الأسئلة والأجوبة الفقهيةصفحات 131-170
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 131-170
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد العزيز السلمان
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب
الأسئلة والأجوبة الفقهية
المؤلف
أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ)
عدد الأجزاء
6 أجزاء
الكتاب
ملفات وورد وضعها الأخ أبو مهند النجدي، عضو في ملتقى أهل الحديث

موضع أوجبنا القيمة، ولم يغنم الجيش شيئًا؛ فإنها تعطي من بيت المال لأنه مال المصالح.
الأنفال: جمع نفل بالتحريك وبسكونها، والغنيمة: قال لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل.
وقال عنترة:

إنا إذا احمر الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال

أي الغنائم، وأصل النفل: الزيادة، وسميت الغنيمة به؛ لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة، مما كان محرمًا على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهد من أجل الجهاد، ويطلق النفل على معان أخر منها: اليمين، والابتغاء، ونبت معروف.
والنافلة: التطوع لكونها زائدة على الواجب، والنافلة: ولد الولد؛ لأنه زيادة على الولد.
ولأمير في بداءة دخول دار حرب، أن ينفل الربع فأقل بعد الخمس، وله أن ينفل في رجوع من دار حرب الثلث، فاقل بعد الخمس؛ لما روى عبادة ابن الصامت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث.
رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
وفي رواية: كان إذا أغار في أرض العدو، نفل الربع، وإذا قفل راجعًا وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول: «ليرد قوى المؤمنين على ضعيفهم» رواه أحمد.
وعن حبيب بن مسلمة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفل الربع بعد الخمس في بداءته، ونفل الثلث عد الخمس في رجعته.
رواه أحمد وأبو داود، وروى الأثرم عن عمر بن الخطاب، أنه قال لجرير بن عبد الله في قومه يريد الشام: هل لك أن تأتي الكوفة، ولك الثلث بعد الخمس، من كل أرض وسبي.
ولا تجوز الزيادة على الثلث لأن نفل النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهى إليه.
ويجوز النقص منه؛ لأنه إذا جاز ألا ينقل شيئًا، فلأن يجوز تنفيل قليل

أولى، ولا يستحق هذا النفل إلا بالشرط؛ لأن استحقاقه بغير شرط إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع باستحقاقه على الإطلاق، وزيد في الرجعة على البدء لمشقتها؛ لأن الجيش في البداءة ردة عن السرية، وفي الرجعة منصرف عنها، والعدو مستيقظ، ولأنهم مشتاقون إلى أهليهم، فيكون أكثر مشقة ولا يعدل شيء عند أحمد الخروج في السرية مع غلبة السلامة.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل» متفق عليه.

من النظم مما يلزم الإمام والجيش

ويلزم عند السير منع مخذل ... ومرجفهم مع كل أعجف أو ردي ومخشى عون للعدو منافق ... وساع بشحنا بيننا ومفسد ورديء نساء غير عجف قواعد ... يعالجن جرحى ثم يسقين من صدى ولا يستعن بالكفر إلا ضرورة ... ويمشي برفق مستعد التزود وعن أحمد إن كان يقوى لدفعهم ... إذا نصر الأعداء وإلا ليردد وإن تجدن من كل مركوبه اجعلن ... على فاضل واحتم لخوف الردى قد ويظهر أسباب التضافر بينهم ... ويعقد رايات بكل مسود وكل قبيل فليقدم عليهم ... عريفًا حفيظًا كافيًا للتفقد وكل فئات فليعين شعارهم ... وفي كل حرز أو صلاح ليجهد ويبعث أكفاء العيون تحرزًا ... ويردع عن فعل الخنا كل مفسد وذا الرأي شاوره وذا الصبر والغنا ... بأجر وتنفيل على غيره عد ويكتم مهما اسطاع يا صاح ... ووار بغير القصد عن مقتصد وصفهم واجعل على كل جانب ... نجيبًا ودع ميل الهوى لا تنكد ودعوتنا من لم تبلغه حر من ... قتالهم قبل الدعاء وأكد ومن بلغته قاتلن قبله أن تشا ... ودعوتهم من قبل حسن وسدد وبذلك اجعل جلب نفع مجوز ... وعلما به الشرط من سوى مال جعد إذا لم يجاوز بعد خمس ثلثيه ... في الأولى ودون الشرط ما زاد فاردد وما منعوه بذله ورآه للمصالح ... من مال المصالح فأعدد فمع فقد جعل عين أو نوع مطلق ... وفقدان فتح صاحب الجعل شرد ولا يمنع الإسلام تسليم جعله ... رقيقًا قبيل الفتح أو بعده اشهد وقيمة حر الأصل إن يهد قلبه ... وقيمته عين لذي الكفر ترشد وإن صولحوا من غير شرط لجعله ... وظن به بالقيمة الصلح أفسد وقيد احتمال ماله غير قيمة ... كحرة أصل سلموها بأبعد

وشرطك ربعا بعد خمس مجوز ... لنفل السرايا في الدخول به جد وبالثلث بعد الخمس في رجعة ولا ... تبق لهم والجيش بعدهم اعدد وقولين في تنفيله ذاك شرط أو ... زيادة فوق الثلث بالشرط قيد وليس لهم من غير شرط تنفل ... وجائز التنقيص دون التزيد وإن ير تنفيلاً لإغناء أو رجا ... غناء يجز من بعد خمس وقيد ونفل السرايا للنقوع وغيره ... وكالسلب اخصص في سواهم بمرقد

س46: ماذا يلزم الجيش من طاعة الإمام؟ وما حكم إحداث أمر بلا إذنه؟ تكلم عن المبارزة بوضوح، واذكر ما تستحضره من الأدلة.

ج: يلزم الجيش طاعة الأمير في غير معصية، ويلزمهم النصح والصبر معه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ؛ ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» متفق عليه.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة» متفق عليه.
وعنه قال: كنا إذا بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، يقول لنا: «فيم استطعتم» متفق عليه.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية» متفق عليه.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة» رواه البخاري.
وأما الدليل على النصح، فعن أبي رقية تميم الداري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الدين النصيحة» ، قلنا: لِمَن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم.
وعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، متفق عليه.
فلو أمرهم الأمير بالصلاة جماعة، وقت لقاء العدو فأبوا، عصوا للمخالفة.
وأما الدليل على الصبر، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ وعن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه التي

لقى فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: «أيها النسا لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» الحديث متفق عليه.
ويلزمهم اتباع رأيه، والرضا بقسمته الغنيمة وبتعديله لها؛ لأن ذلك من جملة طاعته ولا يخالفونه ينشعب أمرهم، فلا خير مع الخلاف، ولا شر مع الائتلاف.
قال ابن مسعود: الخلاف شر.
ذكر ابن عبد البر: ولا يجوز لأحد أن يتعلف –وهو تحصيل العلف للدواب- ولا يتحطب، ولا يبارز، ولا يخرج من العسكر، ولا يحدث حدثًا إلا بإذن الأمير؛ لأنه أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم وقوتهم، فإذا خرج إنسان أو بارز بغير إذنه، لم يأمن أن يصادف كمينًا للعدو فيأخذوه، أو يرحل بالمسلمين، ويتركه فيهلك أو يكون ضعيفًا لا يقوى على المبارزة، فيظفر به العدو فتكسر قلوب المسلمين، بخلاف ما إذا أذن؛ فإنه لا يكون إلا مع انتفائه المفاسد، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِنَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ . ولا ينبغي أن يأذن في موضع إذا علم أنه مخوف؛ لأنه تغرير بهم؛ وأما الانغماس في الكفار، فيجوز بلا إذن لأنه يطلب الشهادة، ولا يترقب منه الظفر، وإلا بالمقاومة بخلاف المبارزة، فتتعلق به قلوب الجيش، ويرتقبون ظفره، فلو طلب البراز كافر، سن لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، لمبارزة الصحابة - رضي الله عنهم -. عن علي - رضي الله عنه - قال: تقدم عتبة بن ربيعة، ومعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب شاب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه.
فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنا أردنا بني عمان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث» فأقبل حمزة إلى عتبه، وأقبلت إلى شيبة، واختلفت ابن عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منا صاحبه، ثم ملنا إلى الوليد، فقتلناه واحتملنا عبيدة، رواه أحمد وأبو داود.

وعن قيس بن عبادة، عن علي قال: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة، قال قيس: فيهم نزلت هيه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة وربيعة والوليد بن عتبة.
وفي رواية أن عليًا قال: فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يوم بدر ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ . رواهما البخاري، وعن سلمة بن الأكوع قال: بارز عمي يوم خيبر مرحب اليهودي، رواه أحمد في قصة طويلة ومعناه لمسلم، وبارز البراء بن مالك مرزبان الدارة، فقتله وأخذ سلبه، فبلغ ثلاثين ألفًا؛ ولأن في الإجابة إليها إظهارًا لقوة المسلمين، وجلدهم على الحرب، فإن لم يعلم من نفسه المكافأة لطلب البراز، كرهت إجابته لئلا يقتل، فيكسر قلوب المسلمين، وكان الأمير لا رأي له فعلت المبارزة بغير إذنه.
فإن شرط الكافر المبارز أن لا يقتله غير الخارج إليه، أو كان هو العادة لزم لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم» ، ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة؛ لأن لا عهد له ولا أمان.
ويباح للرجل المسلم الشجاع طلبها ابتداء، ولا يستجب له ذلك؛ لأنه لا يأمن أن يقتل فتنكسر قلوب المسلمين، فإن انهزم المسلم المجيب لطالب البراز، والداعي إليه أو أثخن بجراح، فلكل مسلم الدفع عنه، والرمي للكافر المبارز لانقضاء قتال المسلم معه، والأمان إنما كان حال البراز، وقد زال وأعان حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة، حين أثخن عبيدة.
وإن أعان الكفار صاحبهم، فعلى المسلمين عون صاحبهم، وقتال من أعان عليه دون المبارزة؛ لأنه ليس بسبب من جهته؛ فإن استنجدهم أو علم منه الرضا بفعلهم انتقض أمانه وجاز قتله.

س47: ما هو السلب؟ ومن الذي يستحقه؟ ومتى يستحقه؟ وبأي شيء تقبل دعوى القاتل للسلب؟ وإذا كان القاتل صبيًا، أو امرأة، فما الحكم؟

وإذا قتله اثنان فما الحكم؟ وما الحكم فيما إذا أسره إنسان فقتله الإمام أو استحياه؟ ج: السلب بفتح السين واللام، ما على القتيل من ثياب وسلاح ودرع وحلي، وما معه من خيل ودابته التي قاتل عليها، وما كان بمنزلة الخيل، والدابة في وقتنا هذا، وآلات الركوب لأنها تابعة له، ويستعان بها في الحرب فأشبه السلاخ، ويدخل في ذلك التاج، والبيضة، والمنطقة، وأسورة، وران، وخف بما في ذلك من حية، وسيف، ورمح، ولت، وقوس، ونشاب؛ لأنه يُستعان به في حربه.
وإذا قتل مسلم كافرًا فله سلبه سواء قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه أو لم يقل؛ لعموم الأدلة، عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حل عاتقه، وأقبل علي، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال: مال للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة، فله سلبه» الحديث متفق عليه.
وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين: «من قتل رجلاً فله سلبه» ، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم.
رواه أحمد وأبو داود.
وفي لفظ: «من تفرد بدم رجل، فقتله فله سلبه» ، قال: فجاء أبو طلحة بسلب أحد وعشرين رجلاً.
رواه أحمد.
وعن عوف بن مالك، أنه قال لخالد بن الوليد: أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم، قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى.
رواه مسلم، وكذا إذا أثخنه

فصار في حكم المقتول، فله سلبه؛ لما ورد عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيده لئن رأيته، لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها.
قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فقال: فابتدراه بسفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبراه.
فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته.
فقال: هل مستحما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء.
متفق عليه.
ووجه ذلك أن ابن مسعود وقف على أبي جهل يوم بدر، فلم يعط سلبه، وقضى به النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن عمرو بن الجموع؛ لأنه أثبته.
ومن غرر بنفسه بأن قدم على مبارزة من يغلب على ظنه أنه لا يقدر عليه، فقتله حال الحرب لا قبلها ولا بعدها، ولا عبدًا بإذنه سيده، أو كان امرأة أو صبيًا بإذن إمام، أو نائبه فله سلبه؛ لحديث: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ، وللأحاديث المتقدمة.
وقال الشيخ تقي الدين: في هذا نظر؛ فإن حديث ابن الأكوع كان المقتول منفردًا، ولا قتال هناك، بل كان المقتول قد هرب منهم، انتهى من «الإنصاف» .

ولا يستحق السلب مخذل، ولا مرجف، ولا عاص، كرام بيننا يفتن؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد، ويستحق السلب القاتل بشرطه، ولو كان المقتول صبيًا أو امرأة إذا قاتلوا للعمومات، لا إن رماه بسهم من صف المسلمين، أو قتله مشتغلاً بأكل ونحوه، أو منهزمًا فلا يستحق سلبه لعدم التغرير بنفسه، أشبه قتل شيخ فان، وامرأة، وصبي، ونحوهم ممن لا يقتل.
ولو قطع مسلم يدي الكافر ورجليه، فله سلبه، ولو قتله غيره لأنه كفى المسلمين شره؛ ولأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل، فأدرك ابن مسعود أبا جهل، وبه رمق فأجهز عليه، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
وإن قتله اثنان فأكثر فسلبه غنيمة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشرك بين اثنين في سلب، ولأنه إنما يستحقه بالتغرير في قتله، ولا يحصل بالاشتراك وإن أسره فقتله الإمام أو استحياه، بأن أبقاه حيًا رقيقًا، أو بفداء، أو من فسلبه ورقيته إن رق وفداؤك إن فدى غنيمة؛ لأن الذي أسره له بقتله، ولأنه قد أسر المسلمون يوم بدر أسرى، فقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم واستبقى منهم، ولم ينقل أنه أعطى أحدًا ممن أسرهم سلبًا ولا فداء، وإن قطع يده ورجله وقتله آخر، فسلبه للقاتل.
ولا تقبل دعوى القتل إلا بشهادة رجلين؛ لأن الشارع اعتبر البينة، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين، ففي الحديث المتفق عليه المتقدم قريبًا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» ، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين، وكالقتيل العمد، وقيل: يعطي السلب إذا قال: أنا قتلته، ولا يسأل ببينة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل قول أبي قتادة، وجوابه الخبر الآخر، وبأن خصمه أقر له فاكتفى بقوله.

وقال جماعة من أهل الحديث: يقبل شاهد ويمين كغيره من الأموال، ونفقته ورحله وخيمته غنيمة؛ لأن ذلك ليس من اللبوس، ولا مما يُستعان به في الحرب.

س48: تكلم عن أحكام ما يلي: الكذب في الحرب، الخيلاء فيه، تخميس السلب، الخديعة في الحرب.

ج: يجوز الكذب في الحرب؛ لما روى البخاري، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: «نعم» ، قال: فأذن لي أن أقول شيئًا.
قال: «قل» ، فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد انبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يضير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين، فقال: نعم أهنوني.
قالوا: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم.
قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبناءكم؟ قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟ فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة، فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة.
قالت: إني أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب، قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلان.
وفي رواية أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر، فقال: إذا جاء فأني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه، وقال مرة: ثم أشمكم،

فنزل إليهم متوشحًا، وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي أطيب، فقال: عندي أعطر نساء العرب، وأجمل نساء العرب، فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم.
فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه.
وعن أم كلثوم بنت عقبة قالت: لم أسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يرخص في شيء من الكذب، مما يقول الناس، إلا في الحرب والإصلاح بين الناس.
وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
وتستحب الخيلاء في الحرب؛ لما ورد عن جابر بن عتيك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من الغيرة ما يحب الله، ومن الغيرة ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله؛ فأما الغيرة التي يحبها الله، فالغيرة في الريبة؛ وأما الغيرة التي يبغض الله، فالغيرة في غير الريبة؛ والخيلاء التي يحبها الله، فاختيال الرجل بنفسه عند القتال، واختياله عند الصدمة؛ والخيلاء التي يبغض الله، كاختيال الرجل في الفخر والبغي» رواه أبو داود والنسائي.
ويكره التلثم في القتال وعلى أنفه، لا لبس علامة كريش نعام، ولا يخمس السلب؛ لحديث عوف وخالد إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخمس السلب.
رواه أحمد وأبو داود؛ ولأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فله سلبه» يتناول جميعه.
وتجوز الخديعة في الحرب للمبارز وغيره؛ لما ورد عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحرب خدعة» متفق عليه، وروي أن عمر بن عبد ود، لما بارز عليًا قال له علي: ما برزت لأقاتل اثنين، فالتفت عمرو فوثب علي فضربه، فقال عمرو: خدعتني، فقال: الحرب خدعة، وفي غزوة الخندق، إن نعيم بن مسعود بن عامر من بني غطفان، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال:

يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة» فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان، أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدة، إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، حتى تكون بأيديكم ثقة لكم، على أن يقاتلوا معكم محمدًا حتى تناجزوه، قالوا: فقد أشرت رأي ونصح.
ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه ورجال قريش: يا معشر قريش قد عرفتم ودي إياكم، وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمرًا رأيت أن حقًا علي أن أبلغكم نصحًا لكم، فاكتموا علي.
قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود، قد ندموا عل ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعثت إليكم يهود فالتمسوا رهنًا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحدًا، ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني.
قالوا: صدقت.
قال: فاكتموا علي، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان ذلك مما صنع الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، أرسل

أبو سفيان ورؤوس من غطفان، إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى تناجزوا محمد أو نفرغ مما بيننا وبينه، فقالوا لهم: إن اليوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان أحدث بعضنا فيه حدثًا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدًا؛ فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد، فلما رجعت إليها الرسل بذلك الذي قالت بنو قريظة.
قالت: قريش وغطفان تعلمون، والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحدًا من رجالنا، وإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا؛ فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك استمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تأتونا رهنًا، فأبوا عليهم وحذل الله بينهم، وفرق جمعهم، ثم أرسل الريح بالمطر والرعد والبرق، وقذف في قلوب الذين كفروا الرعب، فولوا الأدبار.

من نظم ابن عبد القوي مما يتعلق بما يلزم الجيش

ويلزم كل الجيش نصح أميرهم ... وطاعته في طاعة الله قيد وليس لهم أن يخرجوا من معسكر ... ولا يبرزوا إلا بإذن مجدد وندب لذي بطش شجاع برازه ... بإذن أمير كافر إذا تمرد ومن دون إذن حر من مطلقًا وللضعيف ... بالإذن إكره وحلل لمبتدي ولا تنصرن ذا السلم مع شرط كافر ... سوى مثخن مع كلمه أو معرد وقبل براز جوزن قتل كافر ... سوى مع كون القتل غير معود وقاتل من الكفار أعوان كافر ... وإن يرض أو يستصرخ اقتله واقدد ومن يستطع في الحرب خدعة كافر ... أجزه بلا كره ولو مات ترشد وإن يرده ذو السلم أو يرد غيره ... يكن غير مخموس له سلب الرد لتعميم حكم الشرع فيما أباحه ... الإمام له أو لم يبحه بأوكد ويشرع قتل العلج والحرب قائمًا ... مخاطرة ذا منعة وتجلد ويعطاه ذو وضخ ولو كان كافرًا ... وقاتل سبي قاتلوا في المجود ولا تعطه الممنوع سهمًا ورضخه ... كزمن بلا إذن يبارز بأوكد وللمدعي بالشاهد اقض وقيل أو ... بفرد وإيلاء وقيل بمفرد وللقاطع الأطراف لا قاتل أبح ... وللقاتل المقطوع واجده جد وقيل كمقطوع اثنتين غنيمة ... وقتل الإمام العاني أوذ إذن اشهد وقيل لمرد والشريكي وآسر ... وعبد له إن رق والمال إن قد وأسلابه آلات حرب ولبسه ... لدى الحرب مع حلي بغير تقيد وفي الأشهر المركوب فيه وممسك ... العنان بآلات له لم تقيد

ويكره في قتل العدا كل مثلة ... ويكره نقل الروس لا سلب ملحد وخيمته مع رحلة وجنيبه ... وأمواله للغانمين لتردد


س49: تكلم عن أحكام ما يلي: الغزو بلا إذن الإمام.
من دخل دار حرب بلا إذن الإمام فغنم شيئًا.
من أخذ من دار حرب ركازًا ومباحًا له قيمة إعلاف الدابة ما أحرزه من طعام.
القتال بسلاح من الغنيمة.
ليس الثوب والقتال على فرس منها.
أخذ شيء مما أحرز من الغنيمة.
التضحية بشيء فيه الخمس الفاضل عما أخذه الغزاة، من أخذ دابة لغزوه عليها أو سلاح أو غيره إذا خرج الإمام على رجل ألا يصحبه فنادى بالنفير.
ما هي النهدة وما حكمها؟ وتكلم عن كتبهم وما وجد معهم من الملاهي والمحرمات.

ج: لا يجوز الغزو إلا بإذن الأمير؛ لأنه أعرف بالحرب وأمره موكول إليه، ولأنه إذا لم تجز المبارزة إلا بإذنه، فالغزو أولى إلا أن يفجأهم عدو يخافون شره، وأذاه، فيجوز قتالهم بلا إذنه لتعين المصلحة فيه، ولما في التأخر من الضرر، وحينئذ لا يجوز التخلف لأحد إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ المكن والأهل والمال.
ومن لا قوة له على الخروج، ومن منعه الإمام، والدليل إلى جوازه بلا إذن الإمام، أنه لما أغار الكفار على لقاح أي نوق النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجًا من المدينة وتبعهم فقاتلهم بغير إذن.
فمدحه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «خير رجالنا سلمة بن الاكوع» ، وأعطاه سهم فارس وراجل.

وكذا إن عرضت لهم فرصة يخافون فوتها بتركه للاستيذان؛ فإن لهم الخروج بغير إذنه لئلا تفوتهم، ولأنه إذا حضر العدو صار الجهاد فرض عين، فلا يجوز التخلف عنه، وإذا دخل قوم ذو منعة أولاً أو دخ لواحد ولو عبدًا دار حرب بلا إذن إمام أو نائبه، فغنيمتهم فيء لأنهم عصاة بالافتيات.
ومن أخذ من الجيش أو اتباعه من دار حرب ركازًا، أو مباحًا له قيمة في مكانه، فهو غنيمة؛ لحديث عاصم بن كليب، عن أبي الجويرة الجرمي قال: لقيت بأرض الروم جزء فيها ذهب في إمارة معاوية، وعلينا معن بن يزيد السلمي، فأتيته بها فقسمها بين المسلمين، وأعطاني مثل ما أعطى رجلاً منهم، ثم قال: لولا أني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك» ، ثم أخذ يعرض على من نصيبه فأبيت.
أخرجه أبو داود.
فإن لم تكن له قيمة كالأقلام والمسن، فلآخذ ولو صار له قيمة بنقله ومعالجته.
ومن أخذ طعامًا أو علفًا، ولو بلا إذن أمير، ولا حاجة فله أكله، وله إطعام سبي اشتراه، وله علف دابته؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف.
رواه سعيد وأبو داود.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه.
رواه البخاري، وعن ابن عمر: أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا وعسلاً، فلم يؤخذ منهم الخمس.
رواه أبو داود.

وعن عبد الله بن المغفل قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فالتفت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متبسمًا، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كنا نأكل الجزور في الغزو، ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا منه مملوءة» رواه أحمد، ولسعيد أن صاحب جيش الشام كتب لعمر: إنا أصبنا أرضًا كثيرة الطعام والغلة، وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، فكتب إليه دع الناس يعلفون ويأكلون.
فمن باع منهم شيئًا بذهب أو فضة، ففيه خمس الله وسهام المسلمين؛ فإن أحرز الطعام والعلف، أو وكل الإمام من يحفظه، فلا يجوز أن يأكله أو يعلفه دابته إلا لضرورة؛ لأنه صار غنيمة للمسلمين، وتم ملكه عليه.
ولا يجوز أن يعلف منه دابة لصيد، كجارح وفهد لصيد، لعدم الحاجة إليها ويرد فاضلاً من طعام، وعلف، ولو كان يسيرًا لاستغنائه عنه.
ويرد ثمن ما باع من طعام وعلف للخبر، ولو كان يسيرًا لاستغنائه عنه، ويرد ثمن ما باع من طعام وعلف للخبر، وتقدم قريبًا، ويجوز القتال بسلاح من الغنيمة، ويرده مع حاجة وعدمها لقول ابن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل، فوقع سيفه في يده فأخذته، فضربته حتى برد، رواه الأثرم، ولعظم الحاجة إليه مع بقائه.
ولا يجوز القتال على فرس أو نحوها من الغنيمة، ولا لبس ثوب منها، لما ورد عن رويفع بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتاع مغنمًا حتى يقسم، ولا أن يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلفه رده فيه، ولا أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه» رواه أحمد وأبو داود.
ولا يجوز أخذ شيء من طعام أو غيره في دار إسلام أو حرب، مما أحرز

من الغنيمة إلا لضرورة؛ لأنه إنما أبيح الأخذ قبل جمعه، ولأنه لم يثبت فيه ملك المسلمين، وصار كسائر أملاكهم؛ فإن لم يجد ما يأكله كله جاز له الأخذ لحفظ نفسه ودوابه.
ولا تجوز التضحية بشيء فيه الخمس، وله دهن بدنه ودابته، وله شرب شراب لحاجة إلحاقًا له بالطعام.
ومن أخذ ما يستعين به في غزاة معينة، فالفاضل مما أخذه له؛ لأنه أعطيه على سبيل المعاونة والنفقة، لا على سبيل الإجازة، كما لو أوصى أن يحج عنه فلان بألف، وأن لا يكن أخذه في غزاة معينة، فالفاضل يصرفه في الغزو.
وإن أخذ دابة غير عادية، ولا حبيس لغزوه عليها ملكها بالغزو؛ لحديث عمر: حملت رجلاً على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، فظننت أنه بائعه برخص.
الخبر متفق عليه.
فلولا أنه ملكه ما باعه، ولم يكن ليأخذه من عمر، فيقيمه للبيع في الحال، فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه، أشار إليه أحمد؛ فإن لم يغز ردها، ومثل الدابة سلاح أعطيه ليغزو به، فيملكه بالغزو؛ فإن باعه بعد الغزو، فلا بأس، ولا يشتريه من تصدق به.
ولا يركب دواب السبيل في حاجة نفسه؛ لأنها لم تسبل لذلك، ويركبها ويستعملها في سبيل الله؛ لأنها سبلت لذلك.
وإذا قال الإمام لرجل: أحرج عليك ألا تصحبني؟ فنادى الإمام بالنفير، لم يكن إذنًا له في الخروج لتقديم الخاص على العام.
ولا بأس النهدة في السفر فعله الصالحون، كان الحسن إذا سافر ألقى معهم، ويزيد أيضًا بعد ما يلقى وفيه رفق، ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئًا من النفقة، يدفعونه إلى رجل منهم ينفق عليهم، ويأكلون منه جميعًا، ولو أكل بعضهم أكثر من بعض لجريان العادة بالمسامحة.
ولا يتخذ النعل والجرب من جلودهم، ولا الخارط والحبال، بل ترد

كسائر أموالهم، وكتبهم المنتفع بها ككتب الطب واللغة والشعر، ونحوها.
وإن كانت مما لا ينتفع به، وأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله غسل وهو غنيمة، وإلا فلا.
ويُقتل الخنزير، ويُكسر الصليب، ويُراق الخمر، وتُكسر أوعيته، إن لم يكن فيهما نفع للمسلمين وإلا أبقيت، وتكسر آلات اللهو كالتليفزيون والسينما والراديو والبكم والعود ويحرق الدخان وتسكر الشبش التي يشرب بها وآلات توليعه وتطفئته وتتلف جميع الملاهي؛ لأنها محرمات بيعًا وشراء واستعمالاً.

من النظم في وجوب إذن الأمير

ويحرم غزو دون إذن أميرهم ... إذا لم يفت غنم ولم يفج معتد وإن خيف فوت الغنم أو بغت العدا ... فلا إذن وليغزو سوى حفظ قد ومن يعط شيئًا في غزاة لعونه ... فيغزو فيفضل أو حمى فوق أجرد وليس حبيسًا أو معارًا لفرضه ... ولا قال أنفق في الجهاد له أشهد وإن تغز دون الإذن من غير منعة ... رجالاً فيحووا مغنمًا فبأوكد له بعد خمس والجميع بثان ... وفي جعله في الفيء ثالثة زد وإن كان فيهم منعة فهو ملكهم ... سوى الخمس ولأوهى يكن فيئًا اعدد وأكلك مطعومًا وعلف بهائم ... يجوز بلا إذن وعن بيعه زد ولو كان دهنًا أو شرابًا لحاجة ... وعن غير مطعوم وتابعه أصدد وفاضل مطعوم إذا عدت رده ... وعن أحمد تحليل نزر مزهد وما حيز في الأقوى احظرن لا ضرورة ... وقيمة ما بعث أو ثمنه إن نمى اردد وجائز استعمال آلة حربهم ... له غير مركوب وثوب بأوكد وحظر على شرط على حارس لها ... ركوب لمغنوم وبالشرط جود وما اختص من كتب بهم بيعه احظرن ... سوى جلد أو ورق ولا غنم افتد


س50: تكلم بوضوح عما يلي: الغنيمة، دليلها، إذا أخذ حربي مالنا، إذا وجد وسم على حبيس، إذا استولى الكفار على حر، فداء الأسير بخيل أو سلاح.

ج: الغنيمة أصلها إصابة الغنم من العدو، وقد تستعمل في كل ما ينال بسعي، ومنه قول الشاعر:

وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب

ومثله قول الآخر:

ومطعم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحرم محروم

وتعريف الغنيمة اصطلاحًا: هي ما أخذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما ألحق به كهارب استولينا عليه، وهدية الأمير ونحوهما، والأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية، وقد اشتهر وصح أنه - صلى الله عليه وسلم - قسم الغنائم، وكانت في أوائل الإسلام خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ الآية.
ولم تحل الغنائم لغير هذه الأمة؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ولم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس غيركم، كانت تنزل نار من السماء تأكلها» متفق عليه.
ويملك أهل الحرب ما لنا بقهر، ولو اعتقدوا تحريمه؛ لأن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم كالبيع، وفي القواعد الفقهية: أنهم لا يملكون إلا بالحيازة، إلا دارهم، وفي «الاختيارات الفقهية» لم ينص الإمام أحمد على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، فالصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه.
انتهى.
وما اختاره الشيخ تقي الدين أقرب إلى الصواب فيما أرى.
والله أعلم.

وإذا ملك مسلم أختين ونحوهما فوطئ إحداهما، ثم استولى عليها الكفار فله وطء الأخرى، لزوال ملكه عن أختها، وإن أسلموا وبأيديهم شيء من ذلك، فهو لهم، ولا يملكون وقفًا، ويعمل بوسم على حبيس لقوة الدلالة عليه كما يعمل بقول مأسور استولى عليه من كفار هو ملك فلان فيرد إليه، ولا يملكون حرًا ولا ذميًا؛ لأنه لا يضمن بالقيمة، ولا تثبت عليه اليد بحال، ومتى قدر على الذمي رد إلى ذمته لبقائها، ولم يجز استرقاقه، ويلزم فداؤه، ولا يجوز فداء على أسير بخيل ولا سلاح؛ لأنه إعانة على المسلمين.

س51: تكلم عما يلي: إذا استولى أهل الحرب على حرة أو أمة، إذا أخذنا الحرة أو أم الولد منهم، إذا ولدت منهم، إذا أبى الولد الإسلام، إذا اشترى مسلم أسيرًا من كافر، واذكر الدليل على ما تقول.

ج: ينفسخ باستيلاء أهل الحرب نكاح أمة مزوجة استولوا عليها وحدها لملكهم لرقبتها ومنافعها، وكنكاح كافرة سبيت وحدها، ولا ينفسخ به نكاح حرة مزوجة؛ لأنهم لا يملكونها، وإن أخذتا الحرة منهم، أو أخذنا منهم أم الولد ردت حرة لزوج لبقاء نكاحه، ورد أم ولد لسيد حيث عرف.
ويلزم سيدًا أخذها قبل قسمة مجانًا، وبعد قسمة بثمنها، ولا يدعها يستحل فرجها من لا تحل له.
وولد الحرة من أهل الحرب، كولد زنا؛ لأنه لا ملك لهم فيها ولا شبهة ملك.
وإن أبى ولد مسلمة حرة، أو غيرها من أهل الحرب، الإسلام ضرب وحبس حتى يسلم؛ لأنه مسلم تبعًا لأمه، فلا يقر على الكفر.
ولمشتر أسيرًا من كافر رجوع على الأسير بثمنه بنية رجوع عليه؛ لما روى سعيد، عن عمر: أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه، فهو أحق به

من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد القسم فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم؛ فإن الحر لا يباع، ولا يشترى.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه ... » الحديث رواه أحمد والبخاري.

س52: تكلم بوضوح عما يلي: إذا أخذ من أهل الحرب مال مسلم أو معاهد، إذا باع كافر مال المسلم، أو المعاهد، أو وهبه، أو نحو ذلك، متى تملك الغنيمة؟ وأين تقسم؟ إذا غلب العدو على الغنيمة بمكانها.

ج: إذا أخذ منهم مال مسلم، أو معاهد بشراء أو قتال، وأدركه ربه بعد قسمه، فلربه أخذه بثمنه؛ لحديث ابن عباس أن رجلاً وجد بعيرًا له كان المشركون أصابوه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة، ولئلا يفضي إلى ضياع الثمن على المشتري، وحرمانه ما أخذه من الغنيمة وحقها ينجبر بالثمن» . فرجوع صاحب المال في عين ماله بثمنه جمع بين الخفين كأخذ الشقص بالشفعة.
ولو باع مال المسلم أو المعاهد آخذه من الكفار، أو وهبه، أو وقفه، أو أعتقه من انتقل إليه فيلزم، ولربه أخذه من آخر مشتر، وأخر متهب كأول آخذ.
قال ابن رجب في القواعد: والأظهر أن المطالبة تمنع التصرف كالشفعة وإن وقفه، أو أعتقه لزم وفات على ربه.
وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب؛ لأن الاستيلاء التام سبب الملك، وقد وجد لثبوت أيدينا عليها حقيقة، ولزوال ملك كفار عنها، ويجوز

قسمة الغنيمة في دار حرب؛ لما روى أبو إسحاق الفزاري قال: قلت للأوزاعي: هل قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من الغنائم بالمدينة؟ قال: لا أعلمه، إيما كان للناس يبيعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم، ولم يقفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة، إلا خمسها: وقسمها، قبل أن يقفل، من ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وحنين.
ويجوز بيع الغنيمة في دار الحرب، لما تقدم، ولثبوت الملك فيها، ولو غلب العدو على الغنيمة بمكانها، فأخذها من مشتر فهي من ماله فرط أولاً؛ لحديث الخراج بالضمان، وهذا نماؤه للمشتري، فضمانه عليه؛ ولأنه مبيع مقبوض أشبه ما لو بيعت بدار الإسلام.

س53: تكلم عما يلي: الجيش، السرية، عددها. بأي يبدأ في قسم ما غنمته السرية، وما غنمه الجيش، وماذا يعمل بعد ذلك وما هو الصفي؟

ج: الجيش: الجند، أو السائرون لحرب أو غيرها.
السرية: القطعة من الجيش، تخرج منه وتعود فيه، وهي من مائة إلى خمسمائة، والسرية التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار.
وتضم غنيمة سرايا الجيش إلى غنيمة الجيش، قال ابن المنذر: روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وترد سراياهم على قعيدتهم» . وفي تنفيله - صلى الله عليه وسلم - في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث، دليل على اشتراكهم في الباقي.
وإن أنفذ الإمام من دار الإسلام جيشين، أو سريتين فأكثر، انفرد كل بما غنمه، لانفراده بالجهاد بخلاف المبعوثين من دار الحرب.
ويبدأ في قسم بدفع السلب إلى مستحقه، وبرد مال مسلم ومعاهد إن كان وعرف، ثم بأجره جمع غنيمة وحملها وحفظها؛ لأنه من مؤنتها كعلف دوابها

ودفع جعل من دل على مصلحة من ماء، أو قلعة، أو ثغرة يدخل منها إلى حصن ونحوه؛ ولأنه في معنى السلب.
ثم يخمس الباقي على خمسة أسهم، ثم يخمس خمسة على خمسة أسهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
ومقتضاها أن يقسم على ستة أسهم، وجوابه: أر سهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كالشيء الواحد بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ وإن الجهة جهة مصلحة سهم الله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - مصرفه كالفيء في مصالح المسلمين كلها لحديث جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تناول بيده وبرة من بعير، ثم قال: «والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» . وعن عمرو بن عبسة، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه.
رواه أحمد وأبو داود، فجعله لجميع المسلمين، ولا يمكن صرفه إلى جميعهم إلا بصرفه في مصالحهم الأهم فالأهم، وقال طائفة من العلماء هو لمن يلي الخلافة بعده: لما روى أبو الطفيل قال: جاءت فاطمة - رضي الله عنها - إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وأرضاه، تطلب ميراثها من النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فقال أبو بكر –رضي الله عنه وأرضاه-: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله إذا أطعم نبيًا طعمة فهي للذي يقوم من بعده، وإني رأيت أن أردها على المسلمين» رواه أبو داود، فانفق هو وعمر وعلي والصحابة، على وضعه في الخيل والعدة في سبيل الله.
وكان - صلى الله عليه وسلم - قد خص من المغنم بالصفي، وهو ما يختاره - صلى الله عليه وسلم - قبل القسمة للغنيمة، كثوب، وجارية، وسيف؛ لحديث أبي داود، أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى بني زهير بن قيس: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم الصفي إنكم آمنون بأمان الله ورسوله» .

وفي حديث وفد عبد القيس، رواه ابن عباس: وأن تعطوا سهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصفي.
وقالت عائشة - رضي الله عنها -: كانت صفية من الصفى.
رواه أبو داود.
وانقطع ذلك بموته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الخلفاء الراشدين لم يأخذوه، ولا من بعدهم، ولا يجمعون إلا على الحق، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب حيث كانوا؛ لحديث جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم خيبر قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله، أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا؟ وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه، رواه أحمد والبخاري؛ ولأنهم يستحقونه بالقرابة أشبه الميراث.
ولا يستحق منهم مولى، ولا من أمه منهم دون أبيه، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنهم يستحقونه بالقرابة أشبه الميراث والوصية، ويعطي الغني والفقير لعموم قوله: ﴿وَلِذِي القُرْبَى﴾ ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعطي أقاربه كلهم، وفيهم من هو غني كالعباس، ويعطي صفية عمته، وسهم لليتامى، اليتيم من لا أب له، ولم يبلغ؛ لحديث: «لا يتم بعد احتلام» ، واعتبر فقرهم؛ لأن الصرف إليهم لحاجتهم؛ ولأن وجود المال أنفع من وجود الأب.
ويسوي بين الذكر والأنثى لظاهر الآية، وسهم للمساكين للآية، وهم من لا يجدون تمام الكفاية، فيدخل فيهم الفقراء، فهم صنفان في الزكاة فقط.
وفي سائر الأحكام صنف واحد، وسهم لأبناء السبيل للآية.
ويشترط في ذي قربى ويتامى ومساكين، وأبناء سبيل كونهم مسلمين؛

لأن الخمس عطية من الله تعالى، فلم يكن لكافر فيها حق كالزكاة.
ويجب أن يعطوا كالزكاة، فيعطي المسكين تمام كفايته مع عائلته سنة، وكذا اليتيم.
ويعطي ابن السبيل ما يوصله إلى بلده، ويعم من بجميع البلاد حسب الطاقة، وصحح في «المغني» أنه لا يجب التعميم؛ لأنه متعذر، وفي الانتصار يكفي واحد من الأصناف الثلاثة –وذوي القربى- إن لم يمكنه.
واختار الشيخ تقي الدين –رحمه الله- إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة كزكاة، وأن الخمس والفيء واحد يصرف في المصالح؛ فإن لم تأخذ بنو هاشم وبنو المطلب أسهمهم رد في كراع وسلاح عدة في سبيل الله، لفعل أبي بكر وعمر، ذكره أبو بكر.
ومن فيه سببان فأكثر، أخذ بها كهاشمي ابن سبيل يتيم؛ لأنها أسباب الأحكام، فوجب ثبوت أحكامها، كما لو انفردت ثم يبدأ من الأربعة أخماس التي للغانمين بنفل، وهو الزائد على السهم لمصلحة، والرضخ: وهو العطاء دون السهم لمن لا سهم له، فيرضخ لمميز، وقن، وخنثى، وامرأة، على ما يراه الإمام أو نائبه، إلا أنه لا يبلغ بالرضخ لراجل سهم راجل، ولا لفارس سهم فارس، لئلا يساوي من يسهم له، ولمبعض بالحساب من رضخ وإسهام.
أما الطفل فلقول سعيد بن المسيب: كان الصبيان والعبيد يحذرون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة.
وقال تميم بن قرع المهري: كنت في الجيش الذي فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة، فلم يقسم لي عمر شيئًا.
وقال: غلام لم يحتلم، فسألوا أبا بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر، فقال: انظروا فإن كان قد أشعر، فاقسموا له، فنظر إلى بعض القوم، فإذا أنا قد أنبت فقسم لي.

قال الجوزجاني: هذا من مشاهير حديث مصر وجيده؛ وأما العبد فلما تقدم، وعن عمير مولى أبي اللحم قال: شهدت خيبر مع ساداتي، فكلموا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبر أني مملوك، فأمر لي من خرثي المتاع، رواه أبو داود.
وعنه: يسهم له إذا قاتل، روي عن الحسن والنخعي؛ لحديث الأسود بن يزيد: «أسهم لهم يوم القادسية» يعني العبيد.
وأما النساء فلحديث ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، فأما بسهم فلم يضرب لهن، رواه أحمد ومسلم.
وعنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي المرأة والمملوك الغنائم دون ما يصيب الجيش، رواه أحمد.
وحمل حديث حشرج ابن زياد عن جدته، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم لهن يوم خيبر.
رواه أحمد وأبو داود، وخبر أسهم أبو موسى يوم غزوة تستر لنسوة معه على الرضخ وإن غزا قن على فرس سيده، رضخ له وقسم للفرس التي تحته؛ لأن سهمها لمالكها إن لم يكن مع سيده فرسان؛ لأنه لا يسهم لأكثر من فرسين على ما يأتي.

س54: لمن الغنيمة، وما صفة قسمها؟ ومن الذي لا يسهم له؟ وما مقدار السهم للراجل والفارس؟ وإذا غزا اثنان على فرس فما الحكم؟ ولمن سهم الفرس المغصوب والمعار والمستأجر والحبيس؟ وإذا زادت الخيل عن فرسين أو كان الفرس هجينًا فما الحكم؟ وهل يسهم لغير الخيل؟

ج: الغنيمة: لمن شهد الوقعة من أهل القتال يقسم أمام الباقي، بعد ما سبق بين من شهد الواقعة لقصد القتال، أو لمن يقاتل؛ لما روي عن عمر أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأن غير المقاتل ردء للمقاتل لاستعداده للقتال أشبه المقاتل، بخلاف من لم يستعدوا للقتال؛ لأنهم لا نفع فيهم.

ويسهم لمن بعثه الإمام في سرية أو مصلحة؛ لما ورد عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام، يعني يوم بدر، فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، وأنا أبايع له» فضرب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره.
رواه أبو داود.
وعن ابن عمر قال: لما تغيب عثمان عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت مريضة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن لك أجر رجل وسهمه» رواه أحمد والبخاري والترمذي، ويسهم أيضًا لمن أرسله الإمام أو بعثه جاسوسًا أو دليلاً، ولمن خلفه في بلاد العدو، وغزا الأمير ولم يمر به فرجع؛ لأنه في مصلحة الجيش، وهو أولى ممن حضر الواقعة ولم يقاتل، ولو مع منع غريم له، أو منع أب له، لتعين الجهاد عليه بحضوره الصف، ولا يسهم لمن لا يمكنه القتال لمرض، ولا لدابة لا يمكنه قتال عليها لمرض كزمانة وشلل لخروجه عن أهلية الجهاد، بخلاف حمى يسيرة وصداع ووجع ضرس ونحوه، فيسهم له؛ لأنه لم يخرج عن أهلية الجهاد.
ولا يسهم لمخذل ومرجف ونحوهما، كرام بيننا بفتن ومكانب بأخبارنا؛ لأنه ممنوع من الدخول مع الجيش.
ولا بسهم لمن نهاه الأمير أن يحضر فلم ينته لأنهم عصاة، ولا لكافر لم يستأذن الإمام، ولا لعبد لم يأذن له سيده في غزو لعصيانهما، ولا لطفل، ولا مجنون؛ لأنهما لا يصلحان للقتال.
ولا من فر من اثنين كافرين لعصيانه، فيسهم للرجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، إذا كان عربيًا؛ لما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له.
متفق عليه.

وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الفارس ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهمًا.
رواه الأثرم.
وعن أبي عمرة، عن أبيه قال: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة نفر ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين.
رواه أحمد وأبو داود.
قال ابن المنذر: للرجل سهم، وللفارس ثلاثة، هذا قول عامة أهل العلم في القديم والحديث، وقال خالد الحذاء: لا يختلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم هكذا للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا.
وإن كان الفرس هجينًا، أو مقرفًا عكس الهجين، فيعطي سهمًا له، وسهمًا لفرسه.
والهجين: الذي أبوه عربي وأمه برذون، والمقرف: الذي أبوه برذون وأمه عربية.
قالت هند بنت النعمان بن بشير لما تزوجها الحجاج بن يوسف:

وما هند إلا مهرة عربية ... سلالة أفراس تحللها بغل فإن ولدت مهرًا كريمًا فبالحري ... وإن بك إفراف فما أنجب الفحل

وإن كان على برذون، وهو ما أبواه نبطيان، فيكون له سهمان: سهم له وسهم لفرسه، لحديث مكحول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الفرس العربي سهمين، وأعطى الهجين سهمًا.
رواه سعيد؛ ولحديث أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشام، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان، يقال له: المنذر بن أبي حمضة، فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها، مثل التي لم تدرك، ففصل الخيل، فقال: هبلت الوداعي أمه أمضوها على ما قال.
رواه سعيد.

وإن غزا اثنان على فرسهما، فلا بأس به وسهمه لهما بقدر ملكهما فيه، كسائر نمائه، وسهم فرسه مغصوب غزا عليه غاصبه أو غيره، لمالكه، ولو من أهل الرضخ لأن نماءه أشبه ما لو كان مع مالكه؛ ولأن سهمه يستحق بنفعه، ونفعه لمالكه، فوجب أن يكون ما استحق به.
وسهم فرس معار ومستأجر وحبيس لراكبه، إن كان من أهل الإسهام لقتاله عليه مع استحقاقه لنفع الفرس، فاستحقه سهمه، ولا يمنع منه كونه حبيسًا؛ لأنه حبيس على من يغزو عليه.
ويعطي راكب حبيس نفقة الحبيس من سهمه؛ لأنه نماؤه ولا يسهم لأكثر من فرسين من خيل الرجل، فيعطي صاحبها خمسة أسهم: سهم له وأربعة لفرسيه العربيين؛ لحديث الأوزاعي: كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم لرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس.
وروى معناه سعيد عن عمر، ولأن للمقاتل حاجة إلى الثاني؛ لأن إدامة ركوب فرس واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه بخلاف ما زاد.
ولا شيء من سهم ولا رضخ لعير خيل؛ لأنه لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم لعير الخيل، وكان معه يوم بدر سبعون بدر سبعون بعيرًا، ولم تخل غزوة من غزواته من الإبل، بل هي غالب دوابهم، ولو أسهم لها لنقل، وكذا أصحابه –عليه الصلاة والسلام- من بعده؛ ولأنه لا يمكن عليها كر، ولا فر.
قال الشيخ: ويرضخ للبغال والحمير، وهو قياس الأصول كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان.
قال ابن القيم: ونص أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، والعطاء الذي أعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقريش والمؤلفة، هو من النفل، نفل به النبي - صلى الله عليه وسلم - رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به، وقومهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع

بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته، واستجلاب عدوه إليه، وهكذا وقع سواء، وللإمام أن يفعل ذلك؛ لأنه نائب عن المسلمين إذا دعت الحاجة، فيتصرف لمصالحهم وقيام الدين.
وأن تعين الدفع عن الإسلام والذب عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم تعين عليه.
اهـ.

س55: تكلم عن أحكام ما يلي مع التمثيل لما لا يتضح إلا به: إذا أسقط بعض الغانمين حقه من الغنيمة، إذا تغيرت حال المقاتل، قول الإمام من أخذ شيئًا فهو له، تفضيل الغانمين على بعض، إذا وجد صليب، أو خنزير، من وطئ جارية من الغنيمة، ما الذي يترتب على وطئه لها، الاستئجار للجهاد، اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف.

ج: من أسقط حقه من الغانمين، فسهمه للباقي من الغانمين؛ لأن اشتراكهم اشتراك تزاحم، فإذا أسقط حقه كان للباقين، وإن أسقط الكل حقهم من الغنيمة، فهي فيء تصرف للمصالح؛ لأنه لم يبق لها مستحق معين.
وإذا لحق بالجيش مدد أو تفلت أسير قبل أن تقضى الحرب، أو صار الفارس راجلًا، أو صار الراجل فارسًا قبل أن تقضي الحرب، أو أسلم من شهد الواقعة كافرًا قبل تقضي الحرب، أو بلغ صبي قبل تقضي الحرب، أو أعتق قن قبل أن تقضى جعلوا كمن كان فيها كلها كذلك.
ولا قسم لمن مات، أو انصرفت، أو أسر قبل أن تقضى الحرب؛ لأنهم لم يحضروها وقت انتقال الغنيمة إلى ملك الغانمين؛ وأما قوله الإمام أو نائبه من أخذ شيئًا فهو له فقيل: يحرم؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده كانوا يقسمون الغنائم؛ ولأن ذلك يقضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفر العدو

بهم ولأن الغزاة اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية، فلا ينفرد البعض بشيء؛ وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: «من أخذ شيئًا فهو له» ، فذاك حين كانت له ثم صارت للغانمين، ولا يستحق المأخوذ بهذه المقالة آخذه إلا فيما تعذر حمله كأحجار وقدور كبار وحطب ونحوه، وترك فلم يشتر لعدم الرغبة فيه.
فيجوز قول الإمام من أخذ شيئًا فهو له.
وقيل: يجوز لمصلحة لقوله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: «من أخذ شيئًا فهو له» ؛ ولأنهم غزوا على هذا ورضوا به.
قال في السياسة الشرعية: فإن ترك الإمام الجمع والقسمة وأذن في الأخذ إذنًا جائزًا فمن أخذ شيئًا بلا عدوان حل له بعد تخميس، وكل ما دل على الإذن فهو إذن؛ وأما إذا لم يأذن أو أذن إذنًا غير جائز جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحريًا للعدل في ذلك.
اهـ. ويجوز تفصيل بعض الغانمين على بعض لمعنى فيه من حسن رأي وشجاعة فينقل ويخص الإمام بكلب يباح نفعه من شاء من الجيش، ولا يدخله في قسمة؛ لأنه ليس بمال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويصب الخمر ولا يكسر الإناء، ومن مات قبل أن تقضى الحرب، فسهمه لوارثه.
ومن وطئ جارية من الغنيمة، وله فيها حق أو لولده أدب لفعله محرمًا، ولم يبلغ بتأديبه الحد؛ لأنه يدرأ بالشبهة، والغنيمة ملك للغانمين فيكون للواطئ حق في الجارية، وإن قل فيدرأ الحد عنه كالمشتركة، وكجارية ابنه، وعلى الواطئ مهرها يطرح في القسم، إلا أن تلد منه فيلزمه قيمتها تطرح في المقسم؛ لأن استيلادها كإتلافها وتصير أم ولده؛ لأنه وطء يلحق به النسب أشبه وطء المشتركة، ولده حر لملكه إياها حين العلوق، فينعقد الولد حرًا.
وإن أعتق بعض الغانمين قنًا من الغنيمة أو كان في الغنيمة قن يعتق عليه

كأبيه وعمه وخاله عتق قدر حقه لمصادفته ملكه، والباقي كعتقه شقصًا من مشترك، يعتق قدر ما يملكه وباقيه بالسراية إن كان موسرًا بقيمة الباقي وإلا فبقدر ما هو موسر به منها، وأما أسر الرجال قبل اختيار الإمام فيهم، فلا عتق؛ لأن العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - عم علي وعقيلًا أخا على كانا في أسرى بدر، فلم يعتقا عليهما؛ ولأن الرجل لا يصير رقيقًا بنفس السبي.
ولا تصح الإجارة على الجهاد؛ لأنه عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القرية كالحج فيسهم لأجير الجهاد، وإن أخذ أجرة ردها، وتصح الإجارة لحفظ الغنيمة، وحملها وسوقها ورعيها ونحوه.


س56: من هو الغال؟ وحكم سهمه؟ وما الذي يجب حرقه مما معه؟ والذي لا يحرق؟ ومتى يحرق؟ وماذا يستثنى له؟ وإلى أي شيء يرجع ما أخذ مما غل من الغنيمة؟ وإذا تاب فما الحكم؟ وما أخذ من فدية أو أهدي لأمير أو أهدى لبعض الغانمين فما الحكم؟ وما هي الأدلة على ذلك؟

ج: الغلو: الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة، سمي غلولًا؛ لأن صاحبه يخفيه في متاعه.
ويحرم الغلول وهو كبيرة للوعيد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ففتح الله عز وجل علينا، فلم نغنم ذهبًا، ولا ورقًا، فاغتنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد له وهبه له رجل من جذام يسمى رفاعة ابن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي، قام عبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحل رحله، فرمى بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله، قال: «كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارًا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم» ، قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: يا رسول الله، أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «شراك من نار أو شراكًا من نار» متفق عليه.
وعن عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة» الحديث رواه أحمد ومسلم، وعن عبد الله بن عمر قال: كان على ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها» رواه أحمد والبخاري.
فمن كتم ما غنم أو بعضه يجب حرق رحله كله؛ لما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال.
رواه أبو داود.
وعن صالح بن محمد بن زائدة، قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتى برجل قد غل، فسأله سالمًا عنه، فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل، فاحرقوا متاعه، واضربوه» ، قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا، فسأل سالمًا عنه، قال: بعه وتصدق بثمنه.
رواه أحمد وأبو داود.
وبهذا قال الحسن، وفقهاء الشام منهم: مكحول والأوزاعي والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر، وأتى سعيد بن عبد الملك الغال، فجمع ماله وأحرقه وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - حاضر ذلك فلم يعبه.
وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السُّنة في الذي يغل أن يحرق رحله، وقال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي: لا يحرق؛ لأن النبي صلى الله عليه

وسلم لم يحرق؛ فإن عبد الله بن عمر روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة، فقال: «سمعت بلالًا نادى ثلاثًا» ، قال: نعم، قال: «فما منعك أن تجيء به» ، فاعتذر، فقال: «كنت أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك» أخرجه أبو داود؛ ولأن إحراق المتاع إضاعة له، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال.
قال أهل القول الأول: أما حديثهم أي أهل القول الثاني، فلا حجة لهم فيه؛ فإن الرجل لم يعترف أنه أخذ ما أخذه على وجه الغلول، ولا أخذه لنفسه؛ وإنما تواني في المجيء به، وليس الخلاف فيه؛ ولأن الرجل جاء به من عند نفسه تائبًا معتذرًا والتوبة تجب ما قبلها؛ وأما النهي عن إتلاف المال، فقيد بعدم المصلحة؛ فأما إذا كان فيه مصلحة، فلا بأس به، ولا يعد تضييمًا، كإلقاء المتاع في البحر إذا خيف الغرق، وقطع يد السارق، مع أن المال لا تكاد المصلحة تحصل به إلا بذهابه فأكله إتلافه وإنفاقه إذهابه، ولا يعد شيء من ذلك تضييمًا، ولا إفسادًا، ولا ينهى عنه؛ لكن قال البخاري: قد روى في غير حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغال ولم يأمر بحرق متاعه.
وقال الدارقطني: حرق متاع الغال لا أصل له عن رسول الله، ولم يثبت حرمان سهمه في خير، ولا دل عليه دليل ولا قياس، فبقي بحاله، واختار الشيخ تقي الدين أن تحريق رحل الغال من باب التعزير لا الحد، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة وصوبه في «الإنصاف» وغيره، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس والله سبحانه اعلم ما لم يكن باعه أو وهبه، فلا يحرق؛ لأنه عقوبة لغير الجاني،

ومحل إحراق رحله إذ كان حرًا حيًا؛ فإن مات قبله لم يحرق لسقوطه بالموت كالحدود، فلا يحرق رجل رقيق؛ لأنه لسيده مكلفًا لا صغيرًا، أو مجنونًا؛ لأنهما ليسا من أهل العقوبة، ملتزمًا لأحكامنا، وإلا لم يعاقب على ما لا يعقد تحريمه إلا سلاحًا ومصحفًا، وحيوانًا بآلته ونفقته، وكتب علم وثيابه التي عليه، وما لا تأكله النار، فلا يحرق وذلك كالحديث، وهو للغال.
ويعزر الغال مع ذلك بالضرب ونحوه، ولا ينفي ويؤخذ ما غل للمغنم؛ لأنه حق للغانمين، ومن يشركهم فوجب رده إلى أهله؛ فإن تاب بعد قسم أعطى الإمام خمسه ليصرف في مصارفه، وتصدق ببقيته، روي عن معاوية وابن مسعود؛ لأنه لا يعرف أربابه أشبه المال الضائع.
وما أخذ من فدية أسرى، فغنيمة لقسمه - صلى الله عليه وسلم - فداء أسرى بدر بين الغانمين، ولحصوله بقوة الجيش، وكذا ما أهدي للأمير، أو لبعض قواده، أو أهدي لبعض الغانمين بدار حرب فغنيمته.
وقال الشيخ: ما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل استخراجه منهم كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل.
قال أبو سعيد: هدايا العمال غلول.
روي مرفوعًا، ويشهد له قصة ابن اللتبية، وكذا محاباة في المعاملة، والمؤاجرة، والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك، هو نوع من الهدية، ولهذا شاطرهم عمر لما خصوا به من أجل الولاية من محاباة وغيرها؛ لأنه إمام عادل يقسم بالسوية، وما أُهدي بدارنا للإمام أو غيره، فللمهدى له، لقبوله - صلى الله عليه وسلم - هدية المقوقس وغيره، وكانت له وحده.

مما يتعلق في قسمة الغنائم نظمًا

تبارك من قد خصّ أمة أحمد ... بتحليل غنم كان أكلا لموقد وما حزته بالجيش قهرًا غنيمة ... من أموال أهل الكفر أو أرض جحد ولو من مباحات لها ثم قيمة ... ولقطتهم أو مبهم ولنشد كذاك ركاز بالجنود استطاعة ... ولو في الموات افهم وفدية مهتد ولم يملكوا بالقهر أموال مسلم ... ولا ذمة في الأظهر المتأكد فأوقفه أن يجهل لمن هو ربه ... أحق ولو بعد اقتسام مفسد وبعد الشر منهم وإسلام آخذ ... به اخصصه مجانًا به في المعدد فإن يلق قبل القسم يعطاه أن يشأ ... وإلا فمن مال الغنيمة فاعدد ويقسم أن يجهل ولا حق بعد ذا ... لصاحبه كالمشتري منهم أعضد ولا إن أتانا آخذ مسلم به ... ومستأمنًا قد جاءنا وهو في اليد وعنه له المقصود إن شاء بقيمة ... وما منهم ابتغاه بالثمن اشهد ولا حق في المشهور من بعد قسمة ... وبالثمن إن شا المشتري امنحه وارقد وإن كان مأخوذًا لا عوض فخذ ... من المرء مجانًا على المتوطد ومتهب أو مشتر إن تصرفا ... يصح ومن أقصاهم خذ بأجود ولم يملكوا عبدًا لنا جاء آبقًا ... ولا شارد العجما وفلكا بأوكد ولا يملكون الحر والوقف مطلقًا ... ومستولدات المسلمين بأوطد وإن يشتري مأسورنا مسلم نوى ... رجوعًا فألزم مفتدي ما به فدى ونملك باستيلائنا الغنم ثانيًا ... ولو أنه في دار حرب بأجود وقسمتها فيها تجوز فإن تبع ... فمن مال مبتاع نواها بأوكد

وما للأمير الإشترا من غنيمة ... ويلزم من يبتاع رد المزيد لمن شهد الهيجاء أهلًا لخوضها ... ولو تاجرًا أو موجرًا ذا تعدد ومن غاب عنها في القتال لنفعنا ... بإذن الأمير إقسم له لا تردد ولاحظ للمنوع صحبة جيشنا ... ولا لمريض عاجز ومعدد ومن بعد إحراز الغنيمة جايخ ... كذا بين الاستيلا وحوز بأجود ويبدأ بالأسلاب تعطي لأهلها ... كمال لذي عهد وعقد ومهتد وجعل وأجرًا لحافظين ويقسم ... السبقة أخماسًا فخمسًا كذا اعدد فخذ خمسة لله ثم رسوله ... وفي مصرف الفيء اصرفنه بأوكد وسيان ذو وفر وفقر وقيل ذا ... أحق ومولاهم عن القسم أبعد بأي بلاد الله جلوا وقيل بل ... بقطر جهاد كالشآم فقيد وخمس لأيتام مع الفقر أسوة ... وما عم مستغن وناء بمبعد وصنف فقير والمساكين في سوى ... الزكاة لهم خمس من الخمس أرصد ولابن سبيل المسلم الحر خمسة ... وعدد لذي الأوصاف عند التعدد ومن بعد هذا اتقان ذوي الغنى ... ومن قبل تخميس بوجه به جد ولا سهم في الأولى لذي الكفر ... وارضخن له، والمميز، والنساء، واعهد وكالقن من كاتبته ومدبر ... وفي مشكل والحر بعضا تردد وفي غنم أهل الرضع خميس وما بقي ... لهم غنمًا أقسم وقيل بل اجهد ولا تلزمن في بذل رضخ تساويا ... بل إن شئت ساويهم وإن شئت زيد ولا تعطين رضخًا لذي السهم مثله ... ونقضه عن مركوبه عند ترشد ومن صار منهم مثل أهل سهامها ... قبيل تقضي الحرب بالسهم زود ومن كان يغزل فوق طرف لسيد ... فسهماه كالمغصوب تعطي لسيد وللفرس أرضخ تحت ذي الرضخ مطلقًا ... سوى العبد وأسهم للغصيب بأجود

فصول الكتاب · 11 فصل · 541 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الأسئلة والأجوبة الفقهية · 541 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج والعمرة
كتاب الجهاد
س46: ماذا يلزم الجيش من طاعة الإمام؟ وما حكم إحداث أمر بلا إذنه؟ تكلم عن المبارزة بوضوح، واذكر ما تستحضره من الأدلة.س47: ما هو السلب؟ ومن الذي يستحقه؟ ومتى يستحقه؟ وبأي شيء تقبل دعوى القاتل للسلب؟ وإذا كان القاتل صبيًا، أو امرأة، فما الحكم؟س48: تكلم عن أحكام ما يلي: الكذب في الحرب، الخيلاء فيه، تخميس السلب، الخديعة في الحرب.س50: تكلم بوضوح عما يلي: الغنيمة، دليلها، إذا أخذ حربي مالنا، إذا وجد وسم على حبيس، إذا استولى الكفار على حر، فداء الأسير بخيل أو سلاح.س51: تكلم عما يلي: إذا استولى أهل الحرب على حرة أو أمة، إذا أخذنا الحرة أو أم الولد منهم، إذا ولدت منهم، إذا أبى الولد الإسلام، إذا اشترى مسلم أسيرًا من كافر، واذكر الدليل على ما تقول.س52: تكلم بوضوح عما يلي: إذا أخذ من أهل الحرب مال مسلم أو معاهد، إذا باع كافر مال المسلم، أو المعاهد، أو وهبه، أو نحو ذلك، متى تملك الغنيمة؟ وأين تقسم؟ إذا غلب العدو على الغنيمة بمكانها.س53: تكلم عما يلي: الجيش، السرية، عددها. بأي يبدأ في قسم ما غنمته السرية، وما غنمه الجيش، وماذا يعمل بعد ذلك وما هو الصفي؟
كتاب الحجر
كتاب الشركة
س
جارٍ التحميل