وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» : في المضاربة بالدين قولان في مذهب أحمد، أحدهما: الجواز وهو الراجح في الدليل وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع جواز ذلك ولا يقتضي تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد الشرع ولا وقوعًا في محظور من ربا ولا قمار ولا بيع غرر ولا مفسدة في ذلك بوجه ما فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه وتجويزه من محاسنها ومقتضاها، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
ومن دفع مالًا لاثنين مضاربة في عقد واحد أو عقدين وجعل الدافع الربح بينهما نصفين صح قليلًا كان أو كثيرًا، وإن قال رب المال لكما كذا وكذا كالنصف
أو الثلث من الربح، ولم يبين كيف هو أي كيفية قسمه بينهما من تساوٍ أو تفاضل، فالجزء المشروط بينهما نصفين؛ لأن مطلق الإضافة يقتضي التسوية وإن شرط رب المال لأحد العاملين ثلث الربح وشرط للآخر ربع الربح، والباقي لرب المال جاز ذلك، وكان الربح على ما شرطوا؛ لأن الحق لا يعدوهم فجاز ما تراضوا عليه، وإن قارض اثنان واحدًا بألف لهما جاز، كما لو قارضه كل واحد منهما منفردًا بخمسمائة؛ فإن شرط للعامل في مالهما ربحًا متساويًا منهما بأن شرط أحدهما له النصف وشرط الآخر له الثلث، جاز كما لو انفرد كل منهما بعقده؛ لأن العقد يتعدد بتعدد العاقد ويكون باقي ربح مال كل واحد منهما لصاحب ذلك المال؛ لأنه نماء ماله، وتصح مضاربة إذا قال ضارب بغصب: لي عندك أو عند زيد مع علمهما قدره؛ لأنه مال يصح بيعه من غاصبه وقادر على أخذه منه فأشبه الوديعة، وكذا بعارية ويزول الضمان عن الغاصب والمستعير بمجرد عقد المضاربة؛ لأنه صار ممسكًا له بإذن ربه لا يختص بنفعه، ولم يتعد فيه أشبه ما لو قبضه مالكه، ثم أقبضه له؛ فإن تلفا فكما تقدم كما تصح المضاربة بثمن عرض باعه بإذن مالكه ثم ضاربه على ثمنه، ومن عمل مع مالك نقد أو شجر أو أرض وحب في تنمية ذلك بأن عاقده على أن يعمل معه فيه والربح في المضاربة أو الثمر في المساقاة أو الزرع في المزارعة بينهما أنصافًا أو أثلاثًا ونحوه صح ذلك، وكان مضاربة في مسألة النقد نصًا؛ لأن العمل أحد ركني المضاربة فجاز أن يكون من أحدهما مع وجود الأمرين من الآخر، وكان في مسألة الشجر مساقاة، وفي مسألة الحب والأرض مزارعة قياسًا على المضاربة، وإن شرط العامل في المضاربة والمساقاة والمزارعة عَمَل مالكٍ أو عمل رقيقه معه بأن شرط أن يُعينه على العمل، صح كشرط عمل بهيمةٍ بأن يحمل عليها أو سيارة ينقل عليها ونحوه،
ويجوز دفع مضاربة لاثنين فأكثر في عقد واحد وما شرط من الربح في نظير العمل، فعلى عددهم مع الإطلاق وإن فوضا بينهم فيه جاز، ولو أخذ عامل من رجل مائة قراضًا ثم أخذ من آخر مثلها، واشترى العامل الذي أخذ ما لإثنين برأس مال كل واحد من الإثنين وهو المائة في المثال أمة أو نحوها، كعبدين أو فرسين، واشتبه الأمتان أو العبدان أو الفرسان ونحوهما، ولم يتميزا، فقال الموفق في «المغني» : يصطلحان عليهما كما لو كانت لرجل حنطة فانهالت عليها أخرى، وقال القاضي: في ذلك وجهان، أحدهما: يكونان شريكين فيهما كما لو اشتركا في عقد البيع فتباعان ويقسم الثمن بينهما؛ فإن كان فيهما ربح دفع إلى العامل حصته، والباقي بينهما نصفين، والثاني يضمن العامل رأس مال كل من المالكين وتصير الأمتان للعامل والربح له والخسران عليه.
قال في «المغني» : والأول أولى، يريد ما قدمه المصنف؛ لأن كل واحد منهما ثابت ملكه في أحد العبدين فلا يزول الاشتباه عن جميعه ولا عن بعضه بغير رضاه، كما لو لم يكونا في يد المضارب؛ ولأننا لو جعلناهما للمضارب أدى إلى أن يكون تفريطه سببًا بالربح وحرمان المتعدى عليه، وعكس ذلك أولى، وجعلاهما شريكين أدى إلى أن يأخذ أحدهما ربح مال الآخر بغير رضاه وليس فيه مال ولا عمل.
انتهى.
وإذا اتفق رب المال والمضارب على أن الربح بينهما والوضيعة عليهما، كان الربح بينهما والوضيعة على المال؛ لأنه متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهمًا من الوضيعة فالشرط باطل والعقد صحيح، نص عليه أحمد؛ لأنه شرط لا يؤثر في جهالته الربح فلم يفسد به العقد، كما لو شرط لزوم المضاربة.
37- شراء العامل وما يترتب عليه وما يتعلق بذلك من نفقة
س37: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: شراء العامل مَن يعتق على رب المال، ما يترتب على ذلك: إذا اشترى عامل زوج أو بعض زوج أو بعض زوجة لمن له في المالك ملك؟ ما يترتب على ذلك: إذا اشترى عامل المضاربة من يعتق على المضارب، شراء العامل من مال المضاربة؟ أخذ العامل مضاربة لآخر، ما يترتب على ذلك؟ شراء ربّ المال من مال المضاربة لنفسه، شراء شريك نصيب شريكه؟ شراء الجميع، نفقة المضَارب إذا أطلقت وإذا شرطت وإذا لم تشرط؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: ليس لعامل شراء من يعتق على رب المال بغير إذنه؛ لأ فيه ضررًا ولا حظ للتجارة إذ هي معقود للربح حقيقة أو مظنة، وهما منتفيان هنا سواء كان يعتق على رب المال برحم كابنه ونحوه أو قول كتعليق ربّ المال صح الشراء؛ لأنه مال متقوم قابل للعقود، فصح شراؤه كغيره وعتق على ربّ المال لتعلق حقوق العقد به وضمن العامل ثمنه الذي اشتراه به لمخالفته وإن لم يعلم أنه يعتق على رب المال؛ لأنه إتلاف.
قال ناظم المفردات:
إذا اشترى مضارب مَن يَعْتُقُ
على الشريك صَحَّحُوا واطْلَقُوا
حتى بِلا إذنٍ أتَتْ إليه
لو كانَ ذَا ويَعْتُقُ عليه
وقال أبو بكر: إن لم يكن العامل عالمًا بأنه يعتق على ربّ المال لم
يضمن؛ لأن التلف حصل لمعنى في المبيع لم يعلم به المشتري فلم يضمن، كما لو اشترى معيبًا لم يعلم بعيبه فتلف به، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
فإن كان الشراء بإذن رب المال انفسخت في قدر ثمنه لتلفه؛ فإن كان ثمنه كل المال انفسخت كلها وإن كان في المال ربح أخذ حصته من الربح؛ لأنه استحقهُ بالعقد والعمل ولم يوجد ما يسقطه، وإن اشترى عامل ولو بعض زوج أو بعض زوجة لمن له المال ملك صح الشراء، لوقوعه على ما يمكن طلب الربح فيه كالأجنبي، وانفسخ نكاح المشتري كله أو بعضه؛ لأن النكاح لا يجامع الملك ويتنصف المهر على ربّ المال بشراء زوجته قبل الدخول ويرجع به على العامل، ولا ضمان عليه إن اشترى زوج ربة المال فيما يفوتُها من مهر ونفقة؛ لأنه لا يعود إلى المضاربة وسواء كان الشراء بعين المال أو في الذمة، وإن اشترى عاملُ المضاربة من يعتق على المضارب كأبيه وأخيه وظهر ربح في المضاربة بحيث يُخرج عن الأب أو الأخ مِن حصته من الربح سواء كان الربح ظاهرًا حين الشراء أو بعده، ومن يعتق عليه باق لم يُتَصَرَّف فيه عتق كُلُّه لملك حصته من الربح بالظهور، وكذا إن لم يخرج كلُ ثمنه من الربح؛ لكنه مُوسرًا بقيمة باقية؛ لأنه ملكه بفعله فعتق عليه كما لو اشتراه بماله وإن كان معسرًا عتق عليه بقدر حصته من الربح.
وإن لم يظهر في المال ربحٌ حتى باع من يعتق عليه فلا يَعُتقُ منه شيء؛ لأنه لا يملكه، وإنما هو مُلك رب المال، وليس للعامل الشراء من مال المضاربة إن ظهر ربح؛ لأنه يصير شريكًا فيه؛ فإن لم يظهر ربحٌ صُحَّ شراؤه من رب المال أو بإذن كالوكيل يشتري من مُوكله وإذا أخذ عاملٌ من إنسانٍ مضاربةً، ثم أراد أخذَ مُضاربةٍ من آخر بإذن الأول جاز, وكذلك إن
لم يأذن ولم يكن على الأول ضررٌ؛ فإن كان فيه ضررٌ على الأول ولم يأذن مثل أن يكون المال الثاني كثيرًا يستوعبُ زمانه فيشغلهُ عن التجارة في المال الأول أو يكون المالُ الأولُ كثيرًا متى اشتغلَ عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته، فقيل: ليس له ذلك؛ لأن المضاربة على الحظ والنماء، فإذا فعل ما يمنعه لم يجز كما لو أراد التصرف بالعين، وفارق ما لا ضرر فيه فعلى هذا إن فعل وربح رد الربح في شركة الأول وليقتسمانه فينظر ما ربح في المضاربة الثانية فيدفع إلى رب المال منه نصيبه ويأخذ المضارب نصيبه من الربح فيضمه إلى ربح المضاربة الأولى ويقاسمه لرب المضاربة الأولى؛ لأنه استحق حصته من الربح بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول، فكان بينهما كربح المال الأول.
وقال أكثر الفقهاء: يجوز؛ لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها فلم يمنع من المضاربة، كما لو لم يكن فيه ضرر وكالأجير المشترك، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
ولا يصح لرب المال الشراء من مال المضاربة لنفسه؛ لأنه ملكه كشرائه مِن وكيله وعبده المأذون وفارق المكاتب؛ فإن السيد لا يملك ما في يده ولا تجب عليه زكاته، وله أخذ ما فيه شفعة منه، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الشافعي، وقيل: يصح وهو رواية عن أحمد، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة؛ لأنه قد تعلق به حق المضارب فجاز شراؤه كما لو اشترى من مكاتبه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
وإن اشترى شريك نصيب شريكه صحَّ؛ لأنه مُلكُ غيره أشبه ما لو لم يكن بائعهُ شريكًا وإن اشترى الجميع حصته وحصة شريكه صحَّ الشراء في نصيب شريكه بناءً على تفريق الصفقة؛ وأما في نصيبه، فقيل: يبطلُ؛ لأنه
ملكه، والذي تميل إليه النفس أنه يصح بناء على صحة شراء رب المال من مال المضاربة.
والله أعلم، وليس للعامل نفقة إلا بشرط.
وقال ابن القيم والشيخ تقي الدين: أو عادة؛ لأن النفقة تخصه فكانت عليه كنفقة الحضر وأجر الطبيب وثمن التطبيب؛ لأنه داخل على أنه لا يستحق من الربح إلا الجزء المسمى، فلا يكون له غيره؛ ولأنه لو استحق النفقة أفْضى إلى أن يختص بالربح إذا لم يربح سوى النفقة، وبهذا قال ابن سيرين وحماد ابن أبي سليمان، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال الحسن والنخعي والأوزاعي ومالك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: يُنفق من المال بالمعروف إذا شخص به عن البلد؛ لأن سفره لأجل المال فكانت نفقته فيه كأجر الحمَّال، والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
فأما إن شرط له النفقة صح له وذلك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون على شروطهم؛ فإن قدر له ذلك فحسن؛ لأن فيه قطعًا للمنازعة وزوال الاختلاف» . قال أحمد في رواية الأثرم: أحب إلى أن يشترط نفقة محدودة، وله ما قدر له من مأكول وملبوس ومركوب وغيره.
فإن شرطت نفقة العامل مطلقة وتشاحا فيها فله نفقة مثله عرفًا من طعام وكسوة؛ لأن الإطلاق يقتضي جميع ما هو من ضروراته المعتادة كالزوجة.
38- مسائل وبحوث حول النفقة والتصرف بما اشترى للمضاربة
س38: إذا لقي رب المال العامل ببلد أذن له في سفر إليه فأخذه منه فهل للعامل نفقة لرجوعه؟ وإذا تعدد ربُّ المال فكيف تكون النفقة؟ وهل للعامل التسري من مال المضاربة، وإذ وطئ عاملٌ أمةً مِن المال فما
الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك إن ظهر ربح أو لم يظهر؟ وضح ذلك مع بيان معاني ما في ذلك من مفردات.
وهل لرب المال وطء أمة مِن المضاربة؟ ومتى يكون للعامل حقٌ في الربح وإذا ربح في أحد سلعتين أو ربح في إحدى سفرتين وخسر في الأخرى أو تعيبت سلعة وزادت أخرى أو نزل السعر أو تلف بعضُ المال بعد عَمَلٍ فكيف تكون الوضيعةُ؟ وما الذي يترتب على ذلك وإذا تقاسما الربحَ والمال ناضٌ أو تحاسبا بعد تنضيضه أو قسم ربّ المال والعامل الربح أو أخذ أحدهما منه شيئًا بإذن صاحبه والمضاربة باقية ثم خسر، فما الحكم؟
ج: إن لقي ربّ المال العامل ببلد أذن له في السفر إليه بالمال وقد نضَّ المال بأن صار المتاع نقدًا فأخذه ربه منه فلا نفقة للعامل لرجوعه إلى بلد المضاربة؛ لأنه إنما يستحق النفقة ما دام في القراض، وقد زال ولو مات لم يكفن منه ولو اشترط النفقة.
وإن تعدد رب المال بأن كان عاملًا لاثنين فأكثر أو عاملًا لواحد ومعه مال نفسه أو بضاعة لآخر واشترط لنفسه نفقة السفر فهي له على قدر مال كل منهما أو منهم؛ لأن النفقة وجبت لأجل عمله في المال فكانت على قدر مال كل فيه إلا أن يشترطها بعض أرباب المال من ماله عالمًا بالحال وهو كون العامل يعمل في مال آخر مع ماله فيختص بها لدخوله عليه؛ فإن لم يعمل الحال فعليه بالحِصَّة وللعامل التسري من مال المضاربة بإذن رب المال، فإذا اشترى أمة للتسري بها ملكها؛ لأن البضع لا يُباحُ إلا بنكاح أو ملك يمين؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصار ثمنها على العامل لخروجه من المضاربة مع عدم وجود ما يدل على التبرع به من رب المال، وإن وطئَ عاملٌ أمة مِن المال عُزِّرَ؛ لأن ظُهُورَ الربح ينبني على التقويم وهو غير مُتحقق لاحتمال أن السلع تُساوي أكثر مما
قُومتْ به فهو شُبْهَةٌ في درء الحد وإن لم يظهر ربح، وعليه المهر إن لم يطأ بإذن رب المال وإن ولدت منه وظهر ربح صارت أم ولد وولده حر، وعليه قيمتها وإن لم يظهر فهي وولدها لرب المال، ولا يطأ رب المال أمة من المضاربة ولو عدم الربح؛ لأنه ينقصها إن كانت بكرًا أو يعرضها للتلف والخروج من المضاربة ولا حدَّ عليه؛ لأنها ملكه وإن ولدتع منه خرجت من المضاربة وحُسبتْ قيمتُها عليه؛ فإن كان فيه ربحٌ فللعامل منه حصتُه ولا ربح لعاملٍ حتى يُستوفي رأسُ المال؛ لأن الربح هو الفاضلُ من رأس المال وما لم يفضل فليس بربح والوضيعة الخسارة والناضُّ من المال ما تحول عينًا بعد ما كان متاعًا، ويقال: ما نضَّ بيده شيء، وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: «كان يأخذ الزكاة من ناض المال هو ما كان ذهبًا أو فضة عينًا أو ورقًا» ، وفي الحديث الآخر: «خذ صدقة ما قد نضَّ مِن أموالهم» . ووصف رجل بكثرة المال، فقيل: أكثر الناس ناضًا ونضا الثياب ينضوها نضوًا إذا خلعها.
قال امرؤ القيس:
فجئت وقد نضَّتْ لنوم ثيابها
لدى السِّتر إلا لبسة المتفضلِ
وإن ربح في أحد سلعتين وخسر في الأخرى أو ربح في إحدى سفرتين وخسر في الأخرى أو تعيبت سلعة وزادت أخرى أو نزل السعر أو تلف بعض المال بعد عَمَلِ عاملٍ في المضاربة فالوضيعةُ في بعض المال تُجبر من ربح باقية قبل قسم الربح ناضًا أو قبل تنضيضه مع محاسبته؛ فإن تقاسما الربح والمال ناضٌ أو تحاسبًا بعد تنضيضه المال وأبقيا المضاربة فهي مضاربة ثانية فما ربح بعد ذلك لا يُجبر به ووضيعةَ الاول إجراءً للمحاسبة مجْرَى القِسمة ولا يحتسبان على المتاع؛ لأن سِعْره ينحطُّ ويرتفعُ ولو اقتسم ربُّ المال والعامل الربْحَ أو أخذَ أحدُهما منه شيئًا بإذن صاحبه والمضاربةُ بحالها، ثم خَسِرَ كان
على العامل رَدُّ ما أخذهُ من الربح؛ لأنا تبينا أنه ليس بربح ما لم تنجبر الخسارة، ولو دفع مائةً مضاربة فخسرت عشرةً ثم أخذ رب المال منها عشرة، فالخسران لا ينقص به رأس المال؛ لانه قد يربح فيجبر الخسران لكنه نقص بما أخذه رب المال وهو العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم وتسعُ درهم ويبقى رأس ثمانين وثمانية دراهم وثمانيةُ أتساع درهم وإن أخذ نصف التسعين الباقية بقي رأس المال خمسين، وإن كان أخذ خمسين بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع درهم؛ لأنه أخذ خمسة أتساع المال فسقط خمسة أتساع الخسران، وهي خمسة وخمسة أتساع درهم يبقى ما ذكر، وكذلك إذا ربح المال ثم أخذ رب المال بعضه كان ما أخذه من رأس المال والربح، فلو كان المال مائة فربح عشرين فأخذ ربُّ المال فقد أخذ سدسه فينقص المال وهو مائة سُدُسُه وهو ستة عشر وثلثان وقسطها من الربح ثلاثة وثلث، يبقى ثلاثة وثمانون وثلثًا، ولو كان أخذ ستين بقي رأس المال خمسين؛ لأنه أخذ نصف المال فبقي نصفه، وإن أخذ خمسين بقي ثمانية وخمسون وثلث؛ لأن أخذ ربع المال وسدسه فيبقى ثلثه وربعه، وذلك أن الخمسين المأخوذة ربع المائة والعشرين وسدسها والمال إذا ذهب منه ربعه وسدسه بقي ثلثه وربعه وثلث المائة التي هي رأس المال قبل ثلاثة وثلاثون وثلث وربعها خمسة وعشرون، ومجموع ذلك ثمانية وخمسون وثلث كما ذكر.
39- مسائل حول تلف مال المضاربة وما يدخل في مال المضاربة مما قد يتوهم عدم دخوله
س39: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: ما تلف من مال المضاربة قبل عمل، إذا تلف كل مال المضاربة ثم اشترى العامل للمضاربة شيئًا من السلع، وضح ذلك ما يتعلق بذلك من مطالبة ورجوع بثمن، إذا قُتل قنُ المضاربة، متى يملك العامل حصته من الربح، وهل له الأخذ من الربح؟ وما حكم القسمة والعقد باق؟ ومتى يجبر المالك على البيع في المضاربة؟ وهل يدخل في الربح المهر والثمرة والنتاج؟ وإذا أتلف مالك مال المضاربة وما الذي يترتب على ذلك؟ وإذا فسخت المضاربة والمال عرض أو دراهم وكان دنانير أو عكسه فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل والاختلاف والترجيح.
ج: تنفسخ مضاربة فيما تلف من مال المضاربة قبل عمل العامل في مالها ويصير الباقي رأس مال؛ لأن التصرف بالعمل لم يصادف إلا الباقي فكان هو رأس المال بخلاف ما تلف بعد العمل؛ لأنه دار بالتصرف فوجب إكماله لاستحقاقه الربح؛ لأنه مقتضى الشرط؛ فإن تلف كل مال المضاربة قبل التصرف، ثم اشترى العامل للمضاربة شيئًا من السلع فهو كفضول وتقدم الكلام على الفضول في أول البيع في أول الجزء الرابع، وإن تلف مال المضارب بعد شراء العامل في ذمته وقبل نقد الثمن لما اشتراه، فالمضاربة بحالها أو تلف مال المضاربة بعد العمل مع ما اشتراه، فالمضاربة بحالها لوقوع تصرفه بإذن ربُّ المال ويطالب ربِّ المال والعامل بالثمن الذي اشتراه به العامل لتعلق حقوق العقد بربِّ المال ومباشرة العامل ويرجع بالثمن عامل إن دفعه على رب المال بنية الرجوع للزومه له أصالةً والعامل بمنزلة الضامن ورأس المال هو الثمن دون التالف لتلفه قبل التصرف فيه أو أشبه ما لو تلف قبل