كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
س56: ما زكاة نصاب الحبوب والثمار، وما هو الدليل عليها؟
ج: يجب عشر فيما سبق بلا مؤنة كالذي يَشرَبُ بعروقه ويسمى بعلاً، وكالذي يشرب بغيب وهو الذي يزرع على المطر، وكالذي يشرب بسيح ولو كان السقي بإجراء ماء حفيرة ولا تؤثر مؤنة حفر نهر وقناة لقلتها؛ ولأنه من جملة إحياء الأرض ولا يتكرر كل عام ولا تؤثر مؤنة تحويل ماء ويجب نصف العشر فيما سقى بكلفة كالدوالي جمع دالية، وهو الدولاب تديره البقر والناعورة يديرها الماء والسانية وهي النواضح، وأحدها ناضح وناضحة وهما البعير يستقي عليه؛ لحديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فيما سقت الأنهار والغيْم العشور، وفيما سقى بالسانية نصف العشور» رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود، وقال: الأنهار والعيون.
وحديث ابن عمر: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر» رواه الجماعة إلا مسلمًا؛ لكن في لفظ النسائي وأبي داود وابن ماجه بعلاً بدل عثريًّا ويجب فيما يشرب بكلفة نصف مدته وبغير كلفة نصفها ثلاثة أرباع العشر نصفه لنصف العام وربعه للآخر؛ فإن تفاوت السقي بالمؤنة والسقي بغيرها بأن يُسقى بأحدهما أكثر من الآخر، فالحكم لأكثر السقين نفعًا ونموًّا؛ فإن جهل مقدار السقي فلم يدر أيهما أكثر أو جهل الأكثر نفعًا ونموًا فيجب العشر احتياطًا؛ لأن تمام العشر تعارض فيه موجب ومسقط، فغلب الموجب ليخرج من العهدة بيقين فمن له حائطان ضما في النصاب، ولكل حكم نفسه في السقي بكلفة وغيرها ويصدق مالك فيما سقى به؛ لأنه أمين عليه بغير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم.
س57: متى وقت وجوب الزكاة في الحبوب والثمار، وما هو الدليل عليه وإذا تصرف في الثمرة قبل الوجوب أو بعده فما الحكم في ذلك؟ وإذا باع الحب أو الثمرة بعد بدو الصلاح وشرط على المشتري إخراج الزكاة فما الحكم؟
ج: إذا اشتدَّ الحبُّ وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة؛ لأنه حينئذ يُقصدُ للأكل والافتيات فأشبه اليابس، وعن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعثُ عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه.
رواه أبو داود، وقال ابن أبي موسى: تجب زكاة الحب يوم حصاده؛ لقوله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وفائدة الخلاف أنه لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب لا شيء عليه كما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة كما لو فعل ذلك في السائمة؛ فإن قطعها قبل ذلك سقطت إلا أن يقطعها فرارًا من الزكاة فنلزمه؛ لأنه الواجب بعد انعقاد سببه أشبه ما لو طلق امرأته في مرض موته، ولو باع الحب أو الثمر بعد بدو صلاحه وشرط البائع الزكاة على المشتري صح البيع والشرط للعلم بالزكاة فكأنه استثنى قدرها ووكله في إخراجها؛ فإن لم يخرجه المشتري وتعذر الرجوع عليه ألزم بها البائع لوجوبها عليه.
س58: متى يستقر وجوب الزكاة، وإذا تلفت الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة قبل الوضع بالجرين، فما حكم ذلك؟ وإذا تلف البعض عن الزرع أو الثمر، فما الحكم؟
ج: لا يستقر وجوبها بها إلا بجعلها في جرين أو بيدر أو مسطاح أو نحوه؛ فإن تلفت الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة قبل الوضع بالجرين أو نحوه بغير تعد منه سقطت خرصت أو لم تخرص؛ لأنه في حكم ما لا تثبت اليد عليه بدليل أنه لو اشترى ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع والخرص لا يوجب؛ وإنما يفعله الساعي ليتمكن المالك من التَّصرف فوجب سقوط الزكاة مع وجوده كعدمه، وإن تلف البعض من الزرع أو الثمر قبل الاستقرار زكى الباقي إن كان نصابًا وإلا فلا زكاة فيه قدمه في الفروع، وقال في «شرح المنتهى» في الأصح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» وهذا يعم
حالة الوجوب ولزوم الأداء.
قال الناظم:
وإيجابها عند اشتداد حبوبها ... وبدوَّ صلاح الثمر إيجاب مقتدى وقطعها من قبل لا بعد مسقط ... وإن تقطعن منها فرارًا فأرفد ويثبت منها في الجرين وجوبها ... وبالهلك أسقط قبل عن غير معتد سواءُ قبيلَ الخرص أو بَعْد خرصها ... وفي التلف اقبل منه من غير شهد
س59: متى يجب إخراج زكاة الحب والثمر، وإذا احتيج إلى قطع ما بدا صلاحه قبل كماله لضعف أصل أو خوف عطش ونحوه، فما الحكم؟
ج: يجب إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابسًا؛ لحديث الدارقطني عن عتاب بن أسيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يُخرَص العنب زبيبًا كما يخرس الثمر ولا يُسمَّى زبيبًا وتمرًا حقيقة إلا اليابس وقيس الباقي عليهما؛ ولأنه حال تصفية لحب وجفاف التمر حال كمال ونهاية صفات ادخاره ووقت لزوم الإخراج منه؛ فإن احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها وبعد بدرِّ الصلاح للخوف من العطش أو لضعف الأصل جاز قطعها؛ لأن حق الفقراء إنما يجب على طريق المواساة فلا يكلف الإنسان ما يهلك أصل ماله؛ ولأن حفظ الأصل أحفظ للفقراء من حفظ الثمرة دون قطع جميعها خففها وإن لم يكف إلا قطع الجميع جاز وكذلك إن قطع بعض الثمرة لتحسين الباقي، وكذلك إن كان عنبًا لا يجيء منه زبيب كالخمري أو رُطبًا لا يجيء منه تمر كالبرني والهلبات؛ فإنه يخرج منه عنبًا ورطبًا للحاجة؛ ولأن الزكاة مواساة فلم تجب عليه من غير ما عنده كرديء الجنس، وقال القاضي: يخير الساعي إذا أراد ذلك رب المال بين أن يُقاسِمَ رب المال الجذاذ بالخرص ويأخذ نصيبهم نخلات منفردة يأخذ ثمرتها وبين أن يجذها ويقاسمه إياها بالكيل ويقسم الثمرة في الفقراء وبين بيعها من
رب المال أو من غيره قبل الجذاذ وبعده ويقسم ثمنها والمنصوص أنه لا يخرج إلا يابسًا.
انتهى من «الشرح الكبير» .
س60: هل للإنسان أن يشتري زكاته وضَّح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل؟
ج: يحرمُ على مُزَكِّ ومتصدِّقٍ شراءُ زكاته وصدقته، ولا يصح؛ لما روى عمر، قال: «حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده وأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك وأن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه» » متفق عليه.
وحسمًا لمادة استرجاع شيء منها حياءَ وطعمًا في مثلها أو خوفًا أن لا يعطيه بعد؛ فإن عادت إليه بإرث أو وصية أو هبة أو أخذها من دينه طابت بلا كراهة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وجب أجرك وردها عليك الميراث» رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة:
وإن مصفى الحب والتمر يابسًا ... ورطبًا لا إصلاحٌ أو أنْ جفَّ يفسدِ وتَقديرُ ذا رطبًا وقيل مُيبَّسًا ... بتقدير جَيد التمرُ يقدَرُ ذا الردِى وإن يشا الساعي يَبِعْهُ لمن يشا ... ويقسم مجذوذًا وغير مجدَّدِ وفي النص لا يجزيك إلا مُيبَّسًا ... ويحرْمُ أن تبْتاعَ فرضَك فاقتدِ وقيمتهُ عشر الرطب أخرجهُ عادِمًا ... وعنه متى تقدر على الثمر ارْفدِ
س61: تكلم عن أحكام ما يلي: حكم بعث خارص، متى وقت بعثهِ؟ وما الذي يُعتَبر لذلك؟ على من أجرةُ الخارص؟
وما حكم قطع الثمرة مع حضور السَّاعِي بلا إذنه، وضح ذلك مع الدليل؟
ج: يُسَنُّ أن يبعث الإمام خارصًا؛ لحديث عائشة قالت: «كان –عليه الصلاة والسلام- يبعث عبد الله بن رواحة إلى اليهود يخرصُ عليهم النخيل قبل أن يؤكل» متفق عليه.
وفي حديث عتّاب بن أسيد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث على الناس مَن يخرص عليهم كرومهم وثمارهم» رواه الترمذي وابن ماجه، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه خرَصَ على امرأة بِوادي القُرى حديقةً لها وحديثها في مسند أحمد، ووقت بعثه إذا بدا الصلاح؛ أنه وقت دعاء الحاجة الخرص، ويعتبر أن يكون الخارص مسلمًا أمينًا خبيرًا غير متهم، وممن يرى الخرص عمر وسهل بن أبي حثمة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي وأكثر أهل العلم قاله في «الشرح» . وأجرة الخارص، قيل: إنها على رب النخل والكرم.
والقول الثاني: أنها على بيت المال، وقال الشيخ منصور: ويتوجه من نصيب عامل الزكاة.
انتهى.
ويحرم القطع للثمر مع حضور ساع بلا إذنه لحق أهل الزكاة فيها وكون الساعي كالوكيل عنهم، وتؤخذ زكاته بحسب الغالب.
وفي «حاشية الإقناع» : ويحرم قطعه مع حضور ساعٍ إلا بإذن قطع به في «المبدع» و «الإنصاف» وغيرهما، ولم يذكروا فيه خلافًا مع أنه تقدم أن تعلق الزكاة بالنصاب كتعلق أرش الجناية فلا يمتنع على ربه التصرف فيه قبل إخراجها وليس كتعلق شركه أو رهن أو دين بماله مفلس على الصحيح.
انتهى.
س62: تكلم بوضوح عن صفة خرص الثمر إذا كان نوعًا واحدًا وإذا النخل والكرم، وما هو الخرص؟ وما الحكمة فيه، وهل يخرص غير النخل والكرم؟ وهل لمالك أن يتصرف بالثمرة بعد الخرص؟
ج: للخارص ورب المال إن لم يُبعث خارص الخرص كيف شاء إن اتحد النوع؛ فإن شاء خرص كل نخلة أو كرمة على حدة أو خرص الجميع دفعة ويخرص ثمر متنوع كل نوع على حدة وتزكية كل نوع على حدة فيخرج عن الجيد جيدًا منه، أو من غيره ولا يجزئ عنه رديء ولا يلزم بإخراج جيد عن رديء والخرص حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل والكرم وزنًا بعد أن يطوف به، ثم يُقدَّره تمرًا أو زبيبًا ثم يُعرف الخارص المالكَ قدر الزكاة فيه ويخيره بين أن يتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره ويضمن قدر الزكاة
وبينَ حفظِ الثمار إلى وقت الجفاف ليؤدي ما وجب فيها وإن حفظها إلى وقت الجفاف زكى الموجود فقط وافق قول الخارص أولاً؛ وأما الحكمة في الخرص فالذي يظهر أنه لدفع الحرج عن أهل الزراعة؛ فإنهم يريدون أن يأكلوا بسرًا ورطبًا ونيئًا، ونضيجًا وعن المصدقين؛ لأنهم لا يطيقون الحفظ عن أهلها إلا بشق الأنفس ولا يخرص غير كرم ونخل؛ لأن النص إنما ورد بخرصهما مع أن تمرهما مجتمع في العذوق والعناقيد فيمكن أن يأتي الخرص عليه غالبًا والحاجة إلى أكلهما رطبة أشد من غيرهما فامتنع القياس.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س63: ما الذي يتركه الخارص، وما حكم ترك الخارص شيئًا لرب المال، وإذا أتلف المالك الثمرة أو تلفت بتفريطه فما الحكم؟ وإذا ادعى رب المال غلط الخارص فما الحكم؟ إذا أبى الخارص أن يترك لرب المال شيئًا فما حكم ذلك؟ واذكر ما تستحضره من دليل.
ج: يجب أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع فيجتهد الساعي بحسب المصلحة؛ لحديث سهل بن أبي حثمة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث؛ فإن لم تدعو الثلث فدعوا الربع» رواه الخمسة إلا ابن ماجه ورواه ابن حبان والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «خففُوا على الناس؛ فإن في المال الواطئة والآكلة والعرية» رواه سعيد.
وأمر عمر عماله أن يتركوا لهم ما يأكلونه، وقال ابن عقيل والآمدي وغيرهما: يترك قدر أكلهم وهديتهم بالمعروف بلا تحديد للأخبار الخاصة وللحاجة للأكل والإطعام وغير ذلك، وهو قول أكثر أهل العلم.
وفي «الاختيارات الفقهية» (ص100، 101) : وتسقط الزكاة فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه وهو قول عطاء بن أبي رباح؛ لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع لأجل ما يخرج من الثمرة بالإعراء والضيافة وإطعام ابن السبيل وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها أو لإسقاط الزكاة عنه وإن
أتلف الثمرة المالك أو تلف بتفريطه ضمن زكاته بخرصها تمرًا أو زبيبًا.
قال في «الشرح» : وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمة ما أتلف، وفي «شرح الإقناع» قواعد المذهب أن عليه مثله؛ لأنه مثلي فيضمن بمثله وإن ادعى رب المال غلط الخارص غلطًا محتملاً كالسدس قبل قوله غير يمين، كما لو قال: لم يحصل في يدي غير كذا؛ فإنه يقبل قوله لأنه قد يتلف بعضه بآفة لا يعلمها، وإن فحش ما ادعاه من الغلط كالنصف أو الثلث لم يقبل؛ لأنه لا يحتمل فيعلم كذبه، وإن لم يترك شيئًا فلرب المال أكل قدر الثلث أو الربع من ثمر ومن حب ولا يحتسب به عليه.
قال أحمد في رواية عبد الله: لا بأس أن يأكله الرجل من غلته بقدر ما يأكل هو وعياله ولا يحتسب وإن لم يأكله كمل به النصاب وتؤخذ زكاة ما سواه بالقسط فلو كان الثمر كله خمسة أوسق ولم يأكل منه شيئًا حسب الربع الذي كان له أكله من النصاب فيكمل ويؤخذ منه زكاة ما سواه وهو ثلاثة أوسق وثلاثة أرباع وسق.
والله أعلم.
س64: اذكر ما تفهمه عن حكمة ترك الثلث أو الربع لرب المال من حب ومن ثمر، وما معنى قولهم: فيجتهد بحسب المصلحة في أن يترك الثلث أو الربع؟ وهل لرب الحبوب والثمار أن يهدي منها قبل إخراج زكاتها، وإذا كان الزرع والثمر مشتركًا فهل له أن يأكل من دون إذن شريكه؟ وهل يلزم رب المال أن يزكي ما تركه خارص من الواجب؟
ج: الحكمة والله أعلم أنه لأجل التوسعة على رب المال؛ لأنه يحتاج إلى الأكل هو وأضيافه وجيرانه وأهلهُ ويأكل منها المارة وفيها الساقطة، فلو استوفى الكل أضرَّبهم، ومعنى الاجتهاد بحسب المصلحة أن ينظر إن كان كثير العيال والأضياف ترك له الثلث وإلا ترك له الربع ولا يُهدى رَبُ المال من الزرع قبل إخراج زكاته.
قال أحمد: وقد سأله المروزي عن فريك السنبل قبل أن يقسم، قال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه بما يحتاج إليه، قال: فيهدى للقوم منه، قال: لا حتى يقسم؛ وأما الثمر فما تركه خارص له صنع
به ما شاء ويزكي رب ما تركه خارصٌ من الواجب؛ لأنه لا يسقط بترك الخارص ويزكي رب مال ما زاد على قول خارص أنه يجيء منه تمرٌ وزبيب كذا عند جفاف لما سبق ولا يزكي ما نقص عن قول خارص؛ لأنه لا زكاة فيما ليس في ملكه ولا يأكل من زرع وثمر مشترك شيئًا إلا بإذن شريكه كسائر الأموال المشتركة.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
من النظم مما يتعلق ببعثة الخارص
وبعثةُ عَدْلٍ خارصٍ ذي إصابة ... ببدوِ صَلاحِ الثمر شَرْعٌ لمقتَدى فيخرص نوعًا دفْعةً أو مُفرَقًا ... ويخرصُ بالأنواع خَرْصَ تَعدُّدِ ويلزمْ تركُ الثُّلثِ أو ربع مأكلٍ ... وقيل بمعروفٍ بغير تحَدُّدٍ وليسَ له من قبل خَرْصٍ تَصرُّفٌ ... وبَعْدُ اضمننْ فرضًا وكُنْ مُطْلقَ اليدِ ويأكله الملاكُ إنْ لم يُمَكَّنُوا ... وتقْبَلٌ دَعْوَى حَيفٍ خَرصٍ مُعَوَّدِ وَمن كل صنف يؤخذ العشر مفردًا ... ومن وَسطٍ إنْ شقَّ أخذُ التَّعددِ
س65: على مَن تجب الزكاة في الأرض المستعارة أو المستأجرة للزرع وإذا غصبَ إنسان أرضًا فزرعها فهل الزكاة على الغاصب أو على رب الأرض وما هي الأرض الخراجية؟ وهل يجتمع فيها العشر والخراج؟ وما هي الأرض العشرية؟
ج: الزكاة في خارج من أرض مستعارة على مستعير، والزكاة في خارج من أرض مؤجرة على مستأجر الأرض دون مالكها؛ لأنها زكاة مال فكانت على مالكه كالسائمة وكما لو استأجر حانوتًا يتّجر فيه؛ ولأن الزكاة من حقوق الزرع، ولذلك لو لم تزرع لم تجب وتتقدر بقدر الزرع بخلاف الخراج فإنه من
حقوق الأرض على من هي بيده ومتى حصد غاصب أرض زرعه من أرض مغصوبة زكاة لاستقرار ملكه عليه ويزكيه رب الأرض إن تملكه قبل حصده ولو بعد اشتداد حبه؛ لأنه يتملكه بمثل بذره وعوض لواحقه فقد استند ملكه إلى أول زرعه فكأنه أخذه إذن، وقيل: يزكيه الغاصب؛ لأنه ملكه وقت الوجوب والأرض الخراجية ثلاثة أضرب: القسم الأول: ما فتح عنوة ووقف على المسلمين وضرب عليه خراج معلوم؛ فإنه يؤدي الخراج عن رقبة الأرض وعليه العشر عن غلتها إذا كانت لمسلم، وكذا الحكم في كل أرض خراجية، وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري والأوزاعي ويحيى والأنصاري وربيعة ومالك والثوري والشافعي وابن المبارك وإسحاق وأبو عبيد.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السماء العشر» ولأنهما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم فجاز اجتماعهما كالكفارة والقيمة في الصيد الحرمي المملوك.
والثانية: ما جلا عنها أهلها خوفًا منا.
والثالثة: ما صُولحوا على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج، والأرض العشرية خمسة أضرب: الأولى: ما أسلم أهلها عليها كالمدينة ونحوها.
والثانية: ما أحياه المسلمون واختطوه كالبصرة ونحوها.
والثالثة: ما صولح أهلها على أنها لهم بخراج يضرب عليهم كاليمن.
والرابعة: ما فتح عنوة وقسم بين غانميه كنصف خيبر.
والخامسة: ما أقطعه الخلفاء الراشدون من السواد إقطاع تمليك كالذي أقطعه عثمان - رضي الله عنه - لسعد وابن مسعود وخباب قال في «شرح المنتهى» وحمله القاضي على أنهم لم يملكوا الأرض، بل أقطعوا المنفعة وأسقط الخراج عنهم للمصلحة أي لأنها وقف كما يأتي، مما يتعلق بالأرض الخراجية من النظم:
ويُؤخذُ مِن مُستأجِر دُونَ مالكِ ... ومن مُستعيرٍ خُذْ ودَعْ ذا التجوُّدِ وعنه على المستأجرينَ خراجُها ... ولا فرضَ بعدَ العُشر بالمكث فاهتدِ وما أخرجتْه أرضُ صُلح فزكِّه ... وفي عنوةِ بَعدَ الخراج تفَقَّدِ وإن كانَ يَبقى بَعِدهُ قدرُ منصِبٍ ... فيا مُسلمًا أهل الزكاة بها جُدِ
7-
فصل في زكاة العسل
س66: ما الواجب في العَسَل وما نصابه وضح ذلك مع ذكر الخلاف؟ وهل تجب الزكاة فيما ينزل من السماء كالمن ونحوه؟ وهل تتكرر زكاة المعشرات أم لا؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل؟
ج: يجب في العسل العشر سواء أخذه من موات أو مملوكة ونصابه 160 مائة وستون رطلاً عراقية؛ لما ورد عن أبي سيارة قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نحلاً، قال: «فأد العشور» ، قال: قلت: يا رسول الله، احم لي جبلها، قال: «فحمَى لي جَبَلهَا» رواه أحمد وابن ماجه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخذ من العسل العشر.
رواه ابن ماجه، وفي رواية: جاء هلال أحد بني مُنْعَان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشور نحل له وكان يسأله أن يَحمِيَ له مواديًا يقالُ لهُ: سلبة، فحمى له ذلك الوادي؛ فلما ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان ابن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك، فكتب عمر: «إن أُدي إليك ما كان يؤدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عشور نحله فاحم له سَلَبُه وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله مَنْ يَشاءُ» رواه أبو داود والنسائي، ولأبي داود في رواية بنحوه، وقال: من كل عشر قرب قربة.
وروى الجوزجاني عن عمر أن ناسًا سألوه، فقالوا: إن رسول - صلى الله عليه وسلم - أقطع لنا واديًا باليمن فيه خلايا من نحل، وإنا نجد ناسًا يسرقونها، فقال عمر: إن أديتم صدقاتها من كل عشرة أفراق فرقًا حميناها لكم وهذا تقدير من عمر - رضي الله عنه -.
والقول الثاني: لا زكاة فيه؛ لأنه مائع خارج من حيوان أشبه اللبن وهو قول مالك والشافعي وابن أبي ليلى وابن المنذر، وقال: ليس في وجوب الصدقة في العسل حديث يثبت ولا إجماع.
انتهى.
قال في «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار» آخر (ص146) .
واعلم أن حديث ابن سيارة وحديث هلال إن كان غير أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل؛ لأنهما تطوعا بها وحمى لهما بدل ما أخذ وعقلَ عُمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك، وبقية أحاديث الباب لا تنهض للاحتجاج بها، ويؤيّدُ عدم الوجوب ما تقدم من الأحاديث القاضية بأن الصدقة إنما تجب في أربعة أجناس.
ويؤيده أيضًا ما رواه الحميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه أتى برقص البقر والعسل، فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء.
انتهى.
ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمن والنرنجبيل والشير خُشك ونحوه ولا تتكرر زكاة المعشرات ولو بقيت أحوالاً ما لم تكن للتجارة فتقوم عند كل حول بشرطه كسائر عروض التجارة؛ لأنها حينئذ مرصدة للنماء كالأثمان.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
8-
فصل في المعدن
س67: عرِّف المعدن؟ وما مثاله؟ وما الواجب فيه؟ ومتى تجب زكاته؟ وهل الواجب من عينه أو قيمته؟ ولمن يُصْرفُ الواجب فيه؟ وما هو الدليل؟
ج: المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه سمي بذلك لعدن ما أنبته الله فيه أي لإقامته يقال عدن بالمقام، عدونا أقام به ومنه «جنات عدن» ، ثم أطلق على الجوهر ونحوه من تسمية الحال باسم المحل وإلا فحقيقة المعدن يوصف به المستقر فيه.
وعرفًا هو كل متولد في الأرض لا من جنسها ولا نبات كذهب وفضة وجوهر وبلور وعقيق وصفر ورصاص وحديد وكحل وزرنيخ ومغرة وكبريت وزفت وملح وزئبق وقار ونفط ونحو ذلك.
والواجب فيه ربع العشر؛ لعموم قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم
مِّنَ الأَرْضِ} ولأنه مال لو غنمه أخرج خمسة؛ فإذا أخرجه من معدن وجبت زكاته كالذهب والفضة، وعن ابن عمر قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطعة من ذهب كانت أول صدقة جاءته من معدن لنا، فقال: إنها ستكون معادن وسيكون فيها شر خلق الله عز وجل.
رواه الطبراني في «المعجم الصغير» ، وتجب زكاة المعدن في الحال؛ لأنه مال مستفاد من الأرض فلم يعتبر له حول كالزرع وتؤخذ زكاته من عين أثمان وقيمة غيره ويصرف لأهل الزكاة؛ لما روى ربيعة بن عبد الرحمن عن غير واحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية، قال: فتلك لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.
رواه أبو داود، وقال أبو عبيد: بلاد معروفة بالحجاز.
س68: هل يحتسب بمؤنة السبك والتصفية والاستخراج؟ ما الذي يشترط لذلك؟ وما حكم إخراج زكاة معدن قبل سبك وتصفية؟ ومتى يستقر وجوب زكاة المعدن؟ وهل تسقط زكاة المعدن بتلفه؟ بين حكم الجامد والجاري؟ وإذا سبق اثنان إلى معدن في موات فما الحكم؟
ج: لا يحتسب بمؤنة سبك وتصفية ولا يحتسب بمؤنة استخراج معدن إن لم تكن دينًا؛ فإن كانت دينًا زكى ما سواها كالخراج لسبقها الوجوب ويشترط كون مخرج معدن من أهل وجوب الزكاة؛ فإن كان كافرًا أو مكاتبًا أو مدينًا يَنقُصَ به النصاب لم تلزمه كسائر الزكوات وحديث المعدن جبار، وفي الركاز الخمس، قال القاضي وغيره: أراد بقوله جبار إذا وقع على الأجير شيء وهو يعمل في المعدن فقتله لم يلزم المستأجر شيء ويشترط بلوغ النقد أو قيمة غيره نصابًا بعد سبك وتصفية كحب وثمر ولا يجوز إخراجها إذا كانت أثمانًا إلا بعد سَبْك وتصفية؛ وذلك لأن وقت الإخراج منها بعد السبك والتصفية ويستقر الوجوب في زكاة المعدن بإحرازه فلا تسقط بتلفه بعد مطلقًا وقبله بلا فعله ولا تفريطه تسقط والمعدن الجامد المخرج من مملوكة لربها؛ لكن لا تلزمه زكاته
حتى يصل إلى يده الجاري الذي مادة لا تنقطع لمستخرجه وإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به ما دام يعمل؛ لحديث: «من سَبقَ إلى مباح فهو أحق به؛ فإن ترك العمل جاز لغيره العمل فيه» .
س69: هل تتكرر زكاة المعدن؟ وهل يضم جنس من معادن إلى جنس آخر في تكميل النصاب؟ وضِّح ذلك وتعرض لذكر الخلاف؟ , وهل في المسك والزباد والمخرج من البحر زكاة، واذكر الدليل والتعليل؟
ج: لا تنكر زكاة معدن؛ لأنه عرض مستفاد من الأرض أشبه المعشرات غير نقد فتكرر زكاته؛ لأنه معد للنماء كالمواشي، ولا يضم جنس من معادن إلى جنس آخر في تكميل النصاب كبقية الأموال غير نقد فيضم ذهب إلى فضة من معدن وغيره، قال في «الإنصاف» : لا يضم جنس من المعدن إلى جنس آخر على الصحيح من المذهب، اختاره القاضي وغيره وقدمه في الفروع، وقيل: يضم اختاره بعض الأصحاب، قال ابن تميم وهو أحسن، وقيل: يضم إذا كانت متقاربة كقار ونفط وحديد ونحاس، وجزم به في الإفادات، وقال المصنف: والصواب إن شاء الله إن كان في المعدن أجناس من غير الذهب والفضة ضم بعضها إلى بعض؛ لأن الواجب في قيمتها فأشبهت العروض انتهى.
ويضم ما تعددت معادنه واتحد جنسه، ولا زكاة في مسك وزباد ولا مخرج من بحر كسمك ولؤلؤ ومرجان وعنبر ونحوه، ولو بلغ نصابًا؛ لأن الأصل عدم الوجوب وكان العنبر وغيره يوجد في عهده –عليه الصلاة والسلام- وعهد خلفائه ولم ينقل عنه ولا عنهم فيه شيء فوجب البقاء على الأصل؛ ولأن الغالب فيه وجوده من غير مشقة فهو كالمباحات الموجودة في البر.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
مما يتعلق بالمعدن من النظم
ويُفرضُ أيضًا مِنْ مَعَادن جَوهر ... وِقارٍ وصُفْرٍ والرّصَاصِ وإثْمِدِ وملحٍ وكبريتٍ ونفْطٍ ومَغْرَةً ... وسَائِر ما يُسَمَّى بمَعْدِنِ اعدد إذا كان من أثمانه قدر منصب ... ومقداره من غير قيمته قد ووقتُ وجوب الفرض حين حِيَازه ... ووَقْتُ الادَاءِ مَع سَبْكِهِ والتَّمَهدِ إذا كان من أهْل التزكي مخرجٌ ... ومصرفه مثل الزكاة فقَيِّدِ وفي الكل ربعُ العُشْرِ ممّا شَرَطتُهُ ... ولو حِيْزَ في مرّاتِ فِعْلِ مُرَدَّدِ إذا لمْ يُفَرِّق بَيْنَهَا ترك مُهْمِلٍ ... وفِي خُلْطَةِ الجمعِ أرْو قَوليْن وأسْمِدِ وَلا شيءَ فيما يُخْرِجُ البَحْرُ مُطْلَقًا ... وَمِعنك وعنه منه كالمعدنِ أرْفِدِ
9-
فصل في الركاز
س70: ما هو الركاز؟ وما الواجب فيه؟ وبيَّن مصرفه؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: الرِّكاز الكنز من دفن الجاهلية أو مَن تقدم عن كفار في الجملة عليه أو على بعضه علامة كفر فقط، وما خلا من علامة أو كان على شيء منه علامة المسلمين فلقطة لا يملكه إلا بعد التعريف؛ لأنه مال مسلم لم يعلم زوال ملكه عنه وتغليبًا لحكم دار الإسلام، ويجب في الركاز الخمس؛ لما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «العجماء جرحها جبَار والبئر جبار والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» متفق عليه، ويصرف الخمس مصرف الفيء للمصالح كلها؛ لما روى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارج المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب، فأخذ منها مائتي دينار ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل يقسم المائتين بين من حضر من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير، فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك، فلو كان الخمس زكاة لخصَّ بها أهل الزكاة، وقيل: إن مصرفه مصرف الصدقات؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله ابن بشر الخثعمي عن رجل من قومه، يقال له: ابن حَمَمَة، قال: سقطتُ على حِرة من دَيْر قَديم بالكوفة عند حبانة بشْر فيها أربعة آلاف درهم فذهبت بها إلى علي -عليه السلام-، فقال: اقسمها خمسة أخماس، فقَسمتُها، فأخذ منها عَليُّ خمسًا وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني، فقال: في جيرانك فقراء ومساكين، فقلت: نعم، قال: فخذها واقسمها بينهم، والمساكين مصرف الصدقات؛ ولأنه حق يجب في الخارج من الأرض فأشبه صدقة المعدن.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س71: متى يجب خمس الركاز؟ وهل يجوز إخراج الخمس من غير ركاز؟ وهل يمنع الدين خمس الركاز؟ وهل لواجده أن يفرق الخمس بنفسه؟ وإذا كان واجدُه أجيرًا أو مكاتبًا أو صغيرًا أو مجنونًا أو ذميًا أو مستأمنًا فما الحكم؟
ج: يجب في الركاز الخمس في الحال في أي نوع من المال، ولو غير نقد ويجوز إخراج الخمس من غيره كزكاة الحبوب وغيرها، ولا يمنع الدين خمس الركاز، ويجوز لواجده أن يفرق الخمس بنفسه وباقيه لواجده ولو ذميًا أو مستأمنًا بدارنا أو مكاتبًا أو صغيرًا أو مجنونًا، ويخرج عنهما ولبهما كزكاة مالهما ونفقة تجب عليهما إلا أن يكون واجده أجيرًا فيه لطلبه، فالباقي إذن لمستأجره؛ لأن الواَجِد نائب عنه، ولو استؤجر لحفر بئر أو هدم شيء فوَجدَه فهو له لا لمستأجره لا من كسب الواجِدِ وإن وَجدَهُ عبد فهو من كسبه فيكون لسيده كسائر كسبه.
س72: إذا وجَدَ الركازَ واجدٌ في موات أو شارع أو أرض لا يُعلم مالكها أو في خَرِبة أو في ملكه الذي أحياه فلِمَنْ يكون الركاز؟
ج: إن وَجدَه واجِدٌ في موات أو شارع أو أرض لا يعلم مالكها أو وجده في طريق غير مملوك أو في خربة أو في ملكه الذي أحياه فهو لواجده وإن علم مالك الأرض التي وجد بها الركاز أو كانت الأرض منتقلة إلى واجد الركاز فهو له أيضًا إن لم يَدَّعِهِ المالكُ للأرض؛ لأن الركاز لا يملك بملك الأرض؛ لأن مودع فيها للنقل عنها فلو ادعاه مالك الأرض التي وجد بها بلا بينة تشهد له به ولا وصف بصفة به فالركاز لمالك الأرض مع يمينه؛ لأن يد مالك الأرض على الركاز فرجح بها وكذا لو ادعاه مَنْ انتقلت عنه الأرض؛ لأن يده كانت عليها، وإن اختلفت ورثة المالك فادعى بعضهم أنه لمورثهم وأنكر البعض الآخر فحكم من أنكر حكم المالك الذي لم يعترف به وحكم المدعين حكم المالك المعترف فيحلفون ويأخذون نصيبهم وكذا ورثة من انتقلت عنه.
ومن يتعلق بالركاز من النظم
وفرض الركاز الخمس من كل ما لنا ... ولو قل مثل الفيء في الحال أورد فيؤخذ خمس إن يجده معاهد ... وفي الثاني لا والكل خذه بمبعد وعنه إلى أهل الزكاة ادْفَعنَّه ... وأربعة الأخماس منه لوَاجدِ وسيان في أي الرباع أوجدتَه ... وعن أحمد للمالك إن عَلِم أرْدِدِ وإن رده مَن عنه حزتَ مكانَهُ ... فجاوز إلى مَن قبله وتصَعَّد وقولان هل يعطي لمن عنه نقلت ... مقربه من غير وصف وشهد وذلك دفن الكافرين بزيهم ... وَمعَ شك أو زيّ الهدى اللقطة أنشُدِ وممتَنع في أرض حرب غنيمةٌ ... كجمع أتوا في منعة وتعَدُّدِ وأن يتأتى الأخذ من غير منعة ... فذاك ركاز في الأصح المجوّدِ وجُوِّزَ صَرفَ الخمس منه لواجد ... في الأقرى إذا ما كان أهل التزود
10-
باب زكاة الذهب والفضة
س73: تكلم عما تجب فيه الزكاة من الأثمان مع ذكر الدليل؟
ج: مما تجب فيه الزكاة الأثمان وهي النقود من الذهب والفضة وما يقوم مقامها من أوراق وفلوس نقدية ووجوب الزكاة فيهما بالكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية والسُّنة مستفيضة بذلك، ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار يُحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنُبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد» رواه مسلم.
وروى البخاري وغيره في كتاب أنس: «وفي الرقة ربع العشر؛ فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها والرقة هي الدراهم المضروبة» .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمس أواقي صدقة» متفق عليه، وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه إلا ما اختلف فيه عن الحسن، قاله في «المغني» و «الشرح الكبير» .
س74: ما أقل نصاب ذهب وفضة؟ وما مقدار كل منهما في الريال الحالي والجنيه؟ وتكلم بوضوح عن الأوراق الموجودة حاليًا.
ج: أقل نصاب ذهب عشرون مثقالاً زنة المثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، ولم تتغير في جاهلية ولا إسلام، وزنة العشرين مثقالاً بالدراهم ثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم إسلامي وخمسة وعشرون وسبعًا دينار وتسعة بالذي زنته درهم وهو على التحديد، والمثقال ثنتان وسبعون حبَّة
شعير متوسطة.
والنصاب بالذهب بالجنيه السعودي، وكذلك بالجنيه الفرنجي أحد عشر جنيهًا ونصف جنيه، وأقل نصاب فضة مائتا درهم وبالريال العربي ستة وخمسون ريالاً تقريبًا، وبالريال الفرنسي ثلاثة وعشرون ريالاً تقريبًا؛ لما في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ، والأوقية: أربعون درهمًا وهي بالمثاقيل مائة وأربعون مثقالاً؛ وأما الأوراق الموجودة؛ فإذا ملك منها ما يقايل نصابًا من الفضة وحال عليها الحول؛ فإنه يخرج منها ربع العشر ويجب في الذهب والفضة ربع العشر مضروبين أو غير مضروبين؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كانتا مائتا درهم فيهما خمسة دراهم» ؛ ولعموم ما تقدم وعن ابن عمر وعائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال.
رواه ابن ماجه.
س75: تكلم عن حكم معشوش الذهب؟ وهل يجزي إخراج الزكاة من المغشوش؟ وماذا يعمل إذا شك في بلوغ مغشوش نصابًا؟ وإذا أخرج رديء عن أعلى فما الحكم؟ وهل يجزي إخراج مغشوش عن خالص وقليل القيمة عن كثيرها؟
ج: يزكي مغشوش ذهب وفضة بلغ خالصه نصابًا وإلا فلا؛ فإن شك في بلوغ مغشوش نصابًا سَبَكه واحتاط فأخرج ما يجزيه بيقين لتبرأ ذمته والأفضل إخراجه عنه ما لا غش فيه، ويزكي غش من نقد بلغ بضم نصابًا فأربع مائة ذهب فيها مائة فضة وعنده مائة فضة يزكي المائة الغش؛ لأنا بلغت نصابًا بضمها إلى المائة الأخرى، وكذا لو بلغ نصابًا بدون الضم كخمسمائة درهم فيها ذهب ثلاثمائة وفضة مائتان فيزكي المائتين الغش؛ لأنها نصاب بنفسها، وإن شك من أيهما الثلاثمائة درهم احتاط فجعلها ذهبًا فيخرج زكاة ثلاثمائة درهم ذهبًا ومائتي درهم فضة احتياطًا، ويعرف غش الذهب المغشوش بوضع ذهب خالص وزنَ المغشوش بماء في إناء أسِفله كأعلاه، ثم يرفع الذهب، ثم يوضع فضة خالصة وزن
المغشوش والفضة أضخم من الذهب ثم ترفع، ثم توضع مغشوش، ثم يرفع ويعلم عند وضع كل من ذهب وفضة ومغشوش علو الماء في الإناء والأولى كونه ضيقًا ليظهر ذلك؛ فإن تنصف بينهما علامة مغشوش فنصفه ذهب ونصفه فضة ومع زيادة أو نقص عن ذلك بحسابه ويخرج عن جيد صحيح من ذهب أو فضة من نوعه كالماشية لوجوب الزكاة في عينه ويخرج عن رديء من ذهب وفضة من نوعه؛ لأن الزكاة مواساة فلا يلزمه إخراج أعلى مما وجبت فيه، وإن اختلفت أنواع مزكي أخرج من كل نوع بحصته؛ لأنه الواجب شق أو لم يشق والأفضل الإخراج من الأعلى؛ لأنه زيادة خير للفقراء ويجزي إخراج رديء عن أعلى مع الفضل كدينار ونصف من الرديء عن دينار جيد مع تساوي القيمة؛ لأن الرِّبَا لا يجري بين العبد وربه كما لا يجزي بين العبد وسيده، ويجزي إخراج مغشوش عن خالص جيد مع الفضل وتجزي دراهم سود عن دراهم بيض مع الفضل نصًا؛ لأنه أدى الواجب قيمة وقدرًا كما لو أخرج من عينه ويجزي قليل القيمة عن كثيرها مع إنفاق الوزن لتعلق الوجوب بالنوع وقد أخرج منه ولا يجزي أعلى عن واجب بالقيمة دون الوزن، فلو وجب نصف دينار رديء فأخرج عنه ثلث جيد يساويه قيمة لم يجزه لمخالفة النص فيخرج أيضًا سدسًا.
س76: هل يضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب؟ وما حكم ضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة؟ وما حكم ضم جيد كل جنس ومضروبه إلى دريئه وتبره؟
ج: يضم أحد النقدين إلى الآخر بالأجزاء في تكميل النصاب؛ لأن زكاتهما ومقاصدهما متفقة؛ ولأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر فضم إلى الآخر كأنواع الجنس ويخرج أحد النقدين عن الآخر فيخرج ذهب عن فضة وعكسه بالقيمة لاشتراكهما في المقصود من الثمنية والتوسل إلى المقاصد فهو كإخراج مكسرة عن صحاح بخلاف سائر الأجناس لاختلاف مقاصدهما؛
ولأنه أرفق بالمعطي والآخذ ولئلا يحتاج إلى التشقيص والمشاركة أو بيع أحدهما نصيبه من الآخر في زكاة ما دون أو بعين دينارًا وإن اختار الدفع من الجنس وأباه فقير لضرر يلحقه في أخذه لم يلزم مالكًا إجابته؛ لأنه أدى فرضه فلم يكلف سواه ويضم جيد كل جنس ومضروبه إلى رديته وتبره وتضم قيمة عروض تجارة إلى الذهب أو الفضة وتضم إلى جميعه، فلو كان ذهب وفضة وعروض ضم الجميع في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضموم إلى كل منهما فوجب ضمهما إليه.
والله أعلم.
11-
فصل في زكاة الحلي
س77: تكلم بوضوح عن حكم زكاة الحلي، وأذكر ما فيه من خلاف ودليل أو تعليل بإستقصاء؟
ج: تجب الزكاة في حلي الذهب والفضة، إذا بلغ نصابًا بنفسه أو بما يضم إليه من جنسه أو في حكمه، ولم يكن معدًا للاستعمال ولا للإعارة؛ فإن كان معدلهما أو لأحدهما فلا زكاة فيه؛ لما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجَواريه الذهب ولا يخرج من حليهن الزكاة، ورواه عبد الرزاق، أنبأنا عبد الله، عن نافع: أن ابن عمر قال: «لا زكاة في الحلي» ، وروى مالك أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها فلا تخرج من حليهن الزكاة كلاهما في «الموطأ» (أثر أخرجه) الدارقطني عن شريك عن علي بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة أثر آخر، رواه الشافعي، ثم البيهقي من جهة أبي سفيان عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي: أفيه الزكاة؟ قال جابر: لا، فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال جابر: كثير.
(أثر آخر) أخرجه الدارقطني عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن
أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحوًا من خمسين ألفًا، قال صاحب «التنقيح» : قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، يقول: «خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة: أنس بن مالك، وجابرًا، وابن عمر، وعائشة، وأسماء» انتهى كلامه.
قال في «شرح الإقناع» وما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة في يدها سواران من ذهب: «هل تعطين زكاة هذا» ، قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار» رواه أبو داود، فهو ضعيف.
قال أبو عبيد والترمذي: وما صح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في الرقة ربع العشر» ، فجوابه: إنها الدراهم المضروبة، قال أبو عبيد: لا يعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المضروبة ذات السكة السائرة بين المسلمين وعلى تقدير الشمول يكون مخصصًا بما ذكرنا؛ ولأنه مرصد للاستعمال المباح فلم يجب فيه الزكاة كالعوامل وثياب القنية، قال المعلق على «شرح الإقناع» في (ص211) على حديث المسكتين: الحديث عند أبي داود وغيره أتت امرأة من أهل اليمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا» الحديث.
قال أبو عبيد في «الأموال» (ص454) : هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من وجه واحد بإسناد، وقد تكلم به قديمًا وحديثًا؛ فإن يكن الأمر على ما روى وكان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - محفوظًا فقد يحتمل معناه أن يكون أراد بالزكاة العارية كما فسرته العلماء سعيد بن المسيب والشعبي والحسن وقتادة في قولهم: زكاته عاريته، ولو كانت الزكاة في الحلي فرضًا كفرض الرقة ما اقتصرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك على أن يقوله لامرأة يخصها به عند رؤيته الحلي عليها دون الناس، ولكان هذا كسائر الصدقات الشائعة المنتشرة عنه في العالم من كتبه وسننه ولفعلته الأئمة بعد، وبهذا القول قال القاسم والشعبي وقتادة ومحمد بن علي وعمرة ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور.
قال في «الاختيارات الفقهية» ونقل عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته؛ ولهذا تنازع أهل هذا القول هل يلزمها أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها على
وجهين في مذهب أحمد وغيره والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره؛ وأما إن كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء، وفي «شرح أصول الأحكام» قال ابن القيم: وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وهو الراجح وإنه لا يخلو من زكاة أو عاريَّة.
والقول الثاني: أن فيه الزكاة وإن كان معدًا للاستعمال أو للإعارة لظاهر الآيات وللأحاديث العامة والخاصة فمن الأحاديث العامة حديث أبي سعيد الخدري: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» أخرجاه في «الصحيحين» ، ولمسلم عن جابر نحوه، ومنها ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار» ، قال: فحذفتهما فألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: هما لله ولرسوله» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني.
وما ورد عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتَحات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقالت: صنعتهن أتزين لك، قال: «حسبك من النار» » رواه أبو داود والدارقطني، وفي إسناده محمد بن يحيى الغافقي، وقد احتج به الشيخان وغيرهما.
وعن أم سلمة قالت: «كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو، فقال: «ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» » رواه مالك وأبو داود الآثار.
روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» حدثنا وكيع عن مساور الورّاق قال: «كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن مُرْ من قبلك من نساء المسلمين أنْ يُزَكِّينَ حُليهُنَّ ولا يحملن الزيادة والهدية بينهم تقارضًا» قال البخاري في «تاريخه» : هو مرسل أثر آخر أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن مسعود قال: «في الحلي الزكاة» انتهى من طريق عبد الرزاق، رواه الطبراني في «معجمه» ،
أثر آخر أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه كان
يكتب إلى خازنه سالمًا أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة، وكما روي هذا عن عمر وابن مسعود، فقد روي أيضًا عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعبد الله بن شداد وجابر ابن زيد وابن سيرين وميمون بن مهران والزهري والثوري وأصحاب الرأي لعموم ما تقدم.
والذي يترجح عندي القول الأول لما تقدم؛ ولأنه مرصد للاستعمال المباح ولم يرصد للنماء، والزكاة إنما شرعت في الأموال النامية.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س78: تكلم عما يلي واذكر أمثلة توضح ما يحتاج إلى توضيح: الحلي، المحرم ما أعد للكراء، وما أعد للنفقة، هل العبرة بالوزن؟ وبأي شيء يقوم مباح الصناعة: تحلية المسجد والمحراب، تحلية السقف والحائط؟
ج: تجب الزكاة في محرم كآنية ذهب وفضة؛ لأن الصناعة المحرمة كالعدم، وتجب الزكاة في حلي مباح معد للكري أو نفقة ونحوه إذا بلغ نصابًا وزنًا؛ لأن سقوط الزكاة فيما أعد لاستعمال أو إعارة لصرفه عن جهة النماء فيبقى ما عداه على الأصل إلا المباح من الحلي المعد للتجارة ولو نقد فيعتبر نصابه قيمة كسائر أموال التجارة ويقوِّم مباح صناعة لتجارة ولو نقدًا بنقد آخر؛ فإن كان من ذهب قوِّم بفضة وإن كان من فضة قومِّم بذهب إن كان تقويمه بنقد آخر أحظ للفقراء أو نقص عن نصابه كخواتم فضة لتجارة زنتها مائة وتسعون درهمًا وقيمتها عشرون مثقالاً ذهبًا فيزكيها بربع عشر قيمتها؛ فإن كانت مائتي درهم، وقيمتها تسعة عشر مثقالاً وجب أن لا تقوم وأخرج ربع عشرها، ويعتبر مباح صناعة من حلي تجب زكاته الغير تجارة بلغ نصابًا أو وزنًا في إخراج زكاته بقيمته اعتبارًا للصنعة ويحرم أن يحلى مسجد أو محراب بنقد أو أن يموه سقف أو حائط بنقد، وكذا سرج ولجام دواة ومقلمة ونحوها؛ لأنه سرف ويقضي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فهو كالآنية.
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
التختم بخاتم الذهب للرجل فتمويه نحو السقف أولى وتجب إزالته كسائر المنكرات وتجب زكاته إذا بلغ نصابًا بنفسه أو ضم إلى غيره إلا إذا استهلك فلم يجتمع منه شيئًا فيهما.
س79: ما الذي يباح من الذهب والفضة وما الذي يباح للنساء؟ وهل يجب في الجواهر واللؤلؤ زكاة؟
ج: يباح لذكر من فضة خاتم؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتمًا من ورق متفق عليه ولبسه بخنصر يساره أفضل.
قال الدارقطني وغيره المحفوظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتختم في يساره، وضعّف أحمد في رواية الأثرم وغيره حديث التختم، باليمنى ويجعل فصه مما يلي كفه؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- كان يفعل ذلك قاله في الفروع، وكان ابن عباس وغيره يجعله مما يلي ظهر كفه ولا بأس بجعله مثقالاً فأكثر؛ لأنه لم يرد فيه تحديد ما لم يخرج عن العادة؛ لأن الأصل التحريم خرج المعتاد لفعله - صلى الله عليه وسلم - وفعل الصحابة وله جع لفصه منه ومن غيره؛ لأن في البخاري من حديث أنس كان فصه منه، ولمسلم كان فصه حبشيًّا ويكره لبسه في سبابة ووسطى للنهي الصحيح ويباحُ لذكر من فضة قبيعة سيف لقول أنس كانت قبيعة سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضة، رواه الأثرم.
والقبيعة: ما يجعل على طرف القبضة؛ ولأنها معتاد له أشبهت الخاتم ويباح حلية منطقة وهي ما يشتد به الوسط وتسميه العادة الحياصة؛ لأن الصحابة أتخذوا المناطق محلاة بالفضة ولأنها كالخاتم وعلى قياسه حلية جوشن وهو الدرع وخوذة وهي البيضة وخف وران وهي شيء يلبس تحت الخف وحمائل سيف؛ لأن هذه معتادة للرجُل فهي كالخاتم ولا يباح حلية ركاب ولجام ردواة ونحو ذلك ويباح لذكر من ذهب قبيعة سَيْف، قال أحمد: «كان في سيف عمر سبائك من ذهب، وكان في سيف عثمان بن حنيف - رضي الله عنه - مسمار من ذهب» ، ويباح له من ذهب ما دعت إليه ضرورة كانت
ولو مكن من فضة؛ لأن عَرْفجة بن سعيد قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتخذ أنفًا من ذهب، رواه أبو داود وغيره صححه الحاكم.
وكشدّ سن، رواه الأثرم عن أبي رافع وثابت البناني وغيرهما؛ ولأنهما ضرورة فأبيح كالأنف ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه، ولو كثر ولو زاد على ألف مثقال كسوار ودملوج وطوق وخلخال وخاتم وقرط وما في مخانقِ ومقالدٍ وما أشبه ذلك ويباح لرجل وخنثى وامرأة تحلِّ بجوهر ونحوه كزمرد وياقوت ويحرم نقض صورة حيوان على خاتم ولبسه ما بقيت عليه ولا زكاة في الجواهر واللؤلؤ وإن كثرت قيمته أو كان في حلي كسائر العروض إلا أن يكون الحلي لتجارة فيقوّم جميعه أي ما فيه من جوهر ولؤلؤ وغيرهما تبعًا لما فيه من نقد.
والله أعلم.
ومما يتعلق بزكاة الذهب والفضة والحلي
وللذهب العشرون مثقالاً لا اتخد ... نصابًا وربع العشر فرضٌ لها طدِ وفي فضة صرفًا فخذ ربع عشرها ... على مائتيها المنصب الخمسة أعددِ ونقص يسير عادة غير مانع ... وفي ثلث مثقال مقاليْنِ أسندِ وفي زائد عن منصب بحاسبه ... فأدّ زكاة الأصل والمتزيدِ ولا عبرة في الغش في قدر منصب ... ومن شك يخرج أوالي السبك أرشدِ وأن يخرجن عن جيد وصحيحها ... لضد فتمم نقص ذا بالتزيدِ ويجزي مع الجبران في نص أحمد ... وقد قيل لا يجزي هنا غير جيدِ وفي ضم ورقِ في النصاب وعسجد ... وإخراج ذا عن ذا مَقالين أسند وضَمكَ بالأجزاءِ أولى وقيل بل ... بقيمة ما فيْه الأحض لمجُتَدِ وقيمة عرض ضمها لِكليهما ... وحظ الفقير الزْمهُ في الضم واقصدِ
ما يتعلق بالحلي
ولا شيء في حلي مباح تعدة ... لفعل مباح لا لكسب بأوكد ولو كان ملكًا للمزين عرسه ... وعارية الأنثى كذا حكم نهد وما أعتادهُ النسوان حل جميعه ... وقيل ألف مثقال يزكي وأبعد وحل على الذكران خاتم فضة ... وحلية سيف مع قبيعة عسجد وأنف وربط السن منه ضرورة ... وقول أبي بكر مبيح المزهد وحلي حرام والأواني فزكها ... وما اعتد للإنفاق أو للتزيد
12-
باب زكاة العروض
س80: ما هو العرض؟ ومتى تجب زكاته؟ وما سندها؟ وما الذي تجب فيه زكاته؟ وما الذي يشترط لزكاة العروض؟
ج: العروض جمع عرض بإسكان الراء وهو ما عدا الأثمان من الحيوان والثياب وبفتحها كثرة المال والمتاع، وسمي عرضًا؛ لأنه يعرض ليباع ثم يشترى، وقيل: لأنه يعرض ثم يزول ويفنى، والمراد هنا ما أعد للبيع والشراء لأجل ربح غير النقدين غالبًا، تجب في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابًا في قول الجماهير وادعاه ابن المنذر إجماع أهل العلم، وقال المجد: هو إجماع متقدم لقوله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ ، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية، وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (25/45) : والأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها في عروض التجارة سواء كان التاجر مقيمًا أو مسافرًا سواء كان متربصًا وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخر ما إلى وقت ارتفاع السعر أو مديرًا كالتجار الذين في الحوانيت سواء كانت التجارة بزًا من جديد أو لبيس أو طعامًا من قوت أو فاكهة أو أدم أو غير ذلك أو كانت آنية كالفخار ونحوه أو حيوانًا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم معلوفة أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب
أموال أهل الأمصار الباطنة كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة ومال التجارة أعم الأموال فكان أولى بالدخول لحديث أبي ذر مرفوعًا: «وفي البر صدقة» رواه أحمد، ورواه الحاكم من طريقين وصحح إسنادهما، وقال: إنه على شرط الشيخين واحتج أحمد بقول عمر لحماس -بكسر الحاء المهملة: «أد زكاة مالك» ، فقال: مالي إلا جعاب وأدم، فقال: قومها وأد زكاتها، رواه أحمد وسعيد وأبو عبيد وأبو بكر ابن أبي شيبة وغيرهم وهو مشهور؛ لما ورد عن سَمُرةَ بن جندب قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع» رواه أبو داود.
وتجب لزكاة في قيمة عروض تجارة بلغت نصابًا من أحد النقدين إلا في نفس العرض؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة فهو محل الوجوب والقيمة إن لم توجد عينًا فهي مقدرة شرعًا، وقال الشيخ تقي الدين: ويجوز الأخذ من عينها، قال: ويقوى على قول من يوجب الزكاة في عين المال، وهذا القول عندي أنه أرجح؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله، ويشترط لزكاة العروض شرطان: الأول: أن يملكها بفعله بنية التجارة.
الثاني: أن تبلغ قيمتها نصابًا.
س81: تكلم بوضوح عما يلي: إذا ملك العروض بإرث أو بفعله بغير نية التجارة؟ من كان عنده عرض لتجارة فنواه للقنية ثم لتجارة، متى تقوم العروض؟ , وما صفة تقويم الأمة المغنية والعبد الخصي وآنية الذهب والفضة ونحوها؟
ج: إذا ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نوى التجارة بها لم تصر لها، وكذا لو ملكها بإرث لم تصر لها إلا أن يكون اشتراها بعرض تجارة فلا يحتاج إلى نية التجارة، بل يكفيه استصحاب حُكمها بأن لا ينويها للقنية وإن كان عنده عرض تجارة فنواه للقنية دون التجارة ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة؛ لأن القنية هي الأصل فيكفي في الرد إليه مجرد النية كما لو نوى المسافر الإقامة؛ ولأن نية التجارة شرط للوجوب فيها؛ فإذا نوى القنية زالت نية التجارة
ففات شروط الوجوب بخلاف السائمة إذا نوى علفها؛ فإن الشرط السوم دون النية إلا حُليِّ اللبس ذا نوى به التجارة فيصير لها بمجرد النية؛ لأن التجارة الأصل فيه، فإذا نواه للتجارة فقد رده إلى الأصل وتقوم للعروض عند تمام الحول؛ لأنه وقت الوجوب بالأحظ للفقراء من ذهب أو فضة ولا يعتبرها ما اشتريت به من عين أو ورق لا قدرًا ولا جنسًا، روي عن عمر؛ لأن في تقويمها بما اشتريت به أبطال للتقويم بالأنفع، وتقوّم الأمة المغنية والزامرة والضاربة بآلة لهو ساذجة أي خالية عن معرفة ذلك؛ لأنها لا قيمة لها شرعًا ويقوم العبد الخصي بصفته ولا عبرة بقيمة آنية ذهب وفضة ونحوها كمراكب وسرج لتحريمها فيعتبر نصابها وزنًا.
س82: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا اشترى أو باع عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان أو من العروض، إذا اشترى عرض التجارة بنصاب من السائمة أو باع عرض التجارة بنصاب من السائمة، إذا اشترى نصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لقنية، إذا ملك نصاب سائمة لتجارة فحال الحول والسوم ونية التجارة موجدان؟
ج: إذا اشترى أو باع عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان أو من العروض بنى على حوله أي حول الأول وفاقًا؛ لأن الزكاة في الموضعين تتعلق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض؛ ولأن وضع التجارة للتقلب والاستبدال بثمن وعروض فلو لم يبن بطلت زكاة التجارة وإن لم يكن النقد نصابًا فحوله من حين كملت نِصابًا لا من حين اشتراه وإن اشترى عرض التجارة بنصاب من السائمة لم يبن على حوله لاختلافهما في النصاب والواجب وإن اشترى نِصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لقنية بنى حَولِه؛ لأن السموم سبب للزكاة قدم عليه زكاة التجارة؛ لقوته فبزوال المعارض ثبت حكم السوم لظهوره.
س83: من ملك نصاب سائمة لتجارة أو ملك أرضًا لتجارة فزرعت أو ملك نخلاً لتجارة فأثمر فهل عليه زكاة تجارة أو يزكي لغيرها؟ إذا اشترى صباغ ما يصبغ به للتكسب فهل يزكيه؟ إذا ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول ثم قطع نية التجارة فما الحكم؟ وهل تزكي آنية عرض التجارة أو آلة دابة التجارة وضح ذلك، مع التمثيل لما يحتاج إلى تمثيل؟
ج: من ملك نصاب سائمة لتجارة أو ملك أرضًا لتجارة فزرعت أو ملك نخلاً فأثمر فعليه زكاة تجارة فقط الزرع والثمر جزر خرجًا منه فوجب أن يقوما مع الأصل كالسخال والربح المتجدد إلا أن لا تبلغ قيمة المذكور نصابًا بأن نقصت عن عشرين مثقالاً ذهبًا وعن مائتي درهم فضة فيزكي ذلك لغير التجارة فيخرج من السائمة زكاتها، ومن الزرع والثمر ما وجب فيه لئلا تسقط الزكاة بالكلية ومن ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول ثم قطع نية للتجارة استأنف الحول للسوم؛ لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء وحول السوم لا يُبنى عليه غيره وأما آنية عرض التجارة كغرائر وأكياس وأجربة وآلة دابة التجارة كسرج ولجام وبردعة ومقود؛ فإن أريد بيعها مع العرض والدابة فهما مال تجارة يقوّمان مع العرض والدابة وإلا يريد بيعها فلا يقوّمان كسائر عروض القنية.
س84: إذا اشترى شقصًا مشفوعًا لتجارة بألف فصار عند تمام الحول بألفين فما الحكم؟ وإذا اشترى صباغ ما يصبغ به أو دباغ ما يدبغ به فما الحكم؟ وإذا أذن كل واحد من شريكين أو غيرهما لصاحبه في إخراج زكاته فما الحكم؟
ج: في المسألة الأولى يزكي ألفين؛ لأنهما قيمته ويأخذه الشفيع بالشفعة بألف؛ لأنه يأخذه بما عقد عليه وينعكس الحكم بعكسهما؛ فإذا اشترى بألفين فصار عند الحول بألف زكي ألفًا وأخذة الشفيع إن شاء بألفين وكذا لو ردّ
لعيبه ردّهُ بألفين، وإن اشترى صباغ ما يصبغ به وينفي أثره كزعفران ونيل ونحوه فهو عرض تجارة يقوّم عند تمام حوله لإعتياضه عن الصبغ القائم بنحو الثوب ففيه معنى التجارة وكذا ما يشتريه دباغ ويَدبَغُ به كعفص وقرض وما يدهن به كسمن وملح، وإذا أذن كل من شريكين أو غيرهما لصاحبه في إخراج زكاته ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه إن أخرجا معا أو جهل سابق وإلا ضمن الثاني ولو لم يعلم لا إن أدى دينًا بعْدَ إداء مُوكَّلهِ ولو لم يعلم ولهن عليه زكاةُ الدقة تطوعًا قبل إخراجها.
مما يتعلق بزكاة عروض التجارة
ومن قيمة العروض اقبضن فرض بالغ ... نصابًا من الأثمان من ثم فاعقد وقيمتها أصل تفارقه إذا ... تملكتها تنوي إتجارًا بها قد ولا شيء فيها إن بإرث ملكتها ... أو الفعل لم تنويها تجر قصد ولا إن نوى بعد اقتناء تجارة ... وعنه بلى فاحكم بقصد مجرد ولا تعتبر حال الشراء وقوِّمن ... لدى الحول بالأولى لأهل التفقد وتبني على حول الأصول مبدلاً ... وسائمة إن بعت بالفرض فابتدى وسائمة عرضا تزكي تجارة ... وأي نصابيها استوى عنه زود وقبل زكاة زكها من نصابها ... وقيل الأحظ افعله للفقراء قد وإن ما تكن أرضًا ونخلاً فزكها ... وأثمارها والزرع كالعرض ترشد وقال أبو يعلى خذ العشر للنما ... كسبقهما حول التجارة وراشد ويخرج عن مال القراض وحظه ... من الريح رب المال من حظه قد وقيل من الربح احسبن كمضارب ... إذا قيل زكى جاز منه بمبعد وكل شريك ضامن حق آذن ... إذا أخرجاها دفعة بتعدد ويضمن ثان حتى أول مخرج ... ولو جاهلاً أو بعد عزل بأجود
13-
باب زكاة الفطر
س85: ما حكم صدقة الفطر؟ وما الأصل في مشروعيتها؟ ولما أضيفت إلى الفطر؟ وما هي الفطرة؟ وما الذي يُراد بصدقة الفطر؟ وما الحكمة فيها؟
ج: حكمها أنها واجبة وجوب عين على كل مسلم تلزم مؤنة نفسه ولو مكاتبًا فضل له عن قوته ومن تلزمه مؤنته يوم العيد وليلته صاع وأضيفت إلى الفطر؛ لأنه سبب وجوبها فهو من إضافة الشيء إلى سببه، وقيل: لها فطرة؛ لأن الفطرة الخلقة؛ قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس والحكمة فيها هي المذكورة في حديث ابن عباس: «زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة المساكين» الحديث رواه أبو داود وابن ماجه، والأصل في مشروعيتها ما روى ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر وصاعًا من أقط أو صاعًا من شعير على كل حر وعبد وذكر وأنثى من المسلمين» متفق عليه.
وللبخاري: «والصغير والكبير من المسلمين» .
وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ أنها زكاة الفطر.
س86: بين مصرف صدقة الفطر؟ وهل الدين مانع من وجوبها؟ وهل تجب في مال اليتيم؟ ومن الذي يتولى أمره فيها؟ وما الدليل على أنها تلزم لمن مانه من المسلمين؟
ج: مصرفها كزكاة لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية وتجب في مال اليتيم كزكاة المال ويخرجها عنه وليه كما ينفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته؛ وأما كونها تلزمه عمن يمونه من المسلمين كزوجة وعبد وولد فلعموم
حديث ابن عمر: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون» رواه الدارقطني، ولا يمنع الدين وجوبها إلا مع طلبه لتأكيدها بدليل وجوبها على الفقير وعلى كل مسلم قَدَرَ عليها وتحملها عمن وجَبَت عليه؛ ولأنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه بخلاف زكاة المال إلا مع الطلب بالدين فتسقط لوجوب إرادته بالطلب وتأكده بكونه حق آدمي معين وبكونه أسبق سببًا ومقدارها صاعٌ فاضل بعد حاجتهما لمسكن وخادم ودابة وثياب مهنة وكسب علم النظر وحفظ؛ لأن هذه حوائج أصلية يحتاج إليها كالنفقة.
س87: على من تجب فطرة زوجة المكاتب ورفيقه وقريبه ممن تلزمه مؤنته؟ وإذا لم يفضل مَعَ مَن وجَبت عليه زكاة الفطر إلا بعض صاع، فما الحكم؟
ج: تلزم المكاتب فطرة زوجته وفطرة قريبه ممن تلزمه مؤنته كولده التابع له في الكتابة وتلزمه فطرة رقيقه كفِطرَة نفسه لدخوله في عموم النص؛ ولأنه مسلم تلزمه نفقة من ذكر فلزمته فطرته كالحر وإن لم يفضل إلا بعض صاع لزمه إخراجه عن نفسه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولأنها طهرة فهي كالطهارة بالماء؛ فإن فضل صاع وبعض صاع أخرج الصاع عن نفسه؛ لحديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وأخرج البعض عمن تلزمه نفقته ويكمله المخرج عنه إن قدر؛ لأنه الأصيل والمخرج متحمل.
س88: هل تلزمُ الزوج فطرة مَن بانت عنه وهي حَامل؟ وهل يلزمُ المستأجر لأجير وظئر بطعامها وكسوتهما فِطرةً؟ وتكلم عن فطرة من وجبت نفقته في بيت المال؟ وعن فطرة الزوجة الناشز؟ وممن لا تجب نفقتها لصغر أو زوجة أمة تسلمها زوجها ليلاً دون نهار؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: لا تلزم الفطرة الزوج لبائن حامل؛ لأن النفقة للحمل لا لها من أجل الحمل، ولا تلزم الفطرة من استأجرها أجيرًا أو ظئرًا بطعامه وكسوته كضيف؛ لأن الواجب هاهنا أجرة تعمدُ الشرط في العقد فلا يُزاد عليها، ولاتجب فطرة مَن وجَبت نفقته في بيت المال كعبد الغنيمةِ قبل القسمة وعبد الفيء واللقيط؛ لأن ذلك ليس بإنفاق وإنما هو إيصال المال في حقه، وترتيب الفطرة كالنفقة لتبعيتها لها ولا تجب فطرة غائب إن شك في حياته، ولا تبج فطرة زوجة ناشز أو زوجة لا تجب نفقتها لصغر ونحوه أو زوجة أمة تسلمها زوجها ليلاً دون نهار؛ لأنها زمن الوجوب في نوبة سيدها فتكون على سيدها.
س89: بيِّن على من تجب فطرة مَن يلي: القن المشترك؟ مَن له أكثر مِن وارث؟ المُلحقُ بأكثر من واد؟ إذا عجز بعض الملاك أو الورَّاث فماذا يلزم القادر؟ وهل لمن لزمتْ غيرَه فطرتُهُ الطلب بإخراجها؟ وهل له أن يخرجها بنفسه؟ إذا أخرج إنسان فطرة عمن لا تلزمه فطرته، فما حكم ذلك؟
ج: فطرة القن المبعَّض والمشترك ين إثنين فأكثر وفطرة مَن له أكثر مِن وارث تقسط، وكذا ملحق بأكثر من واحد بأن ألحقته الفاقة بأبوين فأكثر تقسط فطرته بحسب نفقته؛ لأنها نابعة لها، ولأنها طهرة فكانت على ساداته أو وارثه الحصص، وقيل: إذا كان العبد بين شركاء فعلى كل واحد صاع؛ لأنها طهر فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء ككفارة القتل والقول الأول وهو المذهب وهو من المفردات، قال ناظم المفردات:
والشركاء كلهم في عيد ... فيلزم الصّاع لكل فرد وقدم المقنع والمحرّر ... يلزمهم صاع ولا يُكرّر ومِثْله مَن ألحقته القافه ... بأبوين فاسمع اللطافه وهكذا جماعة تلزمهم ... نفقة لواحد يقربهم وهكذا مبعض الحرية ... فالكل بالإفتاه بالسوية
ومن عجز من الملاك أو الوراث لم يلزم القادر سوى قسطه ومن لزمت غيره فطرته كزوجة ولد معسر طلبه بإخراج الفطرة كالنفقة؛ لأنها تابعة لها وله أن يخرجها عن نفسه إن كان حرًا مكلفًا وتجزي عنه ولو أخرجها بلا إذن من تلزمه الفطرة؛ لأن من تلزمه متحمل لفطرة المخرج عنه والمخاطب بها ابتداء المخرج، ومن أخرج عمن لا تلزمه فطرته بإذنه أجزأ؛ لأن كالنائب عن وإلا فلا.
س90: إذا لم يجد لجميع من تلزمه فطرهم فما الحكم؟ وما حكمها عن الجنيز؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: إن لم يجد لجميعهم بدأ بنفسه لحديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ؛ فإن وجد صاعًا ثانيًا فزوجته لوجوب نفقتها مع الإعسار والإيسار؛ لأنها على سبيل المعارضة؛ فإن وجد ثالثًا فلرقيقه لوجوب نفقته مع الإعسار بخلاف نفقة الأقارب، ثم إن وجد رابعًا فأمه؛ لقوه - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين قال: من أبر؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» ، قال: ثم من؟ قال: «أباك» ولضعفها عن التكسب، وتسن الفطرة عن الجنين لفعل عثمان، وعن أبي قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه، رواه أبو بكر في «الشافي» ، ولا تجب عنه حكاه ابن المنذر إجماعًا من يحفظ عنه.
س91: بيَّن متى يجب إخراج الفطرة؟ واذكر أمثلة توضَّح ذلك؟ ومتى وقت جواز إخراجها؟ وهل تسقط بعد وجوبها بموت أو غيره؟
ج: تجب بغروب شمس ليلة عيد الفطر؛ لقول ابن عباس: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو وطعمة للمساكين» رواه
أبو داود والحاكم، وقال على شرط البخاري: فأضاف الصدقة إلى الفطر، فكانت واجبة به؛ لأن الإضافة تقتضي الاختصاص وأول فطر يقع من جميع رمضان بمغيب الشمس من ليلة الفطر، فمن أسلم بعد الغروب أو تزوج امرأة بعده أو كان ولد له بعده أو ملك عبدًا بعده وكان معسرًا وقت الوجوب، ثم أيسر بعده فلا فطرة عليه لعدم وجود سبب الوجوب وإن وجد ذلك بأن أسلم وتزوج أو ولد له ولدًا أو ملك عبدًا أو أيسر قبل الغروب وجبت الفطرة لوجود السبب فالاعتبار بحالة الوجوب وإن مات قبل الغروب هو أو زوجته أو رقيقه أو قريبه ونحوه وأعسر أو أبان الزوجة أو أعتق العبد أو نحوه كما لو باعه أو وهبه لم تجب الفطرة ولا تسقط بعد وجوبها بموت ولا غيره لاستقرارها ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.
رواه البخاري.
س92: متى وقت أفضلية إخراج الفطرة؟ وما حكم إخراجها في باقي يوم العيد؟ وما حكم تأخيرها عن يوم العيد؟ وأين مكان إخراجها؟
ج: والأفضل إخراج الفطرة يزن العيد قبل الصلاة؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر، وقال في حديث ابن عباس: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» ، وقال جمع: الأفضل أن يخرجها إذا خرج إلى المصلى ويجوز إخراجها في باقي يوم العيد لحصول الإغناء المأمور به مع الكراهة لمخالفته الأمر بالإخراج قبل الخروج إلى المصلى، ويأثم مؤخرها عن يوم العيد لجوازها فيه كله؛ لحديث: «اغنوهم في هذا اليوم» ، وهو عام في جميعه، وكان –عليه الصلاة والسلام- يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة، فدل على الأمر بتقديمها على الصلاة للاستحباب، ويقضي من أخرها عن يوم العيد فتكون قضاء، ومن وجبت عليه فطرة غيره كزوجة وعبد وقريب أخرجها مع فطرته كان نفسه؛ لأنها طهرة له من النظم.
ومن «مختصره» مما يتعلق بصدقة الفطر:
وأوجب زكاة الفطر عن كل مسلم ... كبير وحُرٍّ بَل وعَبدٍ وفَوْهَدِ عَلى مضن لَهُ فَضْلٌ على قوتِ عبدهِ ... وليلته مَعَ مَنْ يَعول ليورد ولا تسقطن بالدين في أظهرٍ وإن ... يطالب به فاقض الفتَى الضيِّقَ اليدِ بنفسك فابدأ ثم زوجِ فأعبدِ ... فأولى فأولى عِند إنفَاقِ مُجْتَدِ إذا لم تجد للكل والعبد إن يكن ... فجمع فبين الجمع صاع به جدِ وَينْدبُ عن حمل وأسقط لناشز ... ومَنْ لم يَجِب إنفاقُهَا مِثلهَا اعددِ ويجزئ إخراج الفتى فرض نفسه ... بلا إذن ملزومٍ بها في المجوَّد بإدراك جزءٍ آخر الشهر أوجبن ... وعنه به مِنْ قبل فجر المُعَيَّدِ ولا تلزمِنْ مَنْ بَعْدَ ذَا صَارَ أهلها ... وَوَقتُ خِيَارِ مَن حَكَمتَ له افصُدِ وقَبْلَ صَلاة العِيدِ أولى ببذلها ... وسَبْقًا بيومين افهمنَّ وأجود وإخراجُها في سائر اليوم جائز ... وتأخيرُها عنه احظرن واقض ترشد
س93: بَيَّن مقدار الصاع النبوي بالحفَنَات؟ وما حكم إخراج الدقيق فطرة؟ وإخراج نصف صاع من البر؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: الصاع النبوي أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق؛ لما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط» متفق عليه، وصريحه إجزاء الدقيق وهو الطحين والسويق وهو قمح أو شعير يلقى ثم يطحن نص عليه، واحتج بزيادة انفرد بها ابن عُيينة من حديث أبي سعيد أو صاعًا من دقيق، قيل لابن عيينة: إن أحدًا لا يذكر فيه، قال: بل هو فيه، رواه الدارقطني.
قال المجد: بل هو أولى؛ لأنه كفى مؤنته وروي عن أبي سعيد وأبي الحسن وأبي العالية، وروى عن ابن الزبير ومعاوية أنه يجزي نصف صاع من البر، وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وابن سلمة وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن النبي أنه قال: «صاع من بر أو قمح على كل إثنين» رواه أبو داود، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين بن تيمية –رحمه الله-.
والقول الثاني: ما عليه الأكثر أن الواجب صاع من البر كغيره، قال النووي: ظاهر الحديث والقياس على اشتراط الصاع من الحنطة كغيره، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وهو الأحوط.
والله أعلم.
س94: هل يجزي المجموع من الأصناف الخمسة؟ وما الذي لا يجزي إخراجه في الفطرة؟ وما هو الأفضل من الأصناف الخمسة على الترتيب؟
ج: يجوز إخراج صاع مجموع من الخمسة المذكورة؛ لأن كل واحد منها يجوز
منفردًا فكذا مع غيره لتقارب مقصودها واتحاده ويحتاط في الثقيل فيزيد في الوزن شيئًا يعلم أنه قد بلغ صاعًا كيلا ليسقط الفرض بيقين ولا يجزي خبز لخروجه عن الكيل والادخار ولا يجزي معيب مما تقدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ والمعيب كمسوس؛ لأن السوس أكل جوفه، وكذا مبلول؛ لأن البلل ينفخه وقديم تغير طعمه لعيبه بتغير طعمه؛ فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أجزأ لعدم عيبه، والجديد أفضل والأفضل إخراج تمر لفعل ابن عمر، قال نافع: كان ابن عمر يعطي التمر إلا عامًا واحدًا أعوز التمر فأعطى الشعير، رواه أحمد والبخاري، وقال أبو مجلز: إن الله قد وسع، والبر أفضل، فقال: إن أصحابي سلكوا طريقًا فأنا أحب أن أسلكه.
رواه أحمد واحتج به، وظاهره أن جماعة الصحابة كانوا يخرجوا التمر، ثم يلي التمر الزبيب؛ لأنه في معنى التمر لما فيه من القوت والحلاوة، فبر لأنه أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير؛ ولأن القياس تقديمه على الكل؛ لكن ترك اقتداء بالصحابة في التمر وما شاركه في المعنى وهو الزبيب، فأنفع في اقتيات ودفع حاجة فقير، وإن استوت في نفع فشعير فدقيق بر، فدقيق شعير فسويقهما، ثم أقط.
س95: ما حكم إخراج قيمة الفطرة؟ وما الأفضل أن لا ينقص عنه مُعطي، وما الذي يشترط في الدقيق عند إخراجه فطرة؟ وما الحكم في إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة والعكس؟ وما حكم إخراج الفطرة من غير الأصناف الخمسة؟ وضح ذلك مع ذكر الخلاف.
ج: ولا يجزي إخراج القيمة؛ لأن ذلك غير المنصوص عليه وتقدم بحث يتعلق بإخراج القيمة في زكاة الأموال (في جواب وسؤال 40) والأفضل أن لا ينقص معطي من فطرة عن مُد بُرّ أو نصف صاع من غيره ليغنيه عن السؤال في ذلك اليوم لكن يشترط في الدقيق أن يكون بوزن حب ويجوز إعطاء فقير واحد ما على جماعة من الفطر.
قال الشيخ:
ولا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم ويجوز دفعها إلى واحد كما عليه المسلمون قديمًا وحديثًا، وقال: إذا كان الفقراء مجتمعين في موضع، وأكلهم جميعًا في سماط واحد، وهم مشتركون فيما يأكلونه في الصوم، ويوم العيد لم يكن لأحدهم أن يعطي فطرته لواحد من هؤلاء.
انتهى.
ويجوز أن يعطي الجماعة من الفقراء ما يلزم الواحد من فطرة أو زكاة مال؛ وأما إخراج غير الأصناف المذكورة مع قدرته على تحصيلها، فقيل: لا يجزي، وقيل: يجزي كل مكيل مطعوم، واختاره الشيخ تقي الدين –رحمه الله تعالى-: يجري قوت بلده مثل الأرز ونحوه، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه رواية عن أحمد –رحمه الله تعالى- وإن قدر على الأجناس المذكور؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وقال ابن القيم: وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم؛ لقوله: «اغنوهم في هذا اليوم» ، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.