الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 378-418
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 378-418
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

المرتهن لرحمه المحرم لا يملك بيعه عند جوازه، ويأتي في الكتابة، ويمكنه المرتهن من الكسب؛ لأن ذلك مصلحة، ولا يصح شرط منعه من التصرف، وما أداه من دين الكتابة رهن معه؛ لأنه كنمائه؛ فإن عجز عن أداء مال الكتابة، وعاد قنصا، فهو وكسبه رهن؛ أنه نماؤه وإن عتق بأداء أو إعتاق، فما أدى بعد عقد الرهن رهن، كقن مرهون اكتسب ومات.
ويجوز رهن ما يسرع إليه الفساد، كفاكهة رطبة، وبطيخ، ولو رهنه بدين مؤجل؛ لأنه يصح بيعه، ويباع ويجعل ثمنه رهنًا مكانه حتى يحل الدين فيوفى منه، كما لو كان حالاً، وإن أمكن تجفيفه، كعنب ورطب، جفف، ومؤنته على راهن؛ لأنها لحفظه، كمؤنة حيوان.
وكذا الحكم إن رهنه ثيابًا، فخاف المرتهن تلفها، أو رهنه حيوانًا، فخاف موته فيباع على ما تقدم، وشرط أن لا يبيعه أو لا يجففه فاسد، لتضمنه فوات المقصود منه، وتعريضه للتلف.
ويصح رهن القن المسلم لكافر إذا شرط في الرهن كونه بيد مسلم عدل، كرهن كتب حديث وتفسير لكافر، لأمن المفسدة؛ فإن لم يشترط ذلك لم يصح، اختاره أبو الخطاب، والشيخ تقي الدين –رحمه الله-، وقال: اختاره طائفة من أصحابنا، وجزم به ابن عبدوس في «تذكرته» ويفارق البيع بأن البيع ينتق الملك فيه إلى الكافر، وفي الرهن

المرهون باق على ملك المسلم، وقيل: لا يصح رهن العبد المسلم لكافر، اختاره القاضي؛ لأنه عقد يقتضي قبض المعقود عليه والتسليط على بيعه، فلم يجز كالبيع، والقول الأول هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
ويصح رهن مدبر، ومعلق عتقه بصفة لم يعلم وجودها قبل حلول دين ومرتد وجان وقاتل في محاربة، ثم إن كان المرتهن عالمًا بالحال، فلا خيار له، كما لو لم يعلم حتى أسلم المرتد، أو عفي عن جان، وإن علم قبل ذلك فله رده، وفسخ بيع شرط فيه؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة، وله إمساكه بلا أرش، وكذا لو لم يعلم حتى قتل أو مات ومتى امتنع السيد من فداء الجاني لم يجير، ويباع في الجناية، لسبق حق المجني عليه، وتعلق حقه بعينه بحيث يفوت بفواته، بخلاف مرتهن.
وأما رهن المصحف، فقيل: لا يصح؛ لأن المقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه، ولا يحصل إلا ببيعه، وبيعه غير جائز، وقيل: يصح، وهو قول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، بناء على أنه يصح بيعه، فيصح رهنه كغيره، والخلاف في ذلك مبني على جواز بيعه، وتقدم الكلام عليه في أول كتاب البيع في الشرط الثالث من شروطه.

ما لا يصح رهنه والذي يستثنى منه وشروط الرهن

س75: تكلم بوضوح عما لا يصح رهنه، والذي يستثنى منه، وما شروط الرهن؟ وما حكم رهن المؤجر والمعار لذلك؟ وما حكم الرهن مع الحق وبعده وقبله؟ وما الذي ينبغي للمدين الذي يريد أن يرهن شيئًا؟ وإذا أذن إنسان لآخر أن يرهنه بمائة مثلاً، فرهنه بأزيد أو أنقص، أو أراد الرجوع عن الإذن، أو تلف المأذون في رهنه، أو اختلفا في القدر المأذون فيه، فما الحكم؟ وما الدليل وما التعليل؟ واذكر أمثلة لما لا يتضح إلا بالتمثيل، وفصل لما يحتاج إلى تفصيل، والخلاف والترجيح؟

ج: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؛ لأن القصد استيفاء الدين منه أو من ثمنه عند التعذر، وما لا يصح بيعه لا يمكن فيه ذلك، ويصح رهن المساكن من أرض مصر ونحوها، ولو كانت آلتها منها؛ لأنه يصح بيعها، سوى رهن ثمرة قبل بدو صلاحها بلا شرط قطع، وسوى رهن زرع أخضر بلا شرط قطع، فيصح؛ لأن النهي عن بيعها لعدم أمن العاهة، وبتقدير تلفها لا يَفُوت حق المرتهن من الدين، لتعلقه بذمة الراهن، وسوى قن ذكرًا أو أنثى، فيصح رهنه دون ولده ونحوه، كوالده وأخيه؛ لأن تحريم بيعه وحده للتفريق بين ذوي الرحم المحرم، وذلك مفقود هنا؛ فإنه إذا استحق بيع الرهن يباعان معًا، دفعًا لتلك المفسدة، ويختص المرتهن بما يخص المرهون من ثمنها،

فيوفى منها دينه، وإن فَضَل شيء من ثمنه، فللرهن، وإن فضل ذا ولد مائة، وقيمة الولد خمسون، فحصة الراهن ثلثًا الثمن؛ لكن لو رهن ثمرة على دين مؤجل إلى أجل تحدث فيه ثمرة أخرى، بحيث لا يتميز عن الثمرة المرهونة، فالرهن باطل لجهالته عند حلول الحق، وإن جعلت الثمرة رهنًا على دين مؤجل، وشُرطَ في العقد قطع عند حدوث غيرها، فلا يكون الرهْنُ باطلاً، لانتفاء الجهالة، وعدم الغرر.
وشروط الرهن ستة: أحدها: أن يكون منجزًا، فلا يصح معلقًا، كالبيع.
الثاني: كونه مع الحق، بأن يقول: بعتك هذا بعشرة إلى شهر، ترهنني بها كذا، فيقول: قبلت، فيصح ذلك، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترطه، لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق.
ويصح بعد الحق بالإجماع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 282] جعله بدلاً عن الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحق؛ ولأن في الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله:

﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] فجعله مذكورًا بعدها بفاء التعقيب؛ ولأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى الوثيقة به، فجاز أخذها كالضمان، ولا يجوز قبل الحق، فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها.
اختار هذا القول أبو بكر والقاضي، وذكر القاضي أن أحمد نص عليه في رواية ابن منصور، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه وثيقة بحق، فلم يجز قبل ثبوته، ولأنه تابع لحق، فلا يسبقه، كالثمن لا يتقدم المبيع، بخلاف الضمان، والفرق أن الضمان التزام مال تبرعًا بالقول، فجاز في غير حق ثابت كالنذر، واختار أبو الخطاب أنه يصح، فإذا قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غدًا، وسلمه إليه، ثم أقرضه الدراهم؛ لزمه الرهن، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك؛ لأنه وثيقة بالحق، فجاز عقدها قبل وجوبه كالضمان، أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل، كضمان الدرك، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس.
والله أعلم.
الثالث: كونه ممن يصح بيعه وتبرعه؛ لأنه نوع تصرف في المال، فلم يصح إلا من جائز التصرف كالبيع.

الرابع: كون الرهن ملكه أو مأذونًا له فيه، بأن استأجر أو استعار دارًا مثلاً، وأذن المؤجر أو المعير له برهنها فرهنها، صح.
ولا يشترط لصحة الإذن تعيين الدين، ولا وصفه، ولا معرفة رب الدين، وينبغي للمدين أن يذكر للمؤجر والمعير المرتَهِنَ، فيقول: أريد أن أرهنه عند زيد مثلاً، ويذكر له القدر الذي يرهنه به، وجنس القدر الذي يرهنه به، كذهب أو فضة، ويذكر له مدة الرهن، كشهر أو سنة، لئلا يغرهما، ومتى شرط الراهن شيئًا من ذلك المذكور، وهو المرتهن، وقدر الدين وجنسه، ومدة الرهن، فخالف ورهنه بغيره، لم يصح الرهن؛ لأنه لم يؤذن له فيه، أشبه ما لو لم يؤذن في أصل الرهن؛ فإن أذن المؤجر والمعير الراهن في رهن ما استأجره، أو استعاره لذلك كمائة مثلاً، فنقص عنه بأن رهنه بثمانين مثلاً، صح الرهن؛ لأنه فعل بعض المأذون له فيه، وإن رهنه بأكثر، كمائة وخمسين مثلاً، صح الرهن في القدر المأذون فيه، وهو المائة فقط، وبطل في الزيادة، كتفريق الصفقة، بخلاف ما لو أذنه بدنانير، فرهنه بدراهم، وعكسه؛ فإنه لا يصح للمخالفة، ويملك آذِنٌ، مؤجرًا كان أو معيرًا، الرجوع في الإذن في الرهن قبل إقباض المرتهن لا بعده، للزومه، ويطالب معير راهنًا بفكه في محل الحق وقبل محله؛

لأن العارية لا تلزم، ولا يملك مؤجر الرجوع في إجارة عين لرهن قبل مضي مدة الإجارة للزومها، وإن بيع رهن مؤجر أو معار مأذون للراهن فيه لوفاء دين، رجع مؤجر أو معير على راهن بمثلِ مِثْليٍّ؛ لأنه فوته على ربه، أشبه ما لو أتلفه، ورجع بالأكثر من قيمة متقوم أو ما بيع به؛ لأنه إن بيع بأقل من قيمته ضمن الراهن النقص، وإن بيع بأكثر كان ثمنه كله لمالكه، ويؤيده أن المرتهن لو أسقط حقه من الرهن رجع الثمن كله إلى صاحبه، فإذا قضى به الراهن دينه رجع به عليه، ولا يلزم من وجوب ضمان النقص أن لا تكون الزيادة للمالك، كما لو كان باقيًا بعينه.
وإن تلف رهن معار أو مؤجر بتفريطه، ضمن راهن ببدَلِهِ، وبلا تفريط، ضمن راهن لا مرتهن المعار لا المؤجر؛ لأن العارية مضمونة، والمؤجر أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وإن قال مأذون في الرهن لمالكه: أذنت لي في رهنه بعشرة، فقال المالك: بل أذنتُ لك في رهنه بخمسة، فقول آذن بيمينه؛ لأنه منكر للإذن في الزيادة، ويكون رهنًا بالخمسة فقط.
الخامس: كون الرهن معلومًا جنسه وقدره وصفته؛ لأنه عقد على مال، فاشترط العلم به كالبيع.
السادس: كونه بدين واجب، كقرض وثمن وقيمة متلف، أو

بشيء مآله إلى الدين الواجب، كثمن في مدة خيار مجلس أو شرط، وأجرة قبل استيفاء منفعة مأجُورٍ، ومهرٍ قبلَ دخولٍ؛ لأن ذلك يؤول إلى الوجوب.
حكم الرهن على العين المضمونة والمقبوض على وجه السوم

س76: ما حكم أخذ الرهن على العين المضمونة؟ والمقبوض على وجه السوم، أو بعقد فاسد، أو نفع إجارة، أو دية على عاقلة، أو جعل في جعالة، أو عوض في مسابقة، أو عهدة مبيع، أو عوض غير ثابت في ذمة، أو دين كتابة؟ وما حكم رهن مال اليتيم ونحوه عند فاسق؟ وهل يشترط كون رهن من مدين، أم لابد من إذنه؟ وضح ذلك، مع ذكر ما تيسر من دليل أو تعليل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل؟

ج: يصح بعين مضمونة، كغصب وعارية ومقبوض على وجه سوم، أو بعقد فاسد، ويصح بنفع إجارة في ذمة، كخياطة ثوب، وبناء دار، وحمل معلوم إلى موضع معين؛ لأنه ثابت في الذمة ويمكن وفاؤه من الرهن بأن يستأجر من ثمن من يعمه.
ولا يصح أخذ رهن بدية على عاقلة قبل مضي حول، لعدم وجوبها إذن، ولا بجعل قبل العلم، لعدم وجوبه.

ويصح رهن بدية على عاقلة، ويجعل بعد الحول والعمل لاستقرارهما، ولا يصح بدين كتابة، لفوات الإرفاق بالأجل المشروع، إذ يمكنه بيع الرهن وإيفاء الكتابة ولا يصح أخذ رهن بعهدة مبيع؛ لأنه ليس له حد ينتهي إليه، فيعم ضرره بمنع التصرف فيه، وإذا وثق البائع على عهدة المبيع، فكأنه ما قبض الثمن، ولا ارتفق به، ولا يصح أخذ رهن بعوض غير ثابت في ذمة، كثمن وأجرة معينين، وإجارة منافع عين معينة، كدار معينة، وعبد معين، ودابة معينة لحمل إلى مكان معلوم؛ لأن الذمة لم يتعلق بها في هذه الصور حق واجب، ولا يؤول إلى الوجوب؛ لأن الحق متعلق بأعيان هذه.
وينفسخ عقد الإجارة عليها بتلفها.
ويحرم، ولا يصح رهن مال يتيم لفاسق؛ لأنه تعريض به للهلاك؛ فإن شرط كونه بيد عدل، صح.
وكيتيم مكاتب وقن مأذونًا له في تجارة، لاشتراط المصلحة في ذلك التصرف، وكيتيم سفيه ومجنون وصغير، فيحرم على من كانت أموالهم تحت يده أن يجعلها تحت يد فاسق على طريق رهن أو غيره، بل عليه صيانته وحفظها عن الضياع وطلب تنميتها لهم بحسب الإمكان، لضعفهم عن ذلك، ولا يشترط كون رهن من مدين ولا بإذنه؛ لأنه إذ جاز أن يقضي عنه دينه بلا

إذنه، فأولى أن يرهن عنه.
قال الشيخ تقي الدين: يجوز أن يرهن الإنسان مال نفسه على دين غيره، كما يجوز أن يضمنه وأولى.

من نظم ابن عبد القوي فيما يتعلق بباب الرهن

وخذ في بيان الرهن وهو وثيقة ... بحق يقوي نفس كل مشدد وفي كل دين واجب صح أخذه ... ولو حضرا من جائز الأمر فارشد ووجهان في دين الكتابة وارهنن ... مع الحق أو بعدًا وقيل بمبعد ورهنك قبل الحول بالعقد باطل ... ووجهين قبل الفعل في الجعل أسند وما لم يجب في ذمة لا تجز به ... رهانًا كما عينت في كل معقد وعقد كه في حق ذي الدين جائز ... وملتزم بالقبض من راهنٍ قد فإن كان منقولاً فبالنقل قبضه ... وفي غير منقول بتخلية اليد وعنه التزم بالعقد رهن معين ... ومن منع التسليم فاجبره واضهد ومن شرطا أن يقبض الرهن لم يجز ... تفسيره إلا رضى أو لمفسد وتقبيضه تقبيض مرتهن فإن ... يك اثنين لم يحفظ على يد مفرد وللعدل رد الرهن إن شا إليهما ... فإن يعط فرد يرتجعه ويردد

وضمنه إن لم يرتجعه نصيب من ... تعذر بالتسليم للغير تهتدي ويلغ لزوم الرهن بالرد عن رضى ... وبالعود يلزم دون عقد مجدد كذا ما تخمر من عصير رهنته ... فإن عاد خلاً عاد لازم معقد فإن يتصرف قبل قبض ورده ... بمانع أخذ الدين منه ليفسد ولم يلغه عارية أو إجارة ... لمرتهن والغير مع إذنه اعضد وجائز بيع جائز الرهن ما عدا المكاتب ... إن يقبض لشرط التأطد ويملك إن قلنا يجوز تكسبًا ... وما جاز أو أدى فرهنًا ليعدد ومن عتقه بالشرط إن حل قبله ... ليرهن وإلا لا وإن يعم ردد ومن يحرم التفريق في البيع بينهم ... أجزْ رهن فرد ثم بع للمعدد فإن خيف من قبل الحلول فساده ... يجفف وإن واتى على الرهن أشهد وإلا فبع وارهنه شاء أو اطلقا ... في الأقوى وإما يمنعا البيع أفسد ورهن مشاع لو لغير شريكه ... أجز ولدي من عين الحفظ خلد وفي يد عدل اجعلنه إن تخالفا ... ولو مؤجر أو آكر الكل تقصد وغير مجاز البيع لا تمض رهنه ... سوى ثمر والزرع قبل التشدد على أحد الوجهين في شرطك البقا ... ولا تُرْهِنِ الكفار مُسْلَم أعبد وقال أبو الخطاب ذلك جائز ... بشرطك جعل العبد في يد مهتد ورهن مبيع عينوا قبل قبضه ... أجزه ولو للبائعيه تسدد

وقيل سوى موزونه أو مكيله ... كذاك على أثمانه امنع بأجود وإن زاد دين الرهن حال لزومه ... يكون به رهنًا وبالسابق اردد ورهن معار والغصيب لقابض ... أجز وانف تضمينًا على سابق اليد وقيل إن مضى وقت لإمكان قبضها ... وقيل بإذن الراهن القبض قَيِّدِ وإن تستعر عينًا لترهنها يجز ... ويلزم فك الرهن عند التقصد وقيل إن تعين قدر دين ووقته ... فإن خان أبطله وقيل بما اعتدى وإن حل دين بعه واضمن بقيمة ... وقيل بما قد بعته إن يزيد ووجهين في رهن التراث وبيعه ... قبيل وفا دين على الميت أسند

وقت لزوم الرهن ومن يلزم في حقه

س77: متى يلزم الرهن، ومن الذي يلزم في حقه؟ وإذا جُنّ، أو بُرْسِمَ، أو حجر عليه لسفه بعد عقد وقبل قبض، فما الحكم؟ وإذا مات راهن قبل إقباض، فهل للورثة إقباضه أم لا؟ ومتى يجوز للراهن أن يرجع في الرهن؟ وبأي شيء يبطل إذن الراهن في القبض؟ وإذا رجع فهل له التصريف فيه، وإذا كاتب الرهن، أو آجره، أو دبره فما الحكم؟ وما حكم استدامة قبض الرهن؟ وبأي شيء يزول لزوم الرهن؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف.

, ج: لا يلزم الرهن إلا بالقبض كقبض مبيع، ولو كان القبض ممن اتفق الراهن والمرتهن على أن يكون عنده؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 282] ويكون قبل القبض رهنًا جائزًا يجوز للراهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وسواء في ذلك الكيل والموزون وغيره، قال بعض الأصحاب في غير المكيل والموزون: إنه يلزم بمجرد العقد.
قال في «الإنصاف» : وعنه أن القبض ليس بشرط في المتعين، فيلزم بمجرد العقد، نص عليه.
قال القاضي في «التعليق» : هذا قول أصحابنا، قال في «التلخيص» : هذا أشهر الروايتين،

وهو المذهب عند ابن عقيل وغيره، وعليه العمل، وهو قول مالك، وهو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
ويلزم في حق الراهن فقط؛ لأن الحظ فيه لغيره.
فلزم من جهته كالضمان، بخلاف مرتهن؛ لأن الحظ فيه له وحده، فكان له فيه وحجه، فكان له فسخه كالمضمون له.
ويعتبر في القبض إذن ولي أمر الحاكم لمن جن أو حصل له برسام بعد عقد رهن وقبل قبض؛ لأن ولايته للحاكم كما يأتي، وهو نوع تصرف في المال، فاحتياج إلى النظر في الحظ؛ فإن كان الحظ في إقباضه كان شرطًا في البيع، والحظ في إتمامه، أقْبَضَهُ، وإلا يجز؛ فإن قبضه مرتهن بلا إذن راهن أو وليه، لم يكن قبضًا.
وإن مات راهن قبل إقباضه قام واره مَقامهُ؛ فإن أبى لم يجبر، وإن أحب إقباضه، وليس على الميت سوى هذا الدَّين، فله ذلك، وليس لورثة راهن إقباض الرهن وثم غريم للميت لم يأذن فيه نصًا؛ لأنه تخصيص له برهن لم يلزم، وسواء مات أو جُن ونحوه قبل الإذن أو بعده، لبطلان الإذن له، ولراهن الرجوع في رهن قبل الإقباض، ولو أذن الراهن في القبض، لعدم لزوم الرهن إذًا، وله التصرف فيه بما شاء؛ فإن تصرف بما ينقل الملك فيه ببيع أو هبة، أو رهنهُ ثانيًا بطل الرهن الأول، سواء أقبض الثاني أو لا، لخروجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه، وإن دبره أو

كاتبه، أو آجره أو زوج الأمة، لم يبطل؛ لأنه لا يمنع ابتداء الرهن، فلا يقطع استدامته كاستخدامه ويبطل إذن الراهن في القبض بنحو إغماء، وحجر لسفه وخرس، وليس له كتابة ولا إشارة مفهومة؛ فإن كانت له كتابة أو إشارة مفهومة، فكمتكلم، لحصول المقصود بكتابته أو إشارته، وإن رهنه عينًا مالية بيد رب الدين أمانة أو مضمونة، ولو كانت غصبًا، صح الرهن، ولزم بمجرد عقده كهبة؛ لأن استمرار القبض قبض، وإنما تغير الحكم، ويمكن تغيره مع استدامة القبض كوديعة جحدها مودع فصارت مضمونة، ثم أقر بها فعادت أمانة بإبقاء ربها لها عنده، وصار أمانة لا يضمنه مرتهن بتلفه بلا تعد ولا تفريط، وللإذن له في إمساكه رهنًا، ولم يتجدد منه فيه عدوان، ولزوال مقتضى الضمان، وحدوث سبب يخالفه، واستدامة قبل رهن من مرتهن أو من اتفقا عليه، شرط لبقاء لزوم عقده.
للآية الكريمة، ولحديث عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد» متفق عليه.
فيزيل اللزوم أخذ راهن رهنًا، أو أخذ وكيله بإذن مرتهن له في أخذه ولو أخذه إجارة أو إعارة أو نيابة للمرتهن في حفظ الرهن كاستيداع؛ لأن استدامة القبض شرط للزوم وقد زالت، فينتفي المشروط بانتفاء شرطه، بخلاف ما لو أزيلت يد المرتهن بغير حق،

كما لو غصب الرهن أو أبقى، أو شرد أو سرق، فلزومه باق؛ لأن يده ثابتة حكمًا، فكأنها لم تزل.
وقال في «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» : واستدامة الرهن عند المرتهن ليست شرطًا عند الشافعي، وهي شرط عند أبي حنيفة ومالك، فمتى خرج الرهن من يد المرتهن على أي وجه كان بطل الرهن، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن عاد إلى الراهن بوديعة أو عارية لم يبطل، وعن أحمد: أن استدامته في المتعين ليست بشرط، واختاره في «الفائق» ويزيل لزومه تخمر عصير رهن، لمنعه من صحة العقد عليه، فأولى أن يخرجه عن اللزوم، وتجب إراقته، ويعود لزوم رهن أخذه راهن بإذن مرتهن برده إلى مرتهن، أو من اتفقا عليه بحكم العقد السابق؛ لأنه يعود ملكًا بحكم الأول، فيعود به حكم الراهن، وإن استحال خمرًا قبل قبضه بطل رهنه، ولم يعد بعوده، لضعفه بعدم لزومه، كإسلام أحد الزوجين قبل الدخول.

إذا أجر الرهن راهن لشخص أو إعارة

س78: تكلم بوضوح عما يلي: إذا أجر الرهن راهن لشخص، أو أعاره أو وهبه أو باعه، أو شرط في مؤجل رهن ثمنه مكانه، أو شرط تعجيل الدين المؤجل، أو رجع مرتهن فيما أذن فيه لراهن، أو اختلفا في إذن، أو أعتق الرهن ران، أو أقر بالعتق، أو أحبل الأمة، أو ضرب الرهن فتلف، فما الحكم؟ وإذا اختلفا في إذن، فمن القول قوله؟ ومتى تعتبر قيمة التالف؟ واذكر الدليل والتعليل، والتفصيل والخلاف والترجيح.

ج: إذا أجر الرهن راهن لشخص، أو أعاره راهن لمرتهن، أو لغيره بإذن المرتهن، فلزوم الرهن باق؛ لأنه تصرف لا يمنع البيع، فلم يفسد القبض، وإن وهب راهن الرهن أو وقفه أو رهنه أو جعله عوضًا في صداق ونحوه بإذن مرتهن، صح تصرفه؛ لأن منعه من تصرفه فيه لتعلق حق المرتهن فيه، وقد أسقطه بإذنه، وبطل الرهن؛ لأن هذا التصرف يمنع الرهن ابتداءً، فامتنع دوامًا، وإن باع راهن الرهن بإذن المرتهن، والدين حالُّ، صح البيع للإذن فيه، وأخذ الدين من ثمنه؛ لأنه دلالة له في الإذن في البيع على الرضا بإسقاط حقه من الرهن، ولا مقتضى لتأخير وفاته، فوجب دفع الدين من ثمنه، وإن شرط في إذن في بيع رهن بدين مؤجل رهن ثمنه مكانه، وجب الوفاء بالشرط، فإذا بيع كان ثمنه رهنًا مكانه

لرضاهما بإبدال الرهن بغيره، وإلا يشترط كون ثمنه رهنًا مكانه والدين مؤجل، بطل الرهن، كما لو أذن له في هبته.
وإن شرط تعجيل مؤجل من ثمنه؛ صح البيع، وشرط تعجيل الدين المؤجل لاغٍ؛ لأن التأجيل أخذ قسطًا من الثمن، فإذا أسقط بعض مدة الأجل في مقابلة الإذن، فقد أذن بعوض، وهو المقابل لباقي مدة الأجل من الثمن، ولا يجوز أخذ العوض عنه، فيلغو الشرط، ويكون ثمنه رهنًا مكانه.
وإن اختلفا في إذن، فقول مرتهن بيمينه؛ لأنه منكر، وإن اتفقا عليه، واختلفا في شرط رهن ثمنه مكانه ونحوه، فقول راهن؛ لأن الأصل عدم الشرط.
وللمرتهن الرجوع فيما أذن فيه لراهن من التصرفات قبل وقوعه، لعدم لزومه كعزل الوكيل قبل فعله؛ فإن رجع بعد تصرفه، وقال راهن بعده، فقيل: يقبل قول مرتهن، اختاره القاضي، واقتصر عليه في «المغني» ، وقيل: قول راهن، قال في «الإنصاف» : وهو الصواب، وجزم بمعناه في «الإقناع» . وينفذ عتق الراهن لرهن مقبوض، ولو بلا إذْنِ مُرتهن، موسرًا كان الراهن أو معسرًا، نصًا، وهو قول أبي حنيفة.
ويسعى العبد المرهون في قيمته للمرتهن، وأرجح الأقوال عند الشافعي أنه ينفذ من الموسر، ويلزمه قيمته يوم عتقه ثمنًا، وإن كان معسرًا لم ينفذ،

وهذا هو المشهور عن مالك.
وقال مالك أيضًا: إن طرأ له مال، أو قضى المرتهن ما عليه، نفذ العتق.
وعن أحمد: لا ينفذ عتق الراهن للمرهون مطلقًا، موسرًا كان أو معسرًا، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهو الذي تطمئن إليه النفس.
والله أعلم.
قالوا: لأنه تعلق به حق المرتهن تعليقًا منع صاحبه التصرف فيه قبل انفكاكه؛ ولأن تجويز عتقه قد يفضي إلى مفسدة؛ لأنه لا تحصل الثقة التامة والتوثقة برهن المماليك؛ لأنه قد يعتقه، فيكون معسرًا أو مماطلاً، فتضيع التوثقة، ويضيع حقه؛ ولأن العتق قربة إلى الله كالوقف، فكما لا ينفذ وقف المرهون، فلا ينفذ عتقه.
ويحرم عتق راهن لرهن بلا إذن مرتهن؛ لإبطاله حقه من عين الرهن، ويعايا بها، فيقال: مالك رقة كلها يحرم عليه عتقها؛ فإن نجز العتق راهن بلا إذن مرتهن، أو أقر راهن بعتقه قبل رهن، فكذبه مرتهن، أو أحبل راهن الأمة المرهونة بلا إذن مرتهن في وطء، وبلا اشتراطه في رهن، أو ضرب الرهن راهن بلا إذن المرتهن، فتلف به رهن، فعلى راهن مُوْسِرٍ ومُعسْرٍ أيسر قيمة الرهن الفائت على المرتهن بشيء مما سبق تكون رهنًا مكانه، كبدل أضحية ونحوها، لإبطاله حق مرتهن من الوثيقة، ويصدق مرتهن بيمينه، ويصدق وارثه يمينه في عدم الإذن إن اختلفا في إذن؛ لأنه

الأصل، وتُعْتَبَرُ قِيْمَةُ رهنٍ حَالَ إعتاقِهِ، أوْ إقْرارٍ بِهِ، أوْ إحبال، أو ضرب، وكذا لو جرحه فمات، اعتبرت قيمته حال جرح، وإن كان الدينُ حالاً، أو حَلَّ طُوْلِبَ به خاصة لبراء ذمته به من الحقين معًا؛ فإن كان ما سبق بإذن مرتهن، بطل الرهن ولا عوض له حتى في الإذن في الوطء؛ لأنه يفضي إلى الإحبال، ولا يقف على اختياره، فإذن في سببه إذن فيه.
إذا وطئ راهن مرهونة وغرس الأرض المرهونة

س79: تكلم بوضوح عما يلي: إذا ادعى راهن أن الولد منه.
إذا وطئ راهن مرهونة ولم تحبل.
هل للراهن غرس الأرض المرهونة، والانتفاع بها، ووطء المرهونة، وسقي الشجر، والتلقيح وإنزاء الفحل على المرهونة، والمداواة والفصد والختان، وقطع السلعة، والانتفاع بالرهن باستخدام أو نحوه، ولمن نماؤه؟ ووضح حكم الأرش أين يكون؟ وإذا أسقط مرتهن عن جان أرشًا، أو أبرأه منه، فما الحكم؟ وعلى من مؤونة الرهن؟ وإذا تعذر إنفاق عليه فما الحكم؟

ج: إن ادعى راهن بعد ولادة مرهونة، والراهن ابن عشر فأكثر أن الولد منه، وأمكن كونه منه، بأن ولدته لستة أشهر فأكثر منذ وطئها، وأقر مرتهن بوطء الراهن لها، وأقر مرتهن بإذنه لراهن

في وطء، وأقر بأن المرهونة ولدت؛ قُبل قوله بلا يمين؛ لأنه ملحق به شرعًا لا بدعواه، وإلا يمكن كونه من راهن، بأن ولدته لدون ستة أشهر من وطئه، وعاش أو أنكر مرتهن الإذن، أو قال: أذنت ولم يطأ، أو أذنت ووطئ، لكنه ليس ولدها بل استعارته، فلا يقبل قول راهن في بطلان رهن الأمة، وعدم لزوم وضع قيمتها مكانها؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه، وبقاء التوثقة حتى تقوم البينة بخلافه، وإن أنكر مرتهن الإذن، وأقر بما سواه، خرجت الأمة من الرهن، وعلى الراهن قيمتها مكانها، وإن وطئ راهن مرهونة بغير إذن مرتهن، ولم تحبل، فعليه أرش بكارة فقط، يجعل رهنًا معها كجناية عليها، وإن أقر راهن بوطء حال عقد، أو قبل لزومه، لم يمنع صحته؛ لأن الأصل عدم الحمل؛ فإن بانت حاملاً منه بما تصير به أم ولد، بطل الرهن، ولا خيار لمرتهن ولو مشروطًا في بيع لدخول بائع عالمًا بأنها قد لا تكون رهنًا، وبعد لزومه وهي حامل، أو ولدت، لا يقبل على مرتهن أنكر الوطء، ويأتي.
ولراهن غَرسُ أرْضٍ رَهْنٌ على دين مؤجل؛ لأن تعطيل منفعتها إلى حلول الدين تضييع للمال، وقد نهي عن إضاعة المال، بخلاف الدين الحال؛ لأنه يجبر على فك الرهن بالوفاء أو بيعه، فلا يعطل نفعها، ويكون الغرس رهنًا معها؛ لأنه من نمائها، سواء نبت

بنفسه أو بفعل الراهن، ولراهن انتفاع برهن مطلقًا بإذن مرتهن.
وله وطء مرهونة بشرط وطئها، أو إذن مرتهن فيه؛ لأن المنع لحقه، وقد أسقطه بإذنه فيه أو الرضا به؛ فإن لم يكن إذن ولا شرط، حرم ذلك.
ولراهن سَقْيُ شجر، وتلقيح نخل، وإنزاء فحل على مرهونة، ومداواة وفصد ونحوه، كتعليم فن صناعة، ودابة سَيْرًا؛ لأنه مصلحة لرهن، وزيادة في حق مرتهن بلا ضرر عليه، فلا يملك المنع منه؛ إن كان فحلاً، فليس لراهنٍ إطراقه بلا إذن؛ لأنه انتفاع به، إلا إذا تضرر بترك الإطراق، فيجوز؛ لأنه كالمداواة له، والرهن مع ذلك بحاله؛ لأنه لم يطرأ عليه مفسد ولا مزيل للزومه، ولا يجوز لراهن ختان مرهون غير ما على دين مؤجل يبرأ جرحه قبل أجل الدين؛ لأنه يزيد به ثمن، ولا يجوز لراهن قطع سلعة خطرة من مرهون؛ لأنه يخشى عليه من قطعها، بخلاف أكلة؛ فإنه يخاف عليه من تركها؛ إن لم تكن السلعة خطرة فله قطعها.
وليس لراهن أن ينتفع بالرهن بلا إذن مرتهن باستخدام ووطء أو سكنى أو غيرها، وتكون منافعه معطلة إن لم يتفقا على نحو إجارته حتى ينفك الرهن، ونماء الرهن المتصل كسمن وتعلم صنعة، والمنفصل ولو صوفًا ولبنًا وَورَق شجرٍ مَقْصُوْدٍ رَهْنٌ؛ لحديث

أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» رواه الشافعي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني، وكَسْبُ الرَّهْنِ رَهْنٌ؛ لأنه حكم يثبت في العين بعقد المالك، فيدخل فيه النماء والمنافع، كالملك بالبيع وغيره؛ ولأن النماء حادث من عين الرهن، فيدخل فيه كالمتصل، ولأنه حق مستقر في الأم، ثبت برضا المالك، فسرى إليه حكم الرهن كالتَّدبير والاستيلاد، وهو من المفردات، قال ناظمها:

وكسب مرهون فكإنماء ... يدخل في الرهن بلا امتراء

وقال الشافعي: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفص، ولا من الكسب؛ لأنه حق تعلق بالأصل يستوفى من ثمنه، فلا يسري إلى غيره كحق جنايته، وقال أبو حنيفة: يتبع النماء لا الكسب؛ لأن الكسب لا يتبع في حكم الكتابة والاستيلاد والتدبير، فلا يتبع في الرهن كإعتاق مال الراهن، وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء؛ لأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة، كولد أم الولد، ومهر الرهن إن كان أمة حيث وجب رهن؛ لأنه تابع له، وأرش الجناية على الرهن رهن؛ لأنه بدل جزئه، فكان نه كقيمته لو أتلف، وإن أسقط مرتهن عن جان على رهن أرشًا، لزمه أو أبرأه منه سقط حق

المرتهن من الأرش، بمعنى أنه لا يكون رهنًا مع أصله دون حق راهن، فلا يسقط؛ لأنه ملكه، وليس لمرتهن تصرف عليه فيه.
ومؤنة الرهن، وأجرة مخزنه إن احتاج إلى مخزن على مالكه، ومؤنة رده من إباقه، أو شروده إن وقعا على مالكه؛ لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» رواه الشافعي والدارقطني، وقال: إسناده حسن متصل، كَكفَنِهِ إن مات، فعلى مالكه؛ لنه تابع لمؤنته؛ فإن تعذر إنفاق عليه، أو أجرة مخزنه، أو رده من إباقه ونحوه من مالكه لعسرته أو غيبته ونحوه، بيع من رهن بقدر حاجته إلى ذلك، أو بيع كله إن خيف استغراقه لثمنه؛ لأنه مصلحة لهما.

من النظم ومختصره فيما يتعلق بتصرف الراهن في الرهن

ولراهن احظر دون إذن تصرفًا ... ونفعًا كتزويج الإماء بأجود وقيل له تزويجها دون بذلها ... لزوج ومنه المهر في الرهن أورد فإن أبيا نفعًا تعطل نفعه ... إلى فكه إلا أن يشاء بأوطد

وألغ بلا إذن سوى عتق راهن ... وقيمته خذ منه رهنًا تؤيد كذلك إن من متلف رهنه ومن ... مولده أنشاه بلا إذن ذي اليد ويقبل في استحقاقه قبل رهنه ... على نفسه إقراره حسب أفرد وإن يهب المرهون أو يرهننه أو ... يقفه بإذن المستحق فأطد وبيعك صحح مع حلول بإذنه ... ليوفيه أو يرهن الثمن انقد كذا الحكم مع إطلاق إذن وقيل لا ... يصير الثمن رهنًا بل الرهن أفسد وعند اختلاف في اشتراط الذي مضى ... من الراهن اقبل لا الغريم بأجود وبيعكه مع شرط تعجيل آجل ... لغا مع بقاء الرهن بل شرطه قد ووجهان في استرهان أثمانه إذا ... وجوز رجوع الإذن قبل التوكد ووجهين فيما قد تصرف راهن ... مع الجهل منه بالرجوع فأسند وكل نماء الرهن رهن وكسبه ... وأرش الذي يجني عليه لينقد وفي الرهن ما في البيع يدخل بيعه ... الأراضي ودور والغراس بأوطد وكلفته جمعًا فمن راهن فخذ ... وأجرة مخزون وتكفين ملحد وإن حل دين والثمار رهينة ... أجب مبتغي قطع وإن تفسد اردد وإطراق فحل والدوا ليس لازمًا ... وليس عليه فعل شيء مزيد ومرتهن الأموال مؤتمن بها ... فلا يضمنن من غير تفريط معتد فإن لم يفرط فهو من مال راهن ... ويقضيه كل الحق إذ حل فاعهد وإن يتو بعض الرهن فالدين ثابت ... على أيسر الباقي وثيق التأكد

كون الرهن بيد مرتهن أو من اتفقا عليه

س80: ما حكم الرهن بيد المرتهن أو من اتفقا عليه؟ ومتى يدخل في ضمان المرتهن؟ وإذا دخل في ضمانه، فهل يبطل الرهن؟ وإذا تلف الرهن فهل يسقط شيء من الدين؟ واذكر ما يماثله من المسائل، وإذا تلف بعض الرهن، أو ادعى تلفه بحادث، أو ادعى راهن تلفه بعد قبض في بيع شرط فيه، وإذا أدى المدين بعض الدين، فهل ينفك مقابله؟ وإذا قضى إنسان بعض دين عليه، أو أسقط عن مدينه بعض دينه، وببعض الدين رهن أو كفيل، فما الحكم؟ وإذا رهن واحد عن اثنين شيئًا أو بالعكس، فوفى أحدهما، أو رهن اثنان عبدًا لهما عند اثنين بألف، فقضاها أحدهما، أو أبي مدين وفاء دين عليه، وقد أذن في بيع الرهن، أو أبى راهن بيعًا، فما حكم ذلك؟

ج: الرهن بيد مرتهن، أو من اتفقا عليه أمانة ولو قيل عقد عليه كبعد وفاء دين، أو إبراء منه؛ لحديث: «أد الأمانة إلى من ائتمنك» ولأنه لو ضمن لامتنع الناس منه خوف ضمانه، فتتعطل المداينات، وفيه ضرر عظيم، ويدخل في ضمان المرتهن أو نائبه بتعد أو تفريط

فيه كسائر الأمانات، ولا يبطل الرهن بدخوله في ضمانه؛ لجمع العقد أمانة واستيثاقًا، فإذا بطل أحدهما بقي الآخر، ولا يسقط بتلف الرهن شيء من حق المرتهن، لثبوته في ذمَّة الراهن قبل التلف، ولم يوجد ما يسقطه، فبقي حاله، وحديث عطاء: أن رجلاً رهن فرسًا، فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، فقال: «ذهب حقك» مرسل، وكان يفتي بخلافه؛ فإن صح، حمل على ذهاب حقه من التوثقة، ومعنى نفق، أي: مات.
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «حجوا قبل أن لا تحجوا، قبل أن لا تنبت شجرة في البادية، ما أكلت منها دابة إلا نفقت» وكدفع عين لغريمه ليبيعها ويستوفي حقه من ثمنها، وكحبس عين مؤجرة بعد فسخ إجارة على الأجرة المعجلة، فتتلف العينان، والعلة الجامعة أنها عين محبوسة بيده بعقد على استيفاء حق له عليه، وإن تلف عليه بعض الرهن، فباقيه رهن بجميع الحق، لتعلق الحق كله بجميع أجزاء الرهن، وإن ادعى مرتهن تلف الرهن بحادث، وقامت بينة بوجود حادث ظاهر ادعى التلف به كنهب وحريق، حلف أنه تلف به وبرئ، وإن لم تقم بينة بما ادعاه من السبب الظاهر، لم يقبل قوله؛ لأن الأصل عدمه، ولا يتعذر إقامة البينة عليه، وإن ادعى تلفه بسبب خفي كسرقة، أو لم يُعيِّن سببًا، حلف وبرئ منه؛ لأنه

أمين، فإن لم يحلف فليس عليه بالنكول، وإن ادعى راهن تلف الرهن بعد قبض في بيع شرط الرهن فيه قبل قول مرتهن: إنه تلف قبله، فلو باع سلعة بثمن مؤجل، وشرط على مشتر رهنًا معينًا بالثمن، ثم تلف الرهن، فقال بائع: تلف قبل أن أقبضه، فلي فسخ البيع، لعدم الوفاء بالشرط، وقال مشتر: تلف بعد التسليم، فلا خيار لك للوفاء بالشرط، فقول مرتهن وهو البائع؛ لأن الأصل عدم القبض.
ولا ينفك بعض الرهن حتى يقضي الدين كله، لتعلق حق الوثيقة بجميع الرهن، فيصير محبوسًا بكل جزء منه، ولو مما ينقسم إجبارًا، أو قضى أحد الوراثين حصته من دين مورثه، فلا يملك أخذ حصته من الرهن.
ومَن قضى بعض دين عليه، أو أسقط عن مدينه بعض دين عليه، وببعض الدين المذكور رهن أو كفيل، وقع قضاء البعض أو إسقاطه عما نواه قَاضٍ ومُسقط؛ لأن تعيينه له، فينصرف إليه؛ فإن نواه عما عليه الرهن، أو به الكفيل وهو بقدره، انفك الرهن وبرئ الكفيل، ويقبل قوله في نيته؛ لأنها لا تعلم إلا من جهته فإن أطلق قاضٍ ومُسقط نيةَ القضاء والإسقاط بأن لم ينو شيئًا، صرف البعض بعده لما شاء، لملكه ذلك في الابتداء، فملكه بعد كمن أدى قدر زكاة أحد ماليه الحاضر والغائب، فله صرفها إلى أيهما شاء.
وإن رهن ما يصح رهنه من عبد أغيره عند اثنين بدين لهما، فوفى راهن أحدهما دينه،

انفك نصيبه من الرهن؛ لأنه عقد واحد مع اثنين بمنزلة عقدين، أشبه ما لو رن كل واحد النصف منفردًا؛ فإن كان الرهن لا تنقصه القسمة، كمكيل، فلراهن مقاسمة من لم يوف، وأخذ نصيب من وفاه، وإلا لم تجب قسمته، لضرر المرتهن، ويبقى بيده نصفه رهن، ونصفه وديعة، وإن رهن اثنان واحدًا شيئًا، فوفاه أحدهما ما عليه، انفك الرهن في نصيب الموفي لما عليه، لما تقدم؛ ولأن الرهن لا يتعلق بملك الغير إلا بإذنه ولم يوجد، وإن رهن اثنان عبدًا لهما عند اثنين بألف، فهذه أربعة عقود، وكل ربع من العبد رهن بمائتين وخمسين، فمتى قضاها أحدهما انفك من الرهن ذلك القدر، ومن أبى وفاء دين عليه، وقد أذن في بيع رهن، ولم يرجع عن إذنه، باع الرهن مأذون له في بيعه من مرتهن أو غيره بإذنه، ووفى مرتهن دينه من ثمنه؛ لأنه وكيل ربه.
وإن لم يكن أذن في بيعه، أو كان أذن ثم رجع، لم يبع، ورفع الأمر إلى الحاكم، فأجبر راهنًا على بيع رهن ليوفي من ثمنه.
وقال في «المغني» : وقياس المذهب أنه متى عزله عن البيع، فللمرتهن فسخ البيع الذي جعل الرهن في ثمنه، كما لو امتنع الراهن من تسليم الرهن المشروط في البيع.
انتهى.
أو أجبره على وفاء الدين من غير الرهن؛ لأنه قد يكون له غرض فيه، والمقصود الوفاء، فإن أبى راهن بيعًا حبس أو غزز، بأن يحبسه الحاكم أو

يعزره حتى يفعل ما أمر به؛ فإن أصر على امتناع من كل منهما، باع الرهن حاكم بنفسه أو أمينه، لتعينه طريقًا لأداء الواجب، ووفى حاكم الدين لقيامه مقام الممتنع، ولو غاب راهن، باع حاكم الرهن ولا يبيعه مرتهن إلا بإذن ربه والحاكم.
قال الشيخ تقي الدين: فلو لم يمكن بيع رهن إلا بخروج ربه من الحبس، أو كان في بيعه ضررًا عليه إذا كان محبوسًا، وجب إخراجه من الحبس ليبيعه، ويوفي ما عليه، أو يمشي معه هو أو وكيله إن خيف هربه دفعًا للضرر.
«إقناع وشرحه» .

جعل الرهن بيد عدل وإذا تغير حال من جعل الرهن بيده

س81: ما حكم جعل الرهن بيد عدل أو أكثر من واحد؟ وإذا تغير حال من جعل الرهن بيده، فهل ينقل عنه؟ فإن قلت: نعم، فما صفة نقله؟ وماذا يعمل معهما إذا امتنعا أو تغيبا، أو لم يوجد حاكم؟ ووضح ما يتفرع عن ذلك من المسائل وأحكامها، وهل للعدل أن يرده إلى أحدهما؟ فإن قلت: لا وفعل، فما الحكم؟ وإذا غصبه مرتهن من العدل، أو سافر فيه، ثم رد، فما الحكم فيما قبل الرد وما بعده؟ وإذا اختلفا في تغير حال العدل أو المرتهن، أو أذن

الراهن أو المرتهن في بيع الرهن، أو عين نقد أو لم يعين أو تلف عند عدل، واذكر التمثيل والتفصيل، والدليل والتعليل.
ج: ويصح جَعْلُ رَهْنٍ بِيَدِ عَدْلٍ جائز التصرف من مسلم، أو كافر عدل، أو فاسق ذكر أو أنثى؛ لأنه توكيل في قبض في عقد، فجاز كغيره، فإذا قبضه قام مقام قبض مرتهن، بخلاف صبي وعبد بلا إذن سيده، ومكاتب بلا جعل، وإن شرط جعل رهن بيد أكثر من عدل، كاثنين أو ثلاثة، جاز، فيجعل في مخزن عليه لكل منهما قفل، ولم ينفرد واحد منهم بحفظه؛ لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظ العدد المشترط، كالإيصاء لعدد وتوكيله، ولا ينقل رهن عن يد من شرط كونه بيده مع بقاء حاله، أي: أمانته إلا باتفاق راهن ومرتهن؛ لأن لحق لا يعدوهما، وللمشروط جعله تحت يده رده على راهن ومرتهن لتطوعه بالحفظ، وعليهما قبوله منه؛ فإن امتنعا أجبر؛ فإن تغيبا نصب حاكم أمينًا يقبضه لهما، لولايته على ممتنع من حقه عليه؛ فإن لم يجد العدل حاكمًا، تركه عند عدل آخر، لم يضمن.
وإن لم يمتنعا، ودفعه عدل أو حاكم إلى آخر، ضمنه دافع وقابض آخر، وإن غاب متراهنان، وأراد المشروط جعله عنده، رده؛ فإن كان له عذر كسفر ومرض، دفعه إلى حاكم فيقبضه منه، أو ينصب له عدلاً؛ فإن لم يجد حاكمًا أودعه ثقة.
وإن لم يكن له عذر، وغيبتهم مسافة قصر، قبضه

حاكم؛ فإن لم يجده، دفعه إلى عدل.
وإن غابا عن المسافة، فكحاضرين، وإن غاب أحدهما، فكما لو غابا، ولا يملك العدل رده إلى أحدهما بغير إذن الآخر، سواء امتنع أو سكت؛ لأنه تضييع لحظ الآخر؛ فإن فعل بأن رده إلى أحدهما بلا إذن الآخر، وفات الرهن على الآخر، ضمن العدل حق الآخر من المتراهنين؛ لأنه فوته عليه، أشبه ما لو أتلفه، وإن لم يفت رده الدافع إلى يد نفسه، ليوصل الحق إلى مستحقه، ويضمن الرهن مرتهن بغصبه من العدل، لتعديه عليه، ويزول الغصب والضمان برده إلى العدل، لنيابة يده عن يد مالكه، كما لو رده لمالكه، ولا يزول حكم ضمانه برد رهن ممن هو بيده من عدل أو مرتهن، فلو سافر أحدهما بالرهن بلا إذن مالكه، صار ضامنًا له؛ فإن عاد من سفره لم يزل ضمانه بمجرد عوده، ولا بزوال تعديه على الرهن، كما لو لبِس المرهون لا لمصلحته، ثم خلعه لزوال استئمانه، فلم يعد يفعله مع بقائه بيده؛ فإن رده لمالكه ثم عاد له، زال الضمان، وعلم منه أنه ليس له السفر برهن، بخلاف وديعة، لما يتعلق ببلد الرهن من البيع بنقده، وبيعه فيه لوفاء الدين ونحوهما، وإن حدث لمن شرط جعل الرهن عنده فسق، أو ضعف عن حفظ، أو تعادى العدل مع أحد المتراهنين، أو مات العدل، أو مات مرتهن عنده الرهن، ولم يرض راض بكون الرهن بيد

ورثة، أو بيد وصي له، أو حدث للمرتهن فسق ونحوه والرهن بيده، جعله حاكم بيد أمين، لما فيه من حفظ حقوقهما، وقطع نزاعهما، ما لم يتفقا على وضعه بيد آخر، وإن اختلفا في تغير حال عدل، أو مرتهن بحث حاكم عنه، وعمل بما بان له، وإن أذن الرَّاهنُ والمرتهن للعدل في بيع الرهن، أو أذن راهن لمرتهن في بيع رهن، وعين لعدل أو مرتهن نقد، تعين، فلا يصح بيعه بغيره، وإلا يعين له نقد، بيع رَهْنٌ بنقد البلد إن لم يكن إلا نقدًا واحدًا؛ لأنه الحظ له لرواجه؛ فإن تعدد نقد البلد فبالأغلب رواجًا، لما سبق؛ فإن لم يكن فيه أغلب، فإنه يباع بجنس الدين؛ لأنه أقرب إلى وفاء الحق؛ فإن لم يكن فيه جنس الدين، فإنه يباع بما يراه مأذون له في بيع أصْلَح؛ لأن الغرض تحصيل الحظ؛ فإن تردد رأيه أو اختلف راهن ومرتهن على عدل في تعيين نَقْدٍ، عيَّن النقد حاكم؛ لأنه أعرف بالأحظ، وأبعد عن التُّهْمَة، وتلف ثمن رهن بيد عدل بلا تفريط، من ضمان راهن؛ لأنه وكيله في البيع، والثمن ملكه وهو أمين في قبضه، فيضيع على موكله، كسائر الأمناء، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يكون من ضمان المرتهن؛ لأن البيع لأجله، وإن أنكر راهنه ومرتهن قبض عدل ثمنًا، وادعاه، فقوله؛ لأنه أمين.

إذا استحق رهن بيع

س82: إذا استحق رهن بيع، فعلى من يرجع مشتر؟ وما الحكم إذا قضى عدل بثمن رهن مرتهنًا دينه في غيبة راهن فأنكر مرتهن القضاء؟ ومن الذي يحلف؟ ومن الذي يرجع عليه؟ وهل يصدق العدل على الراهن والمرتهن؟ وما حكم شرط ما يقتضيه العقد، وما مثاله؟ وإذا عزل الراهن العدل أو المرتهن اللذين أذن في بيع الرهن، أو مات الراهن، فهل ينعزلان؟ وما حكم شرط ما لا يقتضيه عقد الرهن، أو ما ينافيه، أو أن لا يقبضه، أو أن لا يبيعه عند حلول دين، أو كونه من ضمان مرتهن؟ وهل يفسد العقد بفساد الشرط؟ مثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، وفصل لما يحتاج إلى تفصيل، واذكر الدليل والتعليل، والخلاف والترجيح.

ج: إن استحق رهن بيع بأن بان مستحقصا لغير راهن، رجع مشتر أعلمه بائع من عدل أو مرتهن أنه مأذون في بيعه على راهن، ولو كان الثمن بيد العدل؛ لأن المباشر نائب عنه.
وكذا كل من باع مال غيره، وأعلم المشتري بالحال، ولا يرجع على العدل؛ لأنه سله إليه على أنه أمين ليسلمه للمرتهن، وإن كان المرتهن قبض الثمن رجع المشتري عليه به؛ لأنه عين ماله صار إليه بغير حق، وبان للمرتهن فساد الرهن، فله فسخ بيع شرط فيه، وإن رده مشتر بعيب، لم يرجع على مرتهن؛ لأنه قبضه بحق، ولا على عدل؛ لأنه أمين، فيتعين راهن،

وإلا يعلم عدل أو مرتهن مشتريًا أنه وكيل، فعلى بائع يرجع مشتر؛ لأنه غره، ويرجع بائع على راهن إن أقر، أو قامت بينة بذلك.
وإن تلف رهن بيع بيد مشتر، ثم بان مستحقًا قبل دفع ثمنهن فلربه تضمين من شاء من غاصب وعدل ومشتر.
وفي «المغني» : والمرتهن يعني إن كان حصل بيده، وإلا فلا وجه لتضمينه، وقرار ضمانه على مشتر، لتلفه بيده، ودخوله على ضمانه، وإن قضى عدل بثمن رهن مرتهنًا دينه في غيبة راهن، فأنكر مرتهن القضاء، ولا بينة به للعدل، ضمن لتفريطه بعدم الإشهاد، وإن لم يأمره به مدين؛ فإن حضر راهن القضاء، لم يضمن العدل، وكذا إن شهد العدل ولو غاب شهوده أو ماتوا إن صدقه راهن، ولا يصدق العدل على الراهن والمرتهن؛ أما الراهن، فلأنه إنما أذن في القضاء على وجه يبرأ به، وهو لم يبرأ بهذا؛ وأما المرتهن، فلأنه وكيله في الحفظ فقط، فلا يصدق عليه فيما ليس بوكيله فيه، فيحلف مرتهن أنه ما استوفى دينه، ويرجع بدينه على من شاء من عدل وراهن؛ فإن رجع على العدل، لم يرجع العدل على أحد، لدعواه ظلم مرتهن له، وأخذ المال منه ثانيًا بغير حق.
وإن رجع مرتهن على راهن، رجع الراهن على العدل، لتفريطه بترك الإشهاد، كما لو تلف الرهن بتفريطه، وكذا وكيل في قضاء دين إذا قضاه في غيبة موكل ولم يشهد فيضمن لما تقدم.
ويصح شرط كل ما يقتضيه

العقد فيه، كشرط بيع مرتهن لرهن، وكشرط بيع عدل لرهن عند حلول بيع، وكشرط جعله بيد معين فأكثر.
وينعزل المرتهن والعدل المأذون لهما في بيع الرهن بعزل راهن لهما، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينعزل؛ لأن وكالته صارت من حقوق الرهن، فلم يكن للراهن إسقاطه كسائر حقوقه، وقال ابن أبي موسى: ويتوجه لنا مثل ذلك؛ فإن أحمد قد منع الحيلة في غير موضع من كتبه، وهذا يفتح باب الحيلة للراهن.
وهذا القول قوي جدًا فيما أرى، والله أعلم.
وبموته وحجر عليه لسفه، وإن لم يعلما كسائر الولايات والوكالات، فلا يملكان البيع.
ولا يصح شرط ما لا يقتضيه عقد الرهن، ككون منافع الرهن لمرتهن؛ لأنه ملك الراهن، فلا تكون منافعه لغيره.
أو إن جاءه بحقه في محله، وإلا فالرهن له، أو إن لم يأته في محله، فالرهن مبيع له بالدين الذي له عليه، أو شرط ما ينافي مقتضى عقد الرهن، كتوقيته بأن قال: هو رهن لسنة مثلاً، وكونه يومًا رهنًا ويومًا لا يكون رهنًا، أو شرط أن لا يباع إلا بثمن يرضاه راهن، أو بشرط الخيار له، أي: الراهن، أو شرط كون رهنه بيده، أي: الراهن، أو شرط أنه غير لازم في حقه، أي: الراهن، أو لا يباع عند حلول الحق، أو

لا يباع ما خيف تلفه مما يسرع إليه الفساد، أو شرط كونه من ضمان مرتهن، أو من ضمان عدل، أو شرط الراهن أن لا يستوفي الدين من ثمنه، فلا يصح في هذه الصور كلها، لمنافاته الرهن، ولا يفسد عقد الرهن بذلك، بل يفسد الشرط فقط؛ لحديث: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» رواه الشافعي والدراقطني، وقال: إسناده حسن متصل، ورواه الأثرم بنحوه.
قال الإمام: لا يدفع رهنًا إلى رجل، ويقول: إن جئتك بالدرهم إلى كذا، وإلا فالرهن لك.
ووجه الدلالة منه أنه - صلى الله عليه وسلم - نفى غلق الرهن دون أصله، فدل على صحته، وقيس عليه سائر الشروط الفاسدة؛ لكن إن كان الرهن مجهولاً، أو كان محرمًا ونحوه، كالمعدوم، وسائر ما لا يصح بيعه مما لا يقدر على تسليمه ونحوه، فباطل، لعدم حصول المقصود منه.
اختلاف الراهن والمرتهن في صفة الرهن

س83: تكلم بوضوح عن اختلاف الراهن والمرتهن في صفة الرهن وقدره، وعما إذا قال: قبضت الرهن بإذنك، فقال: بغير إذني، أو قال: هو رهن بالمؤجل، وقال المرتهن: بالحال، أو قال من بيده رهن لربه: أرسلت زيدًا ليرهنه بعشرين، وقبضها زيد وصدقه، أو أقر بعد لزومه بوطء، أو أقر راهن أن الرهن جني، أو أنه كان غصبه، واذكر الدليل

والتعليل والتفصيل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل.
ج: إذا اختلف الراهن والمرتهن في أن الرهن عصير أو خمر في عقد شرط فيه رهنه، وصورته أن يبيعه بثمن مؤجل، ويشترط أن يرهنه به هذا العصير وقبضه، ثم علمه خمرًا، فقال مشتر: أقبضتك عصيرًا وتخمر عندك، فلا فسخ لك، لأني وفيت بالشرط، وقال بائع: كان تخمر قبل قبضي، فلي انفسخ للشرط، فقول راهن؛ لأن الأصل السلامة.
أو اختلفا في رد رهن، بأن ادعاه مرتهن، وأنكره راهن، فقوله؛ لأن الأصل عدمه، والمرتهن قبض الرهن لمنفعته، فلم يقبل قوله في الرد، كمستعير ومستأجر.
أو اختلفا في عين الرهن، بأن قال: رهنتك هذا العبد، فقال: بل هذه الجارية، فقول راهن بيمينه أنه ما رهنه هذه الجارية، وخرج العبد أيضًا من الرهن، لاعتراف المرتهن بأنه لم يرهنه، أو اختلفا في قدره، بأن قال: رهنتك هذا العبد، فقال مرتهن: بل هو وهذا الآخر، فقول راهن بيمينه؛ لأنه منكر، أو اختلفا في قدر دين به، بأن يقول راهن: رهنتك بألف، فقال مرتهن: بل بألفين، فقول راهن بيمينه؛ لأن الراهن منكر للزيادة التي يدعيها المرتهن، والقول قول المنكر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه مسلم.
وبه قال النخعي والثوري والشافعي

وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وحكي عن الحسن وقتادة أن القول قول المرتهن، ما لم يجاوز ثمن الرهن أو قيمته ونحوه، وهو قول مالك، واختاره الشيخ تقي الدين –رحمه الله-؛ لأن الظاهر أن الرهن يكون بقدر الحق، سواء اتفقا على أن الدين ألفان، أو اختلفا في صفة دي بالرهن، كرهنتك بنصف الدين، أو رهنتك بالمؤجل منه، فقول راهن بيمينه؛ لأنه منكر لرهنه بالزائد، أو اختلفا في قبض الرهن، وليس بيد مرتهن عند الاختلاف، وصورة الاختلاف أن يقول الراهن: قبضته بغير إذني، وقال المرتهن: بل بإذنك، فقول الراهن بيمينه؛ لأن الأصل عدمه.
وإن كان بيد مرتهن، فقوله بيمينه؛ لأن الظاهر معه، ولو كان الدين ألفين، أحدهما حال، والآخر مؤجل، وقال الراهن: هو رهن بالمؤجل، وقال المرتهن: بل بالحال، فقول راهن؛ لأنه يقبل قوله في أصل الرهن، فكذا في صفته، وإن قال: رهنتك ما بيدك بألف، فقال ذو اليد: بل بعتنيه بها، أو قال: بعتكه بها، فقال: بل رهنتيه، حلف كل على نفي ما ادعاه عليه، وأخذ راهن رهنه، وبقي الألف بلا رهن.
وإن قال من بيده رهن لربه: أرسلت زيدًا ليرهنه بعشرين، وقبضها زيد، وصدق المرتهن زيدٌ أنه قبض منه العشرين، وأنه سلمها لرب الرهن، قبل قول الراهن الذي أرسل زيدًا بيمينه أنه لم يرسل زيدًا

ليرهنه إلا بعشرة، ولم يقبض سواها، فإذا حلف برئ من العشرة، ويغرمها الرسول للمرتهن، وإن صدق زيدٌ راهنًا، حلف زيد أنه ما رهنه إلا بعشرة، ولا قبض إلا عشرة، ولا يمين على راهن؛ لأن الدعوى على غيره، فإذا حلف زيد برئا معًا، وإن نكل غرم العشرة المختلف فيها، ولا يرجع بها على أحد، وإن عدم الرسول، حلف راهن أنه ما أذن في رهنه إلا بعشرة، ولا قبض أكثر منها، ويبقى الرهن بها، وإن أقر راهن بعد لزوم الرهن بوطء مرهونة قبل رهنها حتى يترتب عليها أنها صار أم ولد إن كانت حاملاً، قبل على نفسه؛ لأنه لا عذر، كما لو أقر بدين، ولا يقبل إقراره بذلك على مرتهن أنكره؛ لأنه متهم ي حق مرتهن، وإقرار الإنسان على غيره غير مقبول، ثم إن أنكر ولي الجناية أيضًا لم يلتفت إلى قول راهن، وإن صدقه لزمه أرشها إن كان موسرًا، لحيلولته بين المجني عليه والجاني يرهنه، كما لو قتله، وإن كان معسرًا تعلق برقبة الجاني إذا انفك الرهن.
وكذا يأخذ مشتر ومغصوب منه الرهن إذا انفك، لزوال المعارض، وعلى مرتهن اليمين أنه لا يعلم ذلك؛ فإن نكل قضى عليه ببطلان الرهن، وسلم المقر له به.

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل