كتاب الوديعة
[1065] مسألة: إذا قبض وديعة ببينة فادعى ردها لم يقبل منه إلا ببينة، خلافا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لما أشهد عليه وتوثق منه جعله أمينا في الحفظ دون الرد، فإذا ادعى ردها فقد ادعى براءته بما ليس بمؤتمن فيه، فلم يقبل منه إلا ببينة، ولأن هذا فائدة الإشهاد عليه، فإذا أزلناه لم يبق له فائدة، فإن قيل فائدته أن لا يمكنه جحد الوديعة قلنا دعوى ردها بمنزلة جحدها، فهو يتوصل إلى مراده.
[1066] مسألة: إذا أنفق الوديعة ثم رد مثلها أو أخرجها لينفقها ثم ردها فقد سقط الضمان عند مالك فيما ليس له مثل، وقال أبو حنيفة إن ردها بعينها لم يضمن فإن رد مثلها ضمن، وقال عبد الملك والشافعي يضمن في الموضعين.
فدليلنا أن الضمان يتعلق عليه بالإنفاق والأخذ، فإذا زال ذلك وجب أن يزول الضمان لزوال سببه الموجب له، ولا يدخل عليه الإقرار بعد الجحود لأن فسقه قد ثبت فليس بموضع للحفظ، وليس كذلك أخذها ليردها لأنها ليس بتعد منه فيها، لأن فيه تأويلا، وقد كانت الصحابة تتسلف
أموال الأيتام وتسلفه، وكذلك ليس يدخل عليه الغصب، لما ذكرناه.
[1067] مسألة: ليس للمودع أن يسافر بالوديعة، فإن فعل ضمن، وقال أبو حنيفة له ذلك إذا كان الطريق آمنا ولم ينهه صاحبها عن السفر بها.
فدليلنا أن السفر لا يحفظ الوديعة إذا أودعت في البلد فضمنها كما لو تركها بموضع خراب لم تجر العادة بأن يحفظ في مثله، ولأن ربها إنما أذن له في حفظها في البلد، ولم يأذن له في إخراجها عنه، كما لو أذن له في حفظها تحت يده ولم يأذن له في إيداعها لغيره، فلما كان متى أودعها لغيره ضمن بتعديه بخروجه في حفظها على الوجه المأذون له فيه، فكذلك إذا سافر به.
[1068] فصل: ليس للمودع إيداع الوديعة عند غيره من غير عذر، فإن فعل ضمن، وقال أبو حنيفة إن أودعها عند من يلزمه نفقته لم يضمن؛ فدليلنا أنه أودعها من غير حاجة عند من لم يأتمنه المودع، كما لو أودعها عند أجنبي.
[1069] مسألة: إذا أراد السفر فله إيداعها عند ثقة مرضي من أهل البلد، ولا ضمان عليه، قدر على الحاكم أو لم يقدر عليه، واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من يقول إن أودعها لغير الحاكم ضمن، فدليلنا أنه أودعها من الحاجة لثقة مرضي فأشبه إيداعها عند الحاكم، ولأنه أحد سببي حفظها فكان موكلا إلى اجتهاده، كالحرز.
[1070] مسألة: إذا أودع عنده بهيمة ولم يأمره أن يعلفها، لزم المودع
أن يعلفها أو يرفعها إلى الحاكم فيتداين على صاحبها في علف، أو يبيعها عليه إن كان قد غاب، فإن تركها ولم يعلفها فتلفت ضمن، وقال أبو حنيفة لا يلزمه علفها؛ فدليلنا أن المودع مأمور بحفظ الوديعة وذلك يتضمن حراستها فيما يعلفها، فكان ذلك عليه، ألا ترى أنه لو آرها في بئر للزمه ردها عن ذلك الموضع، وفي ترك علفها تلفها فكان ذلك ممنوعا منه.
[1071] مسألة: إذا أمره صاحب الوديعة بدفعها إلى رجل، فدفعها إليه بغير بينة، ضمن إن جحد المدفوع إليه ولم يقبل في قوله بالدفع، خلافا لما يحكى عن أبي حنيفة والشافعي أنه يقبل قول المودع؛ لأن المالك لم يأمره بإتلافها عليه، وفي دفعها إلى من أمر بدفعها إليه بغير بينة إتلافها على المالك، لأنه قد يجحد فلا يمكن المالك أن يقيم عليه بينة، فلا يقبل قول الدافع، لأنه ليس بأمين للمدفوع إليه، والأمين إنما يقبل قوله فيما بينه وبين من ائتمنه فكان مفرطا بذلك، فلزمه الضمان بتعديه، ولأنه أمين دفع ما ائتمن عليه إلى من ائتمنه بغير بينة، فضمن مع الجحود كالوصي إذا دفع مال الأيتام إليهم بغير بينة فجحدوا، أنه يضمن لأنه ليس بأمين لهم، وإنما هو أمين لأبيهم أو الحاكم.
[1072] مسألة: إذا أودعه وشرط الضمان لم يضمن، خلافا للعنبري؛ لأن جعل ما أصله أمانة لا يصير مضمونا بالشرط كالشركة والوكالات.
[1073] مسألة: إذا سرقت الوديعة لم يكن للمودع أن يخاصم السارق إلا بتوكيل من المالك، هكذا يحكى على أصلنا، وقال أبو حنيفة له ذلك؛ فدليلنا أن الخصومة فيها للمالك، والمودع ليس بمالك ولا مفوض إليه، لأن الإيداع استحفاظ وائتمان، فلا يتضمن الخصومة.
بسم الله الرحمن الرحيم