كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
س23: تكلم عن فضل الجهاد وحكمه وتعريفه، ولماذا ختم به العبادات؟ واذكر ما تستحضره من الأدلة.
ج: الجهاد مشتق من الجهد وهو المشقة، يقال: أجهد دابته إذ حمل عليها في السير فوق طاقاتها، وقيل: هو المبالغة واستفراغ ما في الوسع.
يقال: جهد في كذا أي جد فيه وبالغ، ويقال: اجهد جهدك في الأمر أي ابلغ غايتك.
قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي بالغوا في اليمين، واجتهدوا فيها.
وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفر.
وختم به العبادات؛ لأنه أفضل تطوع البدن، وعده بعضهم ركنًا سادسًا لدين الإسلام، فلما أورده بعد الأركان الخمسة، وهو ذروة سنام الإسلام، وموجب الهداية وحقيقة الإخلاص والزهد في الدنيا، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرقعة في الدنيا فهم الأعلون في الآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
*
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ لآية، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، وقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الآيات، وقال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْه﴾ الآية.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» ، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» ، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» فجعل الجهاد أفضلَ مِن الحج، ولهما عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله ورسوله» ، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيله» . وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» رواه البخاري ومسلم، ولهما أيضًا عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله» ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وجهاد في سبيلي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفسي بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئة يوم يكلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا ولكن لم أجد سعة فأحملنهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل» رواه مسلم.
وعن معاذ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قاتل فوق ناقة وجبت له الجنة، ومن جرح جرحًا في سبيل الله تعالى أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزو ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك» رواه أبو داود والترمذي، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: مر رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذبة، فأعجبته فقال: لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من مقامه في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله، فواق ناقة وجبت له الجنة» رواه الترمذي.
وعن معاذ - رضي الله عنه - قال: قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا تستطيعونه» فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا كل ذلك، وهو يقول: «لا تستطيعونه» ، ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله» ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أن في الجنة مائة درجة أمدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» رواه البخاري.
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله –عليه الصلاة والسلام-: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» ، وعن عبد الرحمن بن جبير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله –عليه الصلاة والسلام-: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار» .
وحكمه فرض؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ .
وهو فرض على الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين؛ لقوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً
وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى} . ولو كان فرضًا على الجميع ما وعد تاركه الحسنى، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ ؛ ولأن النبي –عليه الصلاة والسلام- كان يبعث السرايا، ويقيم هو وأصحابه؛ ولأنه لو فرض على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة، وطلب المعاش والعلم فيؤدي إلى خراب الأرض، وهلاك الخلق، وتأتي المواضع التي يكون فيها الجهاد فرض إن شاء الله.
س24: ما معنى الكفاية في الجهاد؟ ما حكمه في حق غيرهم؟ وهل هنا عبارة توضح فرض الكفاية؟ واذكر لذلك بعض الأمثلة.
ج: معنى الكفاية في الجهاد أن ينهض قوم يكفون في قتالهم إما أن يكون جندًا لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم له تبرعًا؛ بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع عنها.
ويبعث في كل سنة جيشًا يغيرون على العدو في بلادهم.
ويُسن الجهاد في حق غير الكافين بتأكد؛ لحديث أبي داود عن أنس مرفوعًا: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» رواه أبو داود.
وفرض الكفاية هو ما قصد حصوله من غير شخص معين؛ فإن لم يوجد إلا واحدًا تعين عليه كرد السلام، والصلاة على الجنازة من المسلمين.
ومن ذلك الصنائع المباحة المحتاج إليها لمصالح الناس غالبًا الدينية والدنيوية، البدنية والمالية، كالزرع والغرس، ونحوهما؛ لأن أمر المعاد والمعاش، لا ينتظم إلا بذلك؛ فإذا أقام بذلك أهله بنية التقرب، كان طاعة، وإلا فلا.
ومن ذلك إقامة الدعوة إلى دين الإسلام ودفع الشبه بالحجة، والسيف لمن عاند؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
ومن ذلك سد البثوق وحفر الأنهار والآبار وتنظيفها، وعمل القناطر والجسور والأسوار وإصلاحها، وإصلاح الطرق والمساجد لعموم حاجة الناس إلى ذلك.
ومن ذلك الفتوى، وتعليم الكتاب والسُّنة، وسائر علوم الشريعة، كالفقه وأصوله، والتفسير والفرائض وما يتعلق به من حساب ونحو ولغة وتصريف وقراءات، وعكس العلوم الشرعية علوم محرمة أو مكروهة.
س25: تكلم بوضوح عن شروط وجوب الجهاد، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل، واذكر ما تستحضره ممن لا يجب عليه.
ج: بشرط خمسة: أحدها: التكليف، فلا يجب على صبي ولا على مجنون؛ لما روى علي –كرم الله وجهه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» ، وروى عروة بن الزبير قال: رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر نفرًا من أصحابه استصغرهم منهم عبد الله بن عمر، وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعرابة ابن أوس، ورجل من بني حارثة، فجعلهم حرسًا للذراري والنساء.
الثاني: السلامة من الضرر؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ وهو العمى والعرج، والمرض والضعف؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ .
ولأن هذه الأعذار تمنع من الجهاد، ومن في بصره سوء أو شيء يمنعه من رؤية عدوه، وما يتقيه من السلاح لِمَ يلزمه الجهاد؛ لأنه في معنى العمى في عدم إمكان القتال، وإن لم يمنعه من ذلك لم يسقط عنه فرضه.
ويجب على الأعشى الذي يبصر في النهار دون الليل، وعلى الأعور لأنهما يتمكنان من القتال، ولا يجب على أقطع اليد أو الرجل؛ لأنه إذا سقط عن الأعرج، فالأقطع أولى؛ ولأنه يحتاج إلى الرجلين في المشي، واليدين ليتقي أحدهما ويضرب بالأخرى.
وكذا لا يلزم الأشل، ولا من قطع منه ما يذهب بذهابه تقع اليد أو الرجل؛ لأنه ليس بصحيح.
الثالث: الحرية: فلا يجب على العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ ، والعبد لا يجد ما ينفق؛ ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة، فكم يجب على العبد؟ ولما روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام لا الجهاد» .
الرابع: الذكورية، فلا يجب على المرأة؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» رواه أحمد وابن ماجه.
واللفظ له إسناده صحيح وأصله في الصحيح؛ ولأن الجهاد هو القتال، والمرأة ليست من أهله، لضعفها وخورها، ولهذا لما رأى بعض الشعراء امرأة مقتولة، قال الشاعر:
إن من أكبر الكبائر عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
ولا يجب الجهاد على الخنثى المشكل؛ لأنه يجوز أن يكون امرأة، فلا يجب بالشك.
الخامس: الاستطاعة؛ لأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب، والمستطيع هو الصحيح الواجد بملك، أو بذل إمام ما يكفيه، ويكفي أهله في غيبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآية.
وفي «الكافي» : الاستطاعة وجدان الزاد والسلاح وآلة القتال.
انتهى.
وأن يجد مع بعد محل جهاد مسافة قصر فأكثر من بلده ما يحمله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ولا تعتبر الراحلة مع قرب المسافة، ويعتبر أن يكون ذلك فاضلاً عن قضاء دينه، وأجرة مسكنه وحوائجه كالحج.
قال الشيخ: الأمر بالجهاد منه ما يكون بالقلب، والدعوة والحجة، والبيان والرأي والتدبير والبدن، فيجب بغاية ما يمكنه.
س26: ما أقل ما يفعل من الجهاد في العام الواحد؟ وما هي المواضع التي يتعين فيها الجهاد؟ وتكلم عما إذا دعت الحاجة لتأخير القتال.
ج: أقل ما يفعل الجهاد مرة في كل عام مع القدرة عليه؛ لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام مرة، وهي بدل النصرة، فكذلك مبدلها وهو الجهاد إلا لعذر، بأن دعت الحاجة إلى تأخيره؛ ولضعف المسلمين من عدد أو عدة، أو مانع في الطريق من قلة علف، أو قلة ماء في الطريق، أو انتظار مدد يستعين به الإمام ونحو هذا، فيجوز تركه بهدنة وبغيرها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح قريشًا عشر سنين، وأخر قتالهم حتى نقضوا العهد، وأخر قتال قبائل العرب بغير هدنة؛ فإن دعت الحاجة إليه أكثر من مرة في عام فعل لأنه فرض كفاية، فوجب منه ما تدعو الحاجة إليه.
ويتعين الجهاد إذا حضر صف القتال؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ .
وإذا حصر هو أو حصر بلده عدو تعين عليه إن لم يكن عذر للآيتين.
ويتعين عليه إذا احتيج إليه في القتال، أو استنفره الإمام أو نائبه، ولم
يكن له عذر؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استنفرتم فانفروا» متفق عليه.
س27: تكلم بوضوح عن قتال من تقبل منهم الجزية، ومن لا تقبل منهم واذكر ما تستحضره من الأدلة الدالة على أنه يجب قتال الكفار ابتداءً ودفاعًا، والأحاديث المؤيدة لها، وبما استدل من قال: إنهم لا يقاتلون إلا دفاعًا فقط، واذكر ما تستحضره من أقوال العلماء حول هذه المسألة.
ج: يقاتل من تقبل منهم الجزية، وهم أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية بشرطه؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ، ويقاتل من لا تقبل منهم الجزية حتى يسلموا.
وإليك الأدلة الدالة على أن الكفار يجب قتالهم، ابتداءً ودفاعًا، والأحاديث المؤيدة لها.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ . قال البغوي –رحمه الله-: وقاتلوهم يعني المشركين، حتى لا تكون فتنة أي شرك، يعني قاتلوهم حتى يسلموا، فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام؛ فإن أبى قتل، ويكون الدين أي الطاعة والعبادة لله وحده، فلا يعبد شيء دونه.
اهـ.
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ . قال الضحاك عن ابن عباس: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، يعني لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ .
قال ابن كثير رحمه الله: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا
عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام؛ ولهذا اعتمد الصديق - رضي الله عنه - في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها.
وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
قال ابن كثير: أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، إلى أن قال: وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف، سيف للمشركين: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ، وسيف لكفار أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ، وسيف للمنافقين: ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ، وسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ . اهـ.
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ .
قال في «فتح القدير» على الآية: لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور الإيمان والعلم والهداية، جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان بمنزلة النور على طريق الاستعارة، واللام في لتخرج للغرض والغاية.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ .
قال ابن كثير على هذه الآية: أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأولاً، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة، وهجر وخيبر وحضرموت، وغير
ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام؛ لأنهم أهل كتاب فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس، وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة 9 من هجرته –عليه السلام-.
ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية –صلوات الله وسلامه عليه- بعد حجته بأحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده.
وقام بالأمر بعده، وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى أن قال: ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب شهيد المحراب عمر بن الخطاب؛ فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستلوى على الممالك شرقًا وغربًا.
ثم لما مات شهيدًا، وقد عاش حميدًا أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان شهيد الدار، فكسا الإسلام حلة رياسة سابغة، وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه، وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها؛ وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار امتثالاً؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ إلى أن قال:.
وفي الحديث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا الضحوك القتال» يعني أنه ضحوك في وجه وليه، قتال لهامة عدوه.
انتهى (ص271، 272) .
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ، وقال تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعَاً﴾ أي انهضوا لقتال العدو جماعات متفرقات، أو جميعًا جيشًا واحدًا.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ .
وأما الأدلة من السُّنة فأكثر من أن تحصر، فنذكر طرفًا منها:
فعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى» رواه البخاري ومسلم.
وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «غزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل وكف عنهم؛ ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك، فأقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم» الحديث رواه أحمد ومسلم.
وعن أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح؛ فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم» الحديث متفق عليه.
وعنه - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسول الله وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين» رواه أصحاب السنن، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي: وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
وعن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع أبي بكر زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فبيتناهم، وكان شعارنا تلك الليلة أمت أمت.
رواه أبو داود.
وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بعثتُ بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيء، وجعل الصغار والذل على من خالف أمري» .
وعن ابن عوف قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إليّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء فقتل مقاتلتهم
وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرة بنت الحارث، حدثني به عبد الله بن عمر, وكان في ذلك الجيش.
متفق عليه.
وعن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية، فقال: «سيروا باسم الله قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا» رواه أحمد وابن ماجه، وعن الصعب بن جثامة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون، فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: «هم منهم» رواه الجماعة إلا النسائي.
وعن أبي أيوب قال: إنما نزلت فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد.
رواه أبو داود.
وعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» رواه أبو داود.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث جيوشه قال: «اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع» رواه أحمد.
وعن عصام المزني، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث السرية يقول: «إذا رأيتم مسجدًا أو سمعتم مناديًا فلا تقتلوا أحدًا» رواه الخمسة إلا النسائي، وعن حمرة بن جندب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم أي صبيانهم» رواه الترمذي وأبو داود.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل» متفق عليه.
وعن عبادة بن الصامت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينقل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وفي رواية: كان إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعًا وكل الناس نقل الثلث.
الحديث رواه أحمد.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وأيديكم وألسنتكم» رواه أحمد وأبو داود، وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال» رواه أبو داود.
وعن سهل بن سعد أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر، قال: «أين علي؟» فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعا له، فبصق في عينيه، فبرئ مكانه حتى كأن لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم» الحديث متفق عليه.
عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» متفق عليه، وفي رواية: والرجل يقاتل حمية، وفي رواية: والرجل يقاتل غضبًا.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت رضي الله عنه، فدخل عليها ذات يوم فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك،
قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو مثل ملوك على الأسرة» -شك أيهما قال-، قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله –كما قال في الأولى-» قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين» فركبت أم حرام البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.
أخرجه البخاري ومسلم.
قال في «شرح صحيح البخاري» : كان عمر - رضي الله عنه - قد منع المسلمين من الغزوة في البحر شفقة عليهم، واستأذنه معاوية في ذلك، فلم يأذن له، فلما ولي عثمان - رضي الله عنه - استأذنه فأذن له، وقال: لا تكره أحدًا من غزاه طائعًا فاحمله.
فسار في جماعة من الصحابة منهم: أبو ذر وعبادة بن الصامت، ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان، وشداد بن أوس وأبو الدرداء في آخرين، وهو أول من غزا الجزائر في البحر؛ ولما أراد الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها، فسقطت عنها فماتت هنالك.
انتهى من «عمدة القاري» باختصار.
وقد وردت أحاديث تفيد إثم تارك الجهاد مؤيدة ما سبق، منها ما ورد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» رواه أبو داود، وغيره من طريق إسحاق بن أسيد نزيل مصر، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات ولم يغزوا، ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق» رواه أبو داود والنسائي.
وعن أبي أُمامة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يغز أو يجهز غازيًا، أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وعن أبي بكر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب» رواه الطبراني بإسناد حسن.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة» رواه الترمذي وابن ماجه، كلاهما من رواية إسماعيل بن رافع، عن سمي، عن أبي صالح عنه، وقال الترمذي: حديث غريب.
اهـ.
أحاديث أخرى مؤيدة لما سبق: عن أس - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى» رواه مسلم والترمذي وصححه.
وعن أم عطية الأنصارية قالت: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوي لهم الجرحى وأقوم على المرضى.
رواه أحمد ومسلم وابن ماجه، وعن الربيع بنت معوذ قالت: كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسقي القوم، ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.
رواه أحمد والبخاري.
وعن فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي ومدبرهم؟ قال: «نعم» ، فلما وليت دعاني، فقال: «لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام» رواه أحمد، وقيل: إن الكفار لا يقاتلون إلا دفاعًا فقط، واستدل أهل هذا القول بآيات، منها قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .
قال ابن كثير على هذه الآية: وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه الآية محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل، إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يدعي
جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام؛ فإن أبى أحد منهم الدخول، ولم يتقيد له أو يبذل الجزية قوتل حتى يقتل.
وقال الشوكاني على تفسير هذه الآية: قد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ على أقوال الأول أنها منسوخة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أكره على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ، وقال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ .
وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين إلى أن قال: وقد وردت هذه القصة من وجوه حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات، تتضمن أن الأنصار قالوا: إنما جعلناهم على دينهم، أي دين اليهود، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإسلام فلنكرهنهم، فلما نزلت خير الأنباء - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكرههم على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ﴾ الآيتين.
وفي سبب نزولما أخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أأصلها؟ قال: نعم.
فأنزل الله فيها: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ﴾ وأخرج أحمد والبزار والحاكم، وصححه عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها بهدايا، فأبت أسماء أن تقبل منها، أو تدخلها منزلها، حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فأمرها أن تقبل هداياها وتدخلها منزلها، فأنزل الله: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ﴾ الآية.
وقال ابن كثير –رحمه الله-: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم كالنساء والضعفة منهم، وقال في «فتح القدير» : قال زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال، قال قتادة: نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ﴾ وقيل: هذا الحكم كان ثابتًا في الصلح بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، فلما زال الصلح لفتح مكة نسخ الحكم.
وقيل: خاصة في خلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن، وقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا، وقيل: هي خاصة بالنساء والصبيان، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .
قال البغوي –رحمه الله-: كان في ابتداء الإسلام أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالكف عن قتال المشركين، ثم لما هاجروا إلى المدينة، أمره قتال من قاتله منهم بهذه الآية، وقال الربيع بن أنس: هذه أول آية نزلت في القتال، ثم أمره بقتال المشركين كافة، قاتلوا ولم يقاتلوا، يقول: اقتلوا المشركين، فصارت هذه الآية منسوخة بها.
وقيل: نسخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ قريب من سبعين آية.
اهـ.
وفي «فتح القدير» : وقال جماعة من السلف: إن المراد بقوله ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ من عدا النساء والصبيان والرهبان ونحوهم.
وقال في «فتح البيان» : في مقاصد القرآن على قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوَهُمْ﴾ الآية.
المعنى: واقتلوهم حيث وجدتموهم وأدركتموهم في الحل والحرم، وإن لم يبتدؤوكم، وتحقيق القول: إن الله تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى، بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية أمرهم بالجهاد معهم، سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام.
انتهى كلامه (1/249) .
وفيما أرى أن القائل أن الكفار لا يقاتلون إلا دفاعًا فقط ما يخلو من أمرين: إما أن تكون من أعداء المسلمين قصده تثبيطهم عن الجهاد على ما هم عليه من الوهن والكسل؛ وإما أن يكون جاهلاً بنصوص الكتاب والسُّنة، وغزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وفتوحاتهم، وغليك أدلة أخرى ليقنع بها من لم يقنع بما سبق من الأدلة الدالة على أنه يجب قتالهم ابتداء.
فعن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشًا إلى الشام، فخرج يشيعهم، فمشى مع يزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من تلك الأرباع، فقال يزيد لأبي بكر: إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال له: ما أنت بنازل، ولا أنا براكب، إني أحتسب خطاي في سبيل الله، ثم قال: إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قومًا فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، فإني موصيك بعشر: لا تقتل امرأة ولا صبيًا ... إلخ، رواه مالك.
وعن جبير بن حية قال: بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين فأسلم الهرمزان، قال: إني مستشيرك في مغازيّ هذه، قال: نعم، مثلها ومثل من فيها من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وجناحان، وله رجلان؛ فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان والرأس؛ فإن شدخ ذهبت الرجلان والجناحان، قال: فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين أن ينفروا إلى كسرى.
قال جبير بن حية: فندبنا عمر، واستعمل علينا النعمان بن مقرن، حتى إذا كنا بأرض العدو، وخرج علينا كسرى في أربعين ألفًا، فقام ترجمان، فقال: ليكلمني رجل منكم.
فقال المغيرة: سل عما شئت، فقال: ما أنتم؟ قال: نحن ناس من العرب كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر
والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك، إذ بعث رب السموات ورب الأرضين إلينا نبينا من أنفسنا، نعرف أباه وأمه، فأمر نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا عن رسالة ربنا، أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثله، ومن بقي منا يملك رقابكم.
رواه الترمذي والبخاري بلفظه.
وعن أبي وائل، قال: كتب خالد بن الوليد إلى أهل فارس: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران، في ملأ فارس، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد، فإنا ندعوكم إلى الإسلام، فإن أبيتم فإننا قوم يحبون القتل في سبيل الله، كما يحب فارس الخمر، والسلام على من اتبع الهدى.
رواه في «شرح السُّنة» ، وفي مختصره السيرة، ولما فرغ خالد من قتال أهل اليمامة وأهل الردة، انصرف راجعًا إلى المدينة.
وقيل: لما دخل السنة الثانية من خلافة أبي بكر، كتب إلى خالد: إذا فرغت من اليمامة فسر إلى العراق، فقد وليتك حرب فارس والحيرة، فسار إلى العراق في بضعة وثلاثين ألفًا، إلى أن قال ثم سار خالد إلى أيلة، وخرج له هرمز في مائة وعشرين ألفًا، إلى أن قال: ثم زحف إلى المسلمون فاقتتلوا، فانهزم أهل فارس، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، فقتل الله من المشركين سبعين ألفًا، وقتل خالد هرمزًا، ونقله أبو بكر قلنسوته، وكانت تساوي مائة ألف، وسميت هذه الوقعة ذات السلاسل.
وفي إبادة دعوى مدعي الدفاع في نصوص الغزو والجهاد، قال ابن القيم في «الزاد» : كانت غزواته صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين، وقيل: هي سبع وعشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل غير ذلك؛ وأما سراياه وبعوثه، فقريب من ستين، وكانت كلها بعد الهجرة في مدة عشر سنين، فأقول: ولم يعهد فيهن أن العدو قصده وهاجمه في بلده
في المدينة وحواليها قط، بل هو الذي كان يغزوهم حيث
ما كانوا، مما يبلغه الخف والحافر، كما مرّ، إلا غزوتي أُحد والأحزاب، جاءت قريش فيهما غضبًا وحنقًا، لما أصابهم في غزوة بدر المشهورة من قتل صناديدهم وأسرهم.
وغزا غزوتين أيضًا - صلى الله عليه وسلم - على ظن قدوم العدو فيهما: إحداهما: بدر الثانية حسب وعد أبي سفيان بن حرب فأخلف الوعد فلم يحضرها، والأخرى: غزوة تبوك، سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هرقل قد جمع جموعًا كثيرة لغزوه، فبادرهم وغزهم، فلم يجد فيها العدو، فأقام بتبوك بضع عشرة ليلة، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة.
فغير هذه الأربع لم ينقل أن العدو قدم غليه في المدينة أو قصده أين ما كان، فغير ممكن أن يقصد العدو غزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم يخافونه في دورهم.
اهـ كلامه.
وفي المجلد (8) من «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (ص356) ، قال: أيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل الصديق أبو بكر وسائر الصحابة مانعي الزكاة، وكان قد توقف في قتالهم بعض الصحابة، ثم اتفقوا حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالواها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» ؟ فقال له أبو بكر: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق.
وقال –رحمه الله- في (354) : وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين.
وقال في (ص357-359) : فثبت بالكتاب والسُّنة وإجماع الأمة، أن يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين.
وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السُّنة الراتبة كركعتي الفجر، هل يجوز قتالها؟ على قولين: فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة فيقاتل عليها بالاتفاق حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات، ويؤدوا الزكاة وبصوموا شهر رمضان، ويحجوا البيت ويلتزموا ترك المحرمات من نكاح الأخوات، وأكل الخبائث والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال ونحو ذلك.
وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم بما يقاتلون عليه؛ فأما إذا بدأوا المسلمين فيتأكد قتالهم –كما ذكرنا- وفي قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطريق، وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع، كما نعى الزكاة، والخوارج، ونحوهم يجب ابتداءً ودفعًا.
فإذا كان ابتداء، فهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لن قام، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ الآية؛ فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ .
وكما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن، وهذا يجب حسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما أن المسلمين لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد، كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم
فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه، ولإرهاب العدو كغزوة تبوك ونحوها، فهذا النوع من العقوبة هي للطوائف الممتنعة.
وقال في (ص503) : فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج، وعن التزام تحريم الدماء، والأموال والخمر والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، وعن التزام جهاد الكفار وضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء.
وقال في (ص510) : كل طائفة خرجت عن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس، وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن الصيام في شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة.
وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء، والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها، بحكم الكتاب والسُّنة.
وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسُّنة واتباع سلف الأمة وأئمتها، مثل أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته والتكذيب بأسماء الله وصفاته،
والتكذيب بقدره وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين، حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج من شريعة الإسلام، وأمثال هذه الأمور، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
اهـ.
وقال –رحمه الله- في «الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -» (ص219) : وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ، ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ ونحوها في القرآن مما أمر الله به المؤمنين بالعفو والصفح عن المشركين؛ فإنه نسخ ذلك كله قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ، فنسخ هذا عفوه عن المشركين، وكذا روى الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال: أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى يأتي الله بأمره وقضائه.
ثم أنزل الله عز وجل براءة فأتى الله بأمره وقضائه، فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية.
قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، وأمر الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية صغارًا ونقمة لهم.
وكذلك ذكر موسى بن عقبة عن الزهري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقاتل من كف عن قتاله كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ إلى أن نزلت براءة، وجملة ذلك أنه لما نزلت براءة أمر أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال، وثنيهم وكتابيهم، سواء كفوا أو لم يكفوا، وأن ينبذ إليهم تلك العهود المطلقة التي كانت بينه وبينهم،
وقيل له فيها: ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن كان قد قيل له: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ ؛ ولهذا قال زيد بن أسلم: نسخت هذه الآية ما كان قبلها.
اهـ.
وقال ابن القيم في «الهدى» : ثم فرض القتال عليهم بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ .
ثم فرض قتال المشركين كافة، وكان محرمًا ثم مأذونًا به.
ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال.
ثم مأمورًا به لجميع المشركين، إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.
وقال: ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة، فأمره أن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفى لهم به ما استقاموا على العهد؛ فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنبذ العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده.
ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم مدة الأقسام كلها، فأمره أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية ويدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم.
وجعل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسمًا أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم، وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم، وقسمًا لم يكن لهم عهد، ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر؛ فإذا انسلخت قاتلهم.
انتهى (ص208) .
وقال إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله-: اعلم وفقنا الله وإياك للإيمان بالله ورسله أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فتأمل هذا الكلام أن الله أمر بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد إلى أن يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
وقال –رحمه الله- في «مختصر السيرة» (ص105-106) : ولما استقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم بعد العداوة، ومنعته أنصار الله من الأحمر والأسود، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، والله يأمر رسوله والمؤمنين بالكف والعفو والصفح، حتى قويت الشوكة، فحينئذ أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم؛ فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وهي أول آية نزلت في القتال، ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [190:2] الآية.
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة؛ فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [36:9] .
ومن جواب لأبنائه –رحمهم الله-: وأما من بلغته دعوتنا توحيد الله والعمل بفرائض الله وأبى أن يدخل في ذلك، وأقام على الشرك بالله، وترك فرائض الإسلام، فهذا نكفره ونقاتله ونشن عليه الغارة بدياره بل بداره.
ومن كلام للشيخ عبد الله أبا بطين –رحمه الله-: لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام قوتلوا، وإن لم يكونوا كفارًا ولا مشركين ودارهم دار الإسلام.
انتهى.
وفي تيسير الوحيين للشيخ عبد العزيز بن راشد: قد أوجب الله على المسلمين
أن يبدوا بالقتال من أبى الإسلام من الكفار والمشركين بعد دعوتهم إلى الخضوع له والدخول فيه حيث كانوا، وفرض على الأمة أن تهاجمهم وتبدأهم به كل وقت سوى الأشهر الحرم.
قال: وقد ذكر الله ما قلنا مصوبًا له عن سليمان –عليه السلام- مع ملكة سبأ بادئًا بالدعوة إلى الإسلام، ومهددًا لها بالإخراج والقتل إذا لم تذعن للحق والدخول تحت سلطانه، كما ذكره عن غيره من إخوانه، كما يدل على خطأ وضعف استدلال من يمنع بدء المسلمين قتال الكفار ما لم يبدؤنا به بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ لدخولهم في الذين أمرنا بقتالهم، إذ ليس فيها المنع من قتالهم ولا النهي عن بدئهم به؛ لأن النهي عن الاعتداء نهي عن ظلم كل من خضع للإسلام، سواء دان به واتبعه كالذمي.
وليس بدء أهل الكفر بالقتال بعد إبائهم عن الإذعان والدخول تحت سلطان الإسلام اعتداء عليهم وظلمًا، بل ذلك لمصلحتهم كالسفيه، ولحق الإسلام كقتل مانع الزكاة، والمرتد عن الدين؛ ولأنه لمنعهم عن الظلم والعدوان يدل على هذا قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وبدءهم المشركين والفرس والروم، بعد رفض رؤساهم كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير اعتداء منهم على أحد من المسلمين، ولا منع داعي إلى الإسلام.
ولكنها مكيدة أفرنجية، ونزعة أوربية أُريد بها تأخير المسلمين وموتهم على ما هم فيه من الضعف، وما علاهم من ذل الاستعباد.
ثم ساق الأدلة الواضحة، وقال بعدها هذه الجملة: من آي الذكر تدل على أن الله أوجب على المسلمين أن يبدأوا الكفار والمشركين بالقتال، أنى كانوا وحيثما وجدوا، ولا يكفوا عن قتلهم وقتالهم ما لم يدخلوا في الإسلام، ويعطوا الجزية التي يفرضها عليهم سواء اعتدوا على المسلمين وصدوا عن الإسلام، أم أذعنوا للداعين إليه في بلادهم معرضين عن قبوله.
كما دل عليه عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة من بعده عليه، إذا لم يعرف منهم مخالف قط.
فمدعي أن الإسلام لا يجيز بداءة عدوه بالقتال متقول عليه ما ليس فيه، إذ من حكمته أنه لم يأمر بالقتال حين كان ضعيفًا بين أعدائه، فلما ناوءه بمكة أمر الله نبيه بالهجرة، وشرع لهم وأوجب عليهم مهاجمة كل آب.
انتهى.
وقال في إبادة دعوى مدعي الدفاع، بنصوص الغزو والجهاد.
الشيخ صالح ابن أحمد نزيل المدينة: ومغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلومة مشهورة، كانت راياته ترفرف في البلدان النائية، في الشام وتبوك ومؤنة ونجد ومكة وحنين والطائف واليمن وغير ذلك.
وهذه البلدان معلوم أنها تبعد عن المدينة بمراحل طويلة، منها ما يبعد عن المدينة نصف شهر، ومنها ما يبعد أكثر من ذلك، ومنها دون ذلك.
إلى أن قال: ثم استدل المدافعون بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ . قال المدافعون: جهاد الكفار وإكراههم في دين الإسلام لإعلاء كلمة الله بدون أن يتعرضوا بسوء على المسلمين، فهو من الاعتداء المنهي عنه في القرآن، وهذا الفهم فهم خاطئ، فنقول وبالله التوفيق.
قتال الكفار واجب حيث ما كانوا بعد عرض الدعوة عليهم، وبعد ذلك بعد الاعتداء منهم لا ممن قاتلهم، وذلك بأن الشرك الله سبحانه وتعالى، الذي هم فيه هو بنفسه جناية واعتداء على الله، وفساد كبير في الأرض.
والله سبحانه أمر بإزالته بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ هذه الآية والحديث السابق عن ابن عمر صريحان بأن سبب الجهاد وقتال المشركين هو الشرك بالله لا غير، ولا ينتهي قتالهم إلا بانتهائه الذي هو السبب، ولا ينتهي المسبب حتى ينتهي السبب، وحتى في العربية معلومة أنها للغاية.
ثم ساق حديث جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله –عليه الصلاة والسلام-: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي» أخرجه مسلم.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «إنما مثلي ومثل أمتي» إلخ.
هذا الحديث عام؛ ولكنه يتناول الكفار تناولاً أوليًا؛ لأنهم أقرب إلى هذه الصفة، وهم من أمة الدعوة لا من أمة الإجابة، وخصوصًا على رواية: «إنما مثلي ومثل أمتي» ، قال: ولم يزل رسول الله –عليه الصلاة والسلام- وأصحابه يقاتلون الكفار حيث ما كانوا، إلى أن أسلم من في جزيرة العرب؛ إلا يسيرًا منهم، طوعًا أو كرهًا.
ولقي رسول الله –عليه الصلاة والسلام- ربه سبحانه وتعالى، وهو قرير عين.
ثم قام أصحابه الكرام الأسد الظماء بسنته - صلى الله عليه وسلم -، فجاهدوا وفتحوا العراق والشام ومصر والروم قهرًا لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى؛ وهذا الذي يعلمه علماء المسلمين من سُّنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ويتمنونه.
وأما في رأي إخواننا المدافعين، لم يشرع الله جهاد الكفار لإكراههم في الدين أو أخذ الجزية منهم، وما كان قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للكفار إلا دفاعًا في زعمهم، فلم يصدقوا فيما زعموا، وزادوا المسلمين بزعمهم هذا ثبوطًا مع ثبوطهم، وصوبوا لهم ما هم فيه، ولعل أن يغتر بهم بعض الناس، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن العجائب أن نسمع من هذا الفريق من يقول: الجهاد، فلا أدري ما معنى الجهاد عندهم؛ فإن كان الجهاد هو غزو الكفار بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله، كما هو عرف الشرع، وما يعرفه المسلمون، فقد أنكروه وخطئوا فاعله من حيث رسول الله لم يفعله بزعمهم الخاطئ إنما قاتل دفاعًا، وإن كان على عرفهم أن الجهاد هو دفع العدو عن النفس والوطن، فهو شيء طبيعي
لا مزية لمن قام به، حتى أضعف الحيوان يدافع عن نفسه إلى أن يعجز، إلا أن يقال في حق المؤمن، إذا مات دون ماله ونفسه فهو شهيد.
ويقول أحد الكتاب المعاصرين المعروفين حول موضوع الجهاد في سبيل الله: والذي يدرك طبيعة هذا الدين على النحو المتقدم يدرك معها حتمًا الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان، ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية كما يريده المهزومون أمام الضغط الواقع الحاضر وأمام هجوم المستشرقين الماكر أن يصوروا حركة الجهاد في الإسلام –إلى أن قال:
وأما محاولة مبررات دفاعية للجهاد الإسلامي بالمعنى الضيق للمفهوم العصري للحرب الدفاعية ومحاولة البحث عن أسانيد الإثبات، أن وقائع الجهاد الإسلامي كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على الوطن الإسلامي هو في عرف بعضهم جزيرة العرب، فهي محاولة تنم على قلة إدراك لطبيعة هذا الدين ولطيعة الدور الذي جاء به في الأرض، كما أنها تشي بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر؛ وأما الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي ترى لو أن أبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - قد أمنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة أكانوا يقعدون إذًا عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض؟؟
وكيف كانوا يدفعون هذا المد وأمام الدعوة تلك العقبات، إلى أن قال: إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير الإنسان: نوع الإنسان ... في الأرض، ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهدها باللسان والبيان إنها تجاهد باللسان والبيان حينما تخلي بينهما وبين الأفراد تخاطبهم بحرية وهم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات فهنا الإكراه في الدين؛ أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية فلابد من إزالتها أولاً بالقوة لتتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله وهو طليق من هذه الأغلال.
إن الجهاد ضرورة للدعوة إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان إعلانًا جادًا يواجه الواقع الفعلي بوسائل مكافئة له في كل جوانبه ولا يكتفي بالبيان الفلسفي النظري سواء كان الوطن الإسلامي، وبالتعبير الإسلامي الصحيح دار إسلام آمنًا أم مهددًا من جيرانه.
فالإسلام حين يسعى إلى السلم لا يقصد تلك السلم الرخيصة وهي مجرد أن يؤمن الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية إنما هو يريد السلم التي يكون الدين فيها كله لله أي يكون عبودية للناس كلهم فيها لله، والتي لا يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، والعبرة بنهاية المراحل التي وصلت إليها الحركة الجهادية في الإسلام بأمر من الله لا بأوائل أيام الدعوة ولا بأوساطها ... إلخ.
وختامًا: فإن القول الذي تطمئن إليه النفس أنه يجب قتال الكفار ابتداءً ودفاعًا كما علم من الأدلة المتقدمة.
والله سبحانه أعلم.
س28: تكلم عما يلي: النفر بعد الإقامة إذا نوى لحادثة يشاور عليها، الدليل على أن أفضل متطوع به من العبادات الجهاد.
أيهما أفضل غزو البر أم البحر؟ وما الذي تكفره الشهادة؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: لا ينفر بعد الإقامة للصلاة، ولو نودي بالصلاة والنفير، والعدو بعيد صلى ثم نفر، ومع قرب العدو ينفر ويصلي راكبًا أفضل.
ويجوز أن يصلي ثم ينفر، ولو نوى: الصلاة جامعة لحادثة يشاور فيها لم يتأخر أحد بلا عذر له، لوجوب جهاد بغاية ما يمكن من بدن ورأي وتدبير، والحرب خدعة.
والدليل على أنه أفضل متطوع به قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ الآية.
وقد روى أبو سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال:
«مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» متفق عليه.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سُئل رسول الله –عليه الصلاة والسلام- أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» ، وقيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» ، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» متفق عليه.
وروى أبو هريرة أن رسول الله –عليه الصلاة والسلام- قال: «والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» رواه مسلم.
وروى البخاري بعضه.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله –عليه الصلاة والسلام- قال: «من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً وجبت له الجنة» ، فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها علي يا رسول الله، فأعادها عليه، ثم قال: «وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» ، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» رواه مسلم.
وغزو البحر أفضل من غزو البر، لما روى أبو داود، عن أم حرام، عن النبي –عليه الصلاة والسلام- قال: «المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر الشهيد، والغرق له أجر شهيد» .
وروى ابن ماجه بإسناده، عن أبي أمامة قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «شهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر؛ فإن الله يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب والدين» ولأن غزو البحر أعظم خطرًا؛ فإنه بين خطر القتال والغرق، ولا يمكنه الفرار دون أصحابه.
وتكفر الشهادة الذنوب غير الدين؛ لما ورد عن عبد الله بن عمرو بن
العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يغفر الله للشهيد كل شيء إلا الدين» رواه مسلم، وفي رواية له: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين» . وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فيهم، فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر» ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيف قلت؟» ، قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عن خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم، وأنت صابر محتسب غير مدبر إلا الدين؛ فإن جبريل –عليه السلام- قال ذلك» رواه مسلم.
س29: تكلم بوضوح عن تشييع الغازي وتلقيه، وعن الغزو مع الأمير البر والفاجر، وعن جهاد العدو المجاور، ومع تساوٍ في قرب وبعد بين عدوين، وأحدهما أهل كتاب، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: يُسن تشييع الغازي؛ لما ورد عن سهل بن معاذ، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لأن أشيع غازيًا فأكفيه في رحله غدوة أو روحة أحب إليّ من الدنيا وما فيها» رواه أحمد وابن ماجه.
وعن أبي بكر الصديق أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ... الخبر، وفيه: إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله؛ لأن عليًا - رضي الله عنه - شيع النبي في غزوة تبوك، ولم يتلقه، احتج به أحمد، شيع أبا الحارث ونعلاه في يده.
ذهب إلى فعل أبي بكر، أراد أن تغبر قدماه في سبيل الله، وشيع النبي صلى الله
عليه وسلم النفر الذين وجههم إلى كعب بن الأشرف إلى بقيع الغرقد.
رواه أحمد، وشيع أحمد أمه للحج.
وأما تلقي الغازي، فقيل: لا يستحب لما تقدم؛ ولأنه تهنئته بالسلامة من الشهادة، وفيه وجه كالحاج؛ لحديث السائب بن يزيد، قال: لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك، خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع، قال السائب: فخرجت مع الناس وأنا غلام.
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، وللبخاري نحوه.
ويغزي مع كل أمير بر وفاجر يحفظان المسلمين، وقد روى أبو داود بإسناده، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا» وبإسناده عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، والإيمان بالأقدار» .
وفي الصحيح: «أن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر؛ ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد، وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم» . قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ .
وجهاد العدو المجاور متعين لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ﴾ ولأن اشتغالهم بالبعيد يمكن التقريب من انتهاز الفرصة، إلا لحاجة إلا قتال الأبعد، كأن يكون الأبعد أخوف، أو لغوته وإمكان الفرصة أو يكون الأقرب مهادنًا، أو يمنع من قتاله مانع فيبدأ بالأبعد للحاجة ومع تساو في بعد وقرب بين عدوين وأحدهما أهل كتاب، جهاد أهل الكتاب أفضل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأم خلاد: «إن ابنك له أجر شهيدين» ، قالت:
ولِمَ ذاك يا رسول الله، قال: «لأنه قتله أهل كتاب» رواه أبو داود؛ ولأنهم يقاتلون عن دين.
س30: ما هو الرباط؟ وما حكمه؟ وما أقله؟ وما أكثره؟ وما أفضله؟ وأيما أفضل أهو أم المقام بمكة والصلاة بمكة أم بالثغر؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: يُسن الرباط وهو الإقامة بثغر تقوية للمسلمين، مأخوذ من رباط الخيل؛ لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم، كل يعد لصاحبه، والثغر كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم، قال أحمد: وعن عثمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رباط يوم في سبيل الله، خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» رواه الترمذي والنسائي.
وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» متفق عليه.
وعن سلمان الفارسي، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان» رواه مسلم، وإن زاد: الرباط أربعين يومًا فله أجره كسائر أعمال البر.
والرباط بأشد الثغور خوفًا أفضل؛ لأن مقامه به أنفع، وأهله به أحوج، والرباط أفضل من المقام بمكة، ذكره الشيخ تقي الدين إجماعًا، والصلاة بمكة أفضل من الصلاة بالثغر، وكره لمريد ثغر نقله أهله من الذرية والنساء إلى الثغر إن كان مخوفًا؛ لقول عمر: لا تنزلوا المسلمين خيفة البحر.
رواه الأثرم، وقال: كيف لا أخاف الإثم وهو يعرض ذريته للمشركين، وإلا يكن الثغر مخوفًا فلا يكره نقل أهله إليه، كما لا تكره الإقامة لأهل الثغر به بأهليهم، وإن كان مخوفًا لأنه لابد لهم من الكنى بهم، وإلا لخربت الثغور وتعطلت.
5 -
الهجرة
س31: تكلم عن الهجرة، وبين من تجب عليه، وهل حكمها باق، ومن الذي تسن في حقه؟ واذكر ما تعرفه عن هجران أهل المعاصي واذكر ما تستحضره من الأدلة باستقصاء.
ج: الهجرة الانتقال من بلد الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، وتجب الهجرة على عاجز عن إظهار دينه بمحل يغلب فيه حكم كفر أو بدع مضلة.
إحرازًا لدينه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الآيات.
وقال: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
قال الحسن البصري: لا يجوز له القعود معهم، خاضوا أو لم يخوضوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
قال شيخ الإسلام: فعلم أن الطائفة المعفو عنها عاصية لا كافرة، إما بسماع الكفر دون إنكاره، والجلوس مع الذين يخوضون في آيات الله، أو كلام هو ذنب وليس هو كفر، أو غير ذلك من الذنوب.
انتهى.
وعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله» رواه أبو داود، وعن جرير
ابن عبد الله - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ةناس بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» ، قالوا: يا رسول الله، ولِمَ؟ قال: «لا تراءي نارهما» رواه أبو داود والترمذي.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أنا بريء من أهل ملتين تتراءى ناراهما» ، وقال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» .
وقال: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم، أو يفارق المشركين» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يعلم لذي دين دينه، إلا من فر من شاهق إلى شاهق» .
ومنها حديث لقيط بن صبرة لما قال: يا رسول الله على ما أبايعك؟ فبسط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده، وقال: «على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال المشرك، وأن لا تشرك بالله شيئًا» .
قال ابن القيم –رحمه الله- في الكلام عليه:
قوله في عقد البيعة وزيال المشرك أي مفارقته ومعاداته، فلا تجاوره ولا تواكله، كما جاء في حديث: «لا تراءى نارهما» انتهى؛ ولأن القيام بأمر الدين واجب، والهجرة من ضرورة الواجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ويحرم السفر إلى محل يغلب فيه حكم كفر، أو بدع مضلة، ولا يقدر على إظهار دينه به، ولو كان سفره لتجارة؛ لأن ربحه المظنون لا يفي بخسرانه المحقق في دينه، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على وجوب الهجرة من ديار الكفر لمن قدر على ذلك.
قال ابن كثير –رحمه الله- على قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ
أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} .
هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية.
وكلام العلماء في المنع من الإقامة عند المشركين، وتحريم مجامعتهم ووجوب مباينتهم كثير معروف، خصوصًا في كتب أئمة الدعوة، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده.
ولا تجب الهجرة عن أهل المعاصي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» الحديث، والعمل عليه عند أهل العلم.
وهجران أهل المعاصي، كما قال شيخ الإسلام في (ج27) من «مجموع الفتاوى» : الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها؛ فالأول هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ، ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ فهذا يُراد به أن لا يشهد المنكرات لغير حاجة، وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» .
ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان؛ فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ .
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من ظهر المنكرات حتى يتوب منها، كما هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون، الثلاثة الذين خلفوا
حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقًا، فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير والتعزير يكون لمن أظهر ترك واجبات، وفعل المحرمات، كتارك الصلاة والزكاة، والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسُّنة، وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع.
وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلي خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم؛ فإنه ليس شرًا من المنافقين الذين كان - صلى الله عليه وسلم - يقبل علانيتهم وبكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم؛ ولهذا جاء في الحديث: «إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها؛ ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة» ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» ، فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها بخلاف الباطنة؛ فإن عقوبتها على صاحبها خاصة.
وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زحر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله؛ فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته، كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.
والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألف قومًا ويهجر آخرين.
وإذا اجتمع بالرجل خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسُّنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب، بقدر ما استحق من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب، بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنة والجماعة، انتهى (ص203، 204، 205، 206، 209) ملخصًا.
وتُسن الهجرة لقادر على إظهار دينه بنحو دار الكفر، ليتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ويتمكن من جهادهم وإعانة المسلمين ويكثرهم؛ لما ورد عن معاوية - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» رواه أحمد وأبو داود.
وعن عبد الله بن السعدي - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو» رواه أحمد والنسائي.
وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد» رواه سعيد وغيره، مع إطلاق الآيات والأخبار، وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان؛ وأما حديث: «لا هجرة بعد الفتح» يعني من مكة إلى المدينة، وكل بلد فتح لا تبقى منه هجرة؛ إنما الهجرة إليه؛ لأن الهجرة الخروج من بلد الكفر، فإذا فتح لم يبق بلد كفار، فلا تبقى من هجرة.