كتاب الأشربة
[1860] مسألة: كل شراب مسكر فإنه حرام، قليله وكثيره، جُمْلَةً بغير تفصيل، وقال أبو حنيفة في النبيذ التمري المطبوخ والزبيب المشتدّ المطرب: إن قدر ما لا يسكر منه حلال؛ فدليلنا من طريقين؛ أحدهما: إثبات ذلك خمرًا، والآخر: الاستدلال على عين المسألة.
فأما إثباته خمرًا فله طريقان: الأخبار والقياس، والأخبار ما روى النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من العنب خمر، ومن الزبيب خمر، ومن التمر خمر، ومن العسل خمر، ومن الشعير خمر، أنهاكم عن كل مسكر»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الخمر من هاتين الشجرتين النخل والعنب»،
وقوله: «كل مسكر حرام وكل مسكر خمر»، وفي حديث أنس: أن الخمر لما حرمت قال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرار فكسرها، فكان فيها شراب من فضيخ وتمر.
وأمَّا القياس فلما علمنا أن العرب إنّما سمّت الخمر بهذا الاسم، لوجود الإسكار والشدّة المطربة، ولم يوافقونا على قَصْرِ ذلك على جنس أو نوع ممّا يوجد فيه دون غيره، وجب إجراء العلّة حيث وُجدت، وعلمنا أنها علَّة بالطريق الذي به نعلم العِلَلْ وهو وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها، لأن العصير ما لم يشتدّ لا يسمّى خمرًا، فإذا اشتدّ سمِّي بذلك، فإذا زالت الشدة زال الاسم، فثبت ما قلناه.
ودليلنا على عين المسألة النقل المستفيض، وروت عائشة رضي الله عنها أنّه صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع؟ فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام»، وقال الراوي: والبتع نبيذ العسل، وروى ابن عمر وأبو موسى الأشعري قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وروت عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام»، ولأنّه إجماع الصحابة، لأنّ عمر حدّ في شراب سأل عنه، فقيل له: إنه يسكر، ولم ينكر عليه أحد، واعتبارًا بالسكر، ولأنه شراب يسكر كثيره فوجب أن يحرم قليله كالخمر.
[1861] مسألة: الخمر محرَّمة لعلّة، وقال أصحاب أبي حنيفة لعنبها؛ فدليلنا قوله تعالى: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر"، وذكر الصفة عقيب الحكم تفيد التعليل، لأن علامات العِلل موجودة في الإسكار فوجب أن تكون علّتها.
[حدّ الخمر]:
[1862] مسألة: الحد للخمر ثمانون، خلافاً للشافعي في قوله: إنّها أربعون؛ لإجماع الصحابة عليه وسؤال عمر عنه وتعليل علي بأنه: إذا شرب مسكرًا، فإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيحدّ حد المفتري، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وروي عن عمر، ...........................
وعثمان، وعلي، وعبدالرحمن، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى، ولأنّه ليس في الأصول حد يقصر عن ثمانين.
التعزير
: [1863] مسألة: التعزير غير مؤقت، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام فيما يراه كافياً في ردع المعزَّر، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لا يزاد على الأربعين وهي أدنى الحدود؛ لأنّ ما قلناه إجماع الصحابة، وروى أن معز بن زياد عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به إلى
صاحب المال فأخذ منه مالاً، فبلغ عمر ذلك، فضربه مائة، فكلم فيه من بعد فضربه مائة أخرى ونفاه، وروي أنّه ضرب جارية حاطب لما حملت وذكرت أنها لم تعلم بالتحريم، مائة، وعن علي: أنه ضرب في التعزير خمسة وسبعين سوطاً، ولم يذكر ممن خالف عن أحد منهم، ولأن الغرض بالحدّ لمّا كان للردع والزجر، وكانت أحوال الناس مختلفة بحسب اختلافهم في العتوِّ والعرامة والإقدام على الأمور المنكرة، وجب أن ينتهي التعزير حتى يعلم منه حصول الردع ليقع الغرض به، ولأنه ضرب محتاج إليه في التعزير فأشبه ما دون الحد.
[1864] مسألة: إذا عزر الإمام إنساناً تعزير مثله فمات لم يضمنه، وقال الشافعي: يضمن؛ فدليلنا أن إليه أمره من طريق الولاية، فإذا تلف به لم يضمنه كما لو أقام حدًّا على إنسان فمات، فلا يدخل عليه الزوج والمعلّم لأنه ليس ذلك إليه من طريق الولاية.
كتاب
العقيقة
الختان
:
[1865] مسألة: الختان سنة مؤكدة في الذكور والإناث، وليس بواجب وجوب فرض، خلافاً للشافعي؛ لأنه قطع شيء من البدن ابتداء كقطع البشرة، ولأنه قطع مقصود به النظافة كقصِّ الظفر.
[العقيقة]:
[1866] مسألة: العقيقة مستحبة، خلافاً لقول أبي حنيفة: إنّها بدعة!؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمًا»، وقوله: «كل غلام مرتهن بعقيقته يعق عنه يوم سابعه ويسمى»، ولأنه صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحسن والحسين رضي الله عنهما كبشاً كبشاً.
[1867] مسألة: وليست بواجب، خلافاً لقوم؛ لقوله: وسئل عن العقيقة: «لا أحب العقوق، ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل»، فعلّقه بمحبة فاعله، ولأنه طعام يفعل عند الولادة كالوليمة.
[1868] مسألة: يعق بشاة شاة عن الذكر والأنثى، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه يعق عن الغلام بشاتين وعن الأنثى بشاة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشًا، ولأنه ذبح متقرب به، فلم يتفاضل فيه الذكر والأنثى كالأضحية.
[1869] مسأله: لا يمس الصبي بشيء من دمه، خلافاً لمن استحبَّ أن يلطخ رأسه؛ لأنه ذبحٌ مقصود به القربة، فوجب أن لا يستحبَّ إمساس المذبوح عنه بالدم، كالأضحية والهدي.