كتاب الحج والعمرة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
باب الهْدْيِ والأُضْحِيَّةِ
س1: ما هو الهدي؟ وما هي الأضحية؟ وما حكمها وما دليل الحكم؟ واذكر ما تستحضره من خلاف ورجح لما ترى أنه الأرجح.
ج: الهدي: ما يهدى للحرم من نَعَمٍ وغيرها، والأضحية: ما يذبح من إبل وبقر وغنم أيام النحر بسبب العيد تقربًا إلى الله تعالى، ومشروعيتهما ثابتة بالكتاب والسُّنة والإجماع.
أما الهدي: فقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
ومن السُّنة: ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة» .
رواه الشيخان، وقال علي - رضي الله عنه -: «أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة بَدَنةً، فأمرني بلحومها فقسمتها، وأمرني بجلالها ثم بجلودها فقسمتها» رواه البخاري.
وأما الأضحية فلقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال جمع من المفسرين: المراد التضحية بعد صلاة العيد، ومن السُّنة: حديث أنس «ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر» متفق عليه.
قال ابن القيم -رحمه الله-: والذبائح التي هي قربة إلى الله تعالى وعبادة هي الهدي والأضحية والعقيقة، وقال: القربان للخالق يقوم مقام الفدية عن النفس
المستحقة للتلف فدية وعوضًا وقربانًا إلى الله وعبودية، ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - يدع الهدي، فثبت أنه أهدى مائة من الإبل في حجة الوداع وأرسل هديًا في غيرها ولم يكن يدع الأضحية.
وقد اختلف العلماء فيه فيها، فقيل: إنها سُّنة مؤكدة، وقيل: إنها واجبة.
استدل القائلون بأنها سُّنة بما ورد عن جابر، قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعن من لم يضح من أمتي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وعن علي بن الحسين عن أبي رافع «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين» الحديث رواه أحمد.
وروى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث كتبن عليّ وهنّ لكم تطوع» ، وفي رواية: «الوتر والنحر وركعتا الفجر» ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئًا» رواه مسلم.
عله على الإرادة والواجب لا يعلق على الإرادة.
وروي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما مخافة أن يرى ذلك واجبًا؛ ولأنها ذبيحة لم يجب تفرقة لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة.
وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر.
وقال ربيعة ومالك والثوري والليث والأوزاعي وأبو حنيفة هي واجبة لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال جمع من المفسرين: المراد التضحية بعد صلاة العيد والأمر للوجوب، ولما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» رواه أحمد وابن ماجه.
والذي يترجح عندي ما قاله الجمهور: أنها سُّنة مؤكدة على من قدر عليها من
المسلمين المقيمين والمسافرين إلا الحاج بمنى.
فقال مالك: لا أضحية عليهم، اختاره الشيخ تقي الدين وغيره.
والله سبحانه أعلم.
ورخص بعض أهل العلم في الأضحية عن الميت، ومنع بعضهم؛ وقول من رخص مطابق للأدلة ولا حجة مع من منع.
ومن الأدلة على سنية التضحية عن الميت ما ورد عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عيد الأضحى فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: «بسم الله والله أكبر اللهم هذا عني وعن من لم يضح من أمتي» » رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وعن علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين؛ فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: «اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ» ، ثم يؤتى بالآخر فذبحه بنفسه، فيقول: «هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمها المساكين» الحديث رواه أحمد، فهذان الحديثان فيهما دلالة واضحة على الأضحية عن الأموات؛ لأن من أمته - صلى الله عليه وسلم - المُضحي عنهم الأحياء والأموات، ولو كانت مختصة بالأحياء لما أهمله - صلى الله عليه وسلم -، وتقدمت الأدلة الدالة على أن من فعل قربة وجعل ثوابها لحي مسلم أو ميت نفعه ذلك.
في الجزء الأول في آخر كتاب الجنائز (ص276) .
س2: متى شرعت الأضحية، وهل تجزي من غير بهيمة الأنعام؟ وما الأفضل أضحية من بهيمة الأنعام لمن يريد أن يضحي بأحدها؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: شرعت في السنة الثانية من الهجرة كالعيدين وزكاة المال وزكاة الفطر.
ولا تجزي الأضحية من غير بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم الأهلية؛ لقوله تعالى: ﴿لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ ،
وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ .
والأفضل في هدي وأضحية إبل فبقر فغنم إن أخرج ما أهداه أو ضحى به من بدنة أو بقرة كاملاً لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن» الحديث متفق عليه؛ ولأنها أكثر لحمًا وأنفع للفقراء والأفضل من كل جنس أسمن فأغلى ثمنًا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ .
قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها؛ ولأنه أعظم لأجرها وأكثر لنفعها، وقال أبو أمامة عن سهل: كنا نُسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون.
رواه البخاري، وروى استفرِهوا ضحاياكم فإنها في الجنة مطاياكم.
س3: ما أفضل ألوانها وهل يفرق بين الذكر والأنثى في الأضحية؟ وأيما أفضل؟ أضحية بعشرة أو اثنتان بتسعة؟
ج: الأفضل الأشهب وهو الأملح وهو الأبيض النقي البياض.
قاله ابن الأعرابي، أو ما بياضه أكثر من سواده.
قال الكسائي: لما روى عن مولاة ابن ورقة بن سعيد قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين» رواه أحمد بمعناه.
وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين» رواه أحمد.
والعفراء التي بياضها ليس بناصع، وقال أبو هريرة: دم بيضاء أحب إلى الله من دم سوداوين.
وعن علي بن الحسين عن أبي رافع: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين» الحديث رواه أحمد.
وعن
أبي سعيد قال: «ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكبش أقرن مخب يأكل في سواد ويمشي في سواد وينظر في سواد» رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي.
وعن عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكبش أقرن بطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد» الحديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
ثم يلي الأملح الأصفر ثم الأسود، وكلما كان أحسن لونًا فهو أفضل، قال الإمام أحمد: يعجبني البياض وذكر وأنثى سواء؛ لقوله تعالى: ﴿لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ ولم يقل ذكر ولا أنثى.
وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى جملاً كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة» رواه أبو داود وابن ماجه.
قال أحمد: الخصي أحب إلينا من النعجة؛ لأن لحمه أوفر وأطيب، والخصي: ما قطعت خصيتاه أو سلتا.
وقال الموفق –رحمه الله-: الكبش في الأضحية أفضل النعم؛ لأنها أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأفضل من ثنى معز جذع ضأن، قال أحمد: لا تعجبني الأضحية إلا بالضأن؛ ولأنه أطيب لحمًا من ثنى المعز وأفضل من سبع بدنة أو سبع بقرة، وسبع شياه أفضل من بدنة أو بقرة.
وزيادة عدد في جنس أفضل من المغالاة مع عدم التعدد.
فبدنتان سمينتان بتسعة أفضل من بدنة بعشرة لما فيه من إراقة الدماء، ورجح شيخ الإسلام البدنة التي بعشرة على البدنتين بتسعة لأنها أنفس.
والذي يترجح عندي أن التعدد أفضل لما فيه من تعدد إراقة الدماء، ولما في التعدد من كثرة الشعر والصوف، فقد ورد عن زيد بن أرقم قال: قلت: أو قالوا: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: «سُّنة أبيكم إبراهيم» ، قالوا: ما لنا منها؟ قال: «بكل شعرة حسنة» ، قالوا: فالصوف.
قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة» رواه أحمد وابن ماجه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
س4: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: السن المجزى في الأضحية، الشاة عن الرجل وأهل بيته وعياله، إذا اشترك جماعة في بدنة أو بقرة وأراد بعضهم قربة وبعضهم لحمًا أو كان بعضهم ذميًا، الجواميس في الهدي والأضحية، إذا ذبح الأضحية على أنهم سبعة فبانوا ثمانية، إذا اشترك اثنان في شاتين على الشيوع، ذا اشترى سبع بدنة أو بقرة ذبحت للحم ليضحي به.
اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: لا يجزي في الأضحية إلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر، ويدل لإجزائه ما روت أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يجزي الجذع من الضأن أضحية» رواه ابن ماجه، والهدي مثله، والفرق بين جذع الضأن والمعز أن جذع الضأن ينزو فيلقح بخلاف الجذع من المعز، قاله إبراهيم الحربي.
ويعرف كونه أجذع بنوم الصوف على ظهره، ولا يجزي إلا الثني مما سواه، فثني الإبل ما كمل له خمس سنين، وثني بقر ما له سنتان كاملتان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذبحوا إلا مسنة؛ فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن» رواه مسلم.
والثنية من البقر هي المسنة، وثني معز ما له سنة كاملة.
وقال الشيخ تقي الدين: يجوز التضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلاً بالحكم إذا لم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية وغيرها، لقصة أبي بردة ويحمل قوله –عليه الصلاة والسلام-: «ولن تجزي عن أحد بعدك أي بعد ذلك» قاله في «الإنصاف» .
وتجزي الشاة عن واحد وعن أهل بيته وعياله مثل امرأته وأولاده ومماليكه لما ورد عن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الأضحية فيكم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: كان الرجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون
حتى تباهي الناس فصاروا كما ترى.
رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
وعن الشعبي عن أبي سريحة، قال: حملني أهلي على الجفاء بعدما علمت من السنة، كان أهل البيت يضحون باشاة والشاتين والآن يبخلنا جيراننا.
رواه ابن ماجه، ولحديث: «على كل أهل بيت في كل عام أضحية» .
وإن اشترك ثلاثة في بدنة أو بقرة أوجبوها على أنفسهم لم يجز أن يشركوا غيرهم فيها.
وإن ذبح قوم على أنهم سبعة فبانوا ثمانية ذبحوا شاة وأجزأهم ذلك، وإذا اشترك اثنان في شاتين على الشيوع أجزأ ذلك عنهما، وتجزي بدنة أو بقرة عن سبعة، روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة لحديث جابر: «نحرنا بالحديبية مع النبي - صلى الله عليه وسلم - البدنة والبقرة عن السبعة» رواه مسلم.
ويعتبر ذبح البدنة والبقرة عنهم لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ، وسواء أراد كلهم قربة أو أراد بعضهم لحمًا أو كان بعضهم مسلمًا وأراد القربة وبعضهم ذميًا، ولكل ما نوى؛ لأن الجزء المجزي لا ينقص أجره بإرادة الشريك غير القربة ولو اختلفت جهات القربة والقسمة إفراز لا بيع.
وإذا اشترى سبع بدنة أو بقرة ذبحت للحم، فهو لحم اشتراه وليست أضحية.
والجواميس في الهدي والأضحية كالبقرة في الإجزاء والسن وإجزاء الواحدة عن سبعة؛ لأنها نوع منها.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
س5: تكلم بوضوح عما يلي: الجماء، البتراء، الخصي، مرضوض الخصيتين، ما خلق بلا أذن، ما ذهب نصف أليته، العوراء، قائمة العين مع ذهاب إبصارها، العجفاء، الهزيلة، العوجاء، المريضة، الجداء، الهتماء، الصمعاء، العضباء، المعيبة ... إلخ.
ج: يجزي في الأضحية والهدي: جماء: لم يخلق لها قرن، وبتراء: لا ذنب لها
خلقة أو مقطوعًا، وتجزي صمعاء: وهي صغيرة الأذن، وخصي: ما قطعت خصيتاه أو سلتا، ومرضوض الخصيتين: لأنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين مرجوءين، والوجوء: رض الخصيتين، ويجزي في هدي وأضحية من إبل وبقر أو غنم ما خلق بغير أذن، أو ذهب نصف إليته فما دون.
ولا يجزي فيهما قائمة العينين مع ذهاب إبصارهما؛ لأن العمى يمنع مشيها مع رفيقتها ويمنع مشاركتها في العلف، وفي النهي عن العوراء التنبيه على العمياء.
ولا يجزي فيها عجفاء لا تنقي وهي الهزيلة التي لا مخ فيها ولا عرجاء لا تطيق مشيًا مع صحيحة، ولا بينة المرض لحديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقى» رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وعن أبي سعيد قال: اشتريت كبشًا أضحي به فعدا الذئب فأخذ الألية، قال: فسألتُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ضح به» رواه أحمد.
ولا تجزي جداء وهي الجدباء، وهي ما شاب ونشف ضرعها؛ لأنها في معنى العجفاء بل أولى.
ولا تجزي فيهما هتماء وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها كالتي قبلها، ولا يجزي فيهما خصي مجبوب، ولا عضباء وهي ما ذهب أكثر أذنها أو أكثر قرنها لحديث علي قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يضحى بأعضب الأذن والقرن» قال: ذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: العضب النصف فأكثر.
رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وتكره معيبة الأذن والقرن بخرق أو شق أو قطع لنصف منهما فأقل، لحديث علي «أُمرنا أن نستشرق العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء» أخرجه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم.
وروى يزيد ذو مصر، قال: أتيت عتبة بن عبد السلمي، فقلت: يا أبا الوليد، إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئًا يعجبني غير ثرماء، فما تقول؟ قال: ألا جئتني أضحي بها، قال: سبحان الله تجوز عنك ولا تجوز عني، فقال: نعم، إنك تشك ولا أشك؛ إنما «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المضفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء.
فالمضفرة التي تستأصل أذنها متى تبدو صماخها، والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله، والبخقاء التي تبخق عينها، والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفًا وضعفًا، والكسراء التي لا تنقى» رواه أبو داود وأحمد والبخاري في «تاريخه» ، وفي «الاختيارات الفقهية» : وتجزي الهتماء التي سقط بعض أسنانها في أصح الوجهين (ص120) .
س6: تكلم عن صفة ذبح بهيمة الأنعام مقرونة بالدليل.
ج: السُّنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، لما روى زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنة لينحرها، فقال: «ابعثها قائمة مقيدة سُّنة محمد - صلى الله عليه وسلم -» متفق عليه.
وروى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن سابط: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة، وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي قيامًا؛ لكن إن خشي أن تنفر عليه أناخها.
والسُّنة ذبح بقر وغنم على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ولحديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين ذبحهما بيده.
ويجوز ذبح الإبل ونحر البقر والغنم، ويحل لأنه لم يجاوز محل الزكاة ولعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله، فكل» .
س7: اذكر ما يقوله الذابح مقرونًا بالدليل.
ج: يسمى وجوبًا حين يحرك يده بالنحر أو بالذبح؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ ، وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ وتسقط التسمية سهوًا، ويكبر استحبابًا، ويقول: اللهم هذا منك ولك؛ لما روي عن ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجههما: « ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك» » رواه أبو داود.
وإن قال بعد هذا: اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك فحسن لمناسبة الحال، وفي حديث لمسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد» . وفي كتاب المهذب: والمستحب أن يقول: اللهم تقبل مني؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ليجعل أحدكم ذبيحته بينه وبين القبلة، ثم يقول: من الله وإلى الله، والله أكبر، اللهم منك ولك، اللهم تقبل.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان إذا ضحى قال: من الله والله أكبر، اللهم منك ولك، اللهم تقبل مني.
س8: تكلم عن إسلام الذابح ونيته، وحضور ذبحها، والتوكيل في ذلك، والدليل أو التعليل.
ج: سن إسلام ذابح لأنها قربة، ويكره أن يوكل في ذبح أضحيته ذميًا كتابيًا؛ لقول علي وابن عباس وجابر ولحديث ابن عباس الطويل مرفوعًا: «لا يذبح ضحاياكم إلا طاهر» . ولا تحل ذكاةُ وثنِيّ ومجوسي ومرتد، والمستحب أن يتولى المُهدي أو المُضحي الذبح أو النحر بنفسه لحديث أنس - رضي الله عنه -: أن النبي صلى الله عليه
وسلم ضحى بكبشين أملحين، ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر فذبحهما بيده؛ ولأنه - صلى الله عليه وسلم - نحر مما ساقه في حجته ثلاثًا وستين بدنة.
ويجوز أن يستنيب غيره؛ لما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا - رضي الله عنه - فنحر ما غير» الحديث رواه أحمد ومسلم.
ويستحب لمن وكل في تذكية أضحيته أن يحضرها؛ لأن في حديث ابن عباس الطويل: واحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة: «احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها» .
ولا بأس أن يقول الوكيل: اللهم تقبل من دمها، ولا بأس أن يقول الوكيل: اللهم تقبل من فلان أي الموكل له.
وتعتبر النية من الموكل وقت التوكيل في الذبح، وفي «الرعاية» : ينوي الموكل كونها أضحية غير الذكاة أو الدفع إلى الوكيل وإن كانت الأضحية معينة فلا تعتبر النية ولا تعتبر تسمية المضحى عنه اكتفاء بالنية.
س9: تكلم بوضوح عن وقت ذبح أضحية، وهدي نذر أو تطوع، وهدي متعة وقران، وعما إذا فاتت الصلاة بالزوال، وبين حكم الذبح ليلاً ووقت الأفضل في الذبح، وإن فات وقت الذبح فما الحكم، وما هي شروط الأضحية.
واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: وقت الذبح أوله من بعد أسبق صلاة العيد ولو قبل الخطبة؛ لحديث جندب بن عبد الله البجلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى» ، وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» متفق عليه.
وقيل: لابد من صلاة الإمام وخطبته وهو مذهب مالك، ورواية عن الإمام أحمد.
قال في «الكافي» :
وأول وقت الذبح في حق أهل المصر إذا صلى الإمام وخطب يوم النحر، انتهى.
استدل له ما في الرواية الأخرى من حديث جندب، قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح.
الحديث متفق عليه.
والأفضل أن يكون الذبح بعد الصلاة وبعد الخطبة وذبح الإمام إن كان خروجًا من الخلاف، ولو سبقت صلاة إمام في البلد جاز الذبح أو بعد قدرها بعد دخول وقتها في حق من لا صلاة في موضعه كأهل البوادي من أهل الخيام والخركاوات ومحوهم؛ لأنه لا صلاة في حقهم معتبرة فوجب الاعتبار بقدرها؛ فإن فاتت بالزوال ذبح عند الزوال فما بعده إلى آخر ثاني أيام التشريق، فأيام النحر ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده.
وهو قول عمر وابنه وابن عباس وأبو هريرة وأنس.
وروي أيضًا عن علي، قال أحمد: أيام النحر ثلاثة من غير واحد م أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ويستحيل أن يباح ذبحها في وقت يحرم أكلها فيه، ونسخ أحد الحكمين لا يلزم منه رفع الأجزاء.
وقال - رضي الله عنه -: أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده.
وقال عطاء والحسن وغيرهما: وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره ابن المنذر والشيخ تقي الدين وغيرهما، قال ابن القيم: ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى وأيام التشريق، ويحرم صومها فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع، وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح» وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما الذبح في الليل فيكره خروجًا من خلاف من قال
بعدم جوازه فيها كمالك، قال الوزير: اتفقوا على أنه يجوز
ذبح الأضحية ليلاً في وقتها المشروع لها كما يجوز في نهاره
إلا مالكًا، وأبو حنيفة يكرهه مع جوازه، والتضحية وذبح هدي في أول أيام الذبح وهو يوم العيد أفضل وأفضله عقب الصلاة والخطبة وذبح الإمام إن كان لما فيه من المبادرة والخروج من الخلاف؛ فإن فات الوقت للذبح قضي الواجب وفعل به كالأداء المذبوح في وقته، كما لو ذبحها في وقته فلا يسقط الذبح بفوات وقته كما لو ذبحها في وقتها، ولم يفرقها حتى خرج وسقط التطوع بخروج وقته لأنه سُّنة فات محلها، فلو ذبحه وتصدق به كان لحمًا تصدق به، ووقت ذبح هدي واجب بفعل محظور من حين فعل المحظور كالكفارة بالحنث، وإن أراد فعله لعذر يبيحه فله ذبحه قبل فعل المحظور لوجود سببه، كإخراج كفارة عن يمين بعد حلف، وقيل: حنث، وكذا دم وجب لترك واجب في حج أو عمرة فيدخل وقته من تركه، وشروط أضحية أربعة:
1- نعم أهلية.
2- سلامتها من عيوب مضرة.
3- دخول وقت ذبح.
4- صحة ذكاة أن يذبحها مسلم أو كتابي.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
من النظم مما يتعلق بالهدي والأضحية
هذا بيان الهدي إن كنت مهديًا ... وقربان من يبغي تقرب مهتد فحافظ على تجويده تلقه غدًا ... وسام أولى العزم الكرام وجود ففي كل شعر منه والوبر قربة ... وللفضل في شهب وصفر فأسود وأفضلها كوم من البدن بعدها ... من البقر انحر ثم للغنم إقصد ومجزؤها جذع من الضأن ثم من ... سواها ثني مجزئ فيهما قد فيجزئ باستكمال ستة أشهر ... ومن معز مستكمل الحول فاحدد ومن بقر ما جاز عامين عمره ... ومن إبل خمس السنين فقيد وتجزئ إحدى البدن عن سبعة ... مع التشارك قبل الذبح لا بعده اشهد فإن بان فيهم ثامن بعد ذبحها ... فيجزئ معها ذبحهم شاة أمهد وسبع من الأغنام تعدل ناقة ... وخير من التشريك شاة لمفرد ويجزئ سبع مع شريك لقربة ... سواها ومن لم يبغ غير المقدد ولم يجز مع عيب يضر بلحمها ... ومانع تكميل الفداء للتزيد فلا تجزئ العوراء ع خسف عينها ... ووجهين في عميائها لم توهد ولا تجزئ العجفاء يا صاح فيهما ... وذلك ما لا مخ فيه لقصد ولا عاجز خلف القطيع لسقمه ... ومعضوب جل القرن وأذنه أصدد ولا تجزئ العمياء وما جف ضرعها ... ولا ذات هتم من أصول المحدد ولا كل مجبوب ووجهان خذهما ... ببتراء والجماء غير مفند ويكره عيب في الأذان بخرقها ... وشق وقطع دون نصف محدد ويجزئ خصي لم يجب وضحين ... بأي مكان شئت ما لم تقيد وسُّنة نحر البدن قائمة أنت ... ومعقولة اليسرى بطعن محدد بنقرة أصل الصدر في رأس صدرها ... وقطعك مشروط الذكاة فأكد
وذبحك غير البدن يا صاح سُّنة ... ولا بأس في عكس لفعل معدد وسم وكبر ثمت انو لذبحها ... وأن تترك الأولى بفعلك فاشهد فإن لم تسمى ساهيًا فمباحة ... على أشهر الأقوال عكس التعمد ويحرم ذبح من مجوس وعابد ... سوى الله والمرتد والمتولد ومن لبة المنحور موضع ذبحه ... إلى الرأس أنى شئت في العنق اقدد وبشرط قطع الحلق ثم مريه ... وعنه مع الأوداج فارو وأسند وبكره إعجاله بقطعك عضوها ... قبيل زهوق الروح مع حله اشهد وعن ذبح حمل الأم يجزي ذبحها ... إذا بان كالمذبوح أو ميتًا قد وميقات ذبح الهدي عن ترك واجب ... وعن فعل محظور متى شئت فاقدد من الزمن المحتوم إيجابه به ... وإن تستبح للعذر إن شئت فابتدي وبعد صلاة العيد أو بعد قدرها ... لمن لم يصل وقت ذبح المرصد لأضحية والهدي عن متعة وعن ... قران وهدي النذر فافقه وحدد وقد قيل من بعد الصلاة وخطبة ... وقد قيل مع ذبح الإمام المقلد فإن لم يصليها الإمام بمصره ... فبعد الزوال الذبح حسب فقيد ويومان بعد العيد مع ليلتيهما ... وفي الليل قول لا يجوز فقلد فإن فات فاقض الفرض حتمًا ونقله ... لتنحر فإن تقضي تثابن وتحمد
2-
فصل فيما يتعلق به الهدي والأضحية
س10: تكلم عما يتعين به الهدي والأضحية وما لا يتعين به، وحكم نقل الملك فيما تعين، وحكم تعيين معلوم العيب، وإذا بانت معينة مستحقة، وحكم ركوبها.
ج: يتعين هدي بقوله: ها هدي، أو بتقليده النعل أو العرى وآذان القرب بنية كونه هديًا أو بإشعاره بنية الهدي لقيام الفعل الدال على المقصود مع النية مقام اللفظ كبناء مسجد، ويأذن للناس في الصلاة فيه، وتتعين أضحية بقوله: هذه أضحية.
ويتعين كل من الهدي والأضحية بقوله: هذا أو هذه لله ونحوه، ولا يتعين هدي ولا أضحية بنية ذلك حال الشراء؛ لأن التعيين إزالة ملك على وجه القربة، فلم يؤثر فيه مجرد نية كالعتق والوقف، ولا يتعين هدي ولا أضحية بسوقه مع نيته كإخراجه مالاً للصدقة به فلا يلزمه التصدق به للخير، وما تعين من هدي أو أضحية جاز نقل الملك فيه، وشراء خير منه لحصول المقصود به مع نفع الفقراء بالزيادة، ولا يجوز بيع ما تعين في دين ولو بعد موت، وإن لم يترك غيره كما لو كان حيًا، وتقوم ورثته مكانه في أكل وصدقة وهدية، وإن عين معلوم عيبه في هدي أو أضحية تعين، وكذا لو عين معلوم العيب مما في ذمته من هدي أو أضحية فيلزمه ذبحه، ولا يجزئه هديًا ولا أضحية، ويملك ردّ ما علم عيبه بعد تعينه كما يملك أخذ أرشه، ولو بانت معيبة مستحقة لزمه بدلها، ويباح لمهد ومضح أن يركب هديًا وأضحية معينين لحاجة فقط بلا ضرر.
قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ ، قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة، وهو قول الشافعي
وابن المنذر وأصحاب الرأي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا» رواه أبو داود.
ولأنه تعلق بها حق المساكين فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم، وإنما جوز عند الضرورة للحديث؛ فإن نقصها الركوب ضمن النقص لأنها تعلق بها حق غيره؛ وأما ركوبها مع عدم الحاجة ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز لما تقدم.
والثانية: يجوز لما روى أبو هريرة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: «اركبها» ، فقال: يا رسول الله، إنها بدنة.
فقال: «اركبها» ويلك في الثانية أو في الثالثة» متفق عليه.
س11: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا ولدت معينة من هدي أو أضحية، شرب لبنها، جز صوفها، ونحوه، إعطاء الجزار منها، ماذا يعمل بجلدها وجلها، بيع شيء منها إذا سرق مذبوح من هدي أو أضحية، إذا ذبح في وقتها بلا إذن ربها واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: إن ولدت معينة ابتداء أو عما في ذمته من هدي أو أضحية ذبح ولدها معها؛ لأنه تبع لأمه سواء كان حملاً حين التعيين أو حدث بعده إن أمكن حمله أو سوقه إلى النحر، وإلا يمكن حمله ولا سوقه فهو كهدي عطب، ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، ولم يضرها ولا نقص لحمها؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أن رجلاً سأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها، وأنها وضعت هذا العجل، فقال: «لا تحلبها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة» رواه سعيد والأثرم.
وقال أبو حنيفة: لا يحلبها ويرش على ضرعها الماء حتى ينقطع اللبن؛ فإن احتلبها تصدق به؛ لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة، فلم يجز لمضح
الانتفاع به كالولد والذي يترجح عندي القول الأول؛ ولكن الصدقة به أفضل خروجًا من الخلاف.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ويباح أن يجز صوفها ونحوه كوبرها وشعرها لمصلحة، كما لو كانت تسمن به وله الانتفاع به وبجلدها كلبنها؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: دفت دافة من أهل البادية حضرت الأضحى زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ادخروا الثالث وتصدقوا بما بقي» فلما كان بعد ذلك، قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويحملون من الودك ويتخذون من الأسقية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وما ذاك؟» قالوا: يا رسول الله، نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما نهيتكم من أجل الدافة، فكلوا وتصدقوا وادخروا» فدل على أنه يجوز اتخذ الأسقية منها، وكان مسروق وعلقمة يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه؛ فإن كان بقاء الصوف ونحوه أنفع لها لقيها حرًا أو بردًا حرم جزه.
ويستحب أن يتصدق بالجلد والصوف ونحوه.
ويحرم بيع شيء منها أي الذبيحة، هديًا كانت أو أضحية، ويحرم بيع الجلد والجل، لما ورد عن علي - رضي الله عنه - قال: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنة، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها» الحديث متفق عليه.
وللمضحي والمهدي إعطاء الجازر منها هدية وصدقة؛ لما في حديث علي: وأن لا أعطي الجزر منها شيئًا، وقال: «نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة بن النعمان: «ولا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها» .
قال الميموني: قالوا لأبي عبد الله: فجلود الأضحية نعطيها السلاخ، قال: لا، وحكى قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تعط في جزارتها شيئًا منها» ، قال:
إسناده جيد، وإن عين أضحية أو هديًا فسرق بعد الذبح، فلا شيء عليه.
وكذا إن عينه عن واجب في الذمة، ولو كان وجوبه في الذمة بالنذر، فلا شيء فيه؛ لأنه أمانة في يده، فلا يضمنه بتلفه بلا تعد ولا تفريط كوديعة، وإن لم يعين ما ذبحه عن واجب في ذمته، وسرق ضمن.
وإن ذبح المعينة من هدي أو أضحية ذابح في وقتها بلا إذن ربها؛ فإن نواها عن نفسه مع علمه أنها أضحية الغير لم تجز واحدًا منهما، أو نواها عن نفسه ولم يعلم أنها أضحية الغير وفرق لحمها لم تجزئ عن واحد منهما، وضمن ذابح ما بين قيمتها صحيحة ومذبوحة إن لم يفرق لحمها، وضمن قيمتها صحيحة إن فرقه؛ لأنه غاصب متلف عدوانًا، وإلا يكن الذابح يعلم أنها أضحية الغير بأن اشتبهت عليه، ولم يفرق لحمها أو علمه ونواها عن ربها أو أطلق أجزأت عن مالكها، ولا ضمان.
س12: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا ضحى اثنان كل بأضحية الآخر غلطًا، إذا أتلف المعينة أجنبي أو صاحبها، إذا مرضت فخاف عليها، إذا فضل عن شراء المثل شيء.
ج: إذا ضحى اثنان كل منهما بأضحية الآخر غلطًا كفتهما، ولا ضمان على واحد منهما للآخر استحسنًا لإذن الشرع فيه، ولو فرقا اللحم، وإن بقي لحم ما ذبحه كل منهما تراداه؛ لأن كل منهما أمكنه أن يفرق لحم أضحيته بنفسه، فكان أولى به.
وإن أتلفها أجنبي أو أتلفها صاحبها فضمنها بقيمتها يوم التلف تصرف قيمتها في مثلها لتعينها بخلاف من تعين لعتق، فلا يلزمه صرف قيمته في مثله، ولو مرضت معينة فخاف صاحبها عليها موتًا، فذبحها، فعليها بدلها لإتلافه إياها، ولو تركها بلا ذبح فماتت، فلا شيء عليه؛ لأنها كوديعة عنده، ولم يفرط.
وإن فضل شيء عن شراء المثل، بأن كان المتلف شاة مثلاً تساوي عشرة، ورخصت بحيث يساوي مثلها خمسة اشترى بالفاضل عن شراء المثل شاة، أو اشترى به سبع بدنة، أو سبع بقرة إن أمكن، وإن شاء اشترى بالعشرة كلها شاة؛ فإن لم يبلغ الفاضل ثمن شيء من ذلك تصدق به أو بلحم يشتري به، ويتصدق به.
س13: تكلم عن الهدي العاطب، وجعل علامة على الهدي ليعرف، وعن ما إذا تلف أو عاب، وعما إذا سرق المعين في الذمة، وتكلم عن استرجاع العاطب والمعيب والضال.
ج: إن عطب بطريق هدي واجب، أو تطوع بنية دامت، أو عجز عن المشي صحبة الرفاق ذبحه موضعه وجوبًا، وسن غمس نعله في دمه، وضرب صفحته بالنعل المغموسة في دمه لتعرفه الفقراء فتأخذه.
وحرم أكله أو أكل حاضنه من الهدي الذي عطب ونحوه لحديث ابن عباس أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: «إن عطب منها شيء فخشيت، فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب بها صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك» رواه مسلم.
وفي لفظ: «ويخليها والناس، ولا يأكل منها هو، ولا أحد من أصحابه» رواه أحمد.
وعن ناجية الخزاعي، وكان صاحب بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت كيف أصنع بما عطب من البدن، قال: «انحره واغمس نعله في دمه، واضرب صفحته، وخل بين الناس وبينه، فليأكلوه» رواه الخمسة إلا النسائي.
وإن تلف الهدي أو عاب بفعله أو تفريطه، لزمه بدله كأضحية، يوصله إلى تمراء الحرم، وإلا يتلف أو يعيب بفعله أو تفريطه أجزأ ذبح ما تعيب عن واجب بالتعيين كتعيينه معينًا، فبرئ عن عيبه؛ لحديث أبي سعيد قال: ابتعنا كبشًا
نضحي به، فأصاب الذئب من أليته، فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأمرنا أن نضحي به» رواه ابن ماجه.
وإن وجب ما تعيب، بلا فعله ولا تفريطه، قبل تعيين كفدية من دم متعة وقران، أو لترك واجب أو فعل محظور، وكدم منذر في الذمة إذا عين عند ما تعيب، فلا يجزيه ذبحه عما في ذمته؛ لأن الواجب دم صحيح، فلا يجزي عنه معيب.
وعليه نظير ما تعيب، ولو راد الذي عينه عما في ذمته كدم تمتع، عين عنه بقورة مثلاً فتعيَّبت بفعله أو تفريطه يلزمه بقرة نظيرها لوجوبها بالتعيين.
وإن كان بغير تفريطه ففي «المغني» لا يلزمه أكثر مما كان في ذمته؛ لأن الزيادة وجبت بتعيينه، وقد تلفت بغير تفريطه فسقطت كما لو عين هديًا تطوعًا، ثم تلف.
قاله في القاعدة الحادية والثلاثين ومعناه في الشرح.
وكذا لو سرق المعين عما في الذمة أو ضل ونحوه، كما لو غضب فيلزمه نظيره، ولو زاد عما في الذمة.
قال أحمد: من ساق هديًا واجبًا، فعطب أو مات، فعليه بدله.
وليس له استرجاع عاطب ومعيب وضال ومسروق وجد ونحوه، كمغصوب قدر عليه؛ لما روى الدارقطني عن عائشة: أنها أهدت هديين فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير بهديين، فنحرتهما، ثم عاد الضالان، فنحرتهما، وقالت: هذه سُّنة الهدي، ولتعلق حق الله به، بإيجابه على نفسه، فلم يسقط بذبح بدله.
س14: متى يجب سوق الهدي؟ ومتى يُسن؟ وما الذي يُسن إشعاره، والذي لا يُسن؟ وأين موضع الإشعار؟ وأين موضع التقليد؟ وما حكمه؟ وإذا نذر هديًا وأطلق فما المجزئ؟ وإذا نذر فهل تجزئ البقرة؟ وتكلم عما إذا عين شيئًا بنذر، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: يجب هدي بنذر لحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» ولأنه نذر طاعة، فوجب الوفاء به كغيره من النذر، وسواء كان منجزًا أو معلقًا.
ومن النذر إن لبست ثوبًا من غزلك فهو هدي فلبسه، ونحوه من النذور المعلقة، على شرط إذا وجد وسن سوق حيوان أهداه من الحل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، فساق في حجة الوداع مائة بدنة، وكان يبعث بهديه إلى الحرم وهو بالمدينة.
ولا يجب سوقه أي الهدي؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر به.
والأصل عدم الوجوب إلا بالنذر؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه» ، ويستحب أن يقفه بعرفة، روي عن ابن عباس، وكان ابن عمر لا يرى هديًا إلا ما وقفه بعرفة.
وسن إشعار بدن، وإشعار بقر بشق صفحته اليمنى من سنام أو شق محل السنام، مما لا سنام له من إبل أو بقر حتى يسيل الدم.
وسن تقليدهما مع غنم النعل وآذان القرب والعري؛ لما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أشعرها، ثم بعث بها إلى البيت، فما حرم عليه شيء كان له حلاً متفق عليه.
وعن عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى مرة إلى البيت غنمًا، فقلدها.
رواه الجماعة، وفعله الصحابة أيضًا؛ ولأنه إيلام لغرض صحيح فجاز، كالكي والوسم والحجامة، وفائدته توقي نحو لص لها وعدم اختلاطها بغيرها؛ وأما الغنم فلا تشعر لأنها ضعيفة، وصوفها وشعرها يستره؛ وأما تقليده، فلحديث عائشة –وتقدم قبل ثلاثة أسطر-.
وإذا ساق الهدي من قبل الميقات، استحب إشعاره وتقليده في الميقات؛ لما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها وقلدها نعلين» الحديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي
- صلى الله عليه وسلم - الهدي، وأشعره وأحرم بالعمرة.
رواه أحمد والبخاري وأبو داود.
وإذا نذر هديًا مطلقًا، فأقل مجزي عن نذره شاة جذع ضأن، أو ثني معز، أو سبع من بدنة، أو بقرة لحمل المطلق في النذر على المعهود الشرعي.
وإن ذبح البدنة أو البقرة كانت كلها واجبة لتعينها عما في ذمته بذبحها عنه، وإن نذر بدنة أجزأُته بقرة إن أطلق البدنة لمساواتها لها.
وإن نذر معينًا أجزأه ما عينه، ولو كان صغيرًا أو معيبًا أو غير حيوان، كعبد وثوب ودراهم وعقار، والأفضل كون الهدي من بهيمة الأنعام، لفعله - صلى الله عليه وسلم -.
س15: أين محل الهدي عند الإطلاق وعند التعيين للموضع؟ تكلم بوضوح عن الدماء التي يؤكل منها والتي لا يؤكل منها، واذكر ما تستحضره من الدليل والتعليل.
ج: على الناذر إيصاله إن كان مما ينقل، أو إيصاله ثمن غير منقول كعقار لفقراء الحرم، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ ولأن النذر يحمل على المعهود شرعًا، وسُئل ابن عمر عن امرأة نذرت أن تهدي دارً، قال: تبيعها وتتصدق بثمنها على فقراء الحرم، وكذا إن نذر سوق أضحية إلى مكة أو قال: لله عليَّ أن أذبح فيلزمه للخير.
وإن عين بنذره شيئًا غير الحرم، ولا معصية فيه، تعين ذبحًا وتفريقًا لفقراء ذلك الموضع؛ فإن كان الموضع الذي عينه به صم أو شيء من أمر الكفر أو المعاصي، كبيوت النار، والكنائس ونحوها، فلا يوف بنذر.
لما ورد عن ميمونة بنت كردم قالت: كنت ردف أبي فسمعته يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال: «أهي وثن أو طاغية» قال: لا، قال: «أوف بنذرك» رواه أحمد وابن ماجه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله،
إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية.
قال: «لصنم؟» قالت: لا.
قال: «لوثن؟» قالت: لا، قال: «أوف بنذرك» رواه أبو داود؛ ولأن نذر المعصية يحرم الوفاء به لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا نذر في معصية الله؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه» .
وسن أكله وتفرقته من هدي التطوع لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وقال جابر: كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا» رواه البخاري، والمستحب أكل اليسير؛ لحديث جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها» رواه أحمد ومسلم؛ ولأنه نسك، فاستحب الأكل منه كأضحية.
مما يتعلق بالهدي والأضحية
وتعيين هدي التلفظ حاصل ... وإشعاره مع نية وتقلد وأضحية باللفظ لا باشترائه ... بنيته حال الشراء في الموطد فما لم يعين منهما لك ظهره ... وما زاد واسترجاع ما لم تقدر وليس يزيل الملك تعيين هديه ... وأضحية من قبل ذبح بأوطد فإن شا يهبها أو يبيعها ويبدلن ... بأجود في الأولى ومثل بمبعد وإن تفتقر فاركب إذا لم يضرها ... ومع ذبحها إيجاب ذبح المؤكد ويضمنها إن نقصها بركوبها ... لتعليق حق الغير ياذا الترشد ومن درها فاشرب عن الولد فاضلاً ... وجز متى ينفع وللفقر أجد ولا تعط جزارًا من اللحم أجرة ... ولا جلدها حتمًا ولا الشعر وارقد وإن شئت أبقيه لنفعك دائمًا ... إذا كان من أضحية لا من الهدي وأما الهدايا الواجبات فكلها ... إلى أهلها أوصل بغير تقيد وإن سرقت من بعد ذبحك أجزأت ... وفي أي وقت مجزئ ذبح معتد ولا غرم أن ينوي بذبح لربها ... كذلك أن ينوي له في المؤكد وعن أحمد الزمه في ذا ضمانها ... ولم يجز عن كل على نص أحمد ومتلفها ألزمه قيمتها وإن ... يكن ربها ألزمه بالمتزيد من المثل أو من قيمة يوم هلكها ... وقيل من التعيين حتى التفسد فإن مثلها أدى وأخرجه فاضلاً ... أجز واشترى مقدارها وبه جد وليس عليه غرم ثاو وضائع ... بلا رهنه وانحر لخوف الردى قد فإن مات لم يذبحه مع خوف هلكه ... ضمنت لتفريط وإلا فلا أشهد وإن يتعيب بعد إجراء ذبحه ... وكان له هديًا وأضحية زد إذا كان عن هدي عليك محتم ... وإلا فلا تضمن إذا لم تنكد وإن كل هدي واجب عن محله ... فذاك متى أفشى نواه وجدد
ومن دمه عَلِّم بصفحته لكي ... تدل على تحليله كل مرمد ولا يأكلن منه ولا رفقة له ... وسيان ذو وفر وفقر ملدد كذا حكم هدي النقل إن لم يعد فإن ... يعد قبل ذبح فهو ملك له طد ولا فرق في الأحكام بين معين ... بنقل وعما كان في الذمة اطرد وإن بنو أو ما ضل أو غاب أو عطب ... فضمنه ما في ذمة بمجدد ولا ترجعن في عاطب ومعيبه ... وضائعه من بعد ذبح بأوكد وموصل هدي لم يعين محله ... سليمًا فذاك يجزي عن متقصد ويشرع سوق الهدي من حله وأن ... توقفه في الموقف المتأكد وإشعار بدن في يمين سنامها ... وتقليد كل نحو نعل مقدد ولا شيء فيما قد تقدم واجب ... وموج هدي نذره غير ما ابتدى وتجزئ في الإطلاق شاتك عن دم ... كذا سبع إحدى البدن والبقر احدد وواجبها سبع إذا ما ذبحتها ... بوجه ووجه كلها واجب جد ويجزيك ما أجزأك أضحية وما ... يرد بعيب في الضحايا هنا اردد ومنها تعين يجر إيصاله إلى ... ربا مكة من غير تعيين مقصد ولو إنه نذر معب وإن ترد ... سوى مكة في النذر يلزم فاقصد ويشرع ترك الأكل من هدي نقله ... لإخراجه لله جد لا تردد ولا يطمعن من واجب المهدي محرم ... سوى الأكل من هدي لغير المفرد يحرم أكل من هدايا نذوره ... وأكلك أيضًا من هدايا التصيد وقولان في تحليل باقي دمائه ... التي وجبت في المذهب النفل فاعمد
س16: متى تجب الأضحية؟ وأيما أفضل ذبحها أم الصدقة بثمنها؟ وما صفة العمل بلحمها؟ وما حكم الأكل منها؟ وما الذي يضمن منها؟ وهل لمالكها
لإهداء منها، وإذا منع الفقراء اللحم حتى أنتن، فما الحكم؟ وهل يكفي إطعام الفقير عن تمليه، وما حكم الادخار؟ واذكر الدليل أو التعليل.
ج: تجب الأضحية بالنذر لحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطع، وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها» ، وكذا هدي لحديث: «ما عمل ابن آدم عملاً أحب إلى الله من هراقة، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فيطيبوا بها نفسًا» رواه ابن ماجه – وقد ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهدى الهدايا والخلفاء بعده، ولو أن الصدقة بالثمن أفضل لم يعدلوا عه.
وسن أن يهدي وأن يأكل ويتصدق أثلاثًا؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا في الأضحية، قال: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث» . قال الحافظ: قال أبو موسى: هذا حديث حسن، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ .
قال الحسن: القانع: الذي يسألك، والمعتر: الذي يتعرض لك ولا يسألك.
وقال مجاهد: القانع: الجالس في بيته، والمعتر: الذي يسألك، فجعلها بين ثلاثة، فدل على أنها بينهم أثلاثًا؛ ولقول ابن عمر: الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهل بيتك، وثلث للمساكين، وإن أطعمها كلها أو أكثرها فحسن ولا يجب الأكل منها، ولا الإهداء منها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر خمس بدنات، وقال: «من شاء فليقتطع، ولم يأكل منها شيئًا، ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله، فلم يجب الأكل منها كالعقيقة» فيكون الأمر للاستحباب.
ويضمن إن أكلها كلها ضمن أقل ما يقع عليه الاسم كالأوقية بمثله لحمًا، وقيل: العادة، وقيل: الثلث، ويعتبر تمليك الفقير فلا يكفي إطعامه؛ لأنه إباحة.
وما ملك مضح أو مهد أكله كأكثرها فله هديته؛ لأنها في معنى أكله، وإلا يملك أكله، ضمنه بمثله لحمًا كبيعه وإتلافه.
ويضمن الهدي والأضحية، أجنبي أتلفه بقيمته كسائر المتقومات، وإن منع الفقراء منه حتى أنتن، ضمن نقصه وإن انتفع به وإلا فإنه يضمن قيمته كإعدامه.
ونسخ تحريم الادخار للحوم الأضاحي، لحديث: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم» رواه مسلم، ولحديث عائشة مرفوعًا: «إنما نهيتكم للدافة التي دفت، فكلوا وتزودوا وتصدقوا وادخروا» قال الشيخ: إلا زمن مجاعة لأنه سبب الادخار، وقال: الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه عند غيبته، أو امتناعه كالنفقة عليهم.
س17: ما الذي يحرم على مريد الأضحية؟ ومتى أول وقت التحريم وآخره؟ واذكر الدليل والخلاف.
ج: إذا دخل عشر ذي الحجة، حرم على من يضحي أو يضحي عنه أخذ شيء من شعره، أو ظفره، أو بشرته إلى الذبح؛ لحديث أم سلمة مرفوعًا: «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» . وفي رواية: «ولا من بشرته» .
وقيل: يكره لقول عائشة - رضي الله عنها -: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي.
متفق عليه.
والذي يترجح عندي القول الأول.
والله سبحانه أعلم.
وقد أجيب عن حديث عائشة، بأنه في إرسال الهدي، ومن «شرح الإقناع» ، قال: وأيضًا، فحديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص، فيحمل العام عليه،
وأيضًا فحديث أم سلمة من قوله، وحديث عائشة من فعله.
وقوله مقدم على فعله لاحتمال الخصوصية؛ فإن أخذ شيئًا من شعره أو ظفره أو بشرته تاب إلى الله تعالى لوجوب التوبة من كل ذنب.
وقال في «شرح الاقتباس» ، قلت: وهذا إذا كان لغير ضرورة، وإلا فلا إثم كالمحروم، وأولى ولا فدية عليه إجماعًا، سواء فعله عمدًا وسهوًا.
وإذا كان عند المضحي أكثر من واحدة، فإذا ذبح الأولى حل له الأخذ من شعره وظفره وبشرته.
من النظم مما يتعلق بالأضحية
وبادر إلى أضحية مستجيدها ... وليست بذبح واجب في المؤكد وذبحك نفلاً فائق بذل قيمة ... ولم يجز غير الذبح في فرضها قد وتجزئ أهل البيت شاة جميعهم ... ولا يمنع الإيجاب أكلاً بأجود فيشرع إهدا الثلث والصدقات بالثليث ... وجوز أكل ثلث فازهد وأوسطها أهد وكل أنث ثلثها ... كذا الحكم في هدي التطوع قيد ويجزئك القدر المسمى وقيل ما ... تهودي وقيل الثلث غير مقيد ويضمن ما يأتي على الكل ثلثها ... وقيل الذي يجزي تصدقه قد وإما تعين في الضحايا معيبة ... يجب ذبحها لحمًا وإن تبر جود ولا نقض من أضحية الميت دينه ... ووراثهُ فيها كحكم الملحد وفي العشر لا تقطع من الشعر إن ترد ... تضح ولا ظفر وحرم بأجود
3-
العقيقة
س18: ما هي العقيقة؟ وما حكمها؟ ومن المخاطب بها؟ ومتى وقتها؟ وما هي الحكمة فيها؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف.
ج: أصل العقيقة، صوف الجذع، وشعر كل مولود من الناس، والبهائم الذي تولد عليه، يقال: عقيقية وعقة أيضًا بالكسر، وبه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه عقيقة؛ لأنه يزال عنه الشعر يومئذ فسميت باسم سببها.
وقال زهير يذكر حمارًا وحشيًّا:
أذلك أم أقب البطن جار ... عليه من عقيقته عفاء
وقال امرؤ القيس:
فيا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا
هو الذي شعر رأسه شقرة، وقيل: إنه مأخوذ من العق، وهو الشق والقطع، فسميت الذبيحة عقيقة؛ لأنه يشق حلقومها، وهي سُّنة مؤكدة عند الجمهور لأمره - صلى الله عليه وسلم - وفعل أصحابه والتابعين المستفيض، قال مالك: لا اختلاف فيه عندنا، وهو المعمول به في الحجاز قديمًا وحديثًا، وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
لما ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة؟ فقال: «لا أحب العقوق» وكأنه كره الإسم، فقالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له، قال: «من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا» رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وعبد الحق؛ لكن رجح أبو حاتم إرساله، وأخرج ابن حبان من حديث أنس نحوه.
وقيل: واجبة شرعت فدية يفدي بها المولود، كما فدى الله إسماعيل الذبيح بالكبش، وكانت تفعل في الجاهلية، فأقرها الإسلام وأكدها، وأخبر الشارع أن الغلام مرتهن بها.
فعن سمرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمي» رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي.
قال شيخ الإسلام: العقيقة فيها معنى القربان والشكر والصدقة والفداء، وإطعام الطعام عند السرور، فإذا شرع عند النكاح، فلأن يشرع عند الغابة المطلوبة، وهو وجود النسل أولى.
وقال أحمد: إن استقرض رجوت أن يخلف الله عليه أحيا سُّنة واتبع ما جاء به عن ربه.
قال ابن القيم: وهذا لأنها سُّنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة على الوالدين، وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل، بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به، فصار سُّنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عن ولادته بذبح يذبح، ولا يستنكر أن يكون هذا حرزًا له من الشيطان بعد ولادته كما كان ذكر اسم الله عند وضعه في الرحم حرزًا له من ضرر الشيطان.
اهـ. في «تحفة المودود» .
وفي العقيقة مصالح، منها: إظهار البِشْر النعمة، ومنها: نشر النسب، ومنها: اتباع سبيل السخاء وعصيان داعي الشح والبخل، فإن فات الذبح في اليوم السابع، ففي أربعة عشر، فإن فات، ففي إحدى وعشرين؛ لحديث بريدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في العقيقة تذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين» أخرجه الحسين بن يحيى بن عباس القطان، ويروى عن عائشة نحوه،
ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك، فيعق أي يوم أراد لأنه قد تحقق سببها، وهي سُّنة في حق الأب.
س19: ما مقدار العقيقة للذكر والأنثى؟ وما حكم ذبحها قبل السابع أو قبل الولادة؟ وهل يجزي فيها شرك في دم؟ وضح ذلك.
وما الذي يُسن فعله في اليوم السابع غير الذبح؟ وهل يعق غير الأب، وإذا كبر ولم يعق عنه فما الحكم؟ وهل يعق عن اليتيم؟
ج: السُّنة أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة، لما ورد عن أم كرز الكعبية، أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة؟ فقال: «نعم، عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، لا يضركم ذكرانًا أو إناثًا» رواه أحمد والترمذي وصححه، وتقدم حديث عمرو بن شعيب في الجواب الذي قبل هذا.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة» رواه أحمد والترمذي وصححه.
وفي لفظ: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نعق عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين» رواه أحمد وابن ماجه.
ولأنه إنما شرع للسرور بالمولود، والسرور بالغلام أكثر، ولكونها فداء النفس، أشبهت الدية في كون الأنثى على النصف من الذكر؛ وهذا قول الأكثر.
وكان ابن عمر يقول: شاة شاة؛ لحديث بن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا» رواه أبو داود.
وقال مالك: شاة عن الذكر، والأنثى؛ كما هو قول ابن عمر، والقول الأول عندي أنه أرجح.
والله سبحانه أعلم.
قال ابن القيم في الهدي: فإن قيل عقه عن الحسن والحسين، يكفي كبش، يدل على أن هديه أن على الرأس رأسًا.
قالوا: ولأنه نسك، فكان على الرأس مثله كالأضحية، ودم التمتع، فالجواب: أن أحاديث الشاتين من الذكر، والشاة من الأنثى، أولى أن يؤخذ بها لوجوه:
أحدها: كثرتها.
ثانيًا: أنها من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحاديث الشاتين من قوله، وقوله عام، وفعله يحتمل الاختصاص.
الثالث: أنها متضمنة لزيادة؛ فكان الأخذ بها أولى.
الرابع: أن الفعل يدل على الجواز؛ وللقول يدل على الاستحباب، والأخذ بهما ممكن فلا وجه لتعطيل أحدهما.
الخامس: أن قصة الذبح عن الحسن والحسين، كانت عام أُحد، والعام الذي بعده، وأم كرز سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ما روته عام الحديبية، سنة ست بعد الذبح، عن الحسن والحسين، قاله النسائي في كتابه الكبير.
السادس: أن قصة الحسن والحسين، يحتمل أن يراد بها بيان جنس المذبوح، وأنه من الكباش لا في تخصيصه بالواحد، كما قالت عائشة: ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه بقرة، وكن تسعًا؛ ومرادها الجنس لا التخصيص بالواحدة.
السابع: أن الله سبحانه فضل الذكر على الأنثى، كما قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [36:3] ومقتضى التفاصيل ترجيحه عليها في الأحكام، وقد جاءت الشريعة بهذا التفضيل، في جعل الذكر كالأنثيين في الشهادة، والميراث والدية، فكذلك ألحقت العقيقة بهذه الأحكام.
الثامن: أن العقيقة تشبه العتق عن المولود؛ فإنه رهين بعقيقته، فالعقيقة تفكه وتعتقه، وكان الأولى أن يعق عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة، كما أن عتق الأنثين يقوم مقام عتق الذكر، كما في «جامع الترمذي» وغيره.
عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزي كل عضو منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوًا منها» وهذا حديث صحيح انتهى باختصار من (ص11، 12، 13، 14) .
ويجوز ذبحها قبل السابع، قال في «تحفة المودود في أحكام المولود» : والظاهر أن التقيد بذلك، أي بالسابع، ونحوه استحبابًا، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر، وما بعده أجزأه، والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل، ولا تجزي بدنة أو بقرة إلا كاملة، فلا يجزي فيها شرك في دم لعدم وروده، وينوي عقيقة لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» .
ويسن حلق رأس صبي يوم السابع وتسميته؛ لحديث سمرة بن جندب مرفوعًا: «كل غلام رهينته بعقيقته تذبح يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه» رواه الأثرم وأبو داود، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق عنه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
قال ابن القيم: كانت التسمية حقيقتها تعريف الشيء المسمى؛ لأنه إذا وجد وهو مجهول الاسم، لم يكن له ما يقع تعريفه به، فجاز تعريفه يوم وجوده، وجاز تأخير التعريف إلى ثلاثة أيام، وجاز إلى يوم العقيقة عنه، ويجوز قبل ذلك وبعده، والأمر فيه واسع.
واتفقوا على أن التسمية للرجال والنساء فرض، حكاه ابن حزم وغيره، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ دليل على جوزه يوم الولادة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ولد لي الليلة ولد، سميته باسم أبي إبراهيم» متفق عليه.
ولهما عن أنس: أنه ذهب بأخيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ولدته أمه، فحنكه وسماه عبد الله، والتسمية للأب، فلا يسمي غيره مع وجوده.
قال ابن القيم: وهذا مما لا نزاع فيه بين الناس؛ ولأنه يدعي يوم القيامة باسمه، واسم أبيه.
ولا يعق المولود عن نفسه إذا كبر لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره كأجنبي؛ فإن عق غير الأب، والمولود عن نفسه بعد أن كبر، لم يكره لعدم الدليل عليها.
وقيل: يعق عن نفسه استحبابًا، إذا لم يعق عنه أبوه؛ لأنها مشروعة عنه، ولأنه مرتهن بها.
قال الشيخ: يعق عن اليتيم من ماله كالأضحية أولى لأنه مرتهن بها بخلاف الأضحية، وقال بعضهم: مشروعة ولو بعد موت المولود.
س20: تكلم بوضوح عما يلي: ماذا يسن بعد حلق رأس ذكر، الأذان والإقامة في أذني المولود، التحنيك، صفته، حكمه إذا اجتمع عقيقة وأضحية ونوى بالأضحية عنهما، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تمثيل.
ج: يُسن أن يتصدق بزنة شعره فضة، لما ورد عن أبي رافع أن حسن ابن علي - رضي الله عنهما - لما ولد أرادت أمه فاطمة - رضي الله عنها - أن تعق عنه بكبشين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تعقي عنه؛ ولكن احلقي شعر رأسه، فتصدقي بوزنه من الورق» ، ثم ولد حسين - رضي الله عنه - فصنعت مثل ذلك.
رواه أحمد.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين - رضي الله عنهما - كبشًا كبشًا.
رواه أصحاب السنن، ولفظ الترمذي: عق النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن بشاة، وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة» فوزناه فكان وزنه درهمًا أو بعض درهم.
وسن أن يؤذن في أذن المولود اليمنى ذكرًا كان أو أنثى حين يولد، وأن يقام في اليسرى؛ لما ورد عن أبي رافع قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذّن في أذن الحسين، حين ولدته فاطمة الصلاة.
رواه أحمد، وكذلك أبو داود والترمذي وصححه، وقالا: الحسن، وللبيهقي عن ابن عباس أنه أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد، وأقام في أذنه اليسرى، وفيه ضعف.
وقال ابن اليم وغيره: سر التأذين أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلمات الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه من الدنيا، وغير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه، وتأثره به، وهروب الشيطان من الأذان، وأن تكون الدعوة إلى الله سابقة دعوة الشيطان وغير ذلك من الحكم.
وسن أن يحنك المولود بتمرة بأن تمضع، ويدلك بها داخل فمه، ويفتح فمه حتى ينزل إلى جوفه منها شيء؛ لما في «الصحيحين» من أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ولد لي غلام، فأتيت به النبي - صلى الله عليه وسلم - فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، زاد البخاري: ودعا بالبركة ودفعه إليَّ، وكان أكبر ولد أبي موسى، وروى أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أسماء: أنها حملت بعبد الله ابن الزبير، فولدت بقباء، ثم أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضعته في حجره، فدعا بتمرة فمضغها، ثم وضعها في فيه.
قال النووي وغيره: اتفق العلماء على استحاب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذر، فما في معناه أو قريب منه من الحلو، أو أن يكون المحنك من الصالحين، وإذا اجتمع عقيقة وأضحية، ونوى بالأضحية عنهما أجزأت عنهما.
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه «المودود في أحكام المولود» : كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضًا أو سُّنة مكتوبة، وقع ما صلاه عنه وعن ركعتي الطواف، وكذا لو ذبح المتمتع
والقارن شاة يوم النحر، أجزأ عن دم المتعة أو القران، وعن الأضحية، وفي معناه لو اجتمع هدي وأضحية، فتجزي ذبيحة عنهما لحصول المقصود منهما بالذبح، وهو معنى قول ابن القيم.
س21: تكلم عما يلي: لطخ رأس الصبي بزعفران، صفة العمل بعظمها ولحمها وأعضائها ما يعطي منها، وهل بينها وبين الأضحية فرق، وماذا يقول عند ذبحها، واذكر شيئًا من فوائدها، وما هي للفرعة، وما هي المعتبرة وما حكمها، اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: يستحب أن يلطخ رأسه بالزعفران، أو غيره من الخلوق؛ لما ورد عن بريدة الأسلمي، قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران.
رواه أبو داود؛ ولما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوا مكان الدم خلوفًا.
قال ابن القيم في «التحفة» : وسن لهم أن يلطخوا الرأس بالزعفران الطيب الرائحة، الحسن اللون، بدلاً عن الدم الخبيث الرائحة النجس العين، والزعفران من أطيب الطيب وألطفه وأحسنه لونًا، وكأن حلق رأسه إماطة الأذى عنه، وإزالة للشعر الضعيف ليخلفه شعر أقوى وأمكن منه وأنفع للرأس مع ما فيه من التخفيف عن الصبي، وفتح مسام الرأس ليخرج البخار منها بيسر وسهولة، وفي ذلك تقوية بصره وشمه وسمعه.
انتهى.
ويستحب أن يفصلها أعضاء ولا يكسر عظمها؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: السُّنة شاتان مكافأتان عن الغلام، وعن الجارية تطبخ جدولاً، ولا يكسر لها عظم ويأكل ويطعم ويتصدق، وذلك يوم السابع.
ويستحب أن يعطي القابلة فخذًا، لما في مراسيل أبي داود عن جعفر
ابن محمد، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين: «أن ابعثوا إلى القابلة منها برجل» ، وكالأكل والهدية والصدقة.
روى ابن المنذر عطاء، عن أبي كرز وأم كرز، قالا: قالت امرأة من أهل عبد الرحمن بن أبي بكر لما ولدت امرأة عبد الرحمن نحرنا جزورًا، فقالت عائشة: لا بل السُّنة شاتان مكافأتان يتصدق بهما عن الغلام، وشاة عن الجارية تطبخ ولا يكسر لها عظم فتأكل وتطعم وتتصدق، يكون ذلك في السابع؛ فإن لم يفعل ففي الرابع عشر؛ فإن لم يفعل: ففي إحدى وعشرين.
قال ابن المنذر: وقال الشافعي: العقيقة سُّنة واجبة، ويتقي فيها من العيوب ما يتقي في الضحايا.
انتهى.
ويجتنب في العقيقة ما يجتنب في الأضحية، فلا تجزي فيها العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها ونحوها، ويباع جلدها ورأسها وسواقطها، ويتصدق بثمنها، بخلاف الأضحية؛ لأن الأضحية أدخل منها في التعبد، والذكر أفضل في العقيقة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين بكبش كبش.
وحكمها حكم الأضحية في الضمان إذا أتلفها، والولد فيذبح معها، واللبن والصوف أو الشعر أو الوبر، فتستحب الصدقة، والذكاة فلا يجزي إخراجها حية والركوب، وما يجوز من الحيوان مما تقدم في الهدي والأضحية كاستحقاق استسمامها، وأن أفضل ألوانها البياض لاشتراكها في تعلق الفقراء بهما.
ويقول عند ذبحها: بسم الله، اللهم لك وإليك، هذه عقيقة فلان بن فلان؛ لحديث عائشة، قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اذبحوا على اسمه فقولوا: بسم الله لك وإليك، اللهم هذه عقيقة فلان» رواه ابن المنذر، وقال: هذا حسن.
قال ابن القيم: ومن فوائدها أنه قربان يقرب به عن المولود في أول أوقات خروجه إلى الدنيا، والمولود ينتفع بذلك غاية الانتفاع كما ينتفع بالدعاء، وإحضاره
مواضع النسك والإحرام عنه، وغير ذلك.
ومن فوائدها أنها تفك رهان المولود؛ فإنه مرتهن بعقيقته، قال الإمام أحمد: مرتهن عن الشفاعة لوالديه، وقال عطاء بن أبي رباح: مرتهن بعقيقته، قال: يحرم شفاعة ولده، ومن فوائدها أنها فدية يفدي بها المولود كما فدى الله سبحانه إسماعيل الذبيح بالكبش.
انتهى.
الفرعة هي ذبح أول ولد الناقة، والعتيرة ذبيحة رجب؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا فرع ولا عتيرة» متفق عليه.
وقيل: يكرهان، وهذا القول أرجح.
والله أعلم.