كتاب النذور
[1801] مسألة: إذا قال: لله علي نذر، ولم يسمّه، انعقد نذره ولزمه كفَّارة يمين، واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من يقول: لا ينعقد نذره، ومنهم من يقول: ينعقد، ويخرج أقل ما يقع عليه الاسم؛ فدليلنا أنه ينعقد قوله تعالى: "يوفون بالنذر"، وقال: "وليوفوا نذورهم"، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر نذرًا فلم يسمّه فعليه كفارة يمين»، فأثبت له حكماً بنذره، ولأنّ الأيمان المنذورة محمولة على تعارف الخطاب، والعرف جار بأن المقصد من النذر القربة، فكأنه قال: لله علي أن أتقرب إليه بشيء، فيلزمه، ولأنه نذر قصد به القربة، فوجب أن يتعلّق به حكم الوجوب كما لو عينه؛ ودليلنا على أنه يلزمه كفارة يمين للخبر.
[1802] مسألة: نذر المباح لا يلزم، وقال أحمد بن حنبل: هو مخير بين فعله وبين كفارة يمين؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله
فليطعه»، وقوله: «لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله» ولأنه نذر غير قربة كالمعصية.
[1803] مسألة: يلزم النذر المطلق، وقال بعض الشافعية: لا يلزم إلا أن يعلق بشرط أو صفة؛ ودليلنا قوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وعموم الأخبار، ولأنه ألزم نفسه على وجه النذر ما يجب الوفاء بجنسه كالمقيد.
[1804] مسألة: النذر يلزم حال الفجاج والغضب كلزومه على وجه التبرر، وقال الشافعي: هو مخير بين أن يفي به وبين أن يكفر كفارة يمين، واختلفوا في نذر الحج؛ فدليلنا على أنه يلزمه الوفاء به عموم الظواهر، ولأنه نوع من النذر فلم يفترق فيه بين الرضا واللجاج، أصله نذر المعصية، ولأنه حال علّق النذر فيها بما يجب الوفاء بجنسه فيلزم بوجود شرطه، أصله حال الرضا، ولأن كل ما لو علّقه بنذر الطاعه لزم، فكذلك بنذر اللّجاج، أصله الطلاق والعتاق؛ ودليلنا على انتفاء التخيير أن سبب النذر واختلاف الحال التي عقد عليها لا يوجب سقوط المنذور والتزام غيره، أصله حال التبرر، لأنها قربة ألزمها نفسه على وجه النذر، فإذا وجد شرطها لم يجز إسقاطها والإتيان بغيرها كالحج.
[1805] مسألة: إذا نذر المشي إلى مسجد المدينة الأقصى للصلاة فيها لزمه ذلك، خلافاً للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشدّ
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فذكر مسجده ومسجد بيت المقدس، ولأنها مساجد تضاعف الصلاة فيها بألف كالمسجد الحرام.
[1806] مسألة: إذا نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه الهدي، وقال الشافعي: لا شيء عليه؛ فدليلنا ماروي عن الصحابة أنهم قالوا عليه هدي، وروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، ولأنه أراد نذره على وجه القربة فلما أراد فداه لأن ذلك معهود في الشرع أن نحر الابن قد يكون على وجه القربة، لأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم تعبد بذلك، وصارت الأضحية أصلاً في شرعنا شبهًا به، فكان النّاذر على وجه القربة كناذر الفداء.
[1807] مسألة: إذا قال مالي في سبيل الله وصدقة، لزمه إخراج الثلث خلافاً لمن قال: لا يلزمه شيء؛ لعموم الظواهر في الوفاء بالنذر، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة، ونذر أن ينخلع من ماله: «يجزيك من ذلك الثلث» واعتباراً به إذا عين شيئاً من ماله.
[1808] فصل: ولا يلزمه إخراج كل ماله، خلافاً للشافعي لحديث أبي لبابة، ولأن المريض لما منع من إخراج كل ماله إبقاء على ورثته، كان
الصحيح بأن يسقط عنه ذلك بحق نفسه أولى، ولا يجزيه من ذلك كفارة يمين، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك؛ للخبر، ولأنه إخراج مالٍ كما لو عين.