كتاب الذكاة
باب
: [1821] مسألة: لا تحل الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين، وقال الشافعي: يقطع الحلقوم والمري، ولا يحتاج إلى الودجين؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «أفر الأوداج واذكر اسم الله وكل»، وفي حديث رافع أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أبلغ إلى الودجين» و «إلى» ها هنا بمعنى «مع».
[1822] مسألة: الذكاة لا تصحّ من المجنون، ومن لا يعقل، خلافاً للشافعي؛ لأن الذكاة لا تصحّ إلا بنية بدليل أنها لا تصحّ من المجوسي، ولو كانت تصحّ من غير نية لم يختلف الحكم فيها ممّن وقعت.
[1823] مسألة: إذا بالغ في الذبح حتى أبان الرأس كره ذلك، وجاز أكلها، وحكي عن بعض التابعين أنها لا تؤكل؛ ودليلنا هو أن إبانة الرأس تحصل بعد الذكاة فلم يؤثر فيها كما لو ذكاها ثم جزَّها.
[1824] مسألة: إذا ذبحها من قفاها لم تؤكل، خلافاً للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنّما الذكاة في الحلق واللبة»، ولأنها قد تتلف قبل
الوصول إلى قطع الحلقوم والأوداج.
[1825] مسألة: إذا نحر شاة من غير ضرورة، أو ذبح بعيرًا، لم يؤكل تحريماً، على خلاف بين أصحابنا فيه؛ لأن الشرع ورد في البعير بالنحر وفي الشاة بالذبح، فإذا خالف لم يؤكل، ولأنّه ذكاه بذكاة غيره من غير ضرورة كما لو قتله بالجوارح والسّهام.
[1826] مسألة: الظاهر من مذاهب أصحابنا أن تارك التسمية عامداً غير متأول لا تؤكل ذبيحته، فمنهم من يقول: إنها سنة، ومنهم من يقول: إنّها شرط مع الذكر، وقال الشافعي: لا تحرم بتركها؛ فدليلنا قوله تعالى: "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل»، فجعلها شرطاً كالإرسال، وفي حديث عائشة لما قالت: تجيء الأعراب بذبائح لا ندري أسموا عليها أم لا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «سم الله وكل»، فلو لم تكن واجبة لقال: لا يضر إن تركوها، ولأن ذلك طريق إلى الاستخفاف بالسنن والاستهزاء بالشريعة.
[1827] مسألة: إذا ذكيت الشاة أو البقرة أو الناقة فوجد في جوفها
جنين ميت تام الخلق كان مذكى بذكاتها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، وفي حديث أبي سعيد قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين فنلقيه أم نأكله؛ فقال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه»، وهذا نص، ولأن التذكية على حسب القدرة والإمكان، ولا يمكن في الجنين إلا على هذا الوجه، ولأن ما يسري إلى الإعتاق إليه في ولد الآدمي سرى الذكاة إليه في البهائم كالجلد والأطراف، ولأنّ ما تلف عن ذكاة جاز أكله، أصله الأم.
[1828] فصل: وإن كان خلقه لم يتم وشعره لم ينبت لم يجز أكله، خلافاً للشافعي؛ لأنه روي في بعض الحديث: «ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر»، ولأن الذكاة إنما تكون فيما كان حياً فتلف، والحياة لا تكون إلا بعد تمام الخلق.
[1829] مسألة: إذا تردى البعير أو البقرة أو الشاة في بئر ولم يقدر على إخراجه ولا على تذكيته في حلقه أو لبته لم يؤكل بعقره في موضع من بدنه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الذكاة في الحلق واللّبة»، ولأن تعذر الوصول إلى موضع الذكاة في المقدور عليه لا يبيح تذكيته في غيره، كتعذر الوصول إلى ما يذكى فيه أنه لا يبيح التذكية بغيره.
[1830] مسألة: الحيوان المتأنس كبهيمة الأنعام وغيرها إذا توحش ولم يقدر عليه لم تنتقل ذكاته ولا يستباح إلا بالذبح أو النحر، خلافاً لأبي
حنيفة والشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنّما الذكاة في الحلق واللّبة"، فأشار إلى جملة الذكاة، ولأن توحشه لما لم ينقله عن أحكام المتأنس من سقوط الجزاء عن المحرم بقتله وجوازه في الضحايا والهدايا والعقيقة، وكذلك الذكاة.