كتاب الحجر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
إذا طلب أهلي منك شيئًا فادفعه إليهم، وإذا دخل رمضان فقد وكلتك في كذا، أو أنت وكيلي، وتصح بكل قول يدل على الإذن في التصرف نحو افعل كذا، أو أذنت لك فيه أو بعهُ أو اعْتِقْهُ وكاتبه ونحو ذلك، كأقمتك مقامي أو جعلتك نائبًا عني؛ لأنه لفظ دل على الإذن فصح كلفظ الوكالة الصريح.
قال في «الفروع» : ودل كلام القاضي على انعقادها بفعل دالٍ كبيع وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصّار أو خيّاط وهو أظهر كالقبول.
انتهى.
وقال ابن نصر الله: ويتخرج انعقادها بالخط والكتابة الدالة، ولم يتعرض له الأصحاب ولعله داخل في قوله بفعل دال؛ لأن الكتابة فعل يدل على المعنى.
اهـ حاشية.
ويصح قبول الوكالة بكل قول أو فعل من الوكيل يدل على القبول؛ لأن وكلاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنهم سوى امتثال أوامره؛ ولأن إذن في التصرف فجاز قبوله بالفعل كأكل الطعام ولو لم يعلم الوكيل بالوكالة له مثل أو وكله في بيع داره أو بستانه أو دكانه، ولو لم يعلم الوكيل فباعها نفذ بيعه؛ لأن الاعتبار في العقود بما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلف وتقدم في البيع، ويصح قبول الوكالة على الفور والتراخي بأن يوكله في بيع شيء فيبيعه بعد سنة أو يبلغه أنه وكله منذ شهر، فيقول: قبلت؛ لأن قبول وكلائه - صلى الله عليه وسلم - كان بفعلهم وكان متراخيًا عن توكيله إياهم؛ ولأنه إذن في التصرف والإذن قائم ما لم يرجع عنه أشبه الإباحة، وكذا سائر العقود الجائزة كشركة ومضاربة ومساقات ومزارعة في أن القبول يصح بالفعل فورًا ومتراخيًا لما سبق، ولو أبى الوكيل أن يقبل الوكالة فكعزله نَفْسه كالموصى له إذا لم يقبل الوصية ولم يردها يحكم عليه بالرد، وعلى قياس ذلك باقي العقود الجائزة وتقدم أنه يُشترط لصحَّة وكالة تعيين وكيل، فلو قال: وكلت أحد هذين لم تصح للجهالة، ولو وكل زيدًا وهو
لا يعرفه، لم تصح لوقوع الاشتراك في العلم فلابد من معرفة المقصود؛ إما بنسبة أو إشارة إليه أو نحو ذلك مما يعينه أو لم يعرف الوكيل موكله بأن قيل له: وكلك زيد، ولم ينسب له ولم يذكر له من وصفه أو ما يميزه لم يصح ذلك للجهالة.
17- من يصح منه التوكيل
س17: من الذي يصح منه التوكيل؟ وما الذي يُستثنى من ذلك؟ وما حكم التوكيل في بيع ما سيملكه أو في طلاق من يتزوجها؟ وما حكم توكيل العبد والمكاتب والسفيه ووكالة المميز؟ وما الذي يصح فيه التوكيل؟ وما حكم توكيل الكافر في شراء ما يحرم على المسلم؟ وما حكم توكّل الكافر عن المسلم وبالعكس، وإذا قال: إن ملكت فلانًا، فقد وكلتك في عتقه أو في بيع ما سيملكه تبعًا للمبيع، فما الحكم؟
ج: لا يصح التوكيل في شيء من بيع أو عتق أو طلاق أو نحوها إلا ممن يصح تصرفه في الذي وكَّلَ فيه؛ لأن من لا يصح تصرفه لنفسه فنائبه أولى:
يَجوزُ أن يُوكل الإنسانُ في
مَا كان فيه جائزَ التَّصرفِ
فلا يصح توكيل سفيه في نحو عتق عبده سوى توكيل أعمى رشيد، وموكل غائب في ما لم يره كشقص، وكمن يريد شراء عقار لم يره وكمن وكَل عالمًا بالمبيع بصيرًا فيما يحتاج لرؤية كجوهر وعقار فيصح وإن لم يصح ذلك منه لنفسه؛ لأن منعهما من التصرف في ذلك لعجزهما عن العلم بالمبيع لا لمعنى يقتضي منع الموكَّل من التوكيل.
ومثل التوكيل فيما ذكر توكُلٌ عن غيره فلا يصح أن يتوكّل في شيء إلا ممن يصح منه لنفسه، فلا يصح أن يوجب عن غيره نكاحًا من لا يصح منه إيجابه لموليته؛ لأنه إذا لم يجز أن يتولاه أصَالة فلم يجز بالنيابة كالمرأة ولا يقبل النكاح من لا يصح منه قبوله لنفسه ككافر يتوكل في قبول نكاح مسلمة لمسلم.
ولا يصح أن يتوكل مسلم عن كافر في نكاح إبنته؛ لأنه من شرط الولاية إتفاق الدينين إلا في سيّد زوّج أمتَه الكافرة لكافر فيصح سواء كان الموكل الكافر كتابيًا أو غير كتابي، كما لا يصح أن يتوكّل كافر عن مسلم في تزويج إبنته، ولا يصح أن يتوكّل كافر عن مسلم في شراء قنّ مسلمٍ ولا في شراء مصحف ولا في معاقبة المسلم إذا وجب عليه حد سوى قبول نكاح نحو أخته كعمته وخالته وحماته لأجنبي؛ لأن المنع منه لنفسه إنما هو على سبيل التنزيه لا لمعنى فيه يقتضي منع التوكيل، سوى توكل حر واجد الطول نكاح أمة لمن تباح له الأمة من حر أو عبد عادم الطول خائف العنت وسري توكّل غني قبض زكاة لفقير، فيصح؛ لأن المنع في هذه لنفسه للتنزيه له لا لمعنى فيه يقتضي منع التوكيل وسوى طلاق امرأة نفسها وطلاق غيرها كضرتها أو غيرها بوكالة فيصح فيهن؛ لأنها لما ملكت طلاق نفسها بجعله إليها ملكت طلاق غيرها بالوكالة، ويصح توكيل مسلم كافرًا فيما تصح تصرف الكافر فيه كبيع وشراء، ولا يصح توكيل الكافر ولا مسلم في شراء خمر ولا عنب يُراد له ولا في شراء خنزير وطُنبور وجنك وعُود، وكل ما يحرم على الموكل استعماله كالدخان والتلفزيون والسينما والبكم والإسطوانات وخاتم ذهب لرجل وثياب أنثى لرجل وثياب رجل لأنثى لحرمة التشبه والصور مجسدة أو غير مجسدة والمذياع، وما قصد به
فعل محرم كأمواس ومقاص ومكائن لحلق اللحى أو قصّها، وكل
ما يحرم إتخاذه كأواني الذهب والفضة ونحوها؛ لأنه أقام الوكيل مقام نفسه فامتنع عليه ما يمتنع على موكله.
قال في نظم «أسهل المسالك» :
وكل ما جاز له أن يفعلا ... بنفسه يجوز أن يوكلا
وإن وكل إنسان عبد غيره صح فيما يملك العبد فعله بدون إذن سيّده كالصدقة بالرغيف ونحوه، والطلاق، والرجعة؛ وأما ما لا يملك العبد كالبيع والإجارة والشراء ولو في شراء نفسه من سيّده، فيصح إن أذن سيّده؛ لأن المنع لحقه، فإذا أذن صار كالحر، وإذا جاز الشراء له من غيره جاز من سيّده فلا يجوز له أن يتوكل؛ لأنه محجور عليه لحق سيّده فيما لا يملكه العبد كعقد بيع وإجارة وإيجاب نكاح وقبول وعتق قنَّ لآخر فلا يملك ذلك؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك بلا إذن سيده، وكالعبد كل محجور عليه لصغر أو جنون أو سفه لا يتوكل واحد منهم بلا إذنه إلا الصغير فله أن يتوكّل في الطلاق، وإذا كان بعقله ولو لم يأذن له وليه بخلاف نحو طلاق؛ لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء فجاز في الإزالة بطريق الأولى وبخلاف رجعة وصدقة بنحو رغيف وفلس وتمرة فلا يفتقر إلى إذن السيّد.
ولمكاتب أن يوكل في كل ما يتصرف فيه بنفسه من بيع وشراء وشركة وللمكاتب أن يتوكّل بجعل؛ لأنه من اكتساب المال ولا يمنع المكاتب من الإكتساب.
وليس له أن يتوكل لغيره بغير جعل إلا بإذن سيده؛ لأن منافعه كأعيان ماله وليس له بذل ماله بغير عوض بلا إذن سيده؛ فإن أذنه جاز والمدبّر والمعلّق عتقه بصفة كالقنّ، وكذا المبعض؛ لأن التصرف يقع بجميع بدنه، ويصح إذا كان بينه وبين سيده مهاياة في نوبته لعدم لحوق الضرر بالسيّد،
ولا تصح الوكالة في بيع ما سيملكه أو في طلاق من يتزوجها؛ لأن الموكل لا يملكه حين التوكّل، ولا يصح إن ملكت فلانًا فقد وكلتك في عتقه؛ لأنه يصح تعليقه على ملكه بخلاف إن تزوجت فلانة فقد وكّلت في طلاقها، وتصح الوكالة في بيع ما سيملكه عقب الوكالة تبعًا للمبيع المملوك له وقت التوكيل.
كقول الموكل لوكيله بع هذا الحيوان وما يحدث منه نتاج أو بعه واشتر بثمنه كذا؛ فأما قول الموكل بع ما يحصل من نحو لبن البهيمة كنتاجها وصُوفها وشعرها ووبرها، فلا يصح؛ لأنه غير موجود حين التوكل وبع اللبن إذا حصل يصح؛ لأنه تعليق، وتقدم أن تعليق الوكالة صحيح.
18- تصرف الوكيل وما يتعلق بذلك
س18: تكلم بوضوح عما يلي: إذا تَصرفَ الوكيلُ فيما وكِّلَ فيه بخبر من ظنَّ صدقهُ، ما الذي يترتب على ذلك إذا حكم بالوكالة ثم قال أحد الشاهدين أو غيرهما عزلَه إذا أبى وكيلٌ قبولها، إذا قال إنسان لوكيل غائبٍ في مطالبة تثبت: احلف أن لك مطالبتي أو احلف أنه ما عزلك، وقال عن دين ثابت في ذمة مُدعي عليه: موكلك أخذَ حقهُ، أو قال عبد: اشتريت نفسي لزيد مُوكلي بإذن سيدي وصدَّقه زيدٌ وسيده، أو قال السيد: ما اشتريت نفسك إلا لنفسك، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ ومثّل لما يحتاج إلى تمثيل وفصّل ما يحتاج لتفصيل، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: للوكيل التصرف فيما وكله فيه بخبر مَن ظن صدقه بتوكّل زيد مثلًا له؛ لأن الأصل صدقه كقبول هدية وإذن غلام في دخول ويضمن
الوكيل ما ترتب من تصرفه إن أنكر زيد التوكيل، ولا يرجع الوكيل على مخبره بالوكالة لتقصيره بعدم التفحّص عن حقيقة الحال، ولا يخفى أن هذا مبني على القول بأن المباشر ليس له الرجوع على الميت، ومقتضى القواعد أن للوكيل الرجوع على مخبره؛ لأنه غرّه والذي تميل إليه النفس أنه لا يرجع لتفريطه بعدم التثبت.
والله أعلم.
ولو شهد بالوكالة اثنان، ثم قال أحدهما: عزله، ولم يحكم بالوكالة حاكم قبل قوله عزَلَه، ولم تثبت الوكالة لرجوع شاهدها قبل الحكم وإن حكم بالوكالة، ثم قال أحد الشاهدين: عزله، أو قال غيرهما بعد الحكم أو قبله لم يقدح ذلك في الوكالة لنفوذ الحكم بالشهادة ولم يثبت العزل، وإن قالا عزله ثبت العز لتمام الشهادة به كتمامها بالتوكيل ولو أن القائل لذلك شاهد الوكالة وليس ذلك رجوع عن الشهادة، وإن شهد اثنان أن فلانًا الغائب وكَّل هذا الحاضر، فقال الوكيل: ما علمتُ، وأنا أتصرفُ عنه ثبتت الوكالة؛ لأن معناه إلى الآن لم أعلم وقبول الوكالة يجوز متراخيًا ولا يضر جهله بالتوكيل.
وإن قال: ما أعلم صدق الشاهدين، لم تثبت لقدحه في شهادتهما، وإن قال: ما علمتُ، فقيل: فسر؛ فإن فسر بالأول ثبتت وكالتُه إن فسر بالثاني لم تثبت، وإن أبى وكيل قبول الوكالة، فقال: لا أقبلها فكعزله نفسه؛ لأن الوكالة لم تتم.
ومن قال لوكيل غائب في مطالبة ثبتت وكالتُه ببينة أو إقرار غريمٍ: أن لك مطالبتي لم يسمع قوله، المعنى لم يُلتفت إلى قول المدّعى عليه ذلك؛ لأنه دعوى للغير إلا أن يدّعي المطلوب علم العزل فيحلف الوكيل على نفي العلم لاحتمال صدق المدّعى عليه وإن نكل عن اليمين، فلا طلب للوكيل لاحتمال صدق الغريم فيمتنع الطلب، ولو قال من ادّعى عليه وكيل غائبٍ عن دين ثابتٍ في ذمةٍ المدعى عليه: مُوكلك أخذ حقهُ، لم يُقبل
قوله بلا بينة؛ لأنه مُقر مُدَّعي الوفاء ولا يؤخر، أي لا يحكم على الوكيل بتأخير طلبه حتى يحضر موكله ليحلف الموكل أو يعترف بالأخذ؛ لأن ذلك وسيلة لتأخير مُتيقن لمشكوك فيه، كما لو ادّعى المدّعي عليه وفاء للموكل وادّعى غيبة البينة التي أقبض بحضورها فلا يؤخر المدعي لحضور البينة.
ولو قال عبد: اشتريتُ نفسي لزيد مُوكّلي بإذنِ سيدي وصدقه زيدٌ وسيده صح الشراء ولزم زيدًا الثمن الذي وقع به العقد؛ لأن ذلك مقتضى البيع، وإن قال السيد: ما اشتريت نفسك إلا لنفسك، فقال العبد: بل اشتريت نفسي لزيد، فكذبه زيد، العبدُ لإقرار السيد على نفسه بما يعتق به العبد ولزم العبد الثمنُ في ذمته؛ لأن العبد لم يحصل لزيد ولا يدعيه سيّده عليه، والظاهر ممن باشر العقد أنه له وإن صدقه السيد وكذّبه زيد؛ فإن كذبه بالوكالة حلف وبرئ، وللسيّد فسخ البيع لتعذر الثمن وإن صدقهُ في الوكالة وكذّبه في شراء نفسه له، فقوله القنّ؛ لأن الوكيل يقبل قوله في التصرف المأذون فيه.
ما تصح فيه الوكالة وما لا تصح فيه
س19: تكلم بوضوح عما تصح فيه الوكالة، وما لا تصح فيه، ومثّل لما يحتاج إلى تمثيل، وفصّل لما يحتاج إلى تفصيل، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: تصحّ في كل حق آدمي يتعلق بالمال أو ما يجري مجرى المال من عقد كبيع وهبة وإجارة ونكاح؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - وكل في الشراء والنكاح، وألحق بهما سائر العقود، ويصح التوكيل في فسخ لنحو عيب وطلاق؛ لأن ما جاز التوكيل في عقده جاز ي حلِّهِ بطريق الأولى ويصح التوكيل في رجعة؛
لأن التوكيل حيث ملك به إنشاء النكاح ملك به تجديده بالرجعة من باب أولى، وقال في «الغاية وشرحها» : ويتجه باحتمال قوي لا تصح الوكالة إن وكلها، أي الزوجة في رجعة نفسها أو رجعة غيرها من مطلقاته؛ أنها ممنوعة من مباشرة التصرف في إيجاب نكاح نفسها ابتداء فمنعت من التوكل في الرجعة المقتضية لاستمرار النكاح دوامًا إذ لا فرق بينهما.
وتصح الوكالة في تملّك مباح من صيد وحشيش؛ لأنه تملّك مالٍ لا يتعين عليه فجاز التوكيل فيه كالاتهاب والابتياع بخلاف الالتقاط؛ لأن المغلب فيه الائتمان وتصح في صلح؛ لأنه عقد على مال أشبه البيع وإقرار؛ لأنه قول يلزم به الموكل مال أشبه التوكيل في الضمان وصفته أن يقول: وكلتك في الإقرار، فلو قال له عني لم يكن ذلك وكالة ذكره المجد، ويصح التوكيل في الإقرار بمجهول ويرجع في تفسيره إلى الموكل.
وليس توكيله في الإقرار، بإقرار كتوكيله في وصية أو هبة فليس بوصية ولا هبة.
المعنى: أن مجرد الوكالة ليس بإقرار حتى توجد الصيغة من الوكيل، فإذا وجدت من الوكيل بإقرار بشيء أو وصية أو هبة صار إقرارًا وأمّا مجرد التوكيل بذلك ليس إقرارًا ويصح التوكيل في عتق وإبراء لتعلقهما بالمال ولو لأنفسهما أن عُيّنا، كأن يقول سيد لقنّه: أعتق نفسك، أو يقول رب الدين لغريمه: وكلتك في أن تبرئ نفسك، فلو وكل عبده في إعتاق عبيده لم يدخل أو وكل امرأته في طلاق نسائه لم تدخل، أو وكل غريمه في إبراء غُرمائه لم يدخل، أو قال لإنسان: تصدق بهذا المال لم يدخل الوكيل في ذلك، فلا يملك العبد عتق نفسه، ولا يملك الوكيل في التصدق أخذ شيء من المال لنفسه إلا بالنص الصريح من الموكل.
وتصح الوكالة في كل حق لله تعالى تدخله النيابة من إثبات حد واستيفائه مِمَّن وجب عليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «واغدو يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترف فارجمها» فاعترفت، فأمر بها فرجمت، متفق عليه.
وكّله في الإثبات والاستيفاء جميعًا، ويصح أن يوكل السيد إنسانًا في إثبات حد وجب على العبد، وفي استيفائه منه.
وفي «الغاية وشرحها» : ويتجه صحتها من حاكم في إثبات حدّ خلافًا أبي الخطاب حيث منع جواز الوكالة في الإثبات، وله أيضًا أن يوكّل في إستيفائه لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجم ماعز، فرجموه، ووكّل عثمان عليًا في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ووكل عليٌ الحسن في ذلك، فأبى الحسن فوكّل عبد الله بن جعفر، فأقامه، وعليٌ يَعُد، رواه مسلم.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن الإمام لا يمكنه تولي ذلك بنفسه.
اهـ. ويصح من الوكيل استيفاء ما وكل فيه بحضرة موكل وغيبته؛ لعموم الأدلة، ولأن ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل جاز في غيبته كسائر الحقوق حتى في استيفاء حد قذف وقود.
وتصح في عبادة تتعلق بالمال كتفرقة صدقة وتفرقة نذر وتفرقة زكاة؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- كان يبعث عماله الصدقات وتفريقها، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» الحديث متفق عليه.
وتصح في تفرقة كفّارة؛ لأنه كتفرقة الزكاة، وتصح وكالة في إخراج زكاة بقول الموكل لوكيله أخرج زكاة مالي من مالك أو أخرج كفارتِي من مالك؛ لأنه اقتراض من مال وكيله وتوكيل له في إخراجه.
وتصحّ الوكالة في فعل حجٍ وعمرة فيستنيبُ من يفعلهما عنه مطلقًا في النفل، ومع العجز في الفرض على ما سبق في الحج، وتدخل ركعتا الطواف تبعًا للطواف وإن كانت الصلاة لا تدخلها النيابة، وفي «الغاية وشرحها» : ويتجه باحتمال قوي، وكذا يدخل في الوكالة صوم الوكيل عن موكّله الثلاثة أيام في الحج السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة إذا كان متمتعًا وهو متجه،
وحيث صحّت الثلاثة أيام فلا مانع من صحة العشرة قبل العود إن كان وكيلًا عن حيَّ عاجز عن الصوم.
اهـ. ولا تصحُ الوكالة في عبادة بدنية محضة لا تتعلق بالمال كصلاة وصوم لتعلقهما ببدن من هُما عليه والصوم المنذور يفعل عن الميت أداء لما وجب عليه وتقدم في بابه، وليس فعل الصوم عن ميت بوكالة؛ لأن الميت لا يستنيب الولي، وإنما أمره الشرع به إبراء لذمة الميت، وطهارةٍ من حدثٍ واعتكاف وغسلِ جمعةٍ وتجديد وضوء؛ لأن الثواب عليه لأمر يختص المعتكف به وهو لبث ذاته في المسجد فلا تدخله النيابة، وتصح الوكالة في تطهير البدن والثوب من النجاسة، ويصح أيضًا أن ينوي رفع الحدث ويستنيب من يصب له الماء ويغسلُ له أعضاءَه: ولا تصح الوكالة في ظهارٍ؛ لأنه قول منكر وزورٌ أشبه بقية المعاصي، ولا في لِعانٍ وإيلاءٍ ونذرٍ وقسامةٍ؛ لأنها تتعلقُ بعين الحالف والناذر فلا تدخلها النيابة كبقية العبادات البدنية، ولا في قسم لزوجات؛ لأن ذلك يختص بالزوج ولا يوجد في غيره، ولا في شهادة لا تتعلق بعين الشاهد لكونها خبرًا عمَّا رآه أو سمعه، ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه؛ فإن استناب كان النائب شاهدًا على شهادته لكونه يؤدي ما سمعه من شاهد الأصل وليس بوكيل، ولا تصحّ الوكالة في الإلتقاط؛ لأن المُغلَّب فيه الإئتمان والملتقط أحق به من الآمر ولا في اغتنام؛ لأنه إنما يُستحقُ بالحضور فلا يملك غائبٌ المطالبة به، ولا في جزيةٍ لفوات الصَّغار عمَّن وجب عليه، ولا في معصية من زنى وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ولا في رضاع؛ لأنه مختص بالمرضعة؛ لأن لبنها ينبت لحم الرضيع وينشز عظمه.
والحاصل أن لحقوق ثلاثة أنواع: نوع تضع الوكالةُ فيه مطلقًا، وهو ما تدخله النيابة من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين.
ونوعٌ لا تصح فيه مطلقًا كالصلاة والظِّهار، ونوع تصح فيه مع العجز
دون القدرة كحج فرض وعمرته.
قال صاحب «التيسير» :
يجوز للمكلف التوكيلُ في
ما كان فيه جَائز التصرّف
ولم يَجُزْ في مُطْلَق المجهول
كالإذن في الكثير والقليل
وليَمْتَنِعْ في حَمْل حَدٍ وقودْ
وقَبْضه مال الربا حيث عقد
وقبضِ رأسِ المالِ في عَقدِ السَّلَمْ
والوَطء مَعْ شَهادَةٍ بهَا التَزَمْ
واللَّعْنِ والإيلاء والظِهارِ
وَسَائِر الأيمانِ والإقرار
وهكذا عبادة فلا تشكْ
في المنع فيها مُطْلقًا إلا النسكْ
وتصح الوكالة في بيع مال الموكّل كله؛ لأنه يعرف ماله فلا غرر، وتصح في بيع ما شاء الوكيل من مال الموكل؛ لأنه إذا جاز التوكيل في الجميع ففي بعضه أولى، وكذا تصح الوكالة في طلاق جميع نسائه أو ما شاء منهن أو عتق جميع عبيده أو ما شاء منهم، وقال ابن مفلح في كتاب «الفروع» : وظاهر كلامهم له بيع كل ماله، وذكر الأزجي لَا لأنَّ مِن للتبعيض.
اهـ. فلا يبيع إلا واحدًا لا الكل لاستعمال هذا في الأقل غالبًا، والذي تميل إليه النفس أن له بيع كل ماله.
والله أعلم.
وتصح الوكالة في المطالبة بحقوق الموكّل كلها أو ما شاء منها، وفي
الإبراء منها كلها وما شاء منها.
ولا يصح التوكيل في عقد فاسد كبلا ولي أو شراء شيء بلا رؤية؛ لأن الموكل لا يملكه ولم يأذن الشرع فيه، بل حرمه، فلا يصح ولا يملك الصحيح مما وكله به كإجرائه عقد التزويج بولي، وشرائه الشيء بعد الرؤية فلم يصح لمخالفته اشتراط الموكل.
قال في «الإنصاف» : إذا وكله في بيع فاسد فباع بيعًا صحيحًا، لم يصح، قطع به الأصحاب، والذي يترجح عندي صحته إذا لم يحصل ضرر على المالك ولا نقص.
والله أعلم.
ولا يصح التوكيل في كل قليل وكثير، ذكره الأزجي إتفاق الأصحاب؛ لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله، وطلاق نسائه، وإعتاق أرقائه، وتزويج نساء كثيرة، ويلزمه المهور الكثيرة فيعظم الغرر والضرر؛ ولأن التوكيل لابد أن يكون في تصرف معلوم، وقيل: يصح كما لو وكله في بيع ماله كله أو المطالبة بحقوقه كلها أو الإبراء منها أو بما شاء منها فمتى عرف فيه الوكالة صحّ التوكيل، ولو عمّت الوكالة كل ماله التصرف فيه حيث لا محذور.
وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
ولا يصح التوكيل إن قال: اشتر ما شئت، أو اشتر عبدًا بما شئت؛ لأن ما يمكن شراؤه، والشراء به يكثر فيكثر فيه الغرر حتَّى يُبين للوكيل نوع وقدر الثمن؛ لأنه إذا ذكر نوعًا فقد أذن في أعلاه ثمنًا فيقل الغرر فيه وقدر الثمن يشتري به؛ لأن الغرر لا ينتفي إلا بذكر الشيئين، ما لم يكن مقدار ثمن المبيع معلومًا بين الناس كمكيل وموزون؛ لأنه لا غرر فيه ولا ضرر، وإن قال لوكيله: اشتر كذا وكذا، لا يصح التوكيل للجهالة، وقيل: يصح إذا قال: اشتر لي عبدًا بما شئت، والذي تطمئن إليه النفس صحة ذلك إذ لا محذور فيه ولا دليل على المنع.
والله أعلم.
ومثل قوله: وكلتك في كل قليل وكثير، لو قال لوكيله: اشتر لي ما شئت من المتاع الفلاني، لم يصح؛ لأنه قد يشتري ما لا يقدر على ثمنه، والذي يترجح عندي صحته.
والله أعلم.
20- مسائل حول إطلاق التوكيل
س20: ما الذي يقتضيه الإطلاق في قول الموكل لوكيله: اشتر عبدًا؟ وما مثال العقود الجائز؟ وهل فسادها يمنع نفوذ التصرف فيها؟ وما الذي يملك مَنْ وُكلَ في شراء طعام؟ وما حكم التوكل لمن ظن ظلمه والمخاصمة عن الغير ممن غير عالم بحقيقة أمره، وإذا وكّل في قبض دين أو غيره، فهل يملك الخصومة أو وكّل في الخصومة؟ فهل يملك القبض؟ وما الحكم فيما إذا قال: أجب خصمي عني أو اقبض حقي اليوم أو أقبض حقي من فلان أو أقبض حقي الذي قبله أو عليه أو وكّله في خلع بمحرم فخالع به أو بمباح؟ وهل للوكيل التوكيل؟ وما حكم توكيل الخائن أو أمينًا ثم خان أو وصي يوكل أو حاكم يستنيب أو قول موكّل لوكيل: وكّل عنك أو عني أو وكّل ويطلق؟ وما الذي يترتب على ذلك؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: الإطلاق في قول الموكّل لوكيله اشتر عبدًا يقتضي أن لا يملك الوكيل إلا شراء عبد مسلم؛ لأن الكفر عيب في الرقيق والعقود الجائزة كالشركة والمضاربة والوكالة إذا كانت فاسدة؛ فإن فسادها لا يمنع نفوذ التصرف فيها بالإذن ووكيل في طعام يملك شراء البر فقط؛ لأن الطعام هو البر عند الإطلاق في لسان أهل الحجاز.
وقال ابن عقيل: في الفنون لا تصح الوكالة ممن عَلِم ظُلْمَ موكَله في الخصومة، وكذا لو ظنّ ظلمه وبالغ القاضي فمنع أن يخاصم عن غيره، وقال: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾
يدل على أن لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره وهو غير عالم
بحقيقة أمره.
قال في «المغني» و «الشرح» : في الصلح على المنكر يشترط أن يعلم صدق المدعي فلا يحل دعوى ما لم يعلم ثبوته.
وفي «الغاية وشرحها» : ويتجه إن كان الموكّل ممن يعرف بالصدق والأمانة وعدم التعدّي على الغير اعتمد قوله، وصحت الوكالة عنه، وإن كان ممن يعرف بالكذب والاستشراف لما في أيدي الناس فلا يعتمد على قوله، ولا تصح الوكالة عنه لئلا يقع الوكيل في المحظور من أجله، ومن وُكل في قبض دين أو غيره كان وكيلًا في خصومة سواء علم الغريم ببذل ما عليه أن جحده أو مطله؛ لأنه لا يتوصّل إلى القبض إلا بالإثبات، فالإذن فيه أُذِن فيه عرفًا ومثله من وكل في قسم شيء أو بيعه أو طلب شفعة فيملك بذلك تثبيت ما وكل فيه؛ لأنه طريق لتوصل إليه، والوكيل في الخصومة لا يكون وكيلًا في القبض؛ لأن الإذن لم يتناوله نطقًا ولا عرفًا؛ ولأنه قد يرضي للخصومة من لا يرضاه للقبض وليس لوكيل في خصومة إقرار على موكله بقود ولا قذف وكالولي لا يصح إقراره على مولاه، وإذا قال إنسان لآخر: أجب خصمي عني وكالة في خصومة، وقوله: اقبض حقي اليوم أو الليلة أو بع ثوبي اليوم أو اليلة لم يملك فعل ما وكل فيه اليوم أو الليلة غدًا؛ لأنه لم يتناوله نطقه إذنًا ولا عرفًا؛ ولأنه قد يؤثر التصرف في زمن الحاجة دون غيره، ولهذا لما عين الله لعبادته وقتًا لم يجز تقديمها عليه، ولا تأخيرها عنه؛ وإنما صح فعلها قضاء؛ لأن الذمة لما اشتغلت كان الفعل مطلوب القضاء، وإن قال لوكيله: اقبض حقي من فلان ملك قبض حقه من فلان ومن وكيله لقيامه مقام موكله، فيجري مجرى إقباضه ولا يملك القبض من ورثته؛ لأنه لم يؤمر بذلك ولا يقتضيه العرف؛ لأن الحق انتقل إلى الوارث واستحق الطلب عليه بطريق الأصالة بخلاف الوكيل، ولهذا لو حلف إنسان لا يفعل شيئًا حنث بفعل وكيله، وإن قال له: اقبض حقي الذي قبل فلان أو اقبض حقي الذي على فلان ملك قبض حقه منه ومن
وكيله حتى مِن وارثه؛ لأن الوكالة اقتضت قبْض حقِه مُطلقًا فشمل القبضُ من وارثه؛ لأنه حقه.
ووكيل الزوج في خلع بمحرم كخمر وخنزير وسينما وتلفزيون ومذياع وبكم وصور وآلة تصوير فيلغوا إذا لم يأت بلفظ طلاق أو نية، فلو خالع وكيل في خلع بمُحرم أو بمباح أكثر من مهرها صح الخلع بقيمه قاله في «الفروع» . وقال في «الرعاية» : وإن خالعها على مباح صحّ الخلع وفسد العوض وله قيمة العوض لا هو.
انتهى.
فلا يلزم الزوج قبول المخالع عوضًا إذ لو لزمه أخذ العوض للزمه أخذ القيمة، ولوكيل توكيل فيما يعجزه فعله لكثرته لدلالة الحال على الإذن فيه، وحيث اقتضت الوكالة جواز التوكيل جاز في جميعه كما لو أذن فيه لفظًا وله التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه إذا كان العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدنيئة في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها عادة؛ فإن الإذن ينصرف إلى ما جرت به العادة، ولا يصح أن يوكل وكيل فيما يتولى مثله بنفسه ولم يعجزه بأن كان قادرًا عليه؛ لأنه غير مأذون في التوكيل ولا تضمَّنه الإذن له فلم يجز، كما لو نهاه؛ ولأنه استؤمن فيما يمكنه النهوضُ فيه فلا يوليه غيره كالوديعة إلا بإذن مُوكله له أن يوكله فيجوز بلا خلاف؛ لأنه عقد أُذِنَ له فيه أشبه سائر العقود، ويتعين على وكيل حيث جاز له أن يُوكل أمينٌ فلا يجوز له استنابة غيره؛ لأنه ينظر لموكله بالحظ ولا حظ له في إقامة غيره وإن عيَّن الموكلُ وكيلًا بأن قال له: وكّل زيدًا مثلًا فله توكيله، وإن لم يكن أمينًا؛ لأنه قطع نظره لتعيينه له، وإن وكل أمينًا فخان عليه عزله؛ لأن تركه يتصرف تضييع وتفريط، وكالوكيل فيما تقدم تفصيله وصيُّ يَوكَّلُ أو حاكم يستنيب؛ لأن كلًّا منهما مُتصرف لغيره.
قال في «الإنصاف» : وهذا إحدى الطريقتين للأصحاب وهو المذهب والطريقة الثانية يجوز للوصي التوكيل وإن منعناه في التوكيل ورجّحه القاضي وابن عقيل
وأبو الخطاب وقدمه في «المحرر» و «النظم» ، قلت: وهو الصواب؛ لأنه متصرف بالولاية وليس وكيلًا محضًا، وذكر أيضًا للحاكم طريقتين للأصحاب.
اهـ.
وقول موكل لوكيله: وكل عنك، يصح؛ فإن فعل فالوكيل وكيل وكيله، فله عزله وينعزل بموت الوكيل الأول وعزله، ووكّل عني أو وكّل ويطلق فلا يقول: عنك ولا عني فوكّل فهو وكيل موكله فلا ينعزل بموت الوكيل الأول ولا عزله ولا يملك الأول عزله؛ لأنه ليس وكيله، وإن مات الموكّل أو جن ونحوه انعزلا سواء كان أحدهما فرع الآخر أو لا، ولو قال الشخص: وكل فلانًا عني في بيع كذا، فقال الوكيل للثاني: بع، ولم يشعره أنه وكيل الموكل، فقال الشيخ: لا يحتاج إلى تبيين؛ لأنه وكيله أو وكيل فلان ذكره في «الاختيارات الفقهية» ، وحيث قلنا: إن الوكيل الثاني وكيل الموكل؛ فإنه ينعزل بعزله وبموته وجنونه وحجر عليه وقولُ المُوْصى لوصية أوص إلى من يكون وصيًا لي؛ فإنه يكون من أوصى إليه الوصي وصيًا للموصي الأول، ولا يوصي وكيل وإن أذنَ له موكله لعدم تناول اللفظ له ولبطلان الوكالة بموت الوكيل.
من النظم فيما يتعلق بالوكالة
وكل مقال يفهم الإذن صححن
به عقدها من مطلق ومقيد
وعنه سوى فوضت أمر كذا له
ووكلت فيه فارددنه وبعد
وبالقول أو بالفعل صحح قبولها
على الفور أو من بعد وقت معبد
ولا تمض توكيل الفتى وتوكلًا
سوى في محل جاز تصريفه قد
سوى قابلي عقد النكاح لأهله
وإيجابه من غير أهل بمبعد
وأما قبول الموسرين الزكاة أو
شبيهًا به للمدقعين فجرد
وفي كل حق الآدمي يصح من
طلاقٍ وعتق وارتجاعٍ ومعَقد
وفسخٍ وتحصيل المباحات كلها
سوى مغنمٍ بالحوز ملك لحشد
وفي الحج أو تفريق واجب ماله
وإثباتٍ واستيفاء حد مجدد
ولو غاب ذو الدعوى وقد قيل لا تجز
قصاصًا وحد القذف إلا بمشهد
وليس صحيحًا ظهار ومرضع
ولا في لعان واليمين المؤكد
ولا في عبادات سوى حجة وما
تضمن أو في ركعتي طائف قد
وصب وإيصال الطهور لعضوه
بكُرْهٍ وغسل للنجاسات فاشهد
وليس بلا إذن توكل في سوى المضر
وما ينفيه عرف بأوكد
وذاك مباح للوصي وحاكم
وتاجر أموال الضراب بأجود
وكل ولي منكح غير مجبر
وقيل هُمُوا مثل الوكيل المقيد
فإن منع التوكيل لمَّا يجز له
وبالإذن في الثاني وكيل لمبتدي
وإن قال وَكِّلْه لنفسك يكن له
كذا جائز من دون إذن ليعدد
وليس له توكيل غير الأمين بل
بنص وتوكيل الموكل جود
وليس بلا إذن لعبد توكل
وجوز شراه النفس معها بأجود
وعقد جوَاز لا لزوم وكالة
فكل له فسخ وبالموت أفسد
وبالحجر في حق السفيه وهكذا
جميع العقود الجائزات لتعدد
وفسق مناف للوكالة مبطل
كذا بجنون مطبق متأطد
وغيبة عقل آيب غير مبطل
وفي جحده التوكيل وجهين أسند
وفي رد لمَّا تُنافِي تصرفًا
وعتقك من وكلته من مُعَّبد
وجن يعاود مع تعدي وكيلهم
وبالوطء أبطل في طلاق منكد
وفي عتق عبد بالكتابة أبطلن
كذا بتدبير بغير تردد
ويملك ما لم يعزل الفعل دائمًا
إذا وقع التوكيل غير مقيد
وليس بعيدًا منعنا عزل نفسه
إذا كان عنه ربه ذو تبعد
ويَنْفذ تصريف الوكيل لجهله
لمبطلها من قبله في المسدد
وفعل وكيل المرء في الحكم فعله
فأنت مقر إن في الإقرار تُسْنَدِ
وليس مفيد للعموم خصوصها
ولا مرتض باثنين راض بمفرد
ولا يعقدن مع نفسه البيع والشرا
في الأولى وإن يؤذن له فليجود
كذاك وكيل في التزوج مطلقًا
يزوجه من بنته امنع بأجود
ومن يتوكل مطلقًا لا يبع نسا
ولا بسوى معهود نقد معدد
وقيل أجز بيع النسا لمضارب
على أشهر القولين فيه فقيد
ودعواهما في ذالكم إذن مالك
فقولهما المقبول في المتجود
وإن جاوز التقدير والعرف في الشرا
وباعا بإذن منه صحح بأوكد
ويضمن كل نقصه ومزيده
وقيل كتعريف الفضولي فاعدد
وإن زيد عن مقدار مثل به أن بيع
به اردد كذا وقت الخيار بمبعد
وأما بأدنى منه إن شريا أجز
كذلك إن باع بذاك وأزيد
وإن بعت بالدينار مع إذن دِرْهمٍ
ونقد بسعر الصرف صحح بأجود
إذا لم يضر الحفظ والبيع بالعبا
معادل دينار وأوفى ليردّدِ
وإن قلت بع عبدي فإن باع واحدًا
بقيمته صححه لا بعض مفرد
وقيل أجز بعضًا بقيمة كله
وفي بيع باقيه أجز في المجود
ومن يتزوج لامرئ دون نفسه
وأخرى سوى من عين اردد بأوطد
21- بيع الوكيل نساء أو بعرض أو بعير نقد البلد إلخ
س21: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: عقد الوكيل مع فقير أو قاطع طريق، من وكل اثنين فأكثر في بيع وارد أحدهما الانفراد بالتصرف، بيع الوكيل نساء أو بعرض أو منفعة أو فلوس أو بغير نقد البلد أو غير غالبه رواجًا أو بغير الأصلح، أو أنكر الموكل الإذن.
وما الذي يترتب على ما سبق؟ وإذا قال موكل لإثنين أيكما باع فبيعه جائز أو باع الوكيل بغير ما يباع به عرفًا: إذا غاب أحد وكيلين، فهل للحاضر التصرف أو ضم أمين إليه أو أثبت أحدهما الوكالة والآخر غائب، فما الحكم؟ وما الذي يترتب على ذلك؟
ج: لا يعقد الوكيل عقدًا وكُّلِ فيه كعقد بيعٍ وإجارةٍ مع فقير بذمته لتعسر الاستيفاء منه، ولا يعقد مع قاطع طريق لما فيه من إضرار الموكل، ولا ينفرد وكيل من عدد، فمن وكل اثنين فأكثر في بيع أو غيره ولو واحدًا بعد واحد ولم يعزل الأول، فليس لواحد أن ينفرد بالتصرف إلا بإذن؛ لأن الموكل لم يرض بتصرفه منفردًا بدليل إضافة الغير إليه فلو وكل اثنين في حفظ ماله حفظا معًا في حرز لهما، فلو غاب أحدهما لم يكن للآخر أن يتصرف، وليس للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا معًا؛ لأن قول الموكل إفعلا، يقتضي اجتماعهما على فعله، بخلاف بعتكما حيث كان منقسمًا بينهما؛ لأنه لا يمكن أن يكون الملك لهما على الاجتماع ولا يبيع وكيل نساء إلا بإذن؛ فإن فعل لم يصح لانصراف الإطلاق إلى الحلول ولا يبيع بغير نقد كمنفعة أو عرض كثوب وفلوس؛ فإن فعل لم يصح؛ لأن الإطلاق محمول على العرف، والعرف كون الثمن من النقدين إلا بإذن موكل أو قرينة كبيع حزم بقل بفلوس وإن قال الموكل لوكيله: إصنع ما شئت، أو تصرف كيف شئت، فله أن يبيع حالًا ونساءً وبمنفعة وعرض؛ فإن باع نساء أو بعرض
أو منفعة بدون الإذن فتصرفه باطل، والفرق بين الوكيل والمضارب حيث يبيع نساء وبعرض، أن المقصود في المضاربة الربح، وهو في النساء ونحوه أكثر، ولا يتعين ذلك في الوكالة، بل ربما تحصيل الثمن لدفع حاجته فيفوت بتأخير الثمن؛ ولأن استيفاء الثمن وتنصيفه في المضاربة على المضارب فيعود الضرر عليه بخلاف الوكالة، وإن عيَّن له شيئًا تعين ولم تجز مخالفته؛ لأنه متصرف بإذنه ولا يصح البيع لو باع الوكيل بغير نقد البلد؛ لأن إطلاق النقد ينصرف إلى نقد البلد أو باع بنقد غير غالبه رواجًا إن كان في البلد نقود مختلفة أو باع بغير الأصلح أن تساوت النقود رواجًا؛ لأنه الذي ينصرف إليه الإطلاق هذا إذا لم يعين الموكل نقد وإن عين الموكّل نقدًا بأن قال: بع بنقد كذا، فيتعين ما عينه الموكل، وإذا وكل شخصًا في بيع عبد ونحوه فباعه نساء، فقال: ما أذنت لك في بيعه إلا نقدًا، وأنكر موكل الإذن في النسا؛ فإن صدّق وكيله وصدّق المشتري الموكّل فسد البيع لتصديقهما له، ويطالب الموكل من شاء منهما، أي من الوكيل والمشتري بالعبد إن كان باقيًا وبقيمته إن تلف؛ فإن أخذ القيمة من الوكيل رجع على المشتري بها وأخذها منه؛ لأن قرار الضمان على المشتري لحصول التلف في يده وبتصديق الوكيل وحده يضمن الوكيل دون المشتري وإن صدق المشتري وحده يرد المبيع وللموكّل الرجوع على المصدّق منهما بغير يمين.
قال في «الشرح» : وقال ويحلف على المكذب ويرجع على حسب ما ذكر هذا إن اعترف المشتري بالوكالة وإن أنكر ذاك، وقال: إنما بعتني ملكك، فالقول قوله مع يمينه إنه لا يعلم كونه وكيلًا وأذن في البيع نسيئة حلف الموكل ويرجع في العين إن كانت قائمة وإن كانت تالفة رجع بقيمتها على من شاء منهما، وإن كان وكيلين صح إنفراد أحدهما عن الآخر في صورة هي قوله: أيكما باع سلعتي، فبيعه جائز لحصول مقصود الموكل في بيع
أحدهما، وكما يصح الانفراد في قوله: أيكما باع سلعتي، فبيعه جائز، صح بيع ما يباع مثله بفلوس عرفًا كخبز وحُزمة بقل وكل تافه إذا بيع بها عملًا بالعرف.
ولو وكّل إنسان وكيلين فغاب أحد الوكيلين ولم يكن جعل الانفراد لكل منهما لم يكن للوكيل الحاضر التصرف مع غيبة الآخر، ولا لحاكم ضم أمين إلى الوكيل الحاضر ليتصرف الحاضر والأمين.
بخلاف موت أحد الوصيين من قبل ميت؛ لأن للحاكم نظرًا في حق ميت ويتيم ولذلك يقيم وصيًا لميت لم يوص إلى أحد بخلاف الموكل؛ فإنه رشيد جائز التصرف فلا ولاية للحاكم عليه وإن أثبت أحد الوكالة لدى حاكم، والآخر غائب وحكم بها الحاكم ثبتت الوكالة له وللغائب تبعًا، ولا يتصرف الحاضر وحده، بل إذا حضر الغائب تصرفا معًا.
لا يقال: هو حكم للغائب؛ لأنه يجوز تبعًا لحق الحاضر كما يجوز أني حكم بالوقف لمن لم يخلق لأجل مَن يستحقه في الحال، وإذا حضر الغائب فلا يحتاج إلى إقامة بينة بالوكالة لثبوتها له بالتبعية، وإن جحد الوكيل الغائب الوكالة الثابتة له بالتبعية، بأن قال: لست بوكيل، أو عزل الغائب نفسه إنعزل ولم يتصرف الآخر بانفراده؛ لأن الموكّل لم يأذنه في ذلك، وهكذا كل تصرف من بيع وإجارة واقتضاء وإبراء ونحوها.
22- ذكر بعض العقود الجائزة وما تبطل به الوكالة وما لا تبطل به
س22: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: الوكالة، الشركة، المضاربة، المساقاة، المزارعة، الوديعة، الجعالة، وبأي شيء تبطل هذه العقود، واذكر ما تبطل به الوكالة وما لا تبطل به، ومثّل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، وفصّل ما يحتاج إلى تفصيل وبيّن المحترزات وما يترتب على
ذلك من ضمان أو غيره، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح؟
ج: الوكالة والشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة والوديعة والجعالة والمسابقة والعارية: عقود جائزة من الطرفين؛ لأن غايتها إذن وبذل نفع، وكلاهما جائز، ولكل من المتعاقدين فسخها.
وتبطل هذه العقود كلها بموت أحد المتعاقدين؛ لأنها تعتمد الحياة؛ لكن لو وكل ولي يتيم وناظر وقف أو عقد ولي اليتيم وناظر الوقف عقدًا جائزًا غير الوكالة كشركة ومضاربة لم تنفسخ بموت ولي اليتيم وناظر الوقف ذكره في القواعد، واقتصر عليه في «الإنصاف» ، وقيل: إن المساقاة والمزارعة عقدان لا زمان لدخولهما في الأمر بالعقود والعهود، ولكون المقصود منهما الكسب والعوض وليسا من عقود التبرعات أو من عقود الوكالات حتى يسمح لأحدهما فسخها، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ولا تنفسخ بعزل ولي اليتيم وناظر الوقف؛ لأن متصرف على غيره.
وتبطل الوكالة بجنون مُطبقًا من الموكل أو الوكيل؛ لأن الوكالة تعتمد العقل، فإذا انتض انتفت صحتها لانتفاء ما تعتمد عليه، وهو أهلية التصرف، ولا تبطل الوكالة بإغماء؛ لأنه يحدث ثم يزول، وبحجرٍ على أحدها لسفه فيما لا يتصرف فيه السفيه كبيع وشراء حيث اعتبر رشده لعدم أهلته للتصرف بخلاف نحو طلاق، وتبطل الوكالة أيضًا بفلس موكل فيما حجر فيه كتصرف في عين ماله لانقطاع تصرفه فيه بخلاف ما لو وكل في تصرف في الذمة وتبطل بفعلهما اختيارًا ما يفسقان به فيما ينافه الفسق كإيجاب نكاح واستيفاء حدج وإثباته لخروجه بالفسق عن أهلية ذلك التصرف، بخلاف الوكيل في قبول نكاح أو في بيع أو شراء فلا ينعزل بفسق موكله ولا بفسقه؛ لأنه يجوز منه ذلك لنفسه فجاز لغيره كالعدل إذا وكل فيما يشترط فيه الأمانة كوكيل ولي اليتيم وولي وقف على المساكين ونحوه،
فسق فينعزل بفسقه، وفسق موكله لخروجه عن أهلية التصرف، وتبطل بردة موكل لمنعه من التصرف في ماله ما دام مرتدًا ولا تبطل بردة وكيل إلا فيما ينافيها كإرتداد وكيل في حج وفي قبول نكاح مسلمة وإيجابه فتبطل بذلك وتبطل أيضًا بردة وكيل في قبول نكاح قنّ مسلم، وتبطل بتدبيره أو كتابته قِنًّا وكّل في عتقه لدلالة التدبير والكتابة على الرجوع، ولا تبطل الوكالة إن وكّل القنّ في شيء ولو عتق أو بيع ونحوه بأن وهبه أو كاتبه؛ لأن ذلك لا يمنع ابتداء الوكالة فلا يمنع استدامتها، وكذا إن وكّل إنسان عن غيره فاعتقه السيد أو باعه أو وهبه أو كاتبه أو أبق العبد؛ لكن في صورة البيع والهبة إن رضي المشتري ببقائه على الوكالة، إن لم يكن المشتري والمتهب الموكل، فالوكالة باقية.
وإن لم يرض من ملكه من مشتر ومتهب ببقاء وكالة العبد بطلت الوكالة؛ لأن العبد لا يتصرف بغير إذن مالكه؛ وأما إن اشتراه أو اتهبه الموكل من مالكه فلا بطلان؛ لأن ملكه إياه لا ينافي إذنه في البيع والشراء، ولا تبطل الوكالة بسكنى الموكل داره بعد أن وكله في بيعها ونحوه؛ لأن ذلك لا يدل على رجوعه عن الوكالة ولا ينافيها ولا تبطل الوكالة ببيع الموكل بيعًا فاسدًا شيئًا وكّل في بيعه؛ لأن البيع الفاسد لا ينقل الملك وتبطل الوكالة بوطء الموكّل زوجة وكّل في طلاقها؛ لأن الوطء دليل رغبة فيها، واختيار إمساكها، ولذلك كان رجعة في المطلقة رجعيًا، وقيل: لا تبطل، وهذا أقرب وأرجع.
والله أعلم.
ولا تبطل بقبلته أو مباشرته لها، ولو وكّله في عتق عبد فكاتبه أو دّبره بطلت الوكالة، والذي يترجح عندي صحة عتقه.
والله أعلم.
ولا تبطل الوكالة إن وُكَّلتْ في شيء من بيع ونحوه فبانت منه أو أبانها، ولا تبطل الوكالة بوطء سيدٍ أمةً وكَّل في عتقها، وتبطل بتوكيل السيّد وكيلًا في عتق قنَّ بعد أن كان وكَّله آخر في شرائه منه فتبطل الوكالة
من الشراء بمجرد توكيل السيد في العتق المقترن بقبول الوكيل الوكالة في العتق وتبطل الوكالة بإقرار الوكيل على موكله بقبض ما وكل الوكيل في قبضه أو الخصومة، لا إعتراف الوكيل بذهاب محل الوكالة بالقبض وتبطل بدلالة رجوع الموكل والوكيل عنها، وتبطل بمجرد علم الوكيل ظلم الموكّل.
وتقدم أن الوكالة لا تصح فيما إذا علم أو ظن ظلم موكله، وتبطل وكالة وكيل، قيل له: اشتر كذا بيننا، فقال مقول له: نعم، ثم قال: نعم لإنسان آخر بعد قوله اشتراه بيننا، فقد عزل نفسه من وكالة الأول؛ لأن إجابته للثاني دليل رجوعه عن إجابة الأول، ويكون الشقص المبيع للوكيل، وللثاني نصفين؛ لأنه لا مفضل لأحدهما على الآخر، وإذا وكل إنسان شخصًا ثم وكل بعده آخر من غير الأول؛ فإن أتى في كلامه أو قرينة حاله ما يدل على عزل الأول فتوكيل الثاني عزل للأول، وإن وكّل الثاني من غير تعرض لعزل الأول لا لفظًا ولا عرفًا، فالأصل بقاء وكالته، فيشتركان في التصرّف والتصريف والتدبير، ويصير نظير ما لو وكّلهما دفعة واحدة، فكل واحد ينيب فيه اثنين فأكثر ولم يذكر أن كلًا منهما التصرف بانفراده؛ فإنه لا ينفرد أحدهما دون الآخر وتبطل الوكالة بتلف الموكّل في التصرف فيها لذهاب محل الوكالة، وكذا تبطل بتوكيل إنسان في نقل امرأته أو بيع عبده، فتقوم بينة بطلاق الزوجة أو عتق العبد وتبطل الوكالة بدفع عوض لم يؤمر به كدفع دينار ودرهم، يشتري بالدينار ثوبًا وبالدرهم كتابًا، فاشترى بالدينار كتابًا وبالدرهم ثوبًا؛ لأنه عكس فلم يصح الشراء لإلزامه الموكل ثمنًا لم يلتزمه ولا رضي بلزومه، أو قال: اشتر بهذا الدينار ثوبًا وبهذا كتابًا، فتلف دينار الكتاب مثلًا، واشتراه بدينار الثوب، فلا يصح الشراء لئلا يلزم الموكّل ثمن لم يلتزمه ولا رضي بلزومه، والذي يترجح صحته في المسألتين إذا أجاز الموكّل ذلك.
والله أعلم.
ولا تبطل الوكالة بتعدَّ كلبس الثوب وركوب الدابة ونحوهما؛ لأن الوكالة إذن في التصريح مع إستئمان، فإذا زال أحدهما لم يزل الآخر ويضمن الوكيل ما تعدّى فيه أو فرط ولا يزول الضمان عن عين ما وقع فيه التعدي بحال ثم إن تصرّف كما مر صح تصرفه لبقاء الإذن وبرئ بقبضه العوض، فإذا تلف بيده بلا تعدّ ولا تفريط لم يضمنه؛ لأنه لم يتعد فيه.
قال في «شرح المنتهى» : قوله بقبضه العوض ليس قيدًا في براءته، بل يبرأ بمجرد تسليم العين وإذا قبض العوض لم يكن مضمونًا عليه وإن كان بدلًا عن ما هو مضمونًا عليه لما تقدم.
اهـ.
ولا تبطل الوكالة بجحود الوكيل أو الموكل الوكالة؛ لأنه يدل على رفع الإذن السابق كما لو أنكر زوجية امرأة، ثم قامت بها البينة؛ فإنه لا يكون طلاقًا، وينعزل وكيل بموت موكله وبعزله إياه ولو لم يعلم.
قال في «الفروع» : اختاره الأكثر، وذكر شيخنا أنه أشهر، قال في «الإنصاف» : وهو المذهب والرواية الثانية لا ينعزل قبل علمه بموت الموكّل أو عزله؛ لما فيه من الضرر المترتب على ذلك؛ فإنه ربما باع جارية ووطئها المشتري أو غير ذلك.
وقيل: ينعزل بالموت قبل بلوغه لا بالعزل حتى يبلغه ذكر الشيخ تقي الدين.
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وينبني على الروايتين تضمينه وعدمه، قال الشيخ: لا يضمن مُطلقًا، قال في «الإنصاف» : وهو الصواب بكل لفظ دل على العزل كقول الموكّل فسخت الوكالة أو أبطلتها أو نقضتها، أو قوله: صرفتك عنها، وينعزل الوكيل بنهي الموكل له عن فعل ما أمره به ولو لم يبلغه، كما ينعزل شريك ومضارب بعزل أو موت شريكه ولو لم يبلغه.
والشركة والمضاربة كالوكالة خلافًا ومذهبًا، ويضمن الوكيل إن تصرف بعد العزل أو الموت لبطلان الوكالة إلا فيما يأتي في باب العفو عن القصاص من أن الوكيل في الاستيفاء لو اقتص ولم يعلم بعفو موكله لا ضمان عليهما.
23- مسائل حول إدّعاء الموكل على وكيله
س23: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا ادّعى موكل عزل وكيله بعد الترف أو قول موكل إنه أخرج زكاته قبل دفع وكيله زكاته للساعي أو للفقير، وذكر ما يترتب على ذلك: ما بيد وكيل بعد عزل، إقرار وكيل على موكله بعيب، من ادّعى على وكيل غائب بحق فأنكره الوكيل وشهد بالحق بيّنة، الوكالة الدورية، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: لا تقبل دعوى موكل العزل لوكيله بعد تصرف الوكيل فيما وكل فيه في غير طلاق، ويأتي إن شاء الله أن الموكل إذا ادعى عزل وكيله قبل أن يوقع الطلاق يُدين، وكذا شريك ورب مال مضاربة بلا بينة بالعزل لتعلق حق الغير به؛ فإن أقام بينة عمل بها وإلا يقم بينة فلا تقبل دعواه العزل؛ لأن الأصل بقاء الوكالة وعدم الضمان وبقاء الشركة وبراءة ذمة الوكيل والشريك والمضارب من ضمان ما أذن له فيه بعد الوقت الذي ادّعى عزله فيه، ويقبل قول موكّل في إخراج زكاته أنه أخرج زكاته قبل دفع وكيله زكاته للساعي؛ لأنها عبادة، والقول قول مَن وجبت عليه في أدائها وزمنه؛ ولأنه انعزل من طريق الحكم بإخراج المالك زكاة نفسه، وتؤخذ الزكاة التي دفعها الوكيل من الساعي إن بيت بيده لفساد القبض؛ فإن فرقها الساعي على مستحقها أو تلفت بيده فلا رجوع، ولو دفع الوكيل الزكاة لنحو فقير فلا يقبل قول الموكل إنه كان أخرج قبل ذلك حتى ينتزعها من الفقير بلا بينة، ويضمن وكيل ما دفعه إلى الساعي؛ لأنه قد عزل من الوكالة بدفع موكّله ومتى صح العزل في الوكالة والشركة والمضاربة كان ما بيد وكيل بعد عزل أمانة لا يضمنه بغير تعدّ منه ولا تفريط، حيث لم يتصرّف؛ وأما ما تلف بتصرفه فيضمنه لما سبق كمودع عزل، فتصير
الوديعة بعد عزله أو موت مودعه أمانة لا يضمن تلفها عنده بلا تعدّ ولا تفريط، ولو نقلها من محل إلى محل آخر أو سافر بها مع غيبة ربّها وكان السفر أحفظ لها، ولم ينعزل قبل علمه بموت المودع أو عزله، وكالرهن إذا انتهت مدته أو فسخ عقده فيبقى أمانة بيد مرتهن، وكالهبة إذا رجع فيها أب فتبقى أمانة بيد ولده، قال في «الغاية وشرحها» : وظاهر كلام الأصحاب أن الأمانات كلها يجب حفظها على من هي بيده، ولا يجب عليه الرد إلى مالكها فورًا قبل طلبه لها؛ وأما بعد الطلب فيجب ردّها على الفور؛ فإن تراخى بعد الطلب وتلف ضمنها، ويأتي إن شاء الله في الوديعة بأتم من هذا.
اهـ.
ويقبل إقرار وكيل على موكله بعيب يمكن حدوثه فيما باعه؛ لأنه أمين، فقبل قوله في صفة البيع كقدر ثمنه إن ادعى المشتري أن المبيع معيب، وأنكره الوكيل فالتمس يمينه على نفي العيب فنكل عن اليمين على نفي العيب في المبيع، إن قيل القول قول البائع فرد عليه المبيع بنكوله رد بالبناء للمفعول على موكل لتعلق حقوق العقد كما لو باشره؛ وأما إذا لم يمكن حدوثه لا احتياج إلى إقراره، وإنما اعتبر إقراره في الممكن حدوثه؛ لأنه أمين يقبل قوله في صفة المبيع كما يقبل في قدر الثمن، ومن ادّعى على وكيلٍ غائبٍ بحق فأنكر الوكيل فشهد بالحق بيّنة حكم للمدعي بالحق، فإذا حضر الموكل الغائب وجحد الوكالة لم يؤثر جحوده في الحكم، أو ادّعى أنه عزله لم يؤثر ذلك في الحكم؛ لأن القضاء على الغائب صحيح وإن لم يكن وكيل.
الوكالة الدورية: قول إنسان لآخر وكَّلتُك وكلما عزلْتُك أو كلما انعزلت فقد وكلتك، أو كلما انعزلت فأنت وكيلي فكُلَّما انْعَزَل أو عزله عاد وكيلًا، وسُميت دورية؛ لدورانها على العزل.
قال في «التلخيص» : هي صحيحة على أصلنا في صحة التعليق؛ لأن تعليق الوكالة صحيح.
وقال الشيخ
تقي الدين -رحمه الله-: لا تصح الوكالة الدورية؛ لأنه يؤدي إلى أن تصير العقود الجائزة لازمة، وذلك تغيير لقاعدة الشرع وليس المقود المعلق إيقاعُ الفسخ وإنما قصده الامتناع من التوكيل وحله قبل وقوعه، والعقود لا تنفسخ قبل انعقادها.
انتهى.
ذكره ابن رجب في القاعدة الثامنة عشر بعد المائة، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
24- حكم عقود الوكيل وما يمتنع عليه منها وما يترتب على تصرفه من ضمان
س24: بِمَ تتعلق حقوق العقد؟ وما مثالها؟ وبِمَ ينتقل الملك ولمن ينتقل ومن المطالب بالثمن؟ وهل يبرأ بإبراء البائع؟ ولمن ما وهب للوكيل في مدة الخيارين؟ وهل للموكل أن يرد ما وجده معيبًا؟ وهل يحنث الموكل ببيع وكيله؟ وإذا اشترى وكيل في ذمة، فما الحكم؟ وإذا لم يحضر الموكل خيار المجلس، فما الحكم؟ وهل للوكيل أن يبيع على نفسه أو يشتري منها لموكله؟ ومن الذي يماثل ذلك في الحكم؟ وهل للوكيل أن يبيع ما وكل في بيعه على ولده أو مكاتبه ونحوهم؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح.
ج: حقوق العقد كتسليم الثمن وقبض المبيع وضمان الدرك والرد بالعيب ونحوه، وسواء كان العقد مما تجوز إضافته إلى الوكيل كالمبيع والإجارة أو لا، كالنكاح مُتعلقة بموكل لوقوع العقد له فلا يعتق من اشتراه وكيل من أقاربه كأبيه وأخيه ممن يعتق على وكيل إذا اشتراه لموكله؛ لأن الملك لم ينتقل للوكيل؛ لأنه لا يملكه، وكذا لو قال للعبد: إن اشتريتك فأنت حر، فاشتراه بالوكالة، لم يعتق على الوكيل، وينتقل ملك
من بائع لموكل بمجرد العقد؛ لأن الوكيل قبله له أشبه ما لو تزوج له، وكالأب والوصي، ويطالب الموكل بثمن ما اشتراه وكيله له ويبرأ منه موكل بإبراء بائع وكيلًا لم يعلم بائع أنه وكيل لتعلقه بذمته ولا يرجع وكيل على موكل بشيء، وإن علمه بائع وكيلًا فأبرأه لم يصح؛ لأنه لا حق له عليه يبريه منه ولموكل أن يرد بعيب ما اشتراه له وكيله؛ لأنه حق له فملك الطلب به كسائر حقوقه، ويحنث موكّل بحلفه أنه لا يبيع الشخص الفلاني ببيع وكيله إياه؛ أن حقوق العقد متعلقة بالموكّل دون الوكيل، ويضمن الموكّل العهدة إن ظهر المبيع مستحقًا أو الثمن ونحو ذلك من سائر ما يتعلق بالعقد، ومحل ذلك إن أعلم الوكيل العاقد بوكالته سواء كان العاقد بائعًا للوكيل أو مشتريًا منه وإن لم يعلمه بوكالته فضمان العهدة عليه إبتداء للتغرير، والقرار على الموكّل، ويملك مشتر طلب بائع بإقباض ما باع له وكيله؛ لكن إن باع وكيل بثمن في الذمة، فلكل من وكيل وموكّل الطلب به لصحة قبض كل منهما له.
وإن اشترى وكيل بثمن في ذمته ثبت في ذمة الموكّل أصلًا، وفي ذمة الوكيل تبعًا كما يثبت الدين في ذمة المضمون أصلًا، وفي ذمة الضامن تبعًا، وللبائع مطالبة من شاء منهما من وكيل وموكل ويبرآن ببراءة موكل لا إن أبرأ وكيل فقط فلا يبرأ الموكل، وهذا إذا كان البائع عالمًا بأنه وكيل ليوافق ما سبق.
وقال الشيخ تقي الدين فيمن وكل في بيع أو استئجار: إن لم يسم موكله في العقد فضامن، وإلا فروايتان، وقال: ظاهر المذهب يضمنه، قال: ومثله الوكيل في الاقتراض.
اهـ.
ويختص وكيل بخيار مجلس لم يحضره موكّل؛ لأن ذلك من تعلق العاقد كالإيجاب والقبول؛ فإن حضره موكّل كان الأمر له إن شاء حجر على الوكيل في ذلك، وإن شاء أبقاه مع كون الوكيل يملكه؛ لأن الخيار حقيقة للموكّل.
ولا يصح بيعُ وكيل لنفسه بأن يشتري ما وكّل في بيعه من نفسه،
ولا يَصح شراءُ وكيلٍ من نفسه لموكله بن وكّل في شراء شيء معين فاشتراه من نفسه لموكله؛ لأنه خلاف العرف في ذلك؛ لأن العرف بيعه لغيره فتحمُل الوكالة عليه وللحوق التهمة له في ذلك، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، والرواية الثانية يجوز بشرطين أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء، والثاني: أن يتولى النداء غيره، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
وإن أذن موكّل لوكيله في بيعه من نفسه أو شرائه منها صح للتوكيل ذلك فيصح للوكيل إذا تولى طرفي العقد فيهما، كأب الصغير ونحو ذلك إذا باع من ماله لولده أو اشترى منه له؛ لأن دينه وأمانته وشفعته تحمله على عمل الحق، وربما زاده خيرًا ما لم يكن الإبن بالغًا أو ولد زنا؛ لأنه لا ولاية له عليهما؛ وأما الولي نحو الصغير إذا كان غير أب، وباع ماله لموليه أو اشترى منه لنفسه فلا يصح، وكتوكيل جائز التصرف في بيعه وتوكيل آخر لذلك الوكيل في شرائه فيتولى طرفي عقده، ومثلُ عقد البيع نكاحٌ بأن يُوكّل الولي الزوج أو عكسه أو يُوكل واحدًا أو يُزوج عبده الصغير بأمته فيتولى طرفي العقد، ومثلُه دعوى بأن يوكّله المتداعيان في الدعوى والجواب عنها وإقامة الحجة لكل منهما وولد الوكيل، وإن نزل ووالده وإن علا، ومكاتبه ونحوهم، كزوجته وكل من لا يقبل شهادته له كولد بنته ووالد أمه كنفسه، فلا يجوز للوكيل أن يبيع لأحدهم ولا أن يشتري منه؛ لأنه يُتهم في حقَّهم؛ ولأنه يميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن كتهمته في حق نفسه، هذا مع الإطلاق؛ وأما مع الإذن فيجوز ويصح بيعُ الوكيل في البيع لإخوته وأقاربه كعمه وابن أخيه.
قال في «الإنصاف» : قلتُ وحيثُ حَصَل في ذلك تُهمةٌ لا يصح، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
وكالوكيل فيما تقدم من البيع ونحوه حاكمٌ وأمينه ووصي وناظر وقف ومضارب وشريك عنان
ووجوه، فلا يبيع أحد منهم من نفسه ولا ولده ووالده ونحوه ممن لا تقبل شهادته له ولا يشتري من نفسه ولا من ولده ووالده لما تقدم؛ وأما إجارة ناظر الوقف، فقال ابن عبد الهادي في «جمع الجوامع» : إن كان الوقف على نفس الناظر فإجارته لولده صحيحة بلا نزاع وإن كان الوقف على غيره ففيه تردد، ويحتمل أوجه منها الصحة، وحكم به جماعة من قضاتنا منهم البرهان بن مفلح.
والثاني: تصح بأجرة المثل فقط، والثالث: لا تصح مطلقًا، وهو الذي أفتى به بعض إخواننا، والمختار من ذلك الثاني.
انتهى كلامه ملخصًا.
قال في «شرح الإقناع» : والذي أفتى به مشايخنا عدم الصحة.
وقال في «شرح الغاية» : عدم الصحة لا يعدل عن فحواه ولا تميل الأسس السليمة إلى سواه خصوصًا في هذا الزمان الذي تُعجِزُ حيلُ أهله حُكماء اليونان.
اهـ. وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس.
والله سبحانه أعلم.
25- مسائل حول بيع الوكيل بأزيد ممن قدر أو بعض المبيع
س25: إذا باع وكيل بزائد أو باع مضارب بزائد على مقدر أو على ثمن المثل أو بأنقص عن مقدر أو اشتريا بأزيد عن مقدر أو ثمن المثل، فما الحكم؟ وتعرض للضمان حول الوكيل والمضارب إذا زِيْدَ على ثمن مثل قبل فهل للوكيل أو المضارب بيعها بثمن المثل أو فسخ البيع، وإذا قال الموكل لوكيله: بع هذا الكتاب بدرهم فباعه بدرهم وعرض، أو باع بدينار، أو قال لوكيله: بع هذا بألف نساء فباع به حالًا أو بعه فباع بعضه بدون ثمن كله، أو بعه بسوق كذا بألف فباع به في آخر، أو اشتراه بكذا فاشتراه به مؤجلًا، أو قال: اشتر لي شاة بدينار فاشترى به شاتين تساويه إحداهما أو شاة تساويه بأقل، فما الحكم؟ وضح ذلك مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.
ج: إذا باع وكيل في بيع أو باع مضارب بزائد على ثمن مقدر وهو ما قدر له ربَّ المال صح البيع، أو باع مضارب بزائد على ثمن مثل إن لم يقدر لهما ثمنًا، ولو كان الزائد من غير جنس ما أمر الوكيل والمضارب بالبيع به صحَّ البيعُ لوقوعه بالمأذون فيه وزيادة تنفع ولا تضر؛ لأن من رضي بمائة دينار لا يكره أن يزاد عليها ثوبًا أو نحوه.
وإن قال: بعه بمائة درهم فباعه بمائة دينار أو بتسعين درهمًا وعشرة دنانير أو بمائة ثوب أو ثمانين درهمًا وعشرين ثوبًا، لم يصح للمخالفة، والذي يترجح أنه يصح فيما إذا جعل مكان الدرهم أو الدراهم أو بعضها دنانير؛ لأنه مأذون فيه عرفًا؛ لأن من رضي بدرهم رضي مكانه دينارًا.
والله أعلم.
وكذا يصح البيع إن باع الوكيل أو المضارب بأنقص عن مقدر أو ثمن مثل أو اشترى بأزيد عن مقدر أو ثمن مثل؛ لأن من صح بيعهُ وشراؤه بثمن صح بأنقص منه وأزيد كالمريض ويضمن الوكيل والمضارب في شراء بأزيد من مقدر أو ثمن مثل الزائد عنهما ويضمنان في بيع كلُّ النقص عن مقدر ويضمنان في بيع إن لم يقدر لهما ثمن كلّ ما لا يتغابنُ بمثله عادةً كعشرين من مائة بخلاف ما يُتغابن به كالدرهم ن عشرة لعُسْرة التحرز منه، وحيث نقص ما لا يتغابن به ضمِنَا جميعَ ما نَقَصَ عن ثمن مثل؛ لأنه تفريط بترك الاحتياط وطلب الحظ لآذن وبقاء العقد وتضمين المفرط جمعٌ بين المصالح، وكذا شريك ووصي وناظر وقف أو بيت مال ونحوهم.
قال الشيخ تقي الدين: وهذا ظاهر فيما إذا فرّط؛ وأما إذا احتاط في البيع والشراء، ثم ظهر غبن أو عيب لم يُقصر فيه، فهذا معذور يشبه خطأ الإمام أو الحاكم ويشبه تصرّفه قبل علمه بالعزل وأبين من هذا الناظر والوصي والإمام والقاضي إذا باع أو أجّر أو زارع أو ضارب، ثم تبين أنه بدون القيمة بعد الاجتهاد، أو تصرّف تصرفًا ثم تبين
الخطأ فيه، مثل أن يأمر بعمارة أو غرس ونحو ذلك، ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه، وهذا باب واسع.
وكذلك المضارب والشريك؛ فإن عامة من يتصرّف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة أو حصول المفسدة فلا لوم عليه فيهما وتضمين مثل هذا فيه نظر وهو شبيه بما إذا قتل في دار الحرب من يظنه حربيًا فبان مسلمًا؛ فإن جماع هذا إنه مجتهد مأمور بعمل إجتهد فيه، وكيف يجتمع عليه الأمر والضمان؟ هذا الضرب هو خطأ في الاعتقاد والقصد لا في العمل، وأصول المذهب تشهد له بروايتين.
قال ناظم المفردات:
مُوَكّلٌ قدَّر لِلْوَكيل
قدرًا به يَبيعُ يَا خَليل
فباعَ بالأقَّل مِمَّا قَدَّرا
أو زَادَ عَن ذاك الوكيلُ في الشرا
وهكذا في مُطلقَ التوكيل
إنْ زَادَا أو نَقَصَ في التمثيل
عن ثمن المثلِ مَضَى انعقادًا
ويَضْمنُ النقصَ كذا ما زادَا
هذا هو المنصوصُ في القولين
قال به الأكثرُ في الحالينِ
والذي يترجح عندي إنه إذا باع بأقل مما قدره له أنه لا ينفذ تصرفه إلا بالإجازة؛ لأن الإذن إنما حصل على هذه الصفة، وأنه إذا باع أو اشترى بأكثر من ثمن مثل أو بأقل من ثمن مثل مع احتياطه واجتهاده إنه غير ضامن
على الإذن فلا يكون من ضمانه.
والله أعلم.
ولا يضمن قنَّ إذنه سيده في بيع وشراء فباع بأنقص أو اشترى بأزيد لسيده، ولا يضمن صغير أذن له وليه في التجارة فباع بأنقص أو اشترى بأزيد، كما لو أتلف مال نفسه؛ لأن الإنسان لا يثبت له الدين على نفسه.
قال في «الإنصاف» : ويصح البيع على الصحيح من الذهب، وقدمه في «الفروع» .
وإن زيد في ثمن سلعة يريد الوكيل أو المضارب بيعها على ثمن مثل قبل بيع لم يجز لوكيل ولا لمضارب بيعها بثمن مثل؛ لأن عليه طلب الحظ لآذنه وبيعها كذلك مع من يزيد يُنافيه وإن زيد على ثمن مثلها بعد أن بيعت في مدة خيار مجلس أو شرط لم يلزم وكيلًا ولا مضاربًا فسخُ بيعٍ؛ لأن الزيادة إذًا منهي عنها، فلا يلزم الرجوع إليها وقد لا يثبت المزايد عليها، وقال الشيخ عن على قوله: لم يلزم فسخ، ينبغي تقييد بما إذا زاد غير عالم بالأول، وإنما لم يلزم الفسخ هنا مع لزومه فيما تقدم في الحجر في أمين الحاكم؛ لأن مال المفلس بيع لوفاء دينه، وهو واجب بحسب الإمكان بخلاف ما هنا؛ فإن خالف الوكيل وباع مع حضور من يزيد على ثمن المثل، فمقتضى ما سبق يصح البيع، وظاهر كلامهم ولا ضمان ولم أره مصرحًا به، قاله في «شرح الإقناع» ، وقد يقال: بل هو مفرد في الحالة المذكورة، فيضمن لتحقق تفريطه أخذًا مما سيأتي، وكلامهم هنا لا ينافيه.
اهـ. ومن قال لوكيله في بيع نحو ثوب: بعه بدرهم، فباعه بالدرهم، وبعرض كفلس وكتاب، صح، أو باعه بدينار، صح البيع؛ لأنه في الأولى باع بالمأذون فيه حقيقة وزيادة تنفع الموكل ولا تضره، وفي الثانية باع بمأذون عرفًا؛ فإن من رضي بدرهم رضي مكانه بدينار ولو قال لوكيله: بع هذا بألف نساء، فباع بالألف حالًا صَحَّ ولو مع ضرر يلحق الموكل بحفظ الثمن؛ لأنه زاده خيرًا ما لم ينهه عن البيع حالًا؛ فإن نهاه لم يصح للمخالفة، وكل تصرف خالف الوكيل فيه الموكل فكتصرّف فضولي،
والذي يترجح عندي أنه مع لحوق الضرر بالموكل لا يصح.
والله أعلم.
وإن قال موكل لوكيله في بيع شيء: بعه، فباع بعضه بدون ثمن كله، لم يصح البيع لضرر الموكل بتشقيصه، ولم يأذن فيه نطقًا ولا عرفًا؛ فإن باع بعضه بثمن كله صح للإذن فيه عرفًا؛ لأن من رضي بالمائة مثلًا عن الكل رضيها عن البعض؛ ولأنه حصل له المائة وأبقى له زيادة تنفعه ولا تضره وله بيع باقيه بمقتضى الإذن أشبه ما لو باعه صفقة بزيادة على الثمن ما لم يبع الوكيل باقيه فبيع الأول موقوف؛ فإن بيع الباقي تبينًا صحة الأول وإلا تبيّنا بطلانه، وإن رضي مُوكله ببيع البعض صحَّ أو يكن ما وكّل في بيعه عبيدًا أو صبرة ونحوها مما لا ينقصه تفريق فيصح لاقتضاء العرف؛ لذلك وعدم الضرر على الموكل في الإفراد؛ لأنه لا نقص فيه ولا تشقيص ما لم يقل موكل لوكيله بع هذا صفقة لدلالة تنصيصه عليه على غرضه فيه، وكذا شراء فيصح شراء شيء واحد ممن أمر بشرائهما، ولو قال: اشتر لي عشرة شياة أو عشرة أمداد برًا وعشرة أرطال حرير؛ فإنه يصح أن يشتري له ذلك صفقة وشيئًا بعد شيء لا إن أمره بشرائهما صفقة فاشتراهما واحدصا بعد واحد، فلا يصح وإن قال: اشتر لي عبدين صفقة، فاشترى عبدين لإثنين مشتركين بينهما من وكيلهما أو من أحدهما بإذن الآخر جاز، وإن قال: بع هذا العبد بمائة فباع نصفه بالمائة صح البيع؛ لأن حصل غرضه وزاده زيادة تنفعه ولا تضره، وللوكيل بيع النصف الآخر؛ لأنه مأذون في بيعه فأشبه ما لو باع العبد كله بمثلي ثمنه.
وإن قال: بعه بألف في سوق كذا، فباعه بالألف في سوق آخر، صح البيع؛ لأن القصد بيعه وتنصيصه على أحد السوقين مع استوائهما في الغرض إذن في الآخر كمن استأجر أو استعار أرضًا لزراعة شيء؛ فإنه إذن في زراعة مثله ما لم ينهه الموكل عن البيع في غيره، فلا يصح للمخالفة، ولا يصح إن كان للموكّل في السوق الذي عيّنه غرض صحيح إذا باع في غيره كحلِّ نقده
أو أن الثمن فيه أكثر أو جودة نقده أو مودة أهله أو صلاحهم، فلم يجز في غيره لتفويت غرضه عليه.
وإن قال: بعه لزيد، فباعه لغيره، لم يصح البيع للمخالفة؛ لأنه قد يقصد نفع زيد فلا يجوز مخالفته.
قال في «المغني» و «الشرح» : إلا أن يعلم بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري.
وإن قال لوكيله في شراء شيء اشتراه مثلًا بمائة فاشتراه الوكيل بها مؤجلًا صح؛ لأنه زاده خيرًا، وقيل: لا يصح إن حصل ضرر، وجزم به في «الوجيز» . قال في «الإنصاف» : وهو الصواب، وهذا هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
وإن قال له: اشتر شاة بدينار فاشترى به شاتين تساوي الدينار إحداهما، صح لحديث عروة بن الجعد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معه بدينار يشتري له به أضحية، فاشترى له اثنين، فباع واحدة بدينار وأتاه بالأخرى، فدعا له بالبركة، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه.
وفي رواية قال: هذا ديناكرم وهذه شاتكم، قال: «كيف صَنَعتَ» فذكره، ورواه البخاري في ضمن حديث متصل لعروة؛ ولأنه حصل المأذون فيه وزيادة أو اشترى له شاة تساوي الدينار بأقل من الدينار صح، وكان الزائد للموكَّل؛ لأنه مأذون له عرفًا فيه وقد حصل المقصود وزيادة، وإن تساوِ الدينار إحداهما فلا يصح الشراء؛ لأنه لم يتحصل المقصود له فلم يقع البيع له لكونه غير مأذون لفظًا ولا عرفًا.
وإن قال لوكيله: اشتر عبدًا لم يصح شراء إثنين معًا؛ لأنه لم يأذن له لفظًا ولا عرفًا، ولو كان أحدهما يساوي ما عينه من الثمن ولو اشتراهما واحدًا بعد واحد صح شراء الأول، والذي يترجح عندي أن غير الشياه مثلها في الحكم، فلو قال لوكيله مثلًا: اشتر لي ثوبًا بدينار فاشترى بالدينار ثوبين، وكان أحدهما يساوي الدينار صح؛ لحصول غرض الموكل وزيادة.
والله أعلم.
ويصح شاء واحد ممن أمر بشرائهما.
من النظم فيما يتعلق بالوكالة:
وإن قال بِعْ عَبْدِي وَوَكَّلَهُ فتىً
لِيَبْتَاعَه توكيلُ الاثنين أطدِ
ونحو اشترِ عبدًا بنقد مقدّر
فيشري به مرجًا أجزه بأجود
ونحو اشتر شاة بثمن إذا اشترى
اثنين تساوي الثمن إحداهما أطد
ونحو اشترِ بالعين من يشتري نسا
فينقده الزم به في المؤكد
وفي عكس هذا العقد صحح لامرئ
وقيل إذا لم يرض بالعقد أفسد
وجانب بلا إذن شِرا تعيب
ولو عَيَّن اردد دون إذن بأجود
وإن قال خصم رضى العيب ربه
فأبرأ أو استوفى الثمن لم يقلد
ليحلف وكيل إنه غير عالم
نصحه دعواه ويقبض ويردد
فإن صدق الدعوى الموكلُ بعد ما
رددت يصح الرد منك بأجود
فإن يرضَ بالعيب الوكيل فرد
الْمُوَكِّلْ على وجهين مَبْنَى التَّرددِ
فإن خالفَ التعيين في أجلٍ وفي
زمانٍ وشخصٍ ثم نقدٍ ليفسد
وليس خلاف المرء في السُوقِ مُبْطلٌ
إذا استَويَا في السعر مع حُسن مقصد
ومَن يشتر الشيء المُسَمَّى مُؤجَّلًا
بقيمة تعجيل ولم يُنْهَ جوِّدِ
وعن بائعٍ والمشتري العوض انقل
ابتداءً إلى ملْكٍ الموكل تَرْشُدِ
وتَلْزمَه الأثمانُ ثم وكيلُه
كَضامِنِه مَن شاءَ مَن باعَ يَقصُد
ومَا مِن حُقوق العقدِ شيء بلازِمِ
الوكيل ولكن لِلْوكِيلِ فاقصِدِ
ويملك تسليمًا لما باع واشترى
ودون دليل لم يقبض بأجود
فإن يَتَعَذَّر قبض ما لم يَجُزْ يُرى
وإلا فلا والقبضَ جَوزْ بمعبد
وليسَ بَعِيدًا مَنْعَنَا عَزْل نفْسِهِ
إذا غابَ عَنه رَبُه ذَا تَبَعُّدِ
ولا يملكُ الإبرا ولا قرار نائب
الخِصَامِ بقبض المالك الثمنَ اشهَدِ
ولا قبضَ أيضًا ولا بُرْأ نفسِهِ
إذا مَلكَ الإبراءَ يَا ذا التَسَدُدِ
ويملك مَن وَكَّلْتَ في القبض يا فَتَى
الْخُصومَةَ في الأقوى ولو مَعْ تجَرُدِ
وتوكيلُه في فاسدِ البيع باطلٌ
وفي كل شيءٍ ألْغِ لِلْجهل وَارْدُد
ونحو اشترِ عَبدًا بماشِيَةٍ ومَن
تَشاءُ في الأولى الغِ مَا لم تقيَّدِ
ونحو بمالي ابتعْ وبعْهُ وخلِّصَنْ
حُقُوقي جَمِيعًا جَائِزَ غيرَ مُفْسَدِ
ونحو اشترِ عبدًا وثوبًا لذا أجز
كثوبٍ وعبدٍ دونَ قَيْدٍ بمُبْعَدِ
ونحو اقبضنْ مِن ذا حُقوقي مَتَى يَمُتْ
فليس لَه مِن وَارِثٍ قَبَضُ مُوْرِدِ
وإنْ قَالَ خُذْ مَالِي مِن الحقِ عِنَدهُ
فَمَلِّكَ مِن وَرَّاثِهِ القبضَ تَرشُدَ
ومَن يَقْضِ دَينًا والموكلُ حاضرٌ
ولم يَقُلْ اشْهَدْ بالقضاء فَيجَحْدِ
فلا غُرْمَ في حقِ الوكيلِ وإن قَضَى
بغَيْتِهِ ضمِّنْه إن لم يُشَهّدِ
ولو مَعَ تَصْديقِ المُوكلِ في القضاءِ
لِفُقْدانِ الإبرا بالقضا مَعْ تَقَصُّدِ
ولا غُرمَ في قَولٍ كإيدَاعِ نائبٍ
لأن بها الإشهادُ غَيرَ مُعَوَّدِ