كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد العزيز السلمان
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- الكتاب
- الأسئلة والأجوبة الفقهية
- المؤلف
- أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
- عدد الأجزاء
- 6 أجزاء
- الكتاب
- ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث
أنس - رضي الله عنه -: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع العنب حتى يطيب» متفق عليه.
والصلاح فيما يظهر فما بعد فم، كقثاء أن يؤكل عادة كالثمر، والصلاح في حب أن يشتد أو يبيض؛ لأنه –عليه السلام-
جعل اشتداده غاية لصحة بيعه، كبدو صلاح ثمر، ويشمل بيع دابة لجامًا ومقودًا ونعلاً، لتبعيته لها عرفًا، ويشمل بيع قن ذكرٍ أو أنثى لباسًا معتادًا عليه؛ لأنه مما يتعلق به حاجدة البيع أو مصلحته، وجرت العادة ببيعه معه، ولا يأخذ مشتر ما لجمال من لباس وحلي؛ لأنه زيادة على العادة، ولا يتعلق به حاجة المبيع، ولا يشمل البيع مالاً مع الرقيق أو بعض ما لجمال وبعض المال، إلا أن يشترط المشتري ذلك أو بعضه في العقد؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: «من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» رواه مسلم.
ثم إن قصد ما اشترط، ولا يتناوله بيع لولا الشرط بأن لم يرد تركه للقن اشترط له شروط البيع من العلم به، وأن لا يشارك الثمن في علته ربا الفضل ونحوه، كما يعتبر ذلك في المعينين المبيعين؛ لأنه مبيع مقصود أشبه ما لو ضم إلى القن عينًا أخرى وباعهما، وإلا يقصد مال القن أو ثياب جماله، أو حليه، فلا يشترط له شروط البيع لدخوله تبعًا غير مقصود، أشبه أساسات الحيطان، وتمويه سقف بذهب.
وللمبتاع الفسخ بعيب مال الرقيق المقصود، كما أن له الفسخ بعيب يجده في الرقيق، وإن رد
الرقيق بإقالة أو خيار شرط أو خيار عيب، أو غبن أو تدليس رد ماله معه؛ لأن عين مال أخذه المشتري به فيرده بالفسخ كالعبد، ورد بدل ما تلف من المال عنده، كما لو تعيب عنده، ثم رده، ولا يفرق بين العبد المبيع ببيعه، بل النكاح باق مع البيع، لعدم ما يوجب التفريق.
من النظم فيما يتعلق ببيع الثمار قبل بدو صلاحها
وبيع ثمار قبل بدو صلاحها ... بلا شرط قطع ألغ لكن به طد كذا الزرع من قبل اشتداد حبوبه ... إذا كان في المقطوع نفع لقصد كذا بيع باذنجانهم وخياره ... وشبههما من مثمر متجدد فلا تشر إلا لقطة بعد لقطة ... وفي رطبة في كل جزةٍ ابتدي وبيعكه مع أصله جائز كذا ... شرا مالك الأصل الثمار بمبعد كذلك في بيع القصيل وأرضه ... من الحكم والتفصيل ما قد مضى امهد ومحتمل وجهين قبل حصادها ... على بائع بل من شراها ليحصد وإن حدثت فوق الثمار لمشتر ... ثمار فتصحيح المبيع ليشهد فإن ميزا قدر النصيبين شوركا ... وإلا إلى الصلح انفصالهما عد فإن كان يدري بائع بحدوثها ... فباع فعقد البيع يا صاح أفسد
وإن تشتريها قبل بدو صلاحها ... لقطع فتترحها ولو لم تعمد إلى أن بدا فالبيع أبطل بأوكد ... وللبائع احكم واقض بالمتزيد وذا قدرها ما بين بيع وأخذها ... وقد قل ما بين الشرا والتنضد وإن تمض بيعًا فهي بينهما معًا ... وقيل لمبتاع وعنه بها جد وبذلهما ندب فإن أبيا يكن ... مشاركة حتى تراضيهما ارصد كذا الحكم في الرطب العرايا حبسته ... إلى حين إتمار فقيد وقلد وما تشتري من بعد بدو صلاحه ... يجز تركه حتى الجذاذ ويمهد ويلزم من قد باعه سقيه وإن ... تضرر أصل عند حاجته قد وإن نبت المقصول أو حب حاصل ... فذاك لرب الأرض في نص أحمد وبالصفرة النخل اعتبر أو بحمرة ... وفي العنب التمويه إن تره اعقد وفي غير هذين اعتبره بنضجه ... كتين وكمثرى وطيبة مزود وللمشتري بعد الصلاح وقيل إن ... يحد يجوز البيع في المتأكد بدو صلاح الجنس من نوع حائط ... صلاح لكل النوع في المتأطد وليس صلاح الجنس شرطًا لغيره ... ولا حائط شرط لآخر مفرد وفي بصل فامنع وفي جزر وما ... يضايهما في الأرض بيعا وصدد ومن يشر أثمارًا فتمحق بآفة ... سماوية من قبل قطع معود فللمشتري الرجعى على من يبيعها ... إذا لم تجاوز وقت قطع محدد
ولو قل في الأولى ويضبط عادة ... ومع أصله إن بيع لم يضمن اشهد وعن أحمد لا يضمن دون ثلثه ... بتقويمه بل قيل بالقدر حدد وإن تشر عبدًا باشتراط لماله ... مع الجهل إن يملك فصحح تسدد وعينًا ودينًا مع أقل وأزيد ولو كان من جنس الذي ابتعته به ... خلا إن يريد العبد لا غير فاعقد وإن قلت لم يملك فكالبيع شرطه ... لبائعه غير اللباس المعود وذاك على القولين من غير شرطه
باب السلم والتصرف في الدين وما يتعلق به
س59: ما هو السلم؟ ولِمَ سمي سلمًا وسلفًا؟ وبِمَ ينعقد؟ وما سنده؟ وكم شروطه؟
ج: السلم والسلف واحد في قول أهل اللغة، إلا أن السلف يكون قرضًا؛ لكن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق.
وسمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقديمه.
وحدّه في الشرع: عقد على موضوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد.
وهو جائز بالكتاب والسُّنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] .
وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: أشهد
أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه، أذن فيه، ثم قرأ هذه الآية؛ ولأن هذا اللفظ يصلح للسلم، ويشمله بعمومه.
وأما السُّنة: فروى ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قدم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» متفق عليه., وروى البخاري عن محمد بن أبي المجالد، قال: أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب، فقلت: أكان لهم زرع، أم لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز؛ ولان المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن؛ ولأن الناس في حاجة إليه؛
لأن أرباب الزرع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم، ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص.
ويصح السلم بلفظه، كأسلمتك هذا الدينار في كذا من القمح، ويصح بلفظ سلف، كأسلفتك كذا في كذا؛ لأنهم حقيقة فيه لأنهما للبيع الذي عجل ثمنه، وأجل مثمنه، ويصح بلفظ بيع، وكل ما ينعقد به البيع، والسلم نوع من البيع؛ لأنه بيع إلى أجل، فشمله اسمه.
ويصح بشروط سبعة زائدة على شروط البيع، فتكون أربعة عشر شرطًا.
س60: تكلم بوضوح عن الشرط الأول من شروط السلم، وما الأوصاف التي لابد منها، وبم يضبط الحيوان؟ وما الحكم فيما إذا أسلم في مكيل أو نحوه، أو في أمة أو في فواكه، أو بقول، أو جلود ونحوها، أو في أواني، أو فيما لا ينضبط أو يجمع أخلاطًا، أو ما فيه لمصلحته، أو في أثمان أو في فلوس أو عرض، أو في قسي، أو في ترس، أو في معين؟ واذكر ما لذلك من تتمة؟ واذكر ما لذلك من دليل أو تعليل أو تفصيل أو خلاف.
ج: الأول: كون مُسْلَمٍ فيه مما يمكن انضباط صفاته؛ أن ما لا
تنضبط يختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة المطلوب عدمها شرعًا.
وقال الوزير: اتفقوا على أن السلم جائز في المكيلات، والموزونات، والمزروعات التي يضبطها الوصف.
وقال الموفق وغيره: المتفق عليه ثلاثة أوصاف: الجنس، والنوع، والرداءة، وأن هذه لابد منها في كل مسلم بلا خلاف، ويضبط الحيوان بتسعة أوصاف: الجنس،
والنوع، والرداءة، والسن، واللون، والقدر، والهزال، والسمن، والجودة.
وذلك الذي يمكن انضباط صفاته، كمكيل من حبوب، وأدهان، وألبان، وموزون من ذهب وفضة وحديد ونحاس ورصاص وقطن وكتان وصوف وإبريسم وشهد ونحوها، ولو كان الموزون شحمًا نيئًا.
قيل لأحمد: إنه يختلف، قال: كل سلف يختلف، ولحمًا ولو مع عظمه؛ لأنه كالنوى في التمر إن عين محل يقطع منه، كظهر وفخذ وجنب، ويعتبر إذا أسلم في لحم أن يقول: لحم ذكر أو أنثى، مع بيان نوع كبقر أو جواميس أو ضأن أو معز، وبيان صفة من سمن وهزال وخصي وغيره، رضيع أو فطيم معلوف أو راع من الكلأ؛ لأن الثمن يختلف بهذه الأشياء، فاعتبر بيانها.
وإن كان لحم صيد لم يحتج في الوصف لذكر علف وخصاء وذكورية وأنوثية؛ لكن يذكر الآلة أحبولة أو كلبًا أو غيره من الجوارح، والشبكة والفخ؛ لأن الأحبولة يؤخذ فيها الصيد
سليمًا، ونكهة الكلب أطيب من نكهة الفهد.
ويلزم المسلم إذا أسلم في لحم وأطلق قبول لحم بعظم؛ لأن اتصاله بالعظم اتصال خلقة كنوى بتمر، ولا يلزم قبول رأس وساقين؛ لأنه لا لحم بها؛ فإن أسلم في لحم طير لم يحتج في وصفه لذكر ذكورة وأنوثة، إلا أن يختلف اللحم بذلك، كلحم دجاج فيحتاج إلى البيان،
ولا يحتاج أيضًا في السلم في الطير، لذكر موضع قطع، إلا أن يكون الطير كبيرًا يأخذ منه بعضه، كخمسة أرطال من لحم نعام، فيبين موضع القطع، لاختلاف العظم، ويذكر في سمك إذا أسلم فيه النوع والنهر، ويذكر نحو سمن وهزال، وصغر وطري وملح، ولا يقبل رأس وذنب، بل يلزم المسلم أن يقبل ما بين الذنب والرأس بعظامه.
ولا يصح السلم في اللحم المطبوخ والشواء على الصحيح من المذهب، وهو مذهب الشافعي؛ لأن ذلك يتفاوت كثيرًا وعادات الناس فيه مختلفة، فلم يمكن ضبطه، وقيل: يصح، لما ذكر في الخبز واللبأ، قدمه ابن رزين.
ويصح السلم في مزروع وثياب وخيوط، وفي معدود من حيوان.
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وعن عبد الله ابن عمر قال: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أبعث جيشًا على إبل كانت عندي، قال: فحملت الناس حتى نفدت الإبل، وبقيت بقية من الناس، قال: فقلت: يا رسول الله، الإبل نفدت، وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم، فقال: «ابتع علينا إبلاً بقلائص الصدقة إلى محلها» .
قال: فكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص إلى إبل الصدقة» رواه أحمد وأبو داود والدارقطني.
وروي عن أبي رافع قال: «استسلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بَكْرًا فجاءتْه إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكرة» . وعن علي: «أنه باع جملاً له يُدْعَى عصيفيرًا بعشرين بعيرًا إلى أجل معلوم» رواه مالك والشافعي.
قال ابن المنذر: وممن روينا عنه ذلك ان مسعود وابن عباس وابن عمر؛ ولأن يثبت في الذمة صداقًا، فصح السلم فيه كالنيات، وعنه: لا يصح؛ لأن الحيوان لا يمكن ضبطه؛ لأنه يختلف اختلافًا متباينًا مع ذكر أوصافه الظاهرة، فربما تساوى العبدان وأحدهما يساوي أمثال صاحبه، وإن استقصى صفاته كلها تعذر تسليمه، قاله في «الكافي» . وقال ابن عمر: إن من الربا أبوابًا لا تخفى، وإن منها السلم في السن.
رواه الجوزجاني.
ومن قال بالرواية الأولى حمل حديث ابن عمر على أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان.
قال الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان؛ لأنهم
اشترطوا نتاج فحل بني فلان فحلٍ معلوم.
رواه سعيد.
ولو كان آدميًا كعبد صفته كذا.
ولا يصح السلم في أمة وولدها أو أختها أو عمتها أو نحوه، لندرة جمعهما الصفة، ولا يصح اشتراط كون حيوان مسلم فيه حاملاً؛ لأن الحمل مجهول غير محقق، فلا تأتي الصفة عليه، أو كونه لبونًا؛ لأنه كالحمل، ولا يصح في معدود فواكه كرمان وسفرجل وخوخ ونحوها، لاختلافها صغرًا وكبرًا، بل يصح في المكيل منها، كرطب وفي الموزون كعنب كسائر الموزونات، ولا يصح السلم في بقول؛ لأنها تختلف ولا يمكن تقديرها بالحزم، ولا في جلود لأنها تختلف، ولا يمكن ذرعها لاختلاف أطرافها، ولا في رؤوس وأكارع؛ لأن أكثر ذلك العظام والمشافر، واللحم فيها قليل، وليست موزونة على المذهب.
وعنه: يصح السلم في الجلود والرؤوس والأكارع.
اختاره ابن عبدوس في «تذكرته» . قال الناظم: وهو أولى، وصححه في «تصحيح المحرر» ، وهذا مذهب مالك والثوري، ولا يصح في بيض لاختلافه كبرًا وصغرًا، ولا في رمان ونحو هذه المذكورات من المعدودات المختلفة، ولا يصح السلم في أوان مختلفة رؤوس وأوساط، كقماقم وأصطال ضيقة رؤوس لاختلافها.
وقال في «الإقناع» ، وقيل: يصح حيث أمكن ضبطها؛ فإن لم تختلف رؤوسها وأساطها،
صح السلم فيها، ولا فيما لا ينضبط، كجوهر ولؤلؤ ومرجان وعقيق ونحوها، لاختلافها اختلافًا كثيرًا صغرًا وكبرًا، وحسن تدوير وزيادة ضوء وصفاء.
ولا يمكن تقديرها ببيض عصفور ونحوه؛ لأنه يختلف، ولا في مغشوش؛ لأن غشه يمنع العلم بالمقصود منه، ولما فيه من الغررو، ففي حديث أبي هريرة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر» روه مسلم، وأهل السنن.
ولا فيما يجمع أخلاطًا
مقصودة غير متميزة كمعاجين مباحة، ولا في ندٍ وغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن، لعدم ضبطها في الصفة، ولا في قسي مشتملة على الخشب والقصب والعرى ولا في ترس لعدم انضباط مقداره.
ويصح السلم فيما فيه لملحته شيء غير مقصود، كجبن فيه أنفحة، وكخبز فيه ملح أو ماء، وكخل تمر وزيبي فيه ماء، وكسكنجبين فيه خل، وكشيرج فيه ملح؛ لأن الخلط يسير غير مقصود بالمعاوضة لمصلحة المخلوط، فلم يؤثر.
ويصح فيما يجمع أخلاطًا متميزة كثوب نسج من نوعين كقطن وكتان أو إبريسم وقطن، وكنشاب ونيل مريشين، وخفاف، ورماح متوزة، أي مصنوعة ونحوها، لإمكان ضبطها بصفة لا يختلف ثمنها معها غالبًا، يصح السلم في عين من عقار وشجر نابت وغيرهما؛ لأن المعين يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة
إلى السلم فيه؛ ولأنه ربما تلف قبل أوان تسليمه، فلم يصح كما لو شرط مكيالاً بعينه غير معلوم.
ويصح السلم في أثمان خالصة؛ لأنها تثبت في الذمة ثمنًا، فتثبت سلمًا كعروض، ويكون رأس المال غير الأثمان كثوب وفرس، لئلا يفضي إلى ربا النسيئة، ويصح في فلوس ولو نافقة وزنًا وعددًا على الصحيح من المذهب، ويكون رأس مال الفلوس عرضًا.
ويصح في عرض بعرض، كتمر في فرس، وحمار في حمار، ولا يصح السلم
إن جرى بين المسلم فيه ورأس ماله ربا، في إسلام عرض في فلوس، وعرض في عرض، فلو أسلم في فلوس وزينة نحاسًا أو حديدًا أو في تمر برًا أو نحوه، لم يصح؛ لأنه يؤدي إلى بيع موزون بموزون، أو مكيل بمكيل نسيئة، ومن جيء له بعين ما أسلمه عند محله، كمن أسلم عبدًا صغيرًا في عبد كبير إلى عشر سنين، فجاءه بعين العيد عند الحلول، وقد كبر واتصف بصفات السلم، لزم المسلم قبوله؛ لاتصافه بصفات المسلم فيه، أشبه ما لو جاء بغيره، ولا يلزم عليه اتحاد الثمن والمثمن؛ لأن الثمن في الذمة، وهذا عوض عنه، ومحله ما لم يكن حيلة، كما لو أسلم جارية صغيرة في جارية كبيرة إلى أمد تكبر فيه ووصفها، فلم يأت إلا وهي بصفة مسلم فيه وهي الجارية الكبيرة؛ فإن فعل ذلك حيلة لينتفع بالعين،
أو يستمتع بالجارية، ثم يردها بغير عوض، لم يجز، لما تقدم من تحريم الحيل.
ويصح السلم في السكر والفانيذ والدبس ونحوه مما مسته النار؛ لأن عمل النار فيه معلوم عادة يمكن ضبطه بالنشاف والرطوبة، أشبه المجفف بالشمس، الفانيذ: معرب بانيد، هو ضرب من الحلوى.
س61: تكلم بوضوح عن الشرط الثاني من شروط السلم، وما الذي يختلف ثمن المسلم فيه غالبًا؟ وبم يصف التمر، وإذا شرط في العقد عتيق، أو أسلم في رطب أو دفع إليه مشدخًا، أو ما قارب أن يثمر فما الحكم؟ وما حكم ما يشبهه من الفواكه، والخبز والحنطة والعسل والسمن والزبد واللبن والجبن والحيوان؟ وإلى من يرجع في سن الرقيق؟ وما حكم استقصاء الصفات إلى حد بندر فيه وجود المسلم فيه؟ وهل يحتاج إلى وصف شعر الجارية المسلم فيها؟ وبِمَ يصف الإبل والغزل والقطن والإبريسم والثياب والكاغد والنحاس والسيف وخشب البناء وحطب وقود ونشاب وقصاع وحجر رحى والآجر والبلور والعود الهندي؟ وما حكم شرط الأردأ والأجود؟ وإذا جاء بأجود أو أردأ أو من غير نوعه، أو تعيب سلم، أو أخذ عوض زيادة قدر دفعت، أو عوض جودة أو نقص.
ج: الثاني: ذكر ما يختلف به ثمنه غالبًا؛ لأنه عوض في الذمة، فاشترط العلم به كالثمن؛ وأما الاختلاف النادر فلا أثر له، ولا فرق بين الصفات في العقد أو قبله، وذلك كنوع المسلم فيه، وهو مستلزم لذكر جنسه، وذكر قدر حب، كصغار حب أو كباره، متطاول الحب أو مدوره، وذكر لون كأحمر وأبيض إن اختلف ثمنه بذلك ليتميز بالوصف، وذكر بلد الحب، فيقول: من بلد كذا، بشرط أن تبعد الآفة فيها، وذكر حداثته وجودته أو ضدهما، فيقول: حديث أو
قديم، جيد أو رديء، ويبين قديم سنة أو سنتين ونحوه، وذكر سن حيوان، ويرجع في سن رقيق بالغ إليه، وإلا فقول سيد وإن جهله رجع إلى قول أهل الخبرة تقريبًا بغلبة الظن، وبذكر نوعه كضأن أو معز، ثني أو جذع، وذكر ما يميز به مختلفه، كذكر أو سمين أو معلوف أو ضدها، وذكر جنس مسلم فيه، فيقول: تمرًا أو حنطة، وذكر قدر، كقفيز أو رطل، وذكر جودة كحرير بلدي.
وذكر رداءة شرط في كل مسلم فيه من مكيل أو موزون فيصف التمر بنوعه، كبرني أو معقلي، صغير حب أو كبيره، أو يصفه بذكر لونه إن اختلف لونه كأحمر أو أسود، ويصفه بذكر بلده، كبصري أو كوفي أو حجازي، ويذكر قدمه وحداثته؛ فإن أطلق العتيق فلم يقيده بعام أو أكثر؛ أجزأ أيُّ عتيق كان، لتناول الاسم له، ما لم يكن مسوسًا أو متغيرًا، فلا يلزم المسلم قبوله؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة، وإن شرط في العقد عتيق عام أو عامين، فهو على ما شرط لوقوع العقد على ذلك، ويذكر تمر جيد كبرني أو رديء كحشف.
ورطب كتمر في هذه الأوصاف إلا الحديث والعتيق؛ لأنه لا يتأتى فيه ذلك، وللمسلم في رطب ما أرطب كله، لانصراف الاسم إليه، ولا يأخذ رطبًا مشدخًا كمعظم بسر يغمر حتى يشدخ.
ولا يلزم أخذ ما قارب أن يثمر، لعدم تناول الاسم له، وكالرطب في هذه
الأوصاف ما يشبهه من عنب وفواكه يصح السلم فيها، وكذلك سائر الأجناس التي يسلم فيها، ولا يلزم أخذ نحو تمر كزبيب إلا جافًا الجفاف المعتاد.
ويصِفُ الخبز بنوع، كخبز برّ أو شعير أو ذرة، ويذكر في وصفه نشافه ورطوبته ولونه كحوارى، ولابد من وصف جودة ورداءة، ويَصِفُ الحنطة بالنوع كَسُلْمُوني، والبلد كحوراني.
وبقاعي إذا كان في الشام، وبُحَيْري إذا كان بمصر، وبالقدر كصغير حب أو كبيره، وحديث أو عتيق، وإن كان النوع الواحد يختلف لونه ذكره لما تقدم.
ولا يسلم في البرّ إلا مصفى من تبنه وعُقَد، وكذا الشعير والقطنيات وسائر الحبوب، فيصفها بأوصاف البر.
ويلزم مسلمًا إليه دفع حب مسلم فيه بلا تبن ولا عقد؛ فإن كان به تراب يأخذ موضعًا من المكيال، لم يجز، وإن كان فيه تراب يسير لا يأخذ موضعًا من المكيال لزم مسلمًا أخذُه؛ لأن الحبوب لا تخلو من يسير التراب غالبًا، ويصف العسل بالبلد، كمصري وشقيقي وربيعي وصيفي، أبيض أو أشقر أو أسود، جيد أو رديء، وليس له إلا مصفى من الشمع، ويصف السمن بالزرع، كمِنْ ضأن أو معز أو بقر أو جاموس، ويصفه باللون، كأبيض أو أصفر، وجيد أو رديء.
قال القاضي: ويذكر المرعى، ولا يحتاج لذكر عتيق أو حديث؛ لأن الإطلاق يقتضي الحديث.
ولا يصح السلم في عتيق السمن؛ لأنه عيب، ولا ينتهي إلا حد يضبط به، ويصفُ الزبد بأوصاف السمن، ويزيد على وصف السمن: زبد يومه، أو زبد أمسه، ولا يلزم المسلم قبول متغير من سمن وزبد ولا قبول سمن أو زبد رقيق، إلا أن تكون رقتهما من الحر، ويَصِفُ اللبن بنوع ومرعى، ولا يحتاج للون لعدم اختلاف، ولا إلى كونه حليب يوم؛ لأن الإطلاق يقتضي ذلك؛ فإن ذكر كان مؤكدًا، ولا يلزم قبول لبن متغير بنحو حموضة؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة.
ويصح السلم في المخيض؛ لأن ما فيه من الماء يسير لمصلحته، وجرت العادة به، فهو كالملح في الجبن, ويَصفُ الجبن بنوع ومرعى، ورطب أو يابس، جيد أو رديء.
ويَصِفُ اللبأ كما يصف اللبن بالنوع والمرعى، ويزيد ذكر اللون والطبخ أو عدمه، ويسلم في اللبأ وزنًا؛ لأنه يجمد عقب حلبه، فلا يتحقق فيه الكيل.
ويَصِفُ الحيوان، آدميًا كان أو غيره، بالنوع والسن والذكورة والأنوثة؛ فإن كان الحيوان المسلم فيه رقيقًا ذكر نوعه كتركي وزنجي وذكر سنه، ويرجع في سن الغلام والجارية إليهما إن كانا بالغبن، وإن لم يكونا بالغبن رجع إلى قول السيد في قدر سنه؛ لأن قول الصغير
غير معتد به، وإن لم يعلم السيد سنة رجع إلى قول أهل الخبرة
على ما يغلب ظنهم تقريبًا، لعدم القدرة على اليقين.
ويعتبر ذكر طول رقيق كخماسي أو سداسي، يعني خمس أشبار أو ستة، أسود أو أبيض، أعجمي أو فصيح، والجارية كحلاء أو دعجاء، والكحل محركًا: سواد في أجفان العَين خلقة، كأن بها كحلاً وإن لم تكتحل، يقال: رجل أكحل وامرأة كحلاء.
قال الشاعر:
ليس التكحل في العينين كالكحل
والدعج: شدة سواد العين في شدة بياضها، وتَكلْثُمُ وجهٍ، أي: استدارته، وبكارة وثيوبة ونحوها، ويذكر كون الجارية خميصة ثقيلة الأرداف، أو سمينة، ونحوه مما يقصد؛ فإن استقصى الصفات حتى انتهى إلى حد يندر وجود مسلم فيه بتلك الصفات، بطل السلم؛ لأن شرطه أن يكون عام الوجود عند الحلول، واستقصاء الصفات يمنع منه، ولا يحتاج في وصف شعر الجارية المسلم فيها، كقوله: ذات شعر جعد أو سبط أو أسود أو أشقر؛ لأنه لا يختلف به الثمن اختلافًا بينًا، كما لا تراعى صفات ذات حسن وملاحة؛ لأنه لا يختلف بها اختلافًا ظاهرًا؛ فإن ذكر ذلك وعقد عليه، لزم الوفاء به.
ويَصِفُ الإبل بالنتاج، كمن نتاج بني فلان، واللون كبيض
وحمر، وبالسن كبنت مخاض أو لبون، أو حقة، وبالذكورة والأنوثة.
وأوصاف الخيل كالإبل، وتنسب بغال وحمير لبلدها، كشامي ومصري ويمني؛ لأنها لا تنسب لنتاج، والبقر والغنم إن عرف لها نتاج نسبت إليه، كبلدي وجبلي إذا كان بالشام، وإلا يعرف لها نتاج، فكحمير تنسب إلى بدلها.
ولابد من ذكر نوع هذه الحيوانات، كأن يقول في وصف إبل: بختية أو عرابية، وفي وصف خيل: عربية أو هجين أو برذون، ويقول في وصف غنم: ضأن أو معز، إلا البغال والحمير، فلا أنواع فيها غالبًا.
ويصف غزل قطن وعزل كتان ببلد ولون ورقة ونعومة وخشونة، ويصف القطن بالبلد واللون، ويجعل مَكان غلَظٍ ودقَّةٍ طويل شعرة أو قصيرها، وإن شرط فيه منزوع الحب جاز، وله شرطه، وإن أطلق كان له القطن بحبه، كالتمر بنواه.
ويصفُ الإبريسم ببلد ولون وغلظ ودقة، ويصفُ الصوف ببلد ولون وطويل شعره وقصيره، ويصفه بزمان، كقوله: خريفي، أو ربيعي.
وعلى المسلم إليه تسليمه نقيًا من شوك وبعر، وكذا شعر ووبر، فيوصفان بأوصاف الصوف، ويسلمان نقيين من الشوك والبعر، وإن لم يشترط.
ويَصِفُ الثياب إذا أسلم فيها بنوع وقطن وكتان وصوف وحرير، ويصفه ببلد، كبغدادي وشامي ومصري، ويصفه بطول
وعرض وصفاقة ورقة وغلظ ونعومة وخشونة، ولا يذكر الوزن، وإن ذكر في الوصف الخام أو المقصود، فله شرطه، وإن لم يذكره جاز، ولأن الثمن لا يختلف بذلك، ومع الإطلاق فله خام؛ لأنه الأصل وإن ذكر في وصف الثوب مغسولاً أو لبيسًا، لم يصح السلم؛ لأن اللبس يختلف، ولا ينضبط، وإن أسلم في مصبوغ مما يصبغ غزله، صح السلم؛ لأنه مضبوط، وإن أسلم في ثوب مختلف غزل من نوعين فأكثر، كقطن وكتان أو قطن وإبريسم، أو قطن وصوف وكتان، وكان الغزل من كل نوع مضبوطًا، ككون السدا من إبريسم، واللحمة من كتان أو نحوه، كقطن وصوف، صح السلم للعلم بالمسلم فيه، وإلا لم يصح.
ويَصِفُ الكاغد بطول وعرض ودقة وغلظ واستواء صَنعَةٍ، ولا يضر اختلاف يسير جدًا في دقة وغلظ، لعسر التحرز من ذلك.
ويَصفُ نحو رصاص ونحاس بنوع، كرصاصٍ قلعي أو أسرب، ويصفه بنعومة وخشونة ولون إن كان يختلف لونه، ويزيد في وصف حديد بذكر أو أنثى؛ فإن الذكر أحد وأمضى من الأنثى، ويَصفُ السيف بنوع حديد، وضبط طوله وعرضه، وبلده وقدمه، قديم الطبع أو حديثه، ماض أو غيره، ويصف قبيعته وقرابه.
ويَصِفُ خشب بناء بذكر نوع كجوز وحور ورطوبة ويبس
وطول ودور إن كان مدورًا أو سمك وعرض إن لم يكن مدورًا، ويلزم دفع الخشب كله من طرفه إلى طرفه بالعرض والدور الموصوفين؛ فإن كان أحد طرفيه أغلظ مما وصف له، والآخر كما وصف، فقد زاده خيرًا، وإن كان أحد طرفيه أدنى مما وصف له، لم يلزمه قبوله؛ لأنه دون ما أسلم فيه.
وإن ذكر وزن الخشب أو كونه سمحًا، أو لم يذكر ذلك، جاز السلم، وصح وله سمح، أي: خال من العقد، وإن كان الخشب المسلم فيه للقسي، ذكر هذه الأوصاف، وزاد: سهليًا أو جبليًا؛ فإن الجبلي أقوى من السهلي.
ويَصِفُ حطب وقود بغلظ ودقة ويبس ورطوبة ووزن.
ويَصِفُ نحو قصاع وأقداح من خشب بذكر نوع خشب، فيقول: من جوز أو توت أو نحوه، وقدر من صغر وكبر وعمق وضيق وثخانة ورقة.
ويصف الأواني المتساوية الرؤوس والأوساط بقدر من كبر وصغر، وطول وسمك، ودور كالأسطال القائمة الحيطان، ويَصِفُ حجر رحى بدور وثخانة، وبلد ونوع، إن كان يختلف، ويَصِفُ حجر بناءٍ بلون وقدر، ونوع ووزن، ويصف الآجر واللبن بموضع تربة، ولون ودور وثخانة، ويصف البلور بأوصافه المعلومة له.
ويصف العنبر بلون ووزن وبلد، وإن شرطه قطعة أو قطعتين
أو أكثر جاز، وإلا فله إعطاؤه صغارًا بالوزن، ويصف العود الهندي ببلده وما يعرف به، ويصف المسك ونحوه مما يختلف به الثمن، واللبان والمصطكي وصمغ الشجر باللون والبلد وما يختلف به.
ويصف السكر والدبس وسائر ما يجوز السلم فيه بما يختلف الثمن، وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكره.
ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود، لتعذر الوصول إليه إلا نادرًا، إذا ما من جيد إلا ويحتمل أجود منه، ولا رديء إلا ويحتمل أردأ منه.
ولمسلم أخذ دون ما وصف له، وله أخذ غير نوع المسلم فيه إذا كان من جنسه، كثمر معقلي عن إبراهيمي وعكسه؛ لأن الحق له وقد رضي بدونه، ومع اتحادهما في الجنس هما كالشيء الواحد، بدليل تحريم التفاضل ولا يلزم المسلم أخذ دون ما وصف له، ولا أخذ نوع آخر؛ أن غير المسلم فيه، ولا يجبر على إسقاط حقه، وإن جاء المسلم إليه بجنس آخر، بأن استلم في بر، فجاء بأرز وشعير، لم يجز للمسلم أخذه؛ لحديث: «من أسلم في شيء، فلا يصرفه في غيره» رواه أبو داود وابن ماجه من رواية عطية العوفي، وضعفه جماعة من حديث أبي سعيد.
ونقل جماعة من الإمام: يأخذ أدنى
كشعير عن بر بقدر كيله، ولا يربح مرتين، واحتج بابن عباس، وبأنه أقل من حقه، وحمل على أنهما جنس واحد، وقال الشيخ سليمان ابن سحمان الناظم لبعض اختيارات شيخ الإسلام:
وقال أبو العباس بل ذاك جائز ... وعن أحمد نص الجواز فأورد إن اعتاض عن حب شعيرًا بسعره ... ولا بأس في هذا لدى كل سيد فيروى عن الحبر ابن عباس أنه ... يجوز ولم يعرف له من مفند وأما حديث النهي عن صرفه إلى ... سواه ففي الإسناد طعنٌ لنُقَّدِ وإن صح هذا فالمراد بصرفه ... إلى سلم في غير ذاك فقيد ليربح فيما ليس يضمن فاحظرن ... لهذا ففيه النهي فافهم تسدد
ويلزم المسلم إن جاءه المسلم إليه بأجود مما وصف له أخذ أجود منه إذا كان من نوع ما أسلمه فيه؛ لأنه جاءه بما تناوله العقد وزاده نفعًا، ولا يلزمه أخذه من غيره نوعه، ولو أجود، كضأن عن معز؛ لأن العقد تناول ما وصفاه على شرطيهما، والنوع صفة، فأشبه ما لو فات غيره من الصفات؛ فإن رضيا جاز، كما تقدم، ويجوز رد سلم معيب أخذه غير عالم بعيبه، ويطلب بدله، وله أخذ أرشه مع إمساكه كمعيب غير سلم، ولمسلم إليه أخذ عوض زيادة قدر دفعت، كما لو أسلم إليه في قفيز فجاءه بقفيزين، لجواز إفراد هذه الزيادة بالبيع، ولا يجوز له
أخذ عوض جودة إن جاءه بأجود مما عليه؛ لأن الجودة صفة لا يجوز إفرادها بالمبيع، ولا أخذ عوض نقص رداءة لو جاءه
بأردأ، لما سبق.
وليس لمسلم إلا أقل ما يقع عليه الصفة التي عقد عليها، فإذا أتاه به لا يطلب من أعلى منه؛ لأنه أتاه بما تناوله العقد، فبرئت ذمته منه.
من النظم فيما يتعلق في باب السلم
بحاضر عين بذلها متعوضًا ... بموصوف دين في زمان مجدد يصح بألفاظ التبايع كلها ... وما حضه أولى وبالسلف امهد وإمكان ضبط الوصف شرط الجواز ... كالمكيل وموزون ودرع معدد ولابد عند العقد من ذكره هذه ... ليمكن تقبيض بغير منكد وما ليس مضبوطًا بوصف كلؤلؤ ... وحب ومرجان ومثل زبرجد فللسلم امنع فيه وامنعه في الذي ... التخالط مقصود به لم يحدد كند ومعجون ومغشوش نقدهم ... وإن ميز الأخلاط فيه لصد
كثوب من الجنسين أحكم نسجه ... ونبل ونشاب مريش فجود وما فيه خلط مصلح لا يراد ... بالعقود كملح الخبز إن تسلمن طد ووجهان في إسلام عرض بمثله كآنية فيها وفي شاة قثرد وما اختلفت أوساطه ورؤوسه ... وفي حيوان حامل ذاك أسند لبونًا لنا وجها جواز ومنعه ... وأولاهما التجويز يا ذا التأيد وفي الحيوان استمل قولين مطلقًا ... وجوز وبطيخ وبيض معدد وقولان في زمانهم وسفرجل ... وإلا فزن بل عنه زن لا تقيد وبقل ومع نزر التفاوت عده ... في الأولى وأطراف المذكي المجود وفي الروس أسلم والجلود ونحوها ... وسمن وشهد أسلمن ثم قيد وفي اللحم والألبان والخبز واللبا ... بغير مكيل والذي يوزن اسند وأورد في التنبيه قولاً بمنعه
فيما تختلف أثمانه
وما اختلفت أثمانه غالبًا به ... فذكركه في العقد شرط مؤكد
كجنس ونوع ثم قدر ومنشأ ... جديد عتيق والرديء وجيد وليس بكاف أن يرى رأس ماله ... وأجرى عين دون ضبط بأجود وفي شرط أردى النوع وجهان جاءنا ... وليس صحيحًا شرط أجوده اشهد وما دون موصوف ونوع لجنسه ... لك الأخذ لا حتمًا سوى أخذ أجود وتعويضه عن جودة غير جائز ... لنهيك عن صرف إلى غير مقصد
في المذروع
ولا يجزِ في المذروع إلا بذرعه ... وفي عكس عرف الغير جوز بأوكد وضبط بمعيار يرى غير شائع ... لدى العرف لا يكفيك عند لتعقد
س62: تكلم بوضوح عن الشرط الثالث من شروط السلم مبينًا ما يلزم ذكره، وحكم ما إذا أسلم في كيل وزنًا، أو في موزون كيلاً، أو في مكيال غير معلوم، أو أسلم في مثل هذا الثوب ونحوه، أو عين مكيال رجل أو ميزانه أو نحوه، وبأي شيء يسلم في معدود مختلف يتقارب غير حيوان، واذكر الدليل والتعليل والخلاف؟
ج: الثالث: ذكر قدر كيل في مكيل، وقدر وزن في موزون وقدر ذرع في مذروع متعارف، أو قدر عد في معدود؛ لحديث: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» ولأنه عوض في الذمة، فاشترط معرفة قدره كالثمن، فلا يصح سلم في مكيل وزنًا، أو في موزون كيلاً؛ لحديث: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» متفق عليه؛ ولأنه مبيع يشترط معرفة قدره، فلم يجز بغير ما هو مقدر به في الأصل، كبيع الربويات بعضها ببعض؛ ولأن قدره بغير ما هو مقدر به في الأصل، فلم يجز.
واختاره أكثر الأصحاب، قال الزركشي: هو المشهور والمختار للعامة، وممن قال به: القاضي وابن أبي موسى، وجزم بن ناظم «المفردات» ، فقال:
وفي المكيل لا يصح السلم ... وزنًا ولا بالعكس نصًا فاعلموا
وعنه: يصح، اختاره الموفق والشارح وابن عبدوس وصاحب «الوجيز» والشيخ تقي الدين وابن القيم، وبه قال الثلاثة، وعليه العمل في هذا الزمن وقبله؛ لأن الغرض معرفة قدره وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي شيء قدر قدره جاز.
وهذا القول هو الذي يترجح عندي.
والله أعلم.
ولا يصح السلم في المذروع إلا بالذرع، ولابد أن يكون المكيال
ونحوه، كالصنجة والذراع معلومًا عند العامة؛ لأنه إذا كان مجهولاً تعذر الاستيفاء به عند التلف، وذلك مخل بالحكمة التي اشترط معرفة القدر لأجلها؛ فإن شرط مكيالاً بعينه، أو ميزانًا بعينه أو ذراعًا
بعينه، أو صنجة بعينها غير معلومات، أو أسلم في مثل هذا
الثوب ونحوه، لم يصح السلم؛ لأنه قد يهلك فتتعذر معرفة المسلم فيه، وهو غرر؛ لكن إن عين مكيال رجل أو ميزان أو صنجته أو ذراعه، صح السلم، ولم تتعين، فله أن يسلم في أي مكيال أو ميزان أو صنجة أو ذراع، لعدم الخصوصية.
ويسلم في معدود مختلف يتقارب فيه حيوان عَدَدًا، وفي المعدود الذي لا يتقارب وزنًا إن صح السلم فيه، والمذهب أنه لا يصح، والرواية الثانية: يصح، وعندي أنها أقوى من الأولى إذا كان التفاوت يسيرًا.
س63: ما هو الشرط الرابع من شروط السلم؟ وبم يصح؟ وما الحكم فيما إذا أسلم، أو باع، أو أجر، أو شرط الخيار مطلقًا، أو لمجهول، أو قالا: محله رجب أو إليه، أو فيه، ونحوه أو يؤديه فيه؟ وإذا أسلم وعين عيد فطر أو أضحى، أو ربيعًا، أو جمادى، أو قالا: محله رجب أو إلى رجب، أو في رجب أو إلى أول شهر كذا أو أخره، أو يؤديه فيه، أو إلى ثلاثة أشهر فما الحكم؟ واذكر الدليل، والتعليل، والتفصيل، والخلاف، والترجيح.
ج: الشرط الرابع: أن يكون في الذمة إلى أجل معلوم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» فأمر بالأجل كما أمر بالكيل والوزن، والأصل الوجوب؛ ولأن السلم رخصة جاز للرفق، ولا يحصل إلا
بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، والحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، بخلاف بيوع الأعيان، فإنها لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص التأجيل، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وأكثر العلماء، خلافًا للشافعي، ففي كتاب «المهذب» : ويجوز حالاً؛ لأنه إذا جاز مؤجلاً، فلأن يجوز حالاً، وهو من الغرر أبعد أولى.
اهـ. وفي «الاختيارات الفقهية» : ويصح السلم حالاً إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه، وإلا فلا.
اهـ. قال: وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» أي: ما ليس في ملكك، فلو لم يجز السلم حالاً لقال: لا تبع هذا، سواء كان عندك أم لا.
وتلكم على ما ليس عنده.
للأجل وقع في الثمن عادة؛ لأن اعتبار الأجل لتحقق الرفق، ولا يحصل بمدة لا وقع لها بالثمن كشهر ونحوه.
وفي «الكافي» : أو نصفه، وفي «المغني» و «الشرح» : وما قارب الشهر.
وقال بعض الأصحاب: ويشترط أن تفي به مدته، فلا يصح كمائتي سنة؛ لأن آجال الناس لا تبلغها غالبًا، وهو ظاهر.
ويصح أن يسلم في جنسين، كأرز وعَسل إلى أجل واحد، إن بين ثمن كل جنس منهما؛ فإن لم يُبينه لم يصح، قال في «المغني» : لأن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول، فلم يصح، كما
لو عقد عليه مفردًا بثمن مجهول، ولأن فيه غررًا؛ لأنا لا نأمن الفسخ بتعذر أحدهما، فلا يعرف بما يرجع، وهذا غرر يؤثر مثله في السلم، وبمثل هذا عللنا معرفة صفة الثمن وقدره، وقد ذكرنا ثم وجهًا آخر أنه لا يشترط، فيخرج هاهنا مثله؛ لأنه في معناه، ولأنه لما جاز أن يسلم في شيء واحد إلى أجلين، ولا يبين ثمن كل واحد منهما، كذا هاهنا.
قال ابن أبي موسى: ولا يجوز أن يسلم خمسة دنانير وخمسين درهمًا في كر حنطة حتى يبين حصة ما لكل واحد منهما من الثمن، والأولى صحة هذا؛ لأنه إذا تعذر بعض المسلم فيه، رجع بقسطه منهما، إن تعذر النِّصف رجع بنصفهما، وإن تعذر الخمس رجع بدينار وعشرة دارهم.
ويصح أن يسلم في جنس واحد إلى أجلين، كسمن يأخذ بعضه في رجب، وبعضه إلى رمضان؛ لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين، وآجال إن بَيَّنَ قسط كل أجل وثمنه؛ لأن الأجل الأبعد له زيادة وقع على الأقرب، فما يقابله أقل، فاعتبر معرفة قسطه وثمنه؛ فإن لم يبينهما لم يصح، وكذا لو أسلم جنسين كذهب وفضة في جنس كأرز، لم يصح حتى يبين حصة كل
جنس من المسلم فيه.
ويصح أن يسلم في شيء كلحم وخبز وعسل، يأخذ كل يوم جزءًا معلومًا مطلقًا، وساء بين ثمن كل قسط أو لا، لدعاء الحاجة إليه، ومتى قبض البعض وتعذر الباقي رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للمقبوض فضلاً على الباقي؛ لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فقسط الثمن على أجزائه بالسوية، كما لو اتفق أجله.
ومن أسلم أو باع مطلقًا أو لمجهول، أو أجر، أو شرط الخيار مطلقًا، بأن لم يُغَيِّهِ بغايةٍ، أو جَعلها لأجلٍ مجهولٍ، كحصادٍ وجذاذٍ ونحوهما، أو قدوم الحاج، أو نزول المطر، أو جعلها إلى عيد أو ربيع أو جمادى أو النفر، لم يصح غير البيع، لفوات شرطه؛ ولأن الحصاد ونحوه يختلف بالقرب والبعد حتى لو أبهم الأجل، كإلى وقت أو زمن.
أخرج البيهقي عن ابن عباس أنه قال: لا سلف إلى العطاء، ولا إلى الحصاد، واضْرِبْ له أجلاً.
وفي لفظ: ولكن سمه شهرًا.
وعن أحمد: يجوز إلى الحصاد والجذاذ، وبه قال مالك؛ لأن التفاوت يسير يتسامح بمثله، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه يباع إلى العطاء، وبه قال ابن أبي ليلى.
وكذا إن قال: إلى قدوم الغزاة، وهذا القول هو الذي يترجح؛ لأن التفاوت يسير فيه، وهو مقصود مَن أسلم في الثمر والزرع ولو عين شهرًا؛ فإن قصده حصول تلك الثمرة.
والله أعلم.
وأما
البيع فيصح لعدم تعلقه بالأجل، ويكون الثمن حالاً، وللمشتري الخيار بين إمضاء البيع مع استرجاع الزيادة على قيمة المبيع حالاً، وبين الفسخ؛ فإن عين عيد فطر أو أضحى، أو ربيع
أول أو ثانٍ أو جمادى كذلك، أو النفر الأول أو الثاني،
أو إلى يوم عرفة أو عاشوراء أو نحوها، صح؛ لأنه أجل معلوم.
وإن قالا: محلُّه رجب، أو: محله إلى رجب، أو: في رجب ونحوه، صح السلم وحَلَّ بأوَّلِه، وإن قالا: محله إلى أوله، أي: شهر كذا، أو إلى آخره، يحل بأول جزء من أوله أو آخره، ولا يصح إن قالا: يؤديه فيه، لجعل الشهر كلَّهِ ظرفًا، فيحتمل أوله وآخره فهو مجهول.
وإن قالا: إلى ثلاثة أشهر، فإلى انقضائها، وإن كانت مبهمة فابتداؤها حين تلفظه بها، وإن قال: إلى شهر انصرف إلى الهلال، إلا أن يكون في أثنائه؛ فإنه يكمل العدد وينصرف إطلاق الأشهر إلى الأشهر الهلالية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة: 36] .
المقبول قوله في قدر الأجل وعدم مضيه
س64: من المقبولُ قولُه في قدْرِ الأجل، وعَدَمِ مُضيه، ومكان
تسليم؟ وإذا أتي إنسانٌ بمالهُ مِن سلَمِ أو غيره قَبْل حلولِهِ أو بعده، فما حكم ذلك؟ وماذا يعمل معه إذا أبى قبضه؟ وإذا أراد إنسانٌ قضاء دين عن مدين أو غيره، فأبى ربه أو أعسر زوج بنفقة زوجة، أو لم يعسر فبذلها أجنبي فما الحكم؟ وهل تملك الفسخ لإعساره؟ واذكر جميع ما يتعلق بما ذكر، والدليل والتعليل، والخلاف والترجيح والتفصيل.
ج: ويقبل قول مدين، أي: مسلم إليه في قدر الأجل، وفي عدم مضيه بيمينه؛ لأن العقد اقتضى الأجل والأصل بقاؤه، ولأن المسلم إليه ينكر استحقاق التسليم، وهو الأصل، ويقبل قوله أيضًا في مكان تسليم إذا الأصل براءة ذمته في مؤونة نقله إلى موضع ادعى المسلم شرط التسليم فيه.
ومَنْ أتي بماله من سلم أو غيره قبل محله، ولا ضرر عليه في قبضه، لخوف وتحمل مؤنة، أو اختلاف قديم مسلم فيه وحديثه؛ لزم رب الدين قبضه، لحصول غرضه؛ فإن كان فيه ضرر كالأطعمة والحبوب والحيوان أو الزمن مخوفًا، لم يلزمه قبضه قبل محله، وإن أحضره في محله لزمه قبضه مطلقًا كمبيع معين؛ فإن أبى قبضه حيث لزمه، قال له حاكم: إما أن تقبض، أو تبرئ من الحق؛ فإن أبى القبض والإبراء قبضه الحاكم لرب الدين، لقيامه مقام الممتنع، كما يأتي في السيد إذا امتنع من مال الكتابة، ومع ضرر في
قبضه لكونه مما يتغير كالفاكهة التي يصح السلم فيها من الرطب والعنب ونحوهما، فإنها تتلف سريعًا، والضرر لا يزال بالضرر أو كان المسلم فيه قديمه دون حديثه كالحبوب، فلا يلزمه قبضه قبل محله، وكذلك ما يحتاج في حفظه لكلفة كقطن وحيوان يحتاج لمؤنة،
أو يخشى المسلم على ما يقبضه من خوف في زمان أو مكان، فلا يلزمه قبل محله، لما عليه من الضرر، وإن جاء المسلم إليه بالمسلم فيه بعد محله؛ فإنه يلزم المسلم قبول المسلم فيه مطلقًا، تضرر بقبضه أو لا؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، ومن أراد قضاء دين عن مدين وغيره، فأبى رب الدين قبضه من غير مدينه، أو أعسر زوج بنفقة زوجته، وكذا إن لم يعسر بطريق الأولى، فبذلها أجنبي، أي: من لم تجب نفقته، فأبت الزوجة قبول نفقتها من الأجنبي، لم يجبر رب الدين والزوجة لما فيه من المنة عليهما؛ وإذا كان الباذل لذلك وكيلاً ونحوه لزم القبول تبرئة لذمة المبذول عنه، وتملك الزوجة الفسخ لإعسار زوجها، كما لو لم يبذلها أحد؛ فإن ملكه لمدين وزوج وقبضاه ودفعاه لهما، أجبر على قبوله، وليس للمسلم إلا أقل ما يقع الصفة.
وتسلم الحبوب نفية من تبن وعقد ونحوها، وتراب إلا يسيرًا لا يؤثر في كيل، ويسلم التمر جافًا.
س65: ما هو الشرط الخامس من شروط السلم؟ ما حكم
السلم إذا عين مسلم فيه من ناحية، أو عين قرية أو بستانًا، أو أسلم في شاة من غنم زيد أو نتاج فحله، أو أسلم لمحل يوجد
فيه عامًا فانقطع وتحقق بقاؤه، أو هرب مسلم إليه، أو تعذر
مسلم فيه، لو أسلم فهي لذمي في خمر ثم أسلم أحدهما؟
واذكر الدليل والتعليل، والتمثيل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، والخلاف والترجيح.
ج: الخامس: غلبة مسلم فيه وقت محله؛ لأنه وقت وجوب تسليمه، وإن عدم وقت عقد، كسلم في رطب وعنب في الشتاء إلى الصيف بخلاف عكسه؛ لأنه لا يمكنه تسليمه غالبًا عند وجوبه أشبه ببيع الآبق بل أولى.
ويصح سلم إن عين مسلم فيه من ناحية تبعد فيها آفة كتمر المدينة، وإن سلم في ثمرة بستان بعينه، أو قرية صغيرة، لم يصح؛ لأنه لا يؤمن انقطاعه وتلفه.
قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، منهم: الثوري ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي.
قال: وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما من حائط بني فلان فلا؛ ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى» رواه ابن ماجه وغيره، ورواه الجوزجاني في «المترجم» ، وقال: أجمع الناس
على الكراهة لهذا البيع؛ ولأنه لا يؤمن انقطاعه وتلفه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معين، أو صنجة معينة، أو أحضر خرقة وأسلم في مثلها، قال في «الإنصاف» : ونقل أبو طالب وحنبل: يصح إن بدا صلاحه واستحصد.
وقال أبو بكر في «التنبيه» : أن أَمِنَ عَليها الجائحة.
اهـ. وكذا لو أسلم في مثل هذا الثوب.
ولا يصح إن أسلم في شاة من غنم زيد، أو في بعير من نتاج فحله، أو في عبد مثل هذا العبد ونحوه؛ لحديث ابن ماجه المتقدم.
وإن أسلم إلى وقت يوجد فيه مسلم فيه عامًا، فانقطع وتحقق بقاؤه؛ لزمه تحصيله، ولو شق كبقية الديون، وإن تعذر مسلم فيه، أو تعذر بعضه، خير مسلم بين صبر إلى وجوده فيطالب به، أو فسخ فيما تعذر منه، ويرجع إن فسخ لتعذره كله برأس ماله إن وجد، أو عوضه إن كان تالفًا، أي: مثله إن كان مثليًا، وقيمته إن كان متقومًا.
هذا إن فسخ في الكل؛ فإن فسخ في البعض فيسقطه، وبذلك قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر؛ فإن هرب مسلم إليه أخذ مسلم فيه من ماله كغيره من الديون عليه، وإن أسلم ذمي لذمي في خمر، ثم أسلم أحدهما، رد لمسلم رأس ماله إن وجد أو عوضه إن تعذر.
من النظم فيما يتعلق في اشتراط الوقت ووجود ذلك عند الحلول
ولابد في وقت به الرفق غالبًا ... ومن كون مبتاعتى حل يوجد فإن كنت لا تلاقاه أو تلق نادرًا ... إذا حل من يسلم إذًا فيه يصدد ومن قبضك الأثمان قبل تفرق ... فمهما تجده اختل منهن يفسد وإن تقبضن البعض ثم افترقتما ... فما حزت في الأقوى امض والغير أفسد وإن تسلمن في الحال أو لغد فلا ... يصح وقول الشافعي غير مبعد وإن تشترط قبضًا لجزء معين ... بكل نهار منه صحح وجود وتعديد آجال لجنس مجوز ... كذلك أجناسٌ لوقت محدد وشرط إلى حين الجذاذ وحصدهم ... في الأوهى أجز واطلب به حين يبتدي كذاك إلى شهري جمادى ونحوه ... وإما إلى شهرٍ ففي الآخر اقصد ولا تك في الجنسين مفرد قيمة ... وعَيِّن لكل منهما في المؤكَّدِ وما قبض دين قبل ما حل لازمًا ... متى كان في التعجيل تفويت مقصدِ وقل للمدين اقبله في قدر وقتهم ... ونفي حلول مع يمين وأكِّدِ وما سَلَمٌ في ثمر نخل معين ... وقريته الصغرى صحيحًا بل افسد وإن يتعذر قبض ما حل فاصبرن ... أو افسخ ومالك خذه أو عوض الردي ووجهان إن تحتل به أو عليه هل ... يصح إذًا أمْ لا إنِ الفَسْخَ تقصد وقيل بنفس العقد يفسخ في الذي ... تعذر من كل وبعض مفقد
ويختار في باقيه بالقسط وحده ... في الأقوى وفي المفقود فاسخ أو ارصد
س66: ما هو الشرط السادس من شروط السلم، وإذا ظهر رأس مال مسلم مقبوض غصبًا أو معيبًا، فما الحكم؟ وما حكم معرفة قدر رأس مال السلم، ومعرفة صفته، والسلم في الجوهر، ونحوه، ومن القول قوله في الاختلاف في القيمة؟
ج: السادس: قبض رأس مال سلم قبل تفرق من مجلس عقده تفرقًا يبطل خيار مجلس، لئلا يصير بيع دين بدين، واستنبطه الشافعي من قوله –عليه السلام-: «فليسلف» أي: فليعط، قال: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارقه من أسلفه، وإن قبض مسلم إليه بعض رأس مال السلم قبل التفرق، صح فيه بقسطه فقط، وبطل فيما لم يقبض، لتفريق الصفقة.
وإن بان رأس مال سلم مقبوض غصبًا أو معيبًا عيبًا من الجنس أو غيره، فحكمه كما مر في صرف من أنه إن ظهر أنه مغصوب أو العيب من غير الجنس، فللمسلم إليه إمساكه،
وأخذ أرش عيبه أو رده، وأخذ بدله في مجلس الرد، لا
من جنس السلم، وكقبضٍ في الحكم ما بِيَد المُسْلَم
إليه أمانة أو غصب ونحوه، فيصح جعله رأس مال سلم في ذمة من هو تحت يده، ولا يصح جعل ما في ذمة رأسَ سلم؛ لأن المسلم فيه دين؛ فإن كان رأس ماله دينًا كان بيع دين بدين، بخلاف غصب وأمانة، وتشترط معرفة قدر رأس مال السلم، ومعرفة صفته؛ لأنه لا يؤمن فسخ السلم لتأخر المعقود عليه، فوجب معرفة رأس ماله ليرد بدله كالقرض، ولا تكفي مشاهدة رأس مال السلم، كما لو عقداه بصبرة لا يعلمان قدرها ووصفها، ولا يصح فيما لا ينضبط، كجوهر ونحوه، ويرد ما قبض من ذلك على أنه رأس مال سلم، لفساد العقد إن وجد، وإلا يوجد فقيمته إن كان متقومًا، ومثله إن كان مثليًا كصبرة من حبوب؛ فإن اختلفا في قيمة رأس مال السلم الباطل، أو في قدر الصبرة المجعولة رأس مال سلم، فقول مسلم إليه بيمينه؛ لأنه غارم؛ فإن تعذر قول مسلم إليه بأن قال: لا أعرف قيمة ما قبضته، فعليه قيمة مسلم فيه مؤجلاً إلى الأجل الذي عيناه؛ لأن الغالب في الأشياء أن تباع بقيمتها، ويقبل قول مسلم إليه في قبض رأس ماله، وإن قال أحدهما: قبض قبل التفرق، وقال الآخر: بعده، فقول مدعي الصحة، وتقدم بينته عند التعارض.