كتاب الحجر
[992] مسألة: يحكم في البلوغ بالإنبات، وقال أبو حنيفة: لا يعتبر أصلاً، وقال الشافعي: يعتبر به في الكفار، وفي المسلمين له قولان: فدليلنا حديث سعد قال: "حكمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة فكنا نكشف عن مؤتزرهم فمن أنبت منهم قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري وقال - صلى الله عليه وسلم - ما فعلت؟ فأخبرته فقال: حكمت بحكم الله عز وجل"، وروي "الجزية على من جرت عليه الموسى".
[993] فصل: ودليلنا على الشافعي أن كل ما جاز أن يكون بلوغاً أو دلالة على البلوغ في الكافر جاز أن يكون كذلك على المسلم، أصله السن والبلوغ بالاحتلام؛ ولأن دلالته على ذلك ليست لمعنى يرجع إلى الدين وإنما هو لمعنى يتعلق بالعادات وهذا يستوي فيه المسلم والكافر؛ ولأن كل شخصٍ ثبت بلوغه بالاحتلام جاز أن يثبت بالإنبات، أصله الكافر؛ ولأن قبول الشهادة وغير ذلك من حقوق البلوغ وأحكامه، فجاز أن يثبت بالإنبات، أصله أخذ الجزية من الكافر.
[994] مسألة: ليس في السن المعتبرة في البلوغ حدٌ، إلا أن أصحابنا قالوا سبع عشرة أو ثماني عشرة سنةً، وقال الشافعي: حده خمس عشرة سنةً، وذكره بعض أصحابنا عن ابن وهب.
ودليلنا قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾، وقال - صلى الله عليه وسلم -: رفع القلم عن ثلاثة: فذكر الصبي حتى يحتلم؛ ولأن من جعل خمس عشرة حد البلوغ لا يخلو أن يكون تعلقاً، بأكثر ما في العدد أو تعلقا بوجود ذلك في العادة وكل ذلك باطلٌ.
[995] مسألة: إيناس الرشد في الغلام هو إصلاح ماله وتأتيه للثمرة ومصلحته وأن لا يكون مبذراً له، وأن لا يراعى عدالته في دينه ولا فسقه، فإذا بلغ على هذه الصفة سلم إليه ماله، وإن كان فاسقاً، وقال الشافعي، لا يسلم إليه ماله إلا أن يكون مصلحاً لماله غير فاسق في دينه، فدليلنا أن الفسق في الدين إذا لم يكن معه تبذيرٌ في المال لا يوجب السفه، دليله إذا طرأ بعد البلوغ والعدالة؛ ولأنه لو كان يوجب الحجر أو من شرط فك ذلك الحجر لوجب أن يكون واجباً لذلك، وإن طرأ بعد
التبذير البلوغ؛ لأنه لو كان يوجب الحجر أو من شرط ذلك الحجر لوجب أن يكون موجباً لذلك وإن طرأ بعد البلوغ كالتبذير؛ ولأن كل ما طرأ على البالغ المصلح له لم يوجب الحجر عليه فكذلك لا يوجب استدامته، بعد البلوغ كسائر أفعاله.
[996] مسألة: إذا بلغ الصبي وكان مبذراً مضيعاً لماله استديم الحجر عليه أبداً ما دام على ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة سلم إليه ماله وإن كان مبذراً مضيعاً، فدليلنا قوله عز وجل: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فشرط في جواز الدفع إليهم شرطين: البلوغ وإيناس الرشد، ومن كان مبذراً مضيعاً، لم يؤنس منه الرشد؛ ولأن كل من لم يكن مصلحاً لماله أو كان مبذراً مضيعاً له لم يجز دفعه كالمجنون ومن لم يبلغ خمساً وعشرين سنةً.
[997] مسألة: لا ينفك الحجر عن الصغيرة وإن بلغت حتى تتزوج ويدخل بها زوجها وتكون حافظةً لمالها، وقال أبو حنيفة والشافعي: ينفك عنها الحجر بنفس البلوغ من غير حاجة إلى تزويج، فدليلنا أن كل حال جاز للأب إنكاحها بغير إذنها كان الحجر على المال مستداماً فيها كالصغيرة؛ ولأن البنت لا تخبر مصلحتها ولا تعرف المعاملات ولا تعرف معانيها ومصالح المال بنفس البلوغ دون التزويج؛ لأنها إذا زوجت ودخل بها عرفت حينئذ الأمور وخبرتها فحينئذ ينفك الحجر عنها.
[998] مسألة: يُبْتَدَأ الحجر على البالغ إذا كان مبذراً لماله مضيعاً، وقال أبو حنيفة لا يحجر على البالغ ابتداءً، فدليلنا قوله عز وجل: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه
بالعدل}، فأثبت الولاية على السفيه وذلك يفيد ثبوت الحجر عليه، وحديث حبان بن منقذ، سأل أهله الحجر عليه فلم ينكر - صلى الله عليه وسلم -، ذلك؛ ولأن علياً رام الحجر على عبدالله بن جعفر، وسأل عثمان ذلك.
فلم ينكر عليه، وقال كيف أحجر على رجل شريكه الزبير"، وإنما أراد أن دخول الزبير معه في الشركه ينفي أن يظن به إضاعة المال، ولم يعرف من أحد إنكار ذلك؛ ولأن كل معنى لو قارن البلوغ منع دفع المال إليه وأوجب بقاء الحجر عليه فإذا حدث بعد البلوغ ابتدئ عليه به الحجر كالجنون.
[999] مسألة: لا يجوز للمرأة التصرف في أكثر من ثلث مالها لغير معاوضة إلا بإذن زوجها وقال أبو حنيفة والشافعي، لها أن تتصرف فيه بالهبة والصدقة من غير اعتبار بإذنه، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل لامرأة ملك زوجها بضعها أن تتصرف في مالها إلا بإذنه، وقوله: تنكح المرأة لدينها
ومالها وجمالها، وذلك يوجب تعلق حق الزوج بمالها؛ ولأن في تبقية مالها حقوقاً للزوج؛ لأن العادة جارية بأن الزوج قد ينبسط في مال زوجته وجهازها وينتفع به، وكذلك يجب عليها عند التجهيز له، وله في ذلك جمالٌ، ومنفعة، وعليه يدخل في العرف ويبين ذلك أن صداق المثل يقل ويكثر لقلة مالها وكثرته، وفي إتلافه إسقاط حق الزوج منه فلم يجز.
[1000] مسألة: طلاق المحجور عليه وخلعه ينفذ، خلافاً لما يحكى عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لأنه مكلف فوجب أن ينفذ طلاقه كالرشيد؛ ولأن منعه من التصرف في ماله لا يمنع نفوذ طلاقه كالمفلس والعبد.