الإشراف على نكت مسائل الخلافكتاب الطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[1334] مسألة: الطلاق في الحيض محرم ويلزم إذا وقع، خلافاً لابن علية وبعض أهل الظاهر والرافضية؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه أنه طلق امرأته حائضًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مره فليراجعها حتى تطهر"، والرجعة تتضمن نفوذ الطلاق، وفي حديث الليث بن سعد: " فإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك " ولأن كل حال تصح الزوجية فيها يصح إيقاع الطلاق فيها كالطهر، ولأنه إزالة ملك مبني على التغليظ والسراية فليس يختص بزمان دون زمان كالعتق.

[1335] مسألة: إذا طلق في الحيض طلاقاً رجعياً أجبر على

ارتجاعها، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار"، وطلاقها حال الحيض إضرارٌ بها لأنه يطول عليها العدة فيجب إزالته، ولا طريق إلى ذلك [إلا] بالارتجاع، وقوله صلى الله عليه وسلم: " مره فليراجعها " وهذا أمر، وهو على الوجوب، ولأن الرجعة إذا تعلقت بضرر كانت تابعة له في الثبوت والانتفاء، ألا ترى أن المعسر بالنفقة إذا طلق عليه فارتجع فإن مراجعتها معتبرة بيسره، فإن دام إعساره لم تصح، فإن في إثباتها إضرارًا بها، كذلك المولي، فإذا قد ثبت ذلك وجب في هذا الموضع إذا كان في منع الرجعة لخوف ضررٍ بها أن يزال بارتجاعها لزوال الضرر عنها.

[1336] مسألة: والجمع بين الطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة، ويلزم إن وقع، وقال الشافعي هو مباح ليس بممنوع، وقال بعض أهل الظاهر لا يقع أصلاً، وبعض المبتدعة يذهب إلى أنه يقع به واحدة.
ودليلنا على أنه بدعة قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " الآية، فأمر بالطلاق للعدة، وقرنه بما دل به على أن المراد به الطلاق الرجعي، لقوله تعالى: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا "، أي ندمًا، فيكون للمطلق طريق إلى تلافيه بالارتجاع، ثم وصفه بما يقتضي الإثم، وهو قوله تعالى: " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " فدل على ما قلناه؛

وحديث الحسن عن ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو أطلقها ثلاثاً؟ قال: " إذا بانت منك، وعصيت ربك "، وحديث محمود بن لبيد الأنصاري قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جمعًا، فقام غضباناً فقال: " تلاعبٌ بكتاب الله وأنا بين أظهركم " وهذا كالنص، ولأنه بين هذا الغضب لهذا الفعل الذي هو الجمع بين الثلاث في كلمة واحدة، ولأنه سبب يحرم البضع بفعله من غير حاجة فوجب كونه ممنوعًا، أصله الظهار، ولأن الجمع بين الثلاث يتعلق به الندم في الغالب، وله مندوحة عنه فكان المنع متعلقاً به كالطلاق في الطهر الذي تمسُّ فيه، ولأن الطلاق يتضمن وقتاً وعددًا، فإذا جاز أن يؤثر المنع في الوقت لحق المرأة، وهو أنه يطول عليها فمنع من ذلك ليزيل الضرر عنها، جاز أن يؤثر في العدد لحق الزوج، وهو الندم الذي يلحقه ليزول الضرر برفعه.

[1337] فصل: ودليلنا على لزومه قوله تعالى: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا "، يعني الندم الذي يمكن تلافيه بالرجعة، فأمرنا أن نطلق ما نملك معه الرجعة لئلا يلحقنا ندم عليه، فلا يكون لنا سبيل إلى تلافيه، فلولا أنه يقع إذا أوقعناه على هذا الوجه وإلا لم يكن لهذا القول معنى، لأن ما يحدث يمكن تلافيه بالرجعة على قول من يقول يقع واحدة،

أو لا يؤثر على قول من يقول لا يقع جملة، ولقوله تعالى: " وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقذ ظلم نفسه " وهذا موضوعه الزجر عن الفعل والردع عنه، فلولا أنه واقع وإلا لم يصفه بأنه ظالم نفسه لأنه كان يكون لغوًا، واللاغي لا يقال له ذلك، وحديث ركانة أنه طلق امرأته البتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما نويت؟ " فقال له: واحدة، فقال: " الله " قال: الله، قال: " هو ما نويت " فلو كان ما زاد عليها غير واقع لم يكن لإحلافه معنى، وحديث الحسن عن ابن عمر، وقد ذكرناه أنه طلق امرأته فقال: يا رسول الله أرأيت لو أني طلقتها ثلاثاً أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: " لا، كانت تبين منك وتكون معصية "، وهذا نص، وروى ابن المسيب أن رجلاً من أسلم طلق امرأته ثلاثاً جمعًا، فقيل له: إن لك عليها رجعة، فدخلت امرأته على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته أنه طلقها ثلاثاً في كلمة واحدة، فقال: " قد بنت منه، ولا ميراث بينكما "، ولأن كل ملك يزول بإزالته مفترقاً فإنه يزول بإزالته مجتمعًا، أصله إعتاق العبيد، ولأن الزوج يملك بالعقد الطلاق الثلاث فلا يخلو أن يكون ملك إيقاعها متفرقة، أو مجتمعة، أو كيف شاء من جمع أو تفريق، فلو كان لا يملك إلا مفترقاً لم يجز أن يملك غير المدخول بها لامتناع تفريق الثلاث عليها في العقد الواحد، فدل أنه ملكه مجتمعاً ومفترقاً، ولأن الطلاق تابع للنكاح بدليل أنه لا يثبت حكمه قبل وجوده، وقد ثبت جواز العقد على أربع نسوة بعقد واحد، وعقود متفرقة، وكذلك يجب إيقاع الثلاث بلفظ واحد وبثلاثة ألفاظ؛ ودليلنا

على أنه يقع للجميع ما ذكرناه، ولأن كل من لزمه حكم الثلاث متفرقات لزمه حكمها مجتمعات كالمطلق ثلاث نسوة بلفظ واحد.

[1338] مسألة: طلاق السنة واحدة، ولا يطلق في كل طهر [أكثر من] طلقة، فإن فعل فالأولى للسنة، والأخريان للبدعة، وقال أبو حنيفة طلاق السنة أن يطلق ثلاثاً، في كل طهر طلقة قبل الجماع؛ فدليلنا قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " وذلك يوجب أن يطلق طلاقاً يوجب عدة في حال تعتد منه، وهذا الطلاق الثاني والثالث لا يوجب عدة فكان موقعًا على خلاف المأمور به، ولأنه تعالى قال عقيبه: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف "، وذلك يفيد ما دون الثلاث، لأن الثلاث لا رجعة فيها، ولا يمكن تلافيها، ولأنه أردف طلاقاً من غير ارتجاع فلم يكن للسنة، أصله إذا طلق في الطهر الواحد ثلاثاً، ولأنه طلاق لمدخول بها لا يوجب عدة فلم يكن للسنة، أصله ما ذكرناه، ولأنَّ المعنى الذي له لا يمكنه تلافيه بالرجعة، وهذا موجود في المطلق ثلاثاً في كل طهر تطليقة، لأن تفريقه لا يخرجه عن الندم.

[1339] مسألة: اليائسة والصغيرة المدخول بهما يطلقهما أي وقت شاء، وقال زفر إذا دخل بهما فلا يطلقهما حتى يفصل بين الجماع والطلاق بشهر؛ فدليلنا قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن "، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: " ليطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملاً قد استبان حملها "، فأباح طلاق الحامل لظهور الحمل، وذلك يقتضي أنه إذا جامعها وحملها

ظاهر فله أن يطلقها عقيب الجماع واحدة لا يفصل بين الحامل والحائل في ذلك، ونقيس عليها فنقول: لأنها ممن تعتد عقيب الجماع وتعرف عدتها، فجاز طلاقها في تلك الحال كالحائل، ولأنه فصل لا يستفاد به السلامة من طلاق في طهر جومع فيه أو لا يستفاد منه معرفة جنس العدة فلم يحتج إليه، أصله ما زاد على الشهر.

[1340] مسألة: إذا طلق واحدة للسنة، ثم ارتجعها، ثم أراد أن يطلقها في ذلك الطهر، فذلك له إذا لم يقصد الإضرار بها، وقال أبو يوسف ليس له ذلك، فدليلنا قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن "، ولأنه طلاق يوجب عدة غير ملتبسة في طهر لزوجة كالمبتدأة.

[1341] مسألة: إذا طلقها حائضًا، فراجعها، فطهرت، لم يطلقها حتى تحيض ثم تطهر، وحكى الكرخي عن أبي حنيفة أن له أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقت فيه؛ فدليلنا قوله عليه السلام: " مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلّق، وإن شاء أمسك ".

[1342] مسألة: إذا كانت له أربع نسوة فقالت له إحداهن: طلقني، فقال كل امرأة لي طالق، أو قال كل نسائه طوالق، فأطلق ذلك، طلقت السائلة وغيرها إلا أن يعلم من قصده أنه أراد غير السائلة، وحكى الأسفراييني عنا أن السائلة لا تطلق ويطلق من سواها، وأخطأ علينا في ذلك كعادته فيما يحكيه عنا وعن غيرنا، فنقول الآن قوله: نساؤه طوالق لفظ عام يتناول جميع نسائه، فوجب حمله على عمومه، أصله إذا قاله ابتداء.

[1343] مسألة: إذا قال لها أنت طالق، ونوى ثلاثاً، كانت ثلاثاً، خلافاً لأبي حنيفة في قوله تكون واحدة؛ لأنها صيغة محتملة للعدد قابلة له، واللفظ إذا احتمل شيئاً فنوى به قُبِل من ناويه اعتبارًا بقوله أنت الطلاق، ولأنَّ قوله أنت طالق نعت اسم الفاعل من طلقت، فهي طالق، فهو كقولك: زيد ضارب وقاتل، ومعلوم أن ذلك يصحُّ للواحد والاثنين والثلاثة، فكذلك طالق، ولأن المطلّقة ثلاثاً تشارك المطلّقة واحدة في الوصف لها بأنها طالق، وإذا كان الاسم مستعملاً فيها فدلَّ على قبوله بعدد طلاقها، ولأن قوله: أنت طالق، نعت لمصدر محذوف تقديره أنت طالق طلاقاً، وذلك المصدر قابل للعدد باتفاقنا، وإظهاره كتركه، لأنه معلوم من اللفظ، فإذا كان المصدر قابلاً للعدد جاز أن يوصف نعتاً بما يصحّ أن يقبله لو أظهره، ولأن الاتفاق حاصل على أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً طلقت ثلاثاً، وليس يخلو قولنا ثلاثاً من أن يكون تفسيرًا، أو بياناً لما أبهم من عدد قوله: أنت طالق، أو كلاماً مبتدأ، أو أن يكون لمجموعهما صيغة مبنية لإفادة الطلاق الثلاث؛ فإن كان تفسيرًا فذلك ما نقوله، لأنّه لو لم يحتمله لم يكن مفسّرًا له؛ وإن كان مبتدأ فذلك باطل، لأنه لو كان مبتدأ لامتنع إيقاعه على التي لم يدخل بها، لأنه يرد عليه بعد البينونة، ولأنه نصب على التمييز كقوله: عشرون درهمًا، ولأنه ليس بمستقل بنفسه فلم يكن مبتدأ، أو لأنه يوجب إذا قال أنت طالق اثنتين أن يطلق ثلاثاً، وكل ذلك يبطل أن يكون مبتدأ؛ وإذا كان لمجموعه صيغة مبنية فذلك شاهد لنا، لأن اسم الصيغة إذا صحّ بيان العدد المراد به قوله: أنت بائن لفظاً، صحّ

بيانه فيه كقوله: أنت بائن وأنت الطلاق، ولأنّ كل لفظ ملك الطلاق لو صرح فيه بالثلاث لصح استعماله فيه، فكذلك إذا أراد به أصله أنت بائن وأنت الطلاق ولأن كل لفظ ملكت المرأة به إيقاع الثلاث إذا جعل إليها فإن الزوج يملكه، أصله أنت الطلاق، ولأن كل منحصر يملك إيقاع الثلاث بالصريح ملكه بقوله أنت طالق البتة، أصله المرأة إذا وكلها الزوج.

[1344] مسألة: قد أكثر أصحاب الشافعي من ذكر الطلاق، وكنايته، ويرجعون في معنى الصريح أنه ما لا يحتاج في وقوع الطلاق به إلى نية، وأنّ الكناية ما لا يقع الطلاق به إلا بنية، وهذا إذا كان مراعى في أنه في معنى الصريح والكناية في اللغة؛ وفائدة الفرق بينهما في الاسم كلمناهم فيه، ولكن لا يتعلّق بالحكم وإن كان الغرض ما يفتقر من الألفاظ إلى نية، وما لا يفتقر إليها حصل الكلام في أعيان المسائل، إلا أنا نتكلم على ما أوردوه، فعندنا أن صريح الطلاق ما يتضمّن لفظ الطلاق إما بالإيقاع كقوله: أنت طالق، وبالإخبار عن فعل، مثل قوله: قد طلقتك، أو بوصفه بأنّها مفعولة بها كقوله: أنت مطلّقة، أو بوصفها بالمصدر كقوله أنت الطلاق، أو ما يتضمّن صريح الطلاق نطقاً، وما عداه كناية، مثل قوله فارقتك، وسرحتك، وبائن، وخلية، وبرية، وما أشبه ذلك، ومن أصحابنا من يقول كل هذا صريح، ويدخل معهم في أنّ الفرق بين الصريح والكناية ما يدّعونه، وهذا أقلّه علم باللغة وفوائد الكلام.
وأصحاب الشافعي يزعمون أن الصريح من الألفاظ ثلاثة، وما عداهن

كناية، فالصريح عندهم: الطلاق، والفراق، والسراح، والكلام معهم في موضعين: أحدهما معنى الصريح والكناية، و [الثاني] هذه الألفاظ تفتقر إلى نية أو لا تفتقر إليها.
ودليلنا على الفصل الأول، أن الصريح ما دل على معناه بنفسه، ولم يحسن أن يستفسر عنه بلفظه، والكناية ما يحسن ذلك فيه، وتبيين ذلك أن قوله: معي درهم، صريح في الدراهم، ولا يحسن أن يستفسر عنه هل أراد به الدراهم أم لا، لأنه صريح فيه، ولو قال معي شيء أو مال أو ما ينفق أو شيء منقوش، لحسن أن يقال هل هو درهم أو غيره، لأنّ ذلك كناية، وليس بصريح، ثم وجدنا قوله: أنت طالق، من هذا القبيل، أنه لا يحسن أن يقال: أيُّ شيء أردت بقولك أنت طالق، على أن يستفسر على جنس الشيء الموقع دون عدده، ولو قال قد فارقتك لحسن أن يقال أي فرقة أردت، وهل أردت فرقة الطلاق، أو فرقة عن شركة بينهما، أو فرقة المحاسبة، أو غير ذلك فصحّ ما قلناه.
ودليلنا على الفصل الآخر، وهو قوله: قد فارقتك وسرّحتك، يفتقر إلى نية لأنّها كناية، أن كل لفظ يحسن أن يفسر بغير نطقه صلح أن يكون كناية عمّا يفسّر به، أصله قوله: أنت خلية أو برية، ولأنّه لفظ فرقة من غير نطقه عن الطلاق فكان كناية، أصله قوله: خليتك، ولأنه لفظ مستعمل في الطلاق وغيره من غير اختصاص فلم يكن صريحًا، أصله قوله: أنت خلية أو برية.

[1345] فصل: والكنايات الظاهرة مثل قوله: أنت خلية، وبرية، وحرام وبائن، وما أشبه ذلك، فإذا قال لها مبتدئاً أو مجيباً لها عن مسألتها إياه الطلاق، يكون طلاقاً ولا يقبل منه إن قال لم أرد به، وقال الشافعي: القول قوله في الموضعين؛ فدليلنا أن العرف جار بأن الناس يطلقون بهذه الكنايات كما يطلقون بالصريح، وعرف اللّغة والشرع جار بذلك، فإذا قال

ذلك ابتداء فيجب أن يحمل على ما جرى به عرف الشرع، وظاهر المراد بهما، وكذلك إذا قال مجيباً عن مسألتها إياه الطلاق.

[1346] فصل: إذا نوى بشيء من هذه الكنايات الظاهرة أنت خلية، وبرية، وبتة، وبائن، وحرام، أنه أراد بها دون الثلاث لم يقبل منه في المدخول بها إلا أن يكون في خلع، ويقبل في غير المدخول بها إن ادعاه إلا في البتة فاختلف قوله فيها، وعند الشافعي أنه يقبل منه كل ما يدعيه في ذلك من أصل الطلاق وأعداده؛ فدليلنا أن قوله: أنت حرام، أو بائن، وبتلة، وبتة، وخلية، وبرية إيقاع طلاق يتضمن هذه الصفات، فكأنه قال: أنت طالق طلاقاً تبين به مني وبتت العصمة بيني وبينك، وتخلو به من زوجك، ويتبرأ به أحدهما من الآخر وهذا لا يكون في المدخول بها إلا ثلاثاً، فإذا ادعى أنه أراد دون الثلاث كان رجوعًا فيما أوقع فلم يقبل منه.

[1347] فصل: إذا قال: اعتدّي، وقال نويت ثلاثاً، قبل منه، وقال أبو حنيفة لا يكون إلا واحدة؛ فدليلنا أنه لفظ كناية عن الطلاق يصلح أن يكون عبارة عما أخبر أنه أراد به، فوجب صرفه إلى ما ذكرناه.

[1348] مسألة: إذا قال: أنا طالق منك، كان طلاقاً، وقال أبو حنيفة لا يكون طلاقاً؛ فدليلنا أن كل لفظ استعمل في الطلاق مضافاً إلى الزوجة كان طلاقاً، فكذلك إذا أضافه الزوج إلى نفسه، أصله قوله: أنا منك بائن، وأنا عليك حرام.

[1349] مسألة: إذا قال أنت مطلقة، كان صريحاً في الطلاق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه إخبار عن وقوع الطلاق عليها، كقوله: قد طلقتك.

[1350] مسألة: إذا كتب الطلاق بيده وأراد به الطلاق، كان طلاقاً، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يكون طلاقاً فدليلنا أن الكتابة مواضعة يعتبر

بها عما في القلب، فجاز أن يقع بها الطلاق كاللفظ، ولأنها حروف تنبني على المراد، ولأنه عمل جارحة يفهم منه الطلاق كالنطق، ولأن الكتابة تسمى كلاماً في حق الغائب، ولأنه لو حلف: لا أكلمه، فكتب إليه حنث، وكذلك إشارة الأخرس بيان له.

[1351] فصل: إذا طلق من غير لفظ ولا عمل جارحة، ففيها روايتان: إحداهما أنه لا يقع طلاقاً، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والصحيح أن الطلاق يقع؛ ودليلنا عليه أن الطلاق فراق يفتقر إلى قصد القلب وانطوائه به عليه، وحد النطق به الإخبار عن وقوعه، فوجب إذا عدم ذلك ألا يؤثر كالإيمان والكفر، ولأنّا وجدنا الاعتقاد بمجرده له تأثير في تحريم الزوجة وفرقة الزوجية بدليل الكفر.
وتحرير علة أصحابنا أن نقول لأن تحريم الزوجية معنى يتعلق به حق الله تعالى على التجريد، [ليس] للفظه تأثير في وقوع البينونة، فأشبه اعتقاد الكفر.

[1352] مسألة: لفظ الطلاق كناية في العتق، وكذلك كل لفظ صح مع استعماله في الطلاق فصح استعماله في العتق، وقال أبو حنيفة لا يصح استعمال شيء من ألفاظ الطلاق في العتق إلا قوله: لا سلطان لي عليك، ولا ملك لي عليك؛ فدليلنا أن كل لفظة صح استعمالها في الطلاق صح استعمالها في العتق، كقوله: لا سلطان لي عليك ولا ملك، ولأن الطلاق لفظ مبني على التغليب والسراية فجاز أن يكون في العتق كناية، دليله لفظ العتق في كنايته عن الطلاق.
[1353] مسألة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثاً، طلقت ثلاثاً، خلافاً لابن علية في قوله لا تطلق إلا واحدة؛ لحديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو كنت طلقتها ثلاثاً، قال: " كانت تبين منك

وتكون معصية "، ولم يفصل، ولأنها حال زوجية كبعد الدخول، ولأن قوله "ثلاثاً" تفسير لمراده بقوله: أنت طالق، بدليل أنه لو اقتصر على قوله أنت طالق، وقال: أردت به الثلاث لقبل منه، وإذا كان كذلك وجب وقوعه.

[1354] مسألة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بألفاظ متناسقة، طلقت ثلاثاً، وقال أبو حنيفة والشافعي يقع واحدة، فدليلنا أن كل زوج ملك إيقاع الطلاق ثلاثاً عليها بلفظ واحد صح أن يوقعه بثلاثة ألفاظ متناسقة، كالمدخول بها، ولأن التناسق في حكم المجموع بلفظ واحد أن يوقعه بثلاثة ألفاظ متناسقة، والله أعلم.

[1355] مسألة: طلاق المكره غير واقع، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا طلاق في إغلاق " وقال أبو عبيد: الإغلاق الإكراه، ولأنه لفظ حمل عليه بغير حق فلم يلزم به طلاق، أصله إذا أكره على الإقرار بالطلاق، وهذه عبارة أصحابنا، وأسد منها عندي أن يقال: لأنه لفظ لو عري من الإكراه للزم به الطلاق، فإذا وجد مع الإكراه لم يلزم به، أصله لفظ الإقرار بالطلاق ولأن كل حال لم يثبت معها حكم الإقرار بالطلاق لم يثبث معها حكم إيقاعه كالصغير والمجنون، ولأنه معنى يؤثر في البينونة، فإذا وجد التلفظ مع الإكراه لم يكن له حكم، أصله الإرتداد، ولأن كل عقد ينفي الإكراه لزوم الإقرار به، كذلك ينفي لزوم إنشائه كالبيع.

[1356] مسألة: طلاق السكران واقع، خلافاً للمزني وبعض أصحاب أبي حنيفة وداود؛ لأن أحكام المكلف متعلقة بأفعاله التي توجب أحكاماً عليه بدليل أنه يحد إذا زنا أو قذف أو شرب، فإذا ثبتت هذه الجملة قلنا: كل من يحد إذا وجد لفظ القذف منه فإن طلاقه واقع كالصاحي، ولأن كل حال لا يمنع حد القذف فلا يمنع نفوذ الطلاق كالصحو، ولأن كل حال لو ترك الصلاة فيها لزمه قضاؤها مع الإثم، فكذلك إذا طلق بمحل الصحو.

[1357] مسألة: إذا طلق إلى أجل آت لا محالة كمجيء السنة والشهر، وقع الطلاق منجزًا، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يقع إلا عند مجيء الأجل، فدليلنا أن كل توقيت لإباحة الوطء بأجل لا بد أن يأتي فإن الاستباحة تنتفي معه كالنكاح في المتعة.

[1358] مسألة: إذا قال: يدك أو رجلك أو شعرك طالق، طلقت، وقال أبو حنيفة لا تطلق إلأ أن يذكر عضوًا يعبر عن جملة البدن كالرأس والفرج؛ فدليلنا أنه عضو أو بعض من بدنها كالرأس والفرج، ولأنه مطلق لبعضها فوجب أن يسري إلى الجملة كالجزء الشائع.

[1359] مسألة: إذا طلق بعضها طلقت، خلافاً لداود؛ لأنه مكلف تلفظ الطلاق لزوجته، فثبت حكمه، أصله إذا أضافه إلى جملتها أو النصف.

[1360] مسألة: إذا قال: أنت طالق نصف تطليقة، طلقت تطليقة واحدة كاملة؛ لأنه تلفظ بنصف ما لا ينتصف مما ينبني على التغليب، فاقتضى التكميل كالعتق إذا قال: أنت حر نصف عمرك.

[1361] مسألة: الاستثناء بمشيئة الله عز وجل في الطلاق لا تؤثر، وكذلك اشتراطها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ فدليلنا على أن الاستثناء بها لا يؤثر قوله صلى الله عليه وسلم: " من حلف بالله ثم استثنى رجع غير حالف "، فقصر

ذلك على اليمين بالله، فدل على أن غيرها بخلافها، ولأن الاستثناء في حال المستقبل المترقب دون الماضي، لأنه حل عقد، والعقد لا يتناول الماضي، فإذا ثبت ذلك وكان قوله: أنت طالق، لفظ إيجاب وإيقاع، سواء أفرد أو علق بشرط، امتنع دخول الاستثناء عليه، لأنه لا مجال له في رفع ما قد وقع ووجب على ما بينا، ولأنه معنى يرفع حكم اليمين فلم يكن له تأثير في رفع الطلاق كالكفارة، ولأنه أضعف من الكفارة لأن كل يمين دخلها الاستثناء صح أن تدخلها الكفارة، وقد تدخل الكفارة فيما لا يدخله الاستثناء، ولأنه استثناء وقع جميعه في الحال والمال، كقوله: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلثاً.
ودليلنا على أن اشتراطه لا يؤثر أنه لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون لنا طريق إلى العلم بوقوعه، أو لا طريق لنا إلى العلم به، فإن كان لنا طريق إلى العلم به، فيجب وقوف الحكم على وجوده، ومن قولهم أنه لا يقف أصلاً بل نقطع على انتفاء حكم اللفظ من غير تثبيت ولا ترقب، فإن اللفظ كأنه لم يكن، ولأن الاعتبار في حصول مشيئة الله عز وجل في أفعال عباده ووقوعها، لأن ما شاءه منها كان وما لم يشأه لم

يكن، وإن كان لا طريق لنا إلى العلم بوقوعه وجب تنجز الطلاق، لأن تعليق الطلاق بما لا يعلم وقوعه من الشروط هزل، كقوله: أنت طالق إن كان الله تعالى خلق اليوم في السماء الرابعة ملك بألف جناح، أو في قعر بحر القلزم حوت طوله ألف ذراع، أو ما أشبه ذلك من والهزل.

[1362] مسألة: المريض المخوف عليه الذي لا يحتاج إلى استمتاع لا يجوز نكاحه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه محجور عليه أن يخرج ماله على غير معاوضة فيما لا حاجة به إليه لحق الورثة، والنكاح يتضمن إخراج المال بالمهر والنفقة، ولأن كونه محجورًا عليه لحق الورثة يقتضي منعه أن يدخل عليهم وارثاً لأنه إخراجٌ لهم من بعض الميراث، ولأن كل ما يتعلق بإخراج الوارث عن الميراث فلا يجوز في المرض، أصله الطلاق، وهذا التعليل يمنع الميراث مع أبي حنيفة.

[1363] مسألة: المطلقة المبتوتة في المرض ترث عندنا، وقال الشافعي لا ترث؛ فدليلنا إجماع الصحابة، لأنه مذهب عمر، وعثمان، وعلي،

وأبي بن كعب، وابن الزبير، ولا مخالف لهم، ولأنه قد حجر عليه لحق ورثته، فلم يملك إخراجهم من الميراث، لأنه لو ملك ذلك لم يوقع الحجر عليه من أجلهم شيئاً، لأن ذلك يناقض استحقاق الحجر عليه، ولأنها فرقة في حال الغير يصرفه فيها من الثلث فلم تقطع الإرث، أصله الفرقة بالموت، ولأن التهمة معنى معتبر في باب الميراث ومنع ما قصدت به بدليل منع قاتل العمد من الميراث، والمطلق في المرض متهم باأنه قصد إخراجها من الميراث فعوقب بمنعه مما قصده.

[1364] فصل: لا فرق بين أن يكون الطلاق قبل الدخول أو بعده، ولا بين بقاء العدة وزوالها، ولا فرق بين أن تتزوج أو لا تتزوج، وقال أبو حنيفة لا ترث المطلقة قبل الدخول ولا بعد العدة في المدخول بها، وقال الشافعي في بعض أقاويله ترث وإن خرجت من العدة ما لم تتزوج.
فدليلنا على أبي حنيفة أنها مطلقة في المرض ثبت لها حق الحجر عليه، فإذا مات من مرضه ذلك ورثته مع سلامة الحال، أصله إذا مات في العدة، ولأن الطلاق صادف سبب الإرث وهو ثبوت الحجر عليه من أجلها فخروجها من العدة بعد وجوبه لها لا يسقط كما لو مات ثم ارتدت، ولأن توريثها إنما ثبت عقوبة له لقصده الفرار منه فلم يتعلق ذلك بالعدة حسماً للباب.

[1365] فصل: ودليلنا على أنها ترث وإن تزوجت، خلافاً للشافعي، لأن الميراث إذا وجب لها بإخراجه إياها منه وثبوت حقها بالحجر عليه،

وهذا موجود مع تزويجها، فلم يكن لاعتبار التزويج معنى كما لم يكن في اعتبار العدة معنى.

[1366] فصل: إذا صح من مرضه ثم مات فلا ترثه، خلافاً لزفر في قوله ترثه ما كانت في العدة؛ لأنه إذا صح فقد زال الحجر عنه، وصار كمن طلق في الصحة ثم مرض فمات، ولأن المرض الذي لا يتصل بالموت جار مجرى الصحة يدل عليه أن ما تصرف فيه مما كان موقوفاً على الثلث ينفذ مع الصحة فكان كالمطلق في الصحة فيمرض ثم يموت في العدة فلا ترث، ولأنها قد أتت عليها حال قطعت إرثها، وهي حال صحة المطلق فلم يعد إرثها من بعد، كما لو ارتدت في العدة، ثم أسلمت فإنها لا ترثه.

[1367] مسألة، فصل: وإن سألته الطلاق وهو مريض فطفلها ورثته، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن عثمان ورث امرأة عبد الرحمن بن عوف لما طلقها في المرض، وقد سألته، ولأنه لما ثبت وجوب الميراث بالطلاق في المرض لأجل التهمة بإخراجها من الميراث، فلم يفترق الحكم بين إذنها وعدمه، لأن الإذن في باب سقوط الميراث غير معتبر، بدليل أن الوارث لو قال لست أحتاز له إرثاً لم يلتفت إلى قوله وورث، ولأن الإنسان قد يضيق على زوجته حتى تسأله الخلع، فحسم الباب بتوريثها في المرض على كل وجه، ولأنها مطلقة في المرض كالتي لم تسأل.

[1368] مسألة: إذا قال طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت واحدة لم يقع، خلافاً للشافعي؛ لأنها أوقعت غير ما جعل إليها فلم يقع، كالوكيل إذا وكل في شيء ففعل غيره.

[1369] مسألة: إذا قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً، وقعت

واحدة؛ لأنها فعلت ما أذن لها فيه كما لو اقتصرت فيه، والزيادة لغو، وحكى الأسفرائيني عنا أنا نقول لا يقع شيء، وهذه عادته في التحريف على الناس.

[1370] مسألة: إذا تيقن الطلاق وشك لم يعلم كم أوقع منه، وقال أنت طالق وشك في مراده من العدد، فإن لم يتحقق كان ثلاثاً، وقال أبو حنيفة والشافعي يكون واحدة؛ فدليلنا أنه قد تيقن التحريم وشك هل ترفعه الرجعة أم لا، فحصل شاكاً في هذه العين هل يمكنه أن يرفع أو لا يمكن، فيجب مع تيقن التحريم ثم تغليب حكم الأعلى من التحريمين، أصله إذا شك في إحدى امرأتين أيتهما أخته من الرضاعة مع تحقيقه ذلك في إحداهما، لأن التحريم مغلب في الأحوال، مثل أن يشك في شاة أنها مذكاة أو ذبح مجوسي، ولأن هذا مبني على أنه إذا طلق واحدة من نسائه وشكَّ في عينها أنه يحكم بجميع طلاقهن، فنقول: لأنه نوع من المقصود باللفظ بالطلاق فوجب إذا شك في عدده أو في عين مراده أن يحكم بإرادته بجميعه، أصله إذا طلق واحدة من نسائه وشك في عينها، ولأنه شك في أحد مقصودي اللفظ هل أراد به بعضه أو كله، فيجب أن يحكم بأنه أراد جميعه، أصله إذا قال لزوجاته وهن أربع أنتن طوالق، وشك هل أراد الأربع أو ثلاثاً منهن.

[1371] مسألة: الطلاق معتبر بالرجال دون النساء، فالعبد يطلق اثنتين، كانت زوجته أمة أو حرة، وقال أبو حنيفة الطلاق معتبر بالنساء، فالحرة تطلق ثلاثاً كان زوجها حرًا أو عبدًا، وطلاق الأمة طلقتان كان زوجها حرًا أو عبدًا؛ فدليلنا أنه معنى ذو عدد فكان كماله ونقصانه معتبرًا بمن يفعله أو بمن يضاف إليه فعله، أصله العدة، وإن خفت أن يدخل عليه القسم في إحدى الروايتين زدت في العدة يقع به البينونة، وعبارة أخرى أنه

معنى ذو عدد ثلاث ينقصه الرق إلى اثنين، فكان اعتبار كماله ونقصانه بمن يفعله من الزوجين كالعدة، ولأن الطلاق ملك للزوج وكمال الملك ونقصانه معتبر بالملك لا بغيره، ولأنه ذو عدد يختلف بالرق والحرية في الكمال والنقصان فوجب أن يكون الاعتبار في كماله ونقصانه بحال من يؤخذ به كالحدود.

[1372] مسألة: إذا قال لها اختاريني أو اختاري نفسك، فقالت اخترتك لم تطلق، وهي زوجته كما كانت، وروي عن بعض الصحابة أنه قال: إذا اختارت زوجها تكون واحدة رجعية، فدليلنا ما روي عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ولم نعده طلاقاً، ولأن فائدة هذا القول أن اختيارها لنفسها ضد اختيارها له، فإذا كان اختيارها لنفسها يكون فراقاً كان اختيارها له اختيار الإقامة معه.

[1373] مسألة: إذا قالت اخترت نفسي وقالت: أردت واحدة أو اثنتين، فإن كانت مدخولاً بها لم يقبل قولها، وكانت ثلاثاً، وإن كانت غير مدخول بها قبل منها إن ادعته، وقال أبو حنيفة اختيارها نفسها واحدة بائنة، وقال الشافعي إن قالت اخترت نفسي إذا كان في مقابلة قوله: اختاري، كان موضوعاً للفراق فلا معتبر بإرادتها؛ لأن هذا القول لما فهم منه الفرقة وجب أن يكون في إحدى الجهتين فرقة، ولا تقف على أن تكون تنوي هي الفرقة كخيار المعتقة؛ ودليلنا على أبي حنيفة أن اختيار النفس إذا أطلق اقتضى ظاهره أن لا يكون له عليها سبيل ولا يملك منها شيئاً بوجه، وأنه قد جعل لها أن تخرج عنه ما يملكه منها أو يقيم معها فإذا أخرجت البعض لم يكن هو الذي أراده، وكانت كمن جعل له أن يختار شيئاً فاختار غيره، ولأن من أصلنا أن البينونة لا تقع إلا بالواحدة في المدخول بها إلا بالخلع.

[1374] مسألة: إذا ملكها وقال: أمرك بيدك، فقالت: طلقت نفسي واحدة، كانت رجعية وإن كانت مدخولاً بها، وقال أبو حنيفة تكون واحدة بائنة؛ ودليلنا أنه ملكها إيقاع الطلاق على حد ما كان هو يملكه، فلما كان لو أوقع الواحدة لوقعت رجعية فكذلك إيقاعها بالتمليك، ويفارق الخيار لأنه يقتضي قطع العصمة، والتمليك لا يقتضي ذلك.

[1375] مسألة: إذا قال: لست لي بامرأة، وأراد الطلاق، كان طلاقاً، وكذلك قوله: والله ما أنت لي بامرأة، وقال أبو حنيفة في الأولى مثل قولنا، وفي الثانية أنه لا يكون طلاقاً، وقال أبو يوسف في الكل: ليس بطلاق؛ فدليلنا أن قوله: لست لي بامرأة، يحتمل أن يكون، لأنه قد طلقها فإذا أراد به الطلاق كان على ما أراد، وجرى مجرى قوله: لا نكاح بيني وبينك ولا خلاف بيننا أنه يكون طلاقاً إذا أراد به الطلاق.

[1376] مسألة: الزوج لا يهدم ما دون الثلاث، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " الطلاق مرتان " ثم قال: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره "، فأخبرنا أن الطلقة الثالثة تحرم رجوعها إليه إلا بعد زوج، ولم يفرق أن يكون تخلل الثلاث تطليقات إصابة زوج أو لم يتخللها، ولأن كل إصابة لم تكن شرطاً في الإباحة لم تهدم النكاح ولم تغير حكمه، أصله الوطء بملك اليمين، ولأنها بانت قبل استيفاء طلاق الملك فوجب إذا عادت أن يعود بما بقي من الطلاق، أصله إذا عادت قبل التزويج أو بعده وقبل الإصابة، ولأن كل زوج لم يكن شرطاً في رجوع المطلقة إلى المطلق، كان وجوده وعدمه سواء في

ذلك الحكم، أصله الزوج الثاني بعد الطلاق الثالث.

[1377] مسألة: إصابة الزوج بعد الطلاق الثلاث شرطاً في عودها إلى الأول، خلافاً لابن المسيب وغيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للتي سألته عن عودها إلى الأول قبل إصابة الثاني؟ قال: " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "، ولأن الغرض بذلك عقوبته على ما فعل وردعه أن يعود لمثله، وذلك إنما يحصل بالوطء دون مجرد العقد.

[1378] مسألة: لا تحل بالوطء في نكاح فاسد، خلافاً لأحد قولي الشافعي لقوله تعالى: " حتى تنكح زوجاً غيره "، المراد النكاح الصحيح، ولأن الطلاق لا يتناول الفاسد، ولأنه وطء لم يصادف شيئاً صحيحاً أو لم يصادف نكاحاً صحيحاً، كالوطء بشبهة، ولأن الوطء بالملك أقوى من الوطء في النكاح الفاسد، لأن هذا وطء مباح بإجماع، وفي النكاح الفاسد ليس بمباح، فإذا لم تقع الإباحة به كانت بأن لا تقع بالفاسد أولى.

[1379] مسألة: لا تحل بوطء المراهق، خلافاً للشافعي؛ لأنه لم يبلغ كالصغير، ولأنه إيلاج ممن لا يجب الحد بوطئه، ولا النفقة لزوجته فلم يقع به الإحلال كوطء الصغير.

[1380] مسألة: إذا تزوجها بقصد إحلالها للأول فالنكاح فاسد لا تحل به، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله المحلل والمحلل له "،

وروي: " المستحل والمستحل له "، وقوله: " ألا أخبركم بالتيس المستعار، هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له "، وروى ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحلل؟ فقال: " لا إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة "، ولأنه عقد محظور حظرًا استحق به عاقده والمعقود له اللعن والوعيد، فوجب أن يكون باطلاً، أصله شراء الخمر.

[1381] مسألة: إذا وطئها الثاني وطئاً محرماً، مثل أن يطأها حائضاً أو محرمة، أو صائمة، أو ما أشبه ذلك، لم تحل للأول، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه شرط في إباحتها للأول لا يقوم غيره مقابلته، فلم تقع به الإباحة متى وقع على وجه محرم في الشرع لحق الله تعالى، اعتبارًا بالعقد، ولأنه وطء على وجه ممنوع بالشرع لحق الله تعالى فلم يقع به الإحلال، أصله الوطء في النكاح الفاسد.

[1382] مسألة: لا يقع الإحلال بوطء السيد، خلافاً لبعض الشافعية لقوله تعالى: " حتى تنكح زوجًا غيره "، ولأنه وطء بغير نكاح فلم يقع به الإحلال كالوطء بشبهة.

[1383] مسألة: المطلقة الرجعية ما لم يراجعها محرمة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها جارية إلى البينونة، فوجب أن تكون محرمة، أصله إذا أسلمت الكتابية بعد الدخول بها، ولأن وجود الطلاق يوجب التحريم كالخلع، ولأنه طلاق كالذي قبل الدخول.

[1384] مسألة: إذا وطىء، أو قبل، أو لمس للذة ونوى به الرجعة كانت رجعة، وقال أبو حنيفة تكون رجعية ولو لم ينو، وقال الشافعي لا تصح الرجعة إلا بالقول.
ودليلنا أن كل قول مباح ثبت به رد المرأة إلى العقد المبيح للوطء واستصلاح ما انثلم منه، فجاز أن يكون الوطء قائمًا مقامه فيه، أصله قول البائع قد اخترت رد هذه الأمة إلى ملكي، ولأنه تصرف لا يكون مباحًا إلا مع البقاء على الملك المبيح له، فجاز أن يقع به الرد إلى الملك، أصله القول، ولأنه ملك أزاله عنه وثبت له حق رده إليه بالقول، فجاز أن يثبت الرد به بالفعل، أصله ملك البائع، ولأنه استصلاح لما تشعب من عقد النكاح يزول بالقول، فجاز أن يزول بالوطء، أصله خيار المبيعة، ولأن الرجعة تراد لاستبقاء النكاح، ووجدنا الوطء آكد في باب البقاء على النكاح وتبقيته على الملك من القول، بدليل أن المولي إذا طلق امرأته التي آلى منها، ثم راجعها بالقول كانت الرجعة معتبرة بالوطء، فإن وقع بقيا على النكاح وزال وقوع البينونة بمضي العدة، وإن لم يطأ لم تصح الرجعة، فكذلك الطلاق قبل الدخول يوجب البينونة لعدم الوطء، وبعده لا يوجب ذلك لوجود الوطء، فإذا ثبت ذلك ثم كانت الرجعة تصح بالقول، كانت بأن تصح بالوطء أولى.

[1385] فصل: ودليلنا على أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم: " وإنما لامرىء ما نوى"، ولأنه استباحة بضع كالنكاح، ولأنه معنى يقع به الارتجاع فاحتاج إلى نية كالقول.

[1386] مسألة: الإشهاد على الرجعة مستحب وليس بواجب، خلافاً للشافعي؛ لأنه حق للزوج بدليل أن له أن يراجع بغير رضاها، ومن له حق فلا يلزمه الإشهاد على استيفائه كسائر الحقوق من الديون وغيرها، ولأنه

رفع للتحريم تعلق بالبضع مع بقاء حكم العقد فأشبه كفارة الظهار، ولأنه معنى حرم به الوطء دون العقد.
ولأنه حق من حقوق النكاح فلم يفتقر إلى الإشهاد كالإيلاء والظهار، ولأن هذا مبني على ما قدمناه من أن الرجعة تحصل بالوطء وذلك لا يمكن الإشهاد عليه.

[1387] مسألة: إذا ارتجعها فلم تعلم حتى تزوجت، فإن دخل بها الثاني فقد استقر نكاحه، وإن لم يدخل بها ففيها روايتان: إحداهما أن الأول أحق بها، فالكلام في ذلك وفي إسلام الكافر مبني على مسألة الوليين، وقد تقدم بيانها.

[1388] مسألة: إذا تزوج أمة فطلقها فلما انقضت عدتها ادعى أنه كان راجعها فأقر السيد بذلك، والأمة منكرة، فلا يقبل من الزوج إلا ببينة، ولا ينفعه إقرار السيد، وقال أبو يوسف ومحمد القول قول السيد؛ فدليلنا أنها دعوى رجعة بغير بينة فلم يقبل على الأمة كالحرة، ولأن الرجعة لا تثبت بدعوى من له العقد على المدعى عليها، كالحرة إذا ادعى الزوج أنه راجعها واعترف الولي بذلك، ولأن انقضاء عدتها يوجب تحريمها في الظاهر ولا يصدق الزوج فيما يوجب إباحته بغير عقد مجرد.

[1389] مسألة: إذا ارتدت الرجعية فراجعها حال ردتها لم يصح، وقال المزني يصح؛ فدليلنا أن بالردة قد بانت، والرجعة لا تصح مع البينونة كما لو خرجت العدة، ولأن الرجعة أضعف من النكاح، وإذا كان الأقوى لا يصح مع الردة كان الأضعف أولى.


بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل