الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 217-257
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 217-257
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

باب الربا والصرف

س41: ما هو الربا؟ وما حكمه؟ وما دليله؟ وما هي أنواعه؟

ج: الربا مقصور، وأصله: الزيادة، قال الجوهري: رَبَا الشيءُ يَربُو رُبوًا: إذا زاد، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] أي: علت وارتفعت.
وقال: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92] . أي أكثر.
وقال تعالى: ﴿فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39] . أي: لا يزيد.
وهو محرم بالكتاب والسُّنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 275] . ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 278] .

وأما الأدلة من السُّنة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها: «أكل الربا» متفق عليه.
وعن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» رواه الخمسة، وصححه الترمذي، غير أن لفظ النسائي: آكل الربا وموكله، وشاهداه، وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة» ، وعن عبد الله بن الحنظلية غسيل الملائكة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ست وثلاثين زَنيَة» رواه أحمد.
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» ، وقال: «هم سواءٌ» رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه ورجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمي الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيه في النهر آكل الربا» رواه البخاري في «صحيحه» .

وأجمعت الأمة على أن الربا محرم، وهو من الكبائر، لعده - صلى الله عليه وسلم - له في السبع الموبقات.
وهو شرعًا: تفاضل في أشياء، كمكيل بجنسه، أو موزون بجنسه، ونساء في أشياء كمكيل بمكيل، وموزون ولو من غير جنسه مختص بأشياء، وهي المكيلات والموزونات ورد الشرع بتحريم الربا فيها.
وهو نوعان ربا فضل وربا نسيئة.

س42: تكلم بوضوح عما يجري فيه الربا وما لا يجري فيه، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر ما في ذلك من خلاف.

ج: يحرم ربا الفضل في كل مكيل بيع بجنسه، وفي كل موزون بيع بجنسه، لعدم التماثل؛ لما روى عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُّرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مِثْلاً بمثل يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد» رواه أحمد ومسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعًا: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مِثْلاً بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء» رواه أحمد والبخاري.

واختلف في العلة التي لأجلها حرم الربا في هذه الأصناف الستة، فالأشهر عن الإمام وعامة الأصحاب أن علة الربا في النقدين كونهما موزوني جنس، وفي الأعيان الباقية كونها مكيلات جنس، فيجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطوعًا، كان أو غير مطعوم، وبذلك قال أبو حنيفة؛ لحديث عبادة المتقدم؛ ولحديث أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلاً على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، فقال: «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» ، وقال: «في الميزان مثل ذلك» متفق عليه.
قال في «شرح المنتقى» على الحديث: وقال المصنف –رحمه الله-: وهو حجة في جريان الربا في الموزونات كلها؛ لأن قوله: «في الميزان» ، أي: في الموزون، وإلا فنفس الميزان ليست من أموال الربا.
انتهى.
وقد ترجم البيهقي لحديث أبي سعيد: باب من قال بجريان الربا في كل ما يُكال ويُوزن، وفي كتاب «رحمة الأمة» : الأعيان المنصوص على تحريم الربا فيها بالإجماع ستة، هي: الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح، فالذهب والفضة يحرم فيها الربا عند الشافعي بعلة واحدة لازمة، وهي أنهما من جنس الأثمان، وقال أبو حنيفة: العلة فيهما جنس موزون، فيحرم الربا في سائر الموزونات؛ وأما الأربعة الباقية، ففي علتها

للشافعي قولان الجديد أنها مطعومة، فيحرم الربا في الأدهان، والماء على الأصح والقديم أنها مطعومة أو مكيلة أو موزونة.
وقال أهل الظاهر: الربا غير معلل، وهو مختص بالنصوص عليه، وقال أبو حنيفة: العلة فيها أنها مكيلة في جنس، وقال مالك: العلة القوة، وما يصلح للقوت في جنس مدخر، وعن أحمد روايتان، إحداهما كقول الشافعي، والثانية كقول أبي حنيفة، وقال ربيعة: كل ما يجب فيه الزكاة يحرم فيه الربا.
اهـ. وقال الشيخ تقي الدين: العلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم، ورجح ابن القيم في كتابه «الإعلام» من هذه الأقوال قول الإمام مالك.
اهـ. وإنما جعل العلة ما ذكر؛ لأن أخص أوصاف الأربعة المذكورة، ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء وربا الفضل عند مالك في بيتين، وهما:

رباء نسا في النقد حَرِّمْ ومِثْلُهُ ... طعامٌ وإن جنساهما قد تعددا وخُصَّ ربا فضل بنقدٍ ومثلُه ... طعامُ الربا إن جنس كلٍ تّوحدا

والأشياء التي لا ربا فيها: 1- الماء لإباحته أصلاً، وعدم تموله عادة.
2- ما لا يوزن، لصناعة كأسطال، ومعمول من حديد كسكاكين، ومعمول من قطن كثياب، ومعمول من حرير وصُوف،

وشعر وَوَبَر، فيجوز بيع سكين بسكينين وإبرة بإبرتين ونحوه، وكذا فلس بفلسين، ولا ربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالبطيخ والجوز، والقثاء والخيار، والبيض والرمان، والتفاح؛ لما روى سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ربا إلا فيما كيل، أو وزن مما يؤكل أو يشرب» أخرجه الدارقطني، وقال: الصحيح أنه من قوله، ومن رفعه فقد وهم.
ولا الأوني لخروجها عن الكيل والوزن، ولعدم النص والإجماع، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم، وهذا هو الصحيح، قاله في «الشرح» من غير ذهب وفضة فيجري فيهما للنص عليهما.
وجَيِّدُ الربوي ورديئه، وتبره ومضروبه، وصحيحه ومكسوره في جواز البيع متماثلاً، وتحريمه متفاضلاً سَوَاءٌ إلا بمثله وزنًا سواء ماثله في الصناعة أو لا؛ لعموم الخبر، وجَوَّز الشيخ بيع مصنوع مباح الاستعمال، كخاتم ونحوه بيع بجنسه بقيمته حالاً جعلاً للزائد عن وزن الخاتم في مقابلة الصنعة، فهو كالأجرة، وكذا جوزه، أي: بيع الخاتم بجنسه بقميته نساء ما لم يقصد كونهما ثمنًا؛ فإن قصد ذلك، لم يجز للنساء، وفي «الاختيارات الفقهية» : وما خرج عن القوت بالصنعة، فليس بربوي ولا بجنس نفسه، فَيباع خبز بهريسة، وزيت بزيتون، وسمسم بشيرج.
اهـ. والمذهب ما يأتي أنه لا يصح.

وفي «المغني» و «الشرح» : وإن قال للصائغ: صغ لي خاتمًا وزنه درهم، وأعطيك مثل زنته وأجرتك درهمان، فليس ذلك بيع درهم بدرهمين، قال أصحابنا: وللصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة فضة الخاتم، والآخر أجرة له في نظير عمله، وجزم بمعناه في «المنتهى» . الجنس والنوع وأمثلة لما يصح بيعه

س43: تكلم بوضوح عما يلي: الجنس، النوع، وهل يكون النوع جنسًا والجنسُ نوعًا؟ بيع صبرة بجنسها بيع حب جيد بخفيف أو مسوس.
بيع مكيل بجنسه وزنًا، أو موزون بجنسه كيلاً.
حكم البيع إذا اختلف الجنس.
بيع لحم بمثله.
بيع عسل بمثله، بيع فرع معه غيره لمصلحته.
بيع فرع بأصله.
ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح، وجميع ما يتعلق بما ذكر من المسائل.

ج: الجنس ما شمل أنواعًا، أي أشياء مختلفة بالحقيقة، والنوع: ما شمل أشياء مختلفة بالشخص، وقد يكون النوع جنسًا باعتبار ما تحته، والجنس نوعًا باعتبار ما فوقه.
ويصح بيع صبرة من مكيل بصبرة من جنسهان كصبرة تمر بصُبْرة تمر إن علما كيلهما وتساويهما كيلاً، لوجود الشرط وهو التماثل، أو لم يعلما كيلهما ولا تساويهما وتبايعاهما مثلاً بمثل، فكيلتا فكانتا سواء

لوجود التماثل، وإن نقصت إحداهما عن الأخرى بطل؛ لكن إن بيعت صبرة من بر بصبرة من شعير مثلاً بمثل، فكيلتا فزادت إحداهما، فالخيار.
قال في «الفروع» : واختار شيخنا في «الاعتصام بالكتاب والسُّنة» ما ذكره عن مالك أنه يجوز بيع الموزونات الربوية بالتحري للحاجة.
انتهى.
ويصح بيع حب جيد بحب خفيف من جنسه إن تساويا كيلاً؛ لأنه معيارهما الشرعي، ولا يؤثر اختلاف القيمة.
ولا يصح بيع حب بحب مسوس من جنسه؛ لأنه لا طريق إلى العلم بالتماثل، والجهل به كالعلم بالتفاضل.
ولا يصح بيع مكيل كتمر وبر وشعير بجنسه وزنًا، كرطل تمر برطل تمر، ولا بيع موزون كذهب وفضة بجنسه كيلاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل، والشعير بالشعير كيلاً بكيل» رواه الأثرم.
ولأنه لا يحصل العمل بالتساوي مع مخالفة المعيار الشرعي، للتفاوت في الثقل والخفة؛ فإن كيل المكيل، أو وزن الموزون فكانا سواءن صح البيع للعلم بالتماثل.
قال في «الفائق» : قال شيخنا –ويعني به الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى-: إن بيع المكيل بشيء من جنسه وزنًا ساغ.
وقال في «الفروع» : ويتوجه من جواز بيع حب بدقيقه

وسويقه جواز بيع مكيل وزنًا وموزون كيلاً، اختاره شيخنا.
وقال في «الاختيارات الفقهية» : وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزنًا.
وعن أحمد ما يدل عليه.
اهـ. ويصح البيع إذا اختلف الجنس، كتمر ببر كيلاً، ولو كان المبيع موزونًا، ووزنًا، ولو كان المبيع مكيلاً، وجزافًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد» رواه مسلم وأبو داود؛ ولأنهما جنسان يجوز التفاضل بينهما، فجاز جزافًا، وحديث جابر في النهي عن بيع الصبرة بالصبرة من الطعام لا يدري ما كيل هذه، وما كيل هذه.
محمول على الجنس الواحد، جمعًا بين الأدلة.
ويصح بيع لحم بمثله وزنًا من جنسه، رطبًا ويابسًا إذا نزع عظمه؛ فإن بيع يابس من برطبه لم يصح، لعدم التماثل، أو لم ينزع عظمه لم يصح، للجهل بالتساوي، ويصح بيع لحم بحيوان من غير جنسه.
هذا أحد وجهين، وهو المذهب، وبه قال مالك؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم» ولأنه ليس أصله ولا جنسه، فجاز كما لو بيع بغير مأكول.
والوجه الثاني: لا يجوز، وهو قول الشافعي؛ لحديث: «نهى عن بيع الحي بالميت» ذكره أحمد

واحتج به، وقال الشيخ تقي الدين: يحرم به لنسيئة عند جمهور الفقهاء، قاله في «الفروع» . ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه؛ لما روى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان» ، قال ابن عبد البر: هذا أحسن أسانيده.
وورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى أن يباع حَيُّ بميت» ذكره الإمام أحمد.
وروى البيهقي عن الحسن عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الشاة باللحم» ، وقال البيهقي بعد سياقه: هذا إسناده صحيح؛ ولأن مال ربوي بيع بما فيه من جنسه مع جهالة المقدار، وهذا مذهب مالك والشافعي، وقول الفقهاء السبعة.
وحكي عن مالك أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم، ويجوزه بغيره.
وقال ابن القيم: وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم، كما إذا كان غير مأكول، أو مأكولاً لا يقصد لحمه، كالفرس تباع بلحم إبل، فذا لا يحرم بيعه به.
وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقًا؛ لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه، أشبه بيع الحيوان بالدراهم، أو بلحم من غير جنسه، ويجوز بيع لحم بحيوان غير مأكول، كبغل وحمار.
ويصح بيع عسل بمثله كيلاً إذا صُفِّيَ كل منهما من شمعه، وإلا

لم يصح، لما سبق، إن اتحد الجنس، وإلا جاز التفاضل، كعسل قصب بعسل نحل.
ويصح بيع فرع من جنس مع فرع غيره لمصلحته كجبن؛ فإن فيه ملحًا لمصلحته أو منفردًا ليس معه غيره، كجبن بجبن متماثلاً وزنًا، وكسمن بسمن متماثلاً كيلاً إن كان مائعًا، وإلا فوزنًا.
ويصح بيع فرع معه غيره لمصلحته، أو لا بفرع غيره، كزبد بمخيض ولو متفاضلاً، كرطل زبد برطلي مخيض لاختلافهما جنسًا بعد الانفصال، وإن كانا جنسًا واحدًا ما دام الاتصال بأصل الخلقة، كالتمر ونواه، إلا مثل زبد بسمن، فلا يصح بيعه به لاستخراجه منه.
ولا يصح بيع نوع معه شيء ليس لمصلحته، ككشك بنوعه؛ لأنه كمسألة مدّ عجوة ودرهم، ولا بيع فرع معه غيره لغير مصلحته بفرع غيره، ككشك بجبن أو بهريسة، لعدم إمكان التماثل، ولا بيع فرع بأصله، كأقط أو زبد أو سمن أو مخيض بلبن لاستخراجه منه، أشبه بيع لحم بحيوان من جنسه، ولا يصح بين نوع مسته النار، كخبز شعير بنوعه الذي لم تمسه النار كعجين شعير، لذهاب النار ببعض رطوبة أحدهما، فيجهل بالتساوي بينهما.

من النظم مما يتعلق بالربا

فإيَّاك إيَّاك الربا فلدرهم ... أشد عقابًا من زناك بنهد وتمحق أموال الربا وإن نمت ... ويربو قليل الحل في صدق موعد وفي بلد الإسلام يحرم مطلقًا ... وفي دار حرب ما خلا بين مهتد ومن ذوي حرب ولا أمن بينهم ... كخدعة حربٍ حصلت نيل مقصد ويختص موزون وما كيل إن بيع ... بجنس ولو نزرًا رباء التزيد وعنه بجنس الطعم أو ثمنية ... وعنه إن يكل مطعومك أو يوزنن قد فمطعوم وزن أو مكيل بجنسه ... ربا ومنافيه أبح لا تردد وما هجر المعيار فيه لصنعة ... فما من ربا فيه على المتأكد وسيان في الحكم الصحيح وضده ... وتبر ومضروب وما جادوا الردي وبيعك أموال الربا بعصيرها ... كزيت بزيتون حرام فأبعد وما لم يجز فيه التفاضل فاحظر ... النسا فيه حتمًا دون خلف تسدَّدِ وما أصله كيل أو الوزن لم يبع ... بأجناسه إلا بعرف مُقَيْدِ وعند اختلاف الجنس بع كيف شئته ... جزافًا وكيلاً أو بوزن محدّد

.. حلول وتقبيض بمجلس معقد وشرط شرا كيل ووزن بمثله ... فلوسًا بها الشرطين ألْزِمْ بأوطدِ سوى عَرْضٍ وَزْنٍ بالنقودِ وصارفٍ ... وموزونهم أو ذا بذا حال معقدِ وليس بشرط قبض غير مكيلهم ... الأصح وعنه أحظر بجنس موحد وما جاز فيه الفضل جاز النساء في ... وعنه على الإطلاق دُوْنَ تَقّيُّدِ وعنه إذا ما بعته متفاضلاً

الجنس وفروعه

س44: تكلم بوضوح عن الجنس وفروعه، ومثل له، واذكر حكم ما إذا بيع دقيق الربوي دقيقه، أو مطبوخه بمطبوخه، أو عصيره بعصيره، أو رطبه برطبه، أو منزوع النوى بما فيه النوى، أو بيع منزوع نواه مع نواه بما فيه نواه، أو ما فيه النوى بما ليس فيه، أو حب بدقيق أو خبز حبه أو دقيقه أو سويقه، أو نيء الربوي بنيئه، أو أصله بعصيره، أو خالصه بمشوبه أو رطبه بيابسه.
واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.

ج: تقدم تعريف الجنس، وأنه ما شمل أشياء مختلفة كالذهب

والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وفروع الأجناس أجناس كالأدقة والأخباز، والأدهان والخلول ونحوها، فدقيق البر جنس، وخبزه جنس، ودقيق الشعير جنس، وخبزه جنس، وهكذا واللحم واللبن والجبن والسمن أجناس باختلاف أصولها، فلحم الإبل جنس، ولبنها جنس، ولحم البقر والجواميس جنس، ولحم الضأن والمعز جنس ولبنها جنس، وهكذا سائر الحيوانات، فيجوز بيع رطل لحم ضأن برطلي لحم بقر.
والشحم والمخ والألية والقلب والطحال والرئة والكلية والكبد والأكارع أجناس، فيجوز بيع رطل شحم برطلي مخ، وهو ما يخرج من العظام، أو برطلي ألية مطلقًا؛ لأنهما جنسان، ويصح بيع دقيق ربوي كدقيق ذرة بدقيقه مثلاً بمثل إذا استويا في النعومة، لتساويهما على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص، فجاز كبيع التمر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة المتقدم: «مثلاً بمثل سواء بسواء» ، وهذا قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز؛ لأنه يعتبر تساويهما حالة الكمال، وهو حال كونهما حبًا، وقد فات ذلك؛ لأن أحد الدقيقين يكون من حنطة رزينة، والآخر من خفيفة، فيستويان دقيقًا ولا يستويان حبًا.
ويصح بيع مطبوخ الربوي بمطبوخه من جنسه، كرطل سمن

بقري برطل منه مثلاً بمثل.
ويصح بيع خبزه بخبزه، كخبز بر بخبز بر مثلاً بمثل، إذا استويا نشافًا أو رطوبةً، لا إن اختلفا.
ويصح بيع عصيره بعصيره، كمد ماء عنب بمثله، ويصح بيع رطبه برطبه، كرطب برطب وعنب بعنب مثلاً بمثل.
ويصح بيع منزوع نواه من تمر وزبيب بمنزوع النوى من جنسه مثلاً بمثل، كما لو كانا مع نواهما.
ولا يصح يع منزوع نواه مع نواه، بمنزوع النوى مع نواه، لزوال التبعية فهي كمسألة مد عجوة ودرهم، ولا يباع تمر بلا نوى بتمر فيه النوى، لاشتمال أحدهما على ما ليس من جنسه، ويصح بيع نوى بتمر فيه نوى، ولا يصح حب من بر وذرة ونحوها بدقيقة أو سويقه لانتشار أجزاء الحب بالطحن، فيتعذر التساوي، ولأخذ النار من السويق، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز بيع الحب بدقيقه، ولا يصح بيع خبز بحبه أو دقيقه أو سويقه للجهل بالتساوي؛ لما في الخبز من الماء، ولا بيع نيء الربوي بمطبوخه، كلحم نيء بلحم مطبوخ، لأخذ النار من المطبوخ، ولا يجوز بيع أصله بعصيره، كدبس بتمر، أو زيت بزيتون، لعدم التساوي، واختار ابن القيم في كتابه «الإعلام» الجواز، وهو اختيار الشيخ تقي الدين.
ولا يصح بيع خالص الربوب بمشوبه، لانتفاء التساوي والجهل به، ولا بيع رطبه بيابسه، كبيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب والحنطة

المبلولة أو الرطبة باليابسة، وبه قال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة؛ لحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن بيع الرطب بالتمر، قال: «أينقص الرطبُ إذا يبس؟» قالوا: نعم، «فنهى عن ذلك» رواه الخمسة، ومالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه الترمذي، وتفرد أبو حنيفة بتجويز بيع رطبه بيابسه كيلاً.
المحاقلة والمزابنة والعرايا

س45: تكلم بوضوح عن المحاقلة، والمزابنة، والعرايا، واذكر ما تستحضرهُ من شروط وأمثلة وتفاصيل ومحترزات، وما يعتبر وما لا يعتبر، وحكم ما إذا ترك العرية حتى أثمرَت، واذكر الدليل والتعليل والخلاف.

ج: المحاقلة: مفاعلة من الحقل، وهو: الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه، وقيل: الحقل: الأرض التي تزرع.
قال صاحب «المطالع» : المحاقلة: كراء الأرض بالحنطة، أو كراؤها بجزء مما يخرج منها، وقيل: بيع الزرع قبل طيبه، أو بيعه في سنبله بالبر، وهو من الحقل، وهو الفدان، والمحاقل: المزارع، وفي عرف الفقهاء: هي بيع الحب المشتد في سنبله بجنسه.
والمزابنة: مفاعلة من الزبن،

وهو الدفع، كان كل واحد منهما يَزْبِنُ صاحبه عن حقه بما يزداد منه.
قال صاحب «المطالع» : المزابنة والزبن: بيع معلوم بمجهول من جنسه، أو بيع مجهول بمجهول من جنسه من الزبن مأخوذ، وهو الدفع.
وقيل: بيع الزرع بالحنطة وبكل ثمر يخرصه، وفسرها ابن الأثير ببيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر؛ وأما العرايا فهي جمع عَرِيَّة، فعيلة بمعنى مفعولة، وهي في اللغة: كل شيء أفرد من جملة وإنما دخلت فيها الهاء؛ لأنها أفردت فصارت في أعداد الأسماء، مثل النطيحة والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة، قلت: نخلة عري.
قال الشاعر:

ليست بِسنْهَاءَ ولا رُجَّبِيَّة ... ولكن عرايا في السنين الجوائحِ

قال أبو عبيد: من عراه يعريه: إذا قصده، ويحتمل أن يكون فعيلة بمعنى فاعلة، من عَرِي يَعْرَى إذا خلع ثيابهن كأنها عريت من جملة التحريم، أي: خرجت، وقال ابن عقيل: هي في الشرع بيع رُطب في رؤوس نخلة بتمر كيلاً.
ولا يصح بيع المحاقلة؛ لما ورد عن جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وعن الثنيا إلا أن تعلم» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي، وعن أنس رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة» رواه البخاري.
لأن الحب إذا بيع بجنسه لا يعلم مقداره بالكيل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل؛ فإن لم يشتد الحب، وبيع ولو بجنسه لمالك الأرض أو بشرط القطع، صح إن انتفع به، ويصح بيع حب مشتدٍ في سنبله بغير جنسه من حب وغيره، كبيع بر مشتد في سنبله بشعير أو فضة، لعدم اشتراط التساوي، ولا يصح بيع المزابنة؛ لحديث جابر المتقدم، وحديث أنس المتقدم قريبًا وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر إلا في العرايا.
وشروط بيع العرايا خمسة: الأول: أن يكون دون خمسة أوسق؛ لما ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية، وشك في الخمسة.
فيبقى على العموم في التحريم؛ ولأن العرية رخصة بنيت على خلاف النص، والقياس فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت باجتهاد مع الشك.
وروى ابن المنذر بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في بيع العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة.
والتخصيص بهذا يدل على أنه لا يجوز الزيادة في العدد عليه.
وقال ابن حبان: الاحتياط أن لا يزيد على الأربعة، قال الحافظ: يتعين المصير إليه.
وقال مالك والشافعي في قول: يجوز في

الخمسة.
ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد؛ لأن في حديث سهل وزيد أنه رخص في العرايا مطلقًا، ثم استثنى ما زاد على الخمسة، وشك الراوي في الخمسة، فبقي المشكوك فيه على أصل الإباحة.
الثاني: أن يكون مشتريها محتاجًا إلى أكلها رطبًا؛ لما روى محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالاً محتاجين من الأنصار شَكَوْا إلى رسول الله أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطبًا.
متفق عليه.
الثالث: أن يشتريها بخرصها، للخبر؛ ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً.
زتفق عيه.
ولا بد أن يكون التمر معلومًا بالكيل للخبر.
وفي معنى الخرص روايتان، إحداهما: أن ينظر كما يجيء منها تمر، فيبيعها بمثله؛ لأنه يخرص في الزكاة كذلك.
والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب؛ لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل، فإذا خولف الدليل في إحداهما، وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب، ولا يجوز بيعها برطب ولا تمر على نخل خرصًا.

الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبرت فيه أحكامه إلا ما استثناه الشرع مما لم يمكن اعتباره في العرايا، والقبض فيما على النخلة بالتخلية، وفي التمر باكتياله؛ فإن كان حاضرًا في المجلس اكتاله، وإن كان غائبًا مشيًا إلى التمر فتسلم، وإن قبضه أولاً ثم مشيا إلى النخلة فتسلمها جاز.
وعلم مما تقدم أن الرطب لو كان مجذوذًا لم يجز بيعه بالتمر، للنهي عنه، والرخصة وردت في ذلك ليؤخذ شيئًا فشيئًا، لحاجة المشتري إلى التفكه، لا لحاجة البائع وإن المشتري إن لم يكن محتاجًا للرطب، أو كان محتاجًا إليه ومعه نقد، لم تصح، ولا يعتبر في العرية كونها موهوبة لبائع على المذهب، وإذا ترك العرية حتى أثمرت بطل البيع.
مسألة مد عجوة وحكم بيع العرايا في غير ثمن النخل

س46: تكلم بوضوح عما إذا باع رجل عرية من رجلين، أو اشترى إنسان عريتين فأكثر من رجلين، أو باع العرية لغني.
وما هي مسألة مد عجوة؟ وما صورتها، وما حكمها، وما دليله؟ وهل يجوز بيع العرايا في غير ثمرة النخل؟ وما حكم الزيادة على القدر المأذون فيه؟ واذكر التوجيه، والدليل، والتعليل، والخلاف.

ج: لو باع رجل عرية من رجلين، فأكثر فيها أكثر من خمسة

أوسق، جاز البيع حيث كان ما أخذه كل واحد دون خمسة، فلا ينفذ البيع في حق البائع بخمسة أوسق، بل ينفذ في حق المشتري، وإن اشترى إنسان عريتين فأكثر من رجلين فأكثر، وفيهما أقل من خمسة أوسق، جاز البيع لوجود شرطه، وإن كان فيهما خمسة أوسق فأكثر، لم يجز عند القائلين بجوازها فيما دون خمسة أوسق، كما هو المشهور من المذهب، وتقدم الخلاف، وأدلة كل من القولين في جواب السؤال الذي قبل هذا.
ولا يجوز بيع العرية لغني معه نقد يشتري به، لمفهوم ما تقدم، ولو باعها لواهبها تحرزًا من دخول صاحب العرية، أو من دخول غيره لا لحاجة الأكل، لم يجز لما سبق أو اشتراها بمثل خرصها رطبًا لم يجز لما سبق.
ولو احتاج إنسان إلى أكثر التمر، ولا ثمن معه إلا الرطب، لم يبعه به، فلا تعتبر حاجة البائع؛ لأن الرخصة لا يقاس عليها.
وقال أبو بكر والمجد بجوازه، وهو بطريق التنبيه؛ لأنه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكه، فلحاجة الاقتيات أولى، والقياس على الرخصة جائز إذا فهمت العلة، ولا يباع الرطب الذي على الأرض بتمر للنهي عنه كما سبق، ولا يجوز بيع العرايا في بقية الثمار؛ لحديث الترمذي عن سهل ورافع مرفوعًا: «نهى عن المزابنة بيع الثر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب» ؛ ولأن أصحاب العرايا رخصة، ولا يساويها غيرها في كثرة الاقتيات وسهولة الخرص.
قال في «الكافي» : وقال القاضي: يجوز في جميع الثمار؛ لأن حاجة الناس إلى رطبها كحاجتهم إلى الرطب.
ويحتمل الجواز في التمر والعنب خاصة لتساويهما في وجوب الزكاة فيهما، وورد الشرع بخرصهما، وكونهما مقتاتين دون غيرهما.
اهـ. وفي «الاختيارات الفقهية» : وتجوز العرايا في جميع العرايا والزرع، وخرج الشيخ من بيع العرايا جواز بيع الخبز الطري باليابس في برِيِّةِ الحجاز ونحوها، ذكره عنه في «الفائق» والزركشي، وزاد بيع الفضة الخالصة بالمغشوشة نظرًا للحاجة «إنصاف» ولا يصح بيع ربوي بجنسه، ومع أحدهما أو معهما، أي: الثمن والمثمن من غير جنسهما، كمد عجوة ودرهم بمثلهما أو بمدين من عجوة أو بدرهمين، وتسمى مسألة: مد عجوة ودرهم، ودليلها حديث فضالة بن عبيد، قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا يباع حتى يفصل» رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه.
وفي لفظ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بقلادة فيها ذهب وخرز، ابتاعها رجل بتسعة دنانير، أو سبعة دنانير، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا حتى تميز بينه وبينه» ، فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا حتى تميز بينهما» قال: فرده حَتَّى

مَيَّزَ بينهما.
رواه أبو داود.
قال في «شرح الإقناع» :وللأصحاب في توجيه البطلان مأخذان، أحدهما: وهو مأخذ القاضي وأصحابه: أن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن على قدر ملكيهما، كما لو اشترى شقصًا وسيفًا؛ فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه منه، وهذا يؤدي إلى العلم بالتفاضل أو إلى الجهل بالتساوي، وكلاهما يبطل العقد، فإنه إذا باع درهمًا ومدًا يساوي درهمين بمدين يساويان ثلاثة دراهم، كان الدرهم في مقابلة ثلثي مُدّ، ويبقى مد في مقابلة مُدّ وثلث، وذلك ربًا.
فلو فرض التساوي كمد يساوي درهمًا ودرهم بمد يساوي درهمًا، ودرهم لم يُجز؛ لأن التقويم ظن وتخمين، فلا تتحقق معه المساواة، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، وضعف هذه الطريقة ابن رجب قال: لأن التقسيم هو قسمة الثمن على قيمة المثمن، لا أجزاء أحدهم على قيمة الآخر، والمأخذ الثاني: سد ذريعة الربا، لئلا يتخذ ذلك حيلة على الربا الصريح، كبيع مائة درهم في كيس بمائتين، جعلاً للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهمًا.
وفي كلام الإمام إيماء هذا المأخذ.
اهـ. وعن أحمد: يجوز البيع في مسألة مد عجوة، بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره.
اختاره الشيخ تقي الدين –رحمه الله- في مواضع من كلامه.
فعيها يجوز بيع درهمين بمد ودرهمين

ومدين بدرهم ومد، ودرهم ومد بدرهم ومد، ومدين ودرهم بمد ودرهم وعكسه، ولا يجوز درهم بمد ودرهم، ولا مد بدرهم ومد ونحو ذلك.
بيع نوعي جنس أو نوع بنوعية أو قراضة

س47: تكلم عن حكم بيع نوعي جنس، أو نوع بنوعيه أو نوعه أو قراضته، وصحيحًا بصحيحين، أو بقراضتين، أو حنطة حمراء أو سمراء ببيضاء أو ما لا يقصد عادة، واذكر أمثلة لذلك، وإذا قال: أعطني بنصف هذا الدرهم نصفًا، وبالآخر فلوسًا أو حاجة، أو نحو ذلك فما الحكم؟ وما مرجع الكيل والوزن؟

ج: ويصح بيع نوعي جنس مختلفي القيمة بنوعيه، أو نوعه ويصح بيع نوع بنوعيه، أو نوعه، كبيع دينار قراضة، وهي: قطعة ذهب، أو قطع فضة، ودينار صحيح معها بدينارين صحيحين، أو قراضتين إذا تساوت وزنًا، أو بيع دينار صحيح بدينار صحيح مثله وزنًا، وكبيع حنطة حمراء وسمراء بحنطة بيضاء، وعكسه، وكبيع تمر معقلي وبرني بإبراهيمي وعكسه، وكبرني وصيحاني بمعقلي، وإبراهيمي مثلا بمثل؛ لأن المعتبر المثلية في الوزن أو الكيل لا القيمة والجودة.

ويصح بيع لبن بذات لبن ولو من جنسه، وبيع صوف بحيوان عليه صوف من جنسه، وبيع ذات لبن بمثلها، أو ذات صوف بمثلها؛ لأن النوى بالتمر والصوف واللبن بالحيوان غير مقصود فلا أثر له.
ويصح بيع درهم فيه نحاس بنحاس خالص، أو بدرهم مساويه في غش بيقين؛ فإن زاد غش أحدهما بطل البيع، وكذا إن جهل؛ لأن النحاس في الدرهم غير مقصود، فلا أثر له، ولا يقابله شيء من الثمن أشبه الملح في الشيرج، وحبات شعير بحطة، ويصح بيع تراب معدن بغير جنسه، وبيع تراب صاغة بغير جنسه، لعدم اشتراط المماثلة إذن؛ فإن بيع تراب معدن ذهب أو صاغة بفضة أو بالعكس، اعتبر الحلول والتقابض بالمجلس، ولا تضر جهالة المقصود لاستتاره بأصل الخلقة في المعدن، وحمل عليه تراب الصاغة، ولا يصح بجنسه للجهل بالتساوي.
ويصح بيع ما مُوّهَ بنقد بنحو دار، كباب وشباك، لا حلي بجنسه.
ويصح بيع نخل عليه تمر أو رطب بمثله، وبيع نخل عليه تمر بتمر، أو رطب؛ لأن الربوي في ذلك غير مقصود بالبيع، فوجوده كعدمه.
ويصح قوله: أعطني بنصف هذا الدرهم نصفًا من دراهم، وبالنصف

الآخر فلوسًا أو حاجة كلحم، وقوله: أعطني بالدرهم نصفًا وفلوسًا ونحوه، كدفع دينار ليأخذ بنصفه نصفًا وبنصفه فلوسًا أو حاجة، لوجود التساوي؛ لأن قيمة النصف في الدرهم كقيمة النصف مع الفلوس أو الحاجة، وقيمة الفلوس أو الحاجة كقيمة النصف الآخر.
ويصح قول لصائغ: صغ لي خاتمًا من فضة وزنه درهم، وأعطيك مثل زنته، وأعطيك أجرتك درهمًا، وللصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة فضة الخاتم، والدرهم الثاني أجرة له، وليس بيع درهم بدرهمين.
ومرد الكيل لعرف المدينة، والوزن لعرف مكة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لحديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة» رواه أبو داود والنسائي والبيهقي، وصححه ابن حبان والدارقطني.
وروى عبد الملك بن عمير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة» وكلامه - صلى الله عليه وسلم - إنما يحمل على تبيين الأحكام، فما كان مكيالاً بالمدينة في زمنه انصرف التحريم بتفاضل الكيل إليه، فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك.
وهذا قول جمهور العلماء مالك والشافعي وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: المرجع إلى عادات الناس وما لا عرف له بالمدينة يعتبر عرفه في موضعه؛ لأنه لا حد له شرعًا، أشبه القبض والحرز؛ فإن

اختلفت عرفه في بلاده اعتبر الغالب منها؛ فإن لم يكن له عرف غالب رُدَّ إلى أقرب ما يشبهه بالحجاز كرد الحوادث إلى أشبه منصوص عليه بها، وكل مائع مكيل؛ لحديث: «كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، ويغتسل هو وبعض نسائه من الفرق» ، وهي: مد مكاييل قدر بها الماء، فكذا سائر المائعات، ويؤيده حديث ابن ماجه مرفوعًا: «نهى عن بيع ما في ضروع الأنعام إلا بكيل» . والبر والشعير مكيلان، وكذا الدقيق والسويق وسائر الحبوب والأبازير، ويجوز التعامل بكيل لم يعهد.
ومن الموزون: الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزئبق والكتان والقطن والحرير والقز والشعر والوبر والصوف.
وغير المكيل والموزون كالثياب والحيوان والجوز والبيض والرمان والقثاء والخيار، وسائر الخضر والبقول والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ ونحوه.

من النظم في معاني الجنس والنوع وما يتصل بذلك

وشامل أصناف تشارك في اسمه ... بقيد هو الجنس المراد لقصد كتمر وبر والشعير ونحوه ... كذلك أجناس فروع المعدد كأدهانها خذ مع خلول أدقة ... كذلك ألبانًا ولحمانها اعدد وفي الشاة أجناس يفاضل بينها ... إذا بعت من لحم وشحم مسرهد وكبد وقلب والرئات وكلية ... وأطحلة والكرش فاحفظ معدد ومن سادة الأصحاب مَن قال ألية ... وشحم هما جنسان للمتفقد ولا تشر باللحمان أحياء جنسها ... وفيها بغير الجنس وجهين أورد وما بيع حب جائزٍ بدقيقه ... وتجويزه يروى بشرط مُقَيدِ إذا استويا وزنًا وليس بجائز ... عصير بأصل والمشوب بجيد وبيعُك أَلبان الحليب بجائز ... يجوز وحرم بيعه المُجمَّدِ وما بيع سمن بالمخيض ممنع ... وبالمثل بع سمنًا بِزُبْدٍ بأجود وبع رطبًا والخبز والعنب إن تشا ... ولحمًا وقيل إن عن عظام يُجَرَّدِ بمثل كما بعد الجفاف وقيل في ... طري اللحم ذا احظره وذا الوجه بعد وباللبن احظر مطلقًا بيع سمنه ... وزبد ومخضوض بغير تردد وعن أحمد إن زاد زبد مفرد ... على الزبد في الألبان جاز فبعد

ومن قبل طبخ باللبا اللبن اشتري ... وعن كامخ بالمثل والكشك فاصدد وحرم شرا مطبوخ نوع بنيه ... كذا رطبه باليابس المُتَجَمِّدِ سوى في العرايا بيع أرطاب نخلة ... بتمر كتمر الرطب بعد التجمد وعنه بتمر مثلها رطبًا له ... وقبل الفراق القبض شرط المعدد لدى حاجة للتمر يشري برطبه ... وبالعكس مع إعساره من منقد وذلك فيما دون خمسة أوسق ... فحسب ولو من واحد أو معدد وأبطل بثاني الصورتين إن اتمرتْ ... وفي غير ثمر النخل حرم بأجود وفي السنبل احظر بيع حب بجنسه ... كذاك بغير الجنس في متبعد وبالربوي لا تشر بالجنس مردفًا ... بغرٍّ من القطرين أو من مفرد كصاع دقيق معه ليس بمثله ... وصاعين أو فلسين في المتأكد وعنه أجز ما لم يكن كمصاحب ... أو انقص منه قدر ذا المتفرد وبالنوع نوعي جنس أو سالمين بالْتَّسَلُّمْ ... وضدُّ لم يَزِدْ بِعْ بأجود وما لا ربا فيه وفيه مخالِطٌ ... هَلِيْكٌ بجنس الخلط بع لا تُفَنّدِ كذا ربوي فيه مستهلكٌ به ... لإصلاحه أولى بغير تَقَيُّدِ كذا مال عبد تشتريه بجنسه ... ولو باشتراط إن يكن غير مقصد وبيع النوى بالتمر منتزع النوى ... يدًا بيد جوز ولو بتزيد وبيع النوى في التمر فيه نواه هل ... يجوز على قولين في نص أحمد

وإن باع نخلاً فيه تمر بمثله ... وبالتمر جوز بيعه مع تردد كذا بيع شاة ذات صُوف ودرهما ... بمثل أو الألبان والصوف ردد ويحرم بيع الدين بالدين والتفاضل ... في مرذول جنس بجيد ومرجع عرف الكيل مكيال يثرب ... ومكة في وزن يعرف لمرشد وما ليس معروفًا هناك فعرفه ... بموضعه بل قيل بالشبه اعدد وكالماء كل المائعات مكيلة ... وجا سَلَمٌ بالوزن من قول أحمد

ما يحرم فيه ربا النسيئة وما يشترط لبيع الربوي بجنسه

س48: ما هو النسِاء؟ وما الذي يحرم فيه ربا النسيئة، وهل له ضابط؟ وما الذي يشترط لبيع الربوي بجنسه؟ وما هو الكالئ؟ واذكر ما تعرفه من صور بيع الدين بالدين؟ ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل؟ واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح والشرط.

ج: النساء والنسيئة: هو التأخير، ومثله النسأة، ومنه الحديث: «أنسأ الله في أجله» . وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ﴾ [آل عمران: 124] ،

ومنه حديث ابن عوف: وكان قد أنسِيءَ له في العُمُر.
وحديث: «من سره النساء ولا نساء» قال الكميت، أو عمير بن جدل الطعان:

ألسْنَا النَّاسِئِيْنَ عَلى مَعَدٍّ ... شُهُور الحِلَّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا

يحرب ربا النسيئة بين ما اتفقا علة ربا الفضل، كبيع مدَّ بُرٍّ بمدَّ بُرٍ، أو بشعير، وكبيع درهم من قز برطل من خبز، فيشترط لذلك حلول وقبض بالمجلس سواء اتحد الجنس أو اختلف، وتماثل إن اتحد الجنس؛ ولأنهما مالان من أموال الربا علتهما متفقة، فيحرم التفرق فيهما قبل القبض كالصرف، ولا يعتبر ذلك إن كان أحد العوضين نقدًا إلا في صرف النقد بفلوس نافقة، فيشترط الحلو والقبض إلحاقًا لها بالنقد، وقال في «الإقناع وشرحه» : ولو في فلوس نافقة بنقد، فيجوز النساء، واختاره الشيخ تقي الدين وغيره كابن عقيل، وذكره الشيخ رواية، قال في «الرعاية» : إن قلنا: هي عرض جاز، وإلا فلا.
اهـ. والذي تميل إليه النفس ما مشى عليه في «الإقناع» حيث جوز النساء في صرف الفلوس بالنقد.
والله أعلم.
والخلاصة: أنه إذا بيع مكيل بجنسه كتمر بتمر، أو الموزون بجنسه كذهب بذهب؛ صح بثلاثة شروط: الحلول، والمماثلة في القدر، والقبض قبل التفرق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مثلاً بمثل، يدًا بيد» رواه أحمد ومسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعًا: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز» متفق عليه.
وإذا بيع بغير جنسه كذهب بفضة وبر بشعير، صح بشرط القبض قبل التفرق، وجاز التفاضل، قال في «نهاية التدريب» : ناظمًا للشروط المذكورة:

بيع الطعام بالطعام يشترط ... له التساوي إن يكن جنسًا فقط كذلك الحلول والمقابضةْ ... حقيقة في مجلس المعاوضة فلم يبع بجنسه جنس فضل ... ولا يجوز مطلقًا إلى أجل وكالطعام في جميع ما عرف ... نَقْدٌ بِنَقْدٍ جنسه أو مختلف

لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» رواه أحمد ومسلم، وعن عمر مرفوعًا: «الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا هاء وهاء» متفق عليه.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما يدًا بيد» رواه أبو داود.
وإذا بيع المكيل بالموزون كبر بذهب مثلاً، جاز التفاضل، والتفرق قبل القبض؛ لأن العلة مختلفة، فجاز التفرق كالثمن بالمثمن.
ويحل نساء في بيع ما لا يدخله ربا فضل، كثياب بثياب، أو

نقد أو غيره، وحيوان بحيوان أو غيره؛ لحديث ابن عمر: أنه «أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ على قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة» رواه أحمد والدارقطني، وصححه.
الكالئ بالكالئ: هو النسيئة بالنسيئة، وذلك أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه، ولا يجري بينهما تقابض.
يقال: كلأ الدين كْلُوءًا فهو كالئ، وإذا تأخر.
ومنه قولهم: بلغ الله بك أكلأ العمر، أي: أطوله وأكثره تأخرًا، وأنشد ابن الأعرابي:

تَعَفَّفْتُ عنها في السنين التي مضت ... فكيف التَّصَابي بعدما كلأ العمر

ولا يصح بيع كالئ بكالئ، وهو بيع دين بدين؛ لما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني: الدين بالدين.
رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف، ففي الحديث دليل على عدم جواز بيع الدين بالدين، وهو إجماع أهل العلم، كما حكاه أحمد وابن عبد البر والوزير وغيرهم وله صور، منها بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه، أو بحال لم يقبض، أو جعله رأس مال سلم.
وقال ابن القيم: الكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم

شيئًا في شيء بالذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وكذا لا يجوز بيع معدوم بمعدوم، وقال: بيع الدين بالدين ينقسم إلى بيع واجب بواجب، وهو ممتنع، وإلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط، فالساقط بالساقط في صورة المقاصة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمة بدين آخر من جنسه، فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه وهو بيع الدين ممن هو في ذمته؛ وأما بيع الواجب بالساقط، فكما لو أسلم إليه في كر حنطة ما في ذمته، وقد حكى الإجماع على امتناعه، ولا إجماع فيه.
واختار الشيخ جوازه.
قال ابن القيم: وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى؛ فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة؛ وأما ما عداه من الثلاث فلكل منهما غرض صحيح، وذلك ظاهر في مسألة التقاص؛ فإن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع، فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته، والآخر يحصل على الربح، وإن كان بيع دين بدين، فلم ينه الشارع عنه لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه.
اهـ. لكن المنع قول الجمهور، لاسيما في الاحتيال على المعسر في قل الدين إلى معاملة أخرى

بزيادة مال، وذكر الشيخ أنه حرام باتفاق المسلمين، ويحرم أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين.

باب الصرف

س49: ما هو الصرف؟ ولِمَ سمي بذلك؟ وبأي شيء يبطل؟ ومثل لما لا يبطل به؟ وإذا تأخر التقابض في البعض، فما الحكم؟ وما حكم التوكيل في قبض في صرف ونحوه؟ وإذا تصارفا على عينين من جنسين، وظهر غصب أو عيب أو بيعت سائر أموال الربا، أو تصارفا على جنسين في الذمة وتقابضا قبل التفرق، ووجد أحدهما بما قبضه عيبًا، فما الحكم؟ وإذا تلف عوض قبض في صرف، ثم علم عيبه وقد تفرقا، فما الحكم؟ واذكر ما يتفرع حول هذا المبحث من المسائل والتقادير، والدليل والتعليل.

ج: الصرف: بيع نقد بنقد من جنسه أو غيره، مأخوذ من الصريف، وهو تصويت النقد بالميزان، وقيل: لانصراف المتصارفين عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض ونحوه.
والقبض في المجلس شرط لصحة الصرف، حكاه ابن المنذر إجماع.
مَنْ يحفظ عنه من أهل العلم؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وبيعوا الذهب كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» ويبطل كسلم بتفرق ببدن يُبْطِلُ خيار المجلس قبل تقابض من الجانبين في صرف؛ لقوله -عليه السلام-: «يدًا بيد» وفي سلم قبض رأس ماله، لما يأتي في بابه، وإن تأخر تقابض في

صرف، أو في رأس مال سلم في بعض من ذلكن بطل الصرف والسلم في المتأخر قبضه فقط، لفوات شرطه، وصحا فيما قبض لوجود شرطه، ويقوم الاعتياض عن أحد العوضين، وسقوطه عن ذمة أحدهما مقام قبضه، ويصح التوكيل من العاقدين أو أحدهما بعد عقد في قبض ربوي وسلم، ويقوم قبض وكيل مقام قبض موكله ما دام موكله بمجلس العقد، لتعلقه به، سواء بقي الوكيل بالمجلس إلى قبض أو فارقه، ثم عاد وقبض؛ لأنه كالآلة؛ فإن فارق موكل قبله بطل العقد، وإن وكل في العقد اعتبر حال الوكيل، ولا يبطل صرف ونحوه باشتراط خيار فيه كسائر العقود الفاسدة في البيع، فيصح العقد ويبطل بالتفرق، وإن تصارفا على عينين من جنسين كصارفتك هذا الدينار بهذه الدراهم، فيقبل، ذكر وزنهما أم لا، ولو كان صرفهما بوزن متقدم على مجلس العقد، أو بخبر صاحبه بوزنه وتقابضا وظهر غصب في جميعه، أو ظهر عيب في جميع أحد العوضين، ولو كان يسيرًا، أو كان عيبه من غير جنس المعيب بأن وجد الدنانير رصاصًا، أو الدراهم نحاسًا، أو فيها شيء من ذلك بطل العقد؛ لأن باعه ما لا يملكه، أو لم يسلم له، أشبه: بعتك هذا البغل، فبان فرسًا.
وإن ظهر الغصب أو العيب في بعضه، بطل العقد في المغصوب أو المعيب فقط بناء على تفريق الصفقة، ويصح في الباقي بقسطه،

وإن كان العيب من جنس المعيب كوضوح ذهب، وسواد فضة، فلآخِذِهِ الخيار بين فسخ وإمساك، وليس له أخذ بدله لوقوع العقد على عينه؛ فإن أخذ غيره أخذ ما لم يعقد عليه؛ فإن رد المعيب بطل العقد لما تقدم، وإن أمسك فله أرش العيب كسائر المعيبات المبيعة بالمجلس، ولا يأخذ أرشه من جنس النقد السليم، لئلا يصير كمسألة مد عجوة ودرهم.
وكذا يجوز أخذ أرش العيب بعد المجلس إن جعل الأرش من غير جنس النقدين كبر وشعير لعدم اعتبار التقابض إذًا، وكذا سائر أموال الربا إذا بيعت بربوي غير جنسها بما القبض شرط فيه، كمكيل بيع بمكيل، وموزون بيع بموزون غير جنسه، فبر بيع بشعير، ووجد بأحدهما عيب من جنسه، فأرش بدرهم أو نحوه من الموزونات مما لا يشاركه في العلة، جاز في المجلس فقط لا من جنس السليم، وإن تصارفا على جنسين في الذمة، كدينار بندقي بعشرة دراهم فضة، صح إن تقابضا قبل تفرق، ثم إن وجد أحدهما بما قبضه عيبًا، والعيب من جنسه، فالعقد صحيح، كما لو لم يكن عيب، ثم تارة يعلم العيب قبل تفرق، وتارة يعلمه بعده؛ فإن علمه قبل تفرق عن المجلس، فله طلب سليم بدله؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة أو أرشه، وله إمساكه مع أرشه، لا من جنس السليم.
وإن علمه بعد التفرق، فله إمساكه مع أخذ أرش، لاختلاف الجنس،

ويكون من غير جنس السليم والمعيب كما تقدم.
وله رده، وأخذ بدله بمجلس رد؛ لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده كالسلم فيه؛ فإن تفرقا قبل أخذ بدله بطل العقد؛ لحديث: «ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز» وإن لم يكن العيب من جنسه فتفرقا قبل رَدِّ معيْبٍ وأخذ بدله، بطل الصرف للتفرق قبل التقابض، وإن عين أحد العوضين من جنسين في صرف دون العوض الآخر، بأن كان في الذمة، ثم ظهر في أحدهما عيب، فلكل من المعين وما في الذمة حكم نفسه فيما تقدم، والعقد على عينين ربويين من جنس، كهذا الدينار بهذا الدينار، كالعقد على ربويين من جنسين، وكذا لو كانا أو أحدهما في الذمة، إذ أنه لا يصح أخذ أرش مطلقًا، لا قبل التفرق ولا بعده، ولا من الجنس ولا من غيره؛ أنه يؤدي إلى التفاضل إن كان من الجنس، وإلى مسألة مد عجوة إن كان من غير الجنس، وإن تلف عوض قبض في عقد صرف ذهب بفضة مثلاً، ثم علم عيبه وقد تفرقا، فسخ صرف وردَّ الموجودُ لباذله، وتبقى قيمة التالف في ذمة من تلف بيده، لتعذر الرد، فيرد من تلف بيده مثل القيمة أو عوضها إن اتفقا عليه، ويصح أخذ أرش العيب ما لم يتفرقا إن كان العوضان في صرف من جنسين؛ لأن الأرش كجزء من المبيع، وقد حصل قبضه بالمجلس؛ لكن لا يكون

جنس السليم كما تقدم، ويصح أخذه بعد التفرق من غير جنس النقدين.

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل