كتاب العدة
[1482] مسألة: الأقراء المعتد بها في العدة الأطهار؛ وقال أبو حنيفة الحيض؛ فدليلنا قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " وفيه أدلة:
أحدها: أن القرء في اللغة اسم للطهر والحيض، والمراد أحدهما فيجب إذا قعدت ما ينطلق عليه الاسم أن يجزيها، وإن شئت بنيته على الأخذ بأوائل الأسماء كما فعلنا ذلك في نظائره من الأبوين والشفقين.
والآخر: أنه بصيغة التذكير، لأن جمع المؤنث، ما دون العشرة، بغير هاء، وذلك يفيد أنه جمع قرء وهو طهر لا حيض.
والثالث: أن إطلاق الأمر والاخبار على الفور، ولا يمكن ذلك إلا على الوجوب [على] ما نقوله أن يطلّقها طاهرًا فتعتدّ عقيب الطلاق، أو حائضاً فعقيب الحيض.
وقوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " أي في حال يعتددن فيها، وعندهم أن حال الطهر ليست بحال عدة، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلّق وإن شاء أمسك، فتلك العدّة التي أمر الله بها أن تطلّق لها النساء»، وهذا نص، ولأنّه حيض كالذي يطلّق فيه، ولأنه زمان يجوز إيقاع الطلاق فيه فوجب أن يكون معتدًا فيه، أصله الحمل.
[1483] مسألة: إذا تأخر حيضها لا لعارض فإنها تجلس غالب مدّة الحمل، وهو تسعة أشهر، ثم ثلاثة، والعدّة هي الثلاثة الأشهر التي بعد التسعة وإن حاضت قبل السنة ولو بيوم حسب ما مضى قرءًا، وإن تمّت السنة من غير حيض حلّت، وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد تمكث أبدًا حتى براءة رحمها قطعًا؛ فدليلنا أن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب، ولا مخالف له، وروي أنه قال: أيما امرأة طلّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر ثم حلّت، ولأن الغرض من ذلك العلم ببراءة الرحم، وقد بطل أن يراعى فيه اليقين والقطع، لأن ذلك يوجب أن تجلس أقصى مدة الحمل، وأن لا يحكم ببراءة رحمها بمضي الثلاثة الأقراء، ومضي الثلاثة الأشهر لمن قد قاربت البلوغ، وذلك باطل، فلم يبق إلا الاعتبار بالظاهر وقد حصل.
[1484] مسألة: الصبي الذي لا يجامع مثله إذا مات وامرأته حامل فإنها تعتدّ بالشهور دون وضع الحمل، وفائدة ذلك أنّها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر لم تحل حتى تمضي الشهور، وقال أبو حنيفة تعتدّ بوضع
الحمل؛ فدليلنا أنّه حمل لا يمكن أن يكون منه، فلم ينقض به العدّة عنه كما لو حملته بعد وفاته ولأنها معتدة من وفاة ممّن لا يجامع مثله، فوجب أن يكون عدّتها بالشهور كالحامل.
[1485] مسألة: إذا كانت حاملاً بولدين فوضعت واحدًا لم تنقض العدّة إلا بوضع الآخر، وقال عكرمة تنقضي العدة بوضع الأول؛ فدليلنا قوله تعالى: " أن يضعن حملهن " وهذه لم تضع الحمل، وإنّما وضعت بعضه، ولأن العدّة إنما تراد لبراءة الرحم، وما لم تضع الثاني فالرحم مشغولة غير برية فلم تنقض العدّة، ولأن العدّة بالشهور وبالأقراء وبوضع الحمل، ثم قد ثبت أنها تعتد بثلاثة أشهر كوامل، كذلك بثلاثة أقراء كوامل، فكذلك بوضع الحمل الكامل.
[1486] مسألة: إذا طلّقها فأتت بولد لستة أشهر فأكثر من وقت انقضاء عدّتها ودون أربع سنين لحق بالزوج، وقال أبو حنيفة لا يلحق به؛ فدليلنا أنّها أتت به بعد زوال فراش النكاح وقبل حدوث فراش آخر يمكن أن يكون منه، فوجب أن يلحق به، أصله إذا أتت به دون ستة أشهر من وقت انقضاء العدة.
[1487] مسألة: إذا خلا بزوجته على أنّه لم يصبها فعليها العدة، وقال الشافعي لا عدّة عليها؛ فدليلنا أن الخلوة تقتضي الوطء، وهي الغالب من حال من يخلو بزوجته، والوطء يوجب العدة وكمال المهر، فإذا قال لم أطأ، وساعدته على ذلك، لم يسقط حق الله الواجب بظاهر الحال، باتفاقهما على إسقاطه.
[1488] مسألة: إذا طلقها أو مات عنها وهو غائب، فابتداء العدّة من وقت الطلاق والموت، لا من وقت سمعت بها، وذكر عن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه أن العدة من وقت العلم به، وعن عمر بن عبد العزيز أنه إن ثبت ذلك بالبينة فالعدة من وقت الطلاق أو الموت، وإن ثبت بسماع فالعدّة من وقت السماع؛ فدليلنا قوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ولم يفرق، ولأنها عدّة عن طلاق أو موت فكانت من وقت حصول موجبها كالحاضر.
[1489] مسألة: عدة الأمة قرءان، وقال داود ثلاثة أقراء، فدليلنا أن ذلك مبني على أن طلاق العبد اثنان، وقد قدمناه، ولأنه ذو عدد ثلاث من أحكام النكاح فكان في الرق ناقصًا عن الحرية كطلاق العبد.
[1490] مسألة: إذا مات عن حامل اعتدت بالوضع دون الشهور، وروي عن علي وابن عباس رضوان الله عليهما أنّها تعتد بأقصى الأجلين؛ فدليلنا قوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ولم يفرق، وروي أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد حللت فانكحي»، ولأنه يعلم بوضع الحمل
براءة رحمها كذوات الأقراء، ولأن الأشهر عدّة بنفسها فلا تجتمع مع الحمل فيصيران عدّة واحدة، أصله في حق المطلقة.
[1491] مسألة: لا نفقة للمتوفى عنها إذا كانت حاملاً، وذكر عن قوم من السلف أن لها النفقة في تركة الميت؛ فدليلنا أنها معتدة من وفاة، فوجب أن لا تستحق النفقة كالحائل، ولأن ذلك لو وجب لكان الولد يستحق النفقة في حقوق الورثة، وذلك باطل كما لو وضعت.
[1492] مسألة: إذا كانت المتوفى عنها المدخول بها ممن تحيض، فاعتدت بالشهور، فلا بدّ من حيضة إذا لم تكن عادتها تأخير الحيض، وقال أبو حنيفة يبريها مضي المدة من غير حيض؛ فدليلنا أنها بائن من ذوات الحيض لم يتيقن براءة رحمها فلم تبرأ إلا بالحيض أو بالتربص الدال على براءة الرحم القائم مقام الحيض، أصله المطلّقة، ولأن تأخير الحيض عن عادته من غير عارض أو سبب يعرف ريبة ولا يجوز النكاح مع الريبة.
[1493] مسألة: المعتدّة إذا انقضت عدّتها ثم حدث لها ريبة قبل أن تنكح فحكمها كالتي حدثت بها الريبة في العدّة لا يجوز لها أن تتزوج، فإن تزوجت فالنكاح باطل، خلافاً لبعض الشافعية؛ لأنها نكحت مع الريبة كما لو وجد بها ريبة في العدّة، ولأنا لو صححنا النكاح كان يكون موقوفاً على العلم بالحمل، فإن بان الحمل تبينا أنه كان باطلاً وإلا كان صحيحاً، فالنكاح لا يقع موقوفاً على العلم ببراءة رحم المنكوحة.
[1494] مسألة: المطلقة البائن لها السكنى دون النفقة، وقال أبو حنيفة لها النفقة والسكنى.
[1495] مسألة: وقال أحمد بن حنبل لا سكنى لها؛ فدليلنا أنّه لا نفقة لها قوله تعالى: " وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن
حملهن " فدل على أنّها إذا كانت حائلاً فلا نفقة لها، وحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها أن لا نفقة لها، وهو في «الموطأ»، ولأنها بانت عن زوج كالمتوفى عنها، ولأنه نوع من البينونة كالموت، ولأن النفقة في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وقد زال ذلك بالبينونة.
[1496] مسألة: فصل: ودليلنا على وجوب السكنى قوله تعالى: " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم "، وهذا عائد على المطلقات خاص في المبتوتات، ولأنها معتدّة عن طلاق فكان لها السكنى كالرجعية.
[1497] مسألة: وللمتوفى عنها زوجها السكنى، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، ولأنّ البينونة لا تنفي وجوب السكنى كالطلاق.
[1498] مسألة: إذا طلّقت أمة فاعتدّت بعض عدتها ثم أعتقت فإنّها تمضي على عدة الأمة، ولا تنتقل إلى عدة الحرة وإن كان الطلاق بائناً أو رجعياً، وقال أبو حنيفة إن كان رجعياً انقلبت إلى عدّة الحرة، وإن كان
بائناً لم تنتقل؛ فدليلنا أنها أمة معتدة عن طلاق فلم تتغير عدّتها مع بقاء زوجها، كالتي لم تعتق، ولأنها معتدة عن طلاق فلم ينتقل اعتدادها ما دامت معتدّة عنه، أصله الطلاق البائن، ولأن الاعتداد بالحيض طريقه الاستبراء من غير مراعاة زمان، فإذا لزم الأمة ثم طرأ العتق في أثنائه فلم يتغير حكمه كالأمة المستبرأة.
[1499] مسألة: إذا أسقطت المطلقة مضغة أو علقة فإن عدتها تنقضي به، وقال أبو حنيفة لا تنقضي به عدّتها إلا بأن يتبين شيء من خلقه؛ فدليلنا أنّه أول خلق الآدمي مستحيل من النطفة، فوجب إذا ألقته أن تنقضي به عدّتها كما لو بان فيه تخطيط، ولأنّه ينطلق عليه اسم الحمل والإسقاط فوجب أن تنقضي به العدّة كالولد.
[1500] مسألة: المبتوتة في المرض عدتها عدّة المطلقات إذا مات زوجها، وقال أبو حنيفة عدّتها أقصى الأجلين؛ فدليلنا قوله: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء "، وقوله: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن "، ولأنها مبتوتة في المرض كالمبتوتة في الصحة ولأن مرض الزوج لا تأثير له في زيادة العدّة ولا نقصانها، لا في حق المرأة ولا الزوج، بدليل أنها لو خرجت من العدة قبل موته لم يلزمها عدّة أخرى، ولو طلقها وهي مريضة لم يجب عليها من العدّة إلا ما يجب على الصحيحة، فكذلك إذا مات عنها وهي في العدّة.
[1551] مسألة: الأمة الزوجة إذا دخل بها ولم تبلغ المحيض فعدتها من الطلاق ثلاثة أشهر، وكذلك الآيسة كالحرة، وللشافعي ثلاثة أقاويل: منها شهران، ومنها شهر ونصف، فدليلنا قوله تعالى: " واللاتي يئسن من
المحيض من نسائكم " إلى قوله: " واللائي لم يحضن " فعم، ولأنها طريقة العلم ببراءة الرحم تستوي فيه الحرة والأمة كوضع الحمل.
[1502] مسألة: عدّة المستحاضة من الطلاق سنة إذا عدمت التمييز، وللشافعي أقاويل: منها أنّها تبقى أبدًا لا تخرج من العدّة حتى تيأس من المحيض؛ فدليلنا، أن ما قلناه مروي عن عمر، ولا مخالف له، ولأنّ الغرض أن تعلم براءة رحمها في الظاهر والغالب دون القطع، وذلك يحصل بجلوسها غالب مدة الحمل وبالثلاثة الأشهر بعده.
[1503] مسألة: على الصغيرة إذا مات زوجها أو طلقها العدّة، وقال داود لا عدّة عليها؛ فدليلنا عموم الطاهر من قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً " " واللاتي لم يحضن "، ولأن طلاق الزوج أو موته يوجب عدّة كالبالغ.
[1504] مسألة: إذا مات المسلم عن الكتابية ففي عدّتها روايتان: إحداهما الشهور كعدّة المسلمة، والأخرى استبراء رحمها.
فوجه الأولى عموم الطاهر، ولأنه نوع من البينونة كالطلاق، ولأنّها زوجة للمسلم مات عنها كالمسلمة، ولأن كل عدّة لزمت المسلمة لزمت الكتابية كوضع الحمل.
ووجه الثانية أن تربصها يتعلّق به حقان، حق النسب وهو العلم ببراءة الرحم، وحق الله تعالى وهو ما زاد على ذلك إلى آخر الشهور، والكفار لا يؤخذون بحقوق الله تعالى المتجردة عن حقوق الآدميين.
[1505] مسألة: إذا تزوجت في العدّة ووطئها الثاني، فهل تتداخل العدّتان؟ أم لا؟ روايتان، فإذا قلنا إنهما تتداخلان، وهو قول أبي حنيفة، فوجهه أن الغرض الذي له ترادان هو العلم ببراءة الرحم، وذلك يحصل مع التداخل، أصله إذا حملت، وإذا قلنا لا تتداخلان، وهو قول الشافعي، فوجهه أنّه وطء له حرمة فوجب استيفاء عدّته كالأولى.
[1506] مسألة: إذا أذن لزوجته في الحج فأحرمت ثم طلقها أو مات، مضت على إحرامها ولم ترجع إلى منزلها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنها تقيم على عدّتها؛ لقوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله "، ولأن الحج أسبق من العدة وينوب عن مقامها في منزلها، ولأنه يمنع النكاح والوطء فكان أولى.
[1507] مسألة: الإحداد واجب على الزوجة المتوفى عنها، وحكي عن بعضهم أنّه غير واجب؛ فدليلنا، أنه صلى الله عليه وسلم سئل عمن مات زوجها فاشتكت عينها هل تكتحل؟ فقال: "لا"، ولأن الزينة والطيب داعيان إلى النكاح فمنعت منه كالمحرم، ولأنها لما منعت من التصريح بالخطبة في العدّة وكان التطيب والزينة أبلغ في الدعاء إلى النكاح منه كان أولى بالمنع.
[1508] مسألة: لا إحداد على مطلّقة، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لأنّها معتدة عن طلاق كالرجعية.
[1509] مسألة: على الصغيرة الإحداد، خلافاً لأبي حنيفة؛ للخبر ولأنّها زوجة، فلزمها الإحداد بموت زوجها كالبالغ.
[1509] مسألة: على الأمة الزوجة الإحداد، خلافاً لقوم؛ للخبر وهو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها أفأكحلها؟ قال: «لا» مرتين أو ثلاثاً، وهذا نقل الحكم مع سببه، ولأن الإحداد يلزم لحق الله تعالى من غير إبطال لحق السيد، فأشبه الإمتناع من التزويج، ولأن الأمة من أهل العبادات، فالإحداد عبادة يتعلّق بها حق الله وحق الزوج وحق النسب، فوجب أن يكون لازماً لها كاستبراء الرحم، ولأنها زوجة كالحرة.
[1511] مسألة: الصحيح أن على الكتابية الإحداد، خلافاً لأبي حنيفة وبعض أصحابنا؛ لعموم الخبر، واعتباراً بالمسلمة.
[1512] مسألة: إذا رفعت امرأة المفقود أمرها إلى الإمام، سأل عنه وفحص عن خبره، فإذا اجتهد فلم يقف له على خبر، ضرب لها أجل أربع سنين من وقت انتهى إليه افتقاده، ثم تعتدّ عدة المتوفى، وتتزوج بعدها إن شاءت، وقال أبو حنيفة والشافعي تجلس أبدًا؛ فدليلنا إجماع الصحابة لأنه روي عن عمر وعثمان أنه يضرب لها أجل أربع سنين، ثم يفرق
بينهما، وروي مثله عن علي، ولا نعرف مخالفاً لهم، وروي عن خلق كثير من التابعين، ولأنه لما كان الخيار ثابتاً لها في الفرقة مع العنّة والإيلاء ولم يكن فيهما إلا فقد الوطء دون فقد العشرة والنفقة، كان في مسألتنا الجامعة لفقد كل ذلك أولى.
[1513] مسألة: أم الولد إذا توفي سيدها استبرأت بحيضة، وحكي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنها تعتدّ أربعة أشهر وعشرا، وقال أبو حنيفة عدتها ثلاثة قروء كالحرة؛ فدليلنا أنه وطء بالملك فلم يجب له عدّة زائدة على الاستبراء كالأمة، ولأنها ليست بزوجة فيلزمها عدّة الزوجات كالأمة.
[1514] مسألة: إذا قال المطلّق: قد راجعتك، فقالت قد انقضت عدتي، فالقول قولها إن كان قد مضى زمان يمكن ذلك فيه، وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الزوج؛ فدليلنا أن المرأة مؤتمنة على ذلك لقوله تعالى: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن "، ولأن ذلك لا يوصل إلى العلم به إلا من جهتها، فكان القول قولها، ولأنها لو قالت: لم تنقض عدتي، وقال الزوج بل انقضت فإن القول قولها، فكذلك إذا ادعى الزوج بقاءها وأدعت هي زوالها، لأن ذلك دعوى في العدد.
[1515] مسألة: في أكثر الحمل ثلاث روايات، الصحيح منها أربع سنين، وقال أبو حنيفة أكثره سنتان، وقال داود لا يكون الحمل أكثر من تسعة أشهر؛ فدليلنا على أبي حنيفة ما روي أن عمر بن الخطاب ضرب
لامرأة المفقود أجلاً أربع سنين ولم يكن ذلك إلا أنّه غاية الحمل، وروي مثله عن عثمان وعلي، ولا مخالف لهم، ولأن بالمدينة كان مستفيضاً عندهم أن نساء الماجشون كن يلدن لأربع سنين، ولأن ما زاد على السنتين لو لم يكن مدة للحمل لم يلحق به إذا ادعاه وأكذبته، [و] في لحوقه به دليل على أنّه من مدّته، فدليلنا على داود ما ذكرناه.
[1516] مسألة: إذا عجزت المكاتبة جاز له وطؤها، ولا حاجة به إلى الإستبراء، خلافاً للشافعي؛ لأنها لم تزل عن ملكه فلم يحتج إلى استبرائها كالأمة.
[1517] مسألة: لا يجوز العقد على حامل من زنا حتى تضع حملها، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن "، ولأنه حمل لا يلحق به، فلم يجز العقد له على الحامل به، أصله إذا كان لاحقاً لغيره.