كتاب الحبس والوقف والهبات
[1192] مسألة: الوقف يصح ويلزم في الحياة والممات من غير افتقار إلى حكم حاكم به، والمشهور عن أبي حنيفة منعه، وأنّه غير جائز ولا لازم، وأصحابه يحكون عنه في هذا العصر أنه جائز، ولكن لا يلزم إلا بأحد أمرين، إما أن يحكم به حاكم، أو بأن يوصي في مرضه أن يوقف بعد موته فيصح ويكون من ثلثه كالوصية، إلا أن يكون مسجدًا أو سقاية فإن وقف ذلك يصح ولا يحتاج إلى حكم حاكم به.
فدليلنا قوله عز وجل: "أوفوا بالعقود"، وحديث عمر أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني أصبت أرضًا بخيبر، وهي من أنفس مال أصبت، وإني أريد أن أتصدق به، فقال -صلى الله عليه وسلم-: " حبِّس الأصل وسبل الثمرة " وكتب عمر به شرطه: هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب، صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، للفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل؛
ففيه أدلة: أحدها أن قوله: "حبس الأصل" يقتضي أن يجعله محبوسًا يقطع التصرف فيه بالبيع ونقله عما هو عليه، والثاني علمنا بأنَّ عمر قصد القربة ورجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في كيفية ما يفعله، فلما قال: "حبس الأصل " لم يجز له العدول عن هذا، والثالث ما كتب به أنه لا يباع ولا يوهب؛ ولأنه إجماع الصحابة، لأنه قد فعله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وخالد بن الوليد وجابر وابن عمر
وأم سلمة وحفصة، ولم يحفظ عن أحد الامتناع منه، وبذلك احتج مالك على أبي يوسف حتى اضطره إلى ترك مذهب صاحبه والقول بمذهب مالك، ولأنه تحبيس عقار على وجه القربة فأشبه المسجد والمقبرة، ولأن كل ما جاز أن يلزم بالوصية بعد الوفاة جاز أن يلزم بقوله حال الحياة كالعتق، ولأنها جهة من جهات البر فجاز أن يلزم بغير حكم الحاكم، أصله الهبة والصدقة.
[1193] مسالة: ويصح وقف المشاع، خلافاً لمحمّد بن الحسن؛ لحديث عمر أنه وقف مائة سهم، ولأن كل عرصة جاز بيعها جاز وقفها كالمقسوم.
[1194] مسالة: رقبة الوقف على ملك الواقف، وللشافعي ثلاثة أقاويل: أحدها مثل هذا، والثاني ينتقل إلى الموقف عليهم، والثالث إلى الله تعالى؛ فدليلنا على أنه على ملك الواقف قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: "حبس الأصل وسبِّل الثمرة" وهذا يقتضي تبقيته على ما كان عليه، ولأنَّ المالك تصدق بالمنافع وألزم نفسه ذلك وليس في هذا إخراج الأصل عن ملكه كالعارية؛ ودليلنا على أنه لا ينتقل إلى الموقف عليهم ما ذكرناه من قوله: "حبس الأصل وسبل الثمرة" ففيه دليلان: أحدهما أن التحبيس ينفي نقل الملك، لأن من ملَّك غيره شيئاً لا يقال حبسه، والثاني: أنه لا فرق بينه وبين الثمرة، وقد ثبت أن الثمرة تخرج عن ملكه إلى ملك الموقف عليهم فدل على أن الأصل لا يكون ملكاً لهم، لأنه لو كان ملكاً لهم لم يجز فيه شرط المنع من البيع والهبة والتصرف، ولا صرفه إلى وجه آخر بعد موتهم، ولأنّه كان
يجوز لهما أن يتقارا على فسخه، وذلك باطل، ودليلنا على أنه لا يجوز أن يكون انتقل إلى غير مالك أن كل ما لا يصح عتقه ولا بيعه، فلا بدّ له من مالك اعتبارًا بالحيوان والعروض.
[1195] مسالة: وعنه في حبس الحيوان والسلاح روايتان: إحداهما اللزوم، والأخرى نفيه؛ فدليلنا على اللزوم قوله -صلى الله عليه وسلم- في خالد: "إنه احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله" ولأنه أصل يبقى ويصح الانتفاع به كالعقار.
[1196] مسالة: إذا وقف دارًا فخربت لم يجز بيعها، خلافاً لأحمد بن حنبل؛ لأن ذلك إبطال شرط الواقف في حقوق النظر، والثاني والثالث، واعتبارًا به إذا لم تخرب، ولأن العمارة تنتقل من مكان إلى مكان.
[1197] مسالة: إذا وقف على نفسه لم يصح الوقف خلافاً لأبي يوسف؛ لأن من ملك شيئاً بجهة من الجهات لم يملك نقله إلى نفسه بغير تلك الجهة، أصله إذا وهب لنفسه شيئاً من ماله.
[1198] مسالة: عقد الهبة يصح بالقبول والإيجاب، ويلزم من غير قبض، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "أوفوا بالعقود"، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه " ولم يفرّق، ولأنه
عقد من العقود فلم يفتقر انعقاده إلى قبض المعقود عليه كسائر العقود، ولأنه تمليك عين في حال الحياة فوجب أن يلزم بمجرد الإيجاب والقبول، أصله البيع، ولأنه عقد إرفاق وتبرر فيجب أن يلزم بمجرد القول، أصله الوقف، ولأنها عطية فوجب أن تلزم بنفس القول وحصول صفة الإيجاب والقبول كالوصية، ولأنها هبة وجد فيها الإيجاب والقبول كالمقبوضة.
[1199] مسألة: هبة المشاع والتصدق به جائز، كان مما ينقسم كالعقار، أو مما لا ينقسم كالعبيد والحيوان، وقال أبو حنيفة يجوز فيما لا ينقسم، ولا يجوز فيما ينقسم؛ فدليلنا قوله تعالى: "إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح" والعفو ها هنا ما يجب من النصف، فلم يفرّق بين أن يكون الصداق مما ينقسم أو مما لا ينقسم، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- اشترى سراويل بأربعة دراهم، فقال للوازن: " زن وأرجح " وذلك هبة المشاع، ولأنَّ كل ما يجوز بيعه يجوز هبته كالمحوز، ولأن كل ما يصح أن يكون مقبوضًا في البيع صح في الهبة كالمنفرد، ولأن الإشاعة التي لا تمنع البيع لا تمنع الهبة، اعتبارًا بما لا ينقسم، ولأنه مشاع يجوز بيعه كالذي لا ينقسم، ولأن كل ما جاز هبة جميعه جاز هبة بعضه، كالمفرد ومما لا ينقسم، ولأن كل عقد جاز في مشاع لا ينقسم جاز فيما ينقسم كالبيع، ولأنه قد ثبت أن الرجلين إذا وهبا دارًا بينهما لرجل صح، وهذا هبة مشاع.
[1200] مسألة: العُمْرَى عندنا تمليك المنافع دون الرقبة، فإذا قال أعمرتك هذه الدَّار حياتك، وقال لعقبك أو لم يقل، فإنها تكون له مدّة حياته، فإذا مات أو انقرض عقبه إن ذكر العقب، عادت ملكًا للمعمر أو
لورثته إن كان قد مات، وقال أبو حنيفة والشافعي تكون ملكاً للمعمر فإن مات ولا وارث له تكون لبيت المال؛ ودليلنا أن تمليك الرقاب من حقّه أن يقع مطلقاً متى بدا غير مؤقت بوقت يزول بمجيئه، ألا ترى أنّه لو قال بعتك هذا العبد إلى مجيء زيد أو إلى رأس الشهر، لم يصح، فإذا ثبت ذلك وكان المالك قد علق التمليك بعمر المعطى، علم أنه لم يرد تمليك الرقبة فوجب حمله على ما يصح، وهو تمليك المنافع، لأن التوقيت يدخل فيها دون تمليك الأعيان، ولأنّ تمليك الرقاب لا يصح أن يتوقَّت، أصله إذا كان بعوض وهو البيع وغيره، ولانه أجلٌ علق التمليك بالانتهاء إليه، فلم يثبت به ملك الرقبة، كقدوم زيد، ولأنه تمليك معلق بعمره كتعلقه بعمر المملك، فوجب أن يرجع إلى المنافع دون الرقبة، أصله قوله: أسكنتك.
[1201] مسألة: إذا قال هذه الدار وقفاً ولم يجعل لها وجهاً، فإنه يصحّ، وتُصْرف في وجوه الخير والبر، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يصح؛ ودليلنا أن الإطلاق إذا كان له عرف حمل عليه، والعرف في الوقف أن المقصود منه القربة والبر، فإن عين هو ذلك الوجه تعين بتعينه، وإن لم يعين اكتفي عنه بالعرف، كما لو قال هذه الدار وقفٌ على المسجد الفلاني ولم يقل على بنائه أو على سراجٍ فيه، فإنه يصح ويصرف في مصالحه.
[1202] مسألة: يجوز أن ينحل الرجل بعض ولده ماله، ويكره أن ينحله جميع ماله، وأيّ ذلك فعل نفذ إذا كان في الصحة، وذهب أحمد بن حنبل وغيره إلى أن الهبة باطلة وترد، ودليلنا قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى"، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يحلّ مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه " ولأن ذلك مروي عن أبي بكر،
وعبد الرحمن، ولا مخالف لهما، ولأنه رشيد صحيح وهب ماله من لو وهبه لغيره معه لجاز، فإذا أفرده به جاز، أصله إذا وهبه لأجنبي، ولأن في حال الصحة لا اعتراض لأحد عليه في ماله، وإنما الاعتراض حال المرض.
[1203] مسالة: يستحمب لمن أراد أن يهب أولاده التسوية بين الذكور والإناث، وحكي عن شريح وأحمد بن حنبل أن المستحب إعطاء الذكر مثل حط الأنثيين؛ ودليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: " ساووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلاً لفضلت البنات " ولأنه لما استحب أن يساوي بينهم في أصل العطية كذلك في مقدارها.
[1204] مسألة: يجوز في الجملة للأبوين دنية أن يرجعا فيما وهبا لولدهما للصلب خاصة هبة لا على وجه الصدقة، وقال أبو حنيفة لا يجوز الرجوع في الهبة لذي رحم محرم؛ ودليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يحل لرجل يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده "، وليس فيه من طريق
الاعتبار شيء يتحرز منه.
[1205] مسألة: لا يملك الأجنبي الرجوع فيما وهب، وكذلك سائر الأقارب سوى الأبوين، وقال أبو حنيفة لهم الرجوع؛ فدليلنا قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يرجع فيها إلا الأب فيما وهب ابنه "، وقوله: " الراجع في هبته كالراجع في قيئه " ولأنه لا ولادة بينهما، فلم يجز الرجوع في هبته كالأخ والعم.
[1206] مسألة: إذا وهب لولده الصغير وقبض له من نفسه، جاز إذا كان شيئاً معيناً، ولا يجوز فيما لا يعرف عينه إلا أن يضعها على يد غيره ويشهد عليها، فإن أمسكها بيده لم يصح، وقال أبو حنيفة يصح قبضه له فيما يعرف بعينه، وفيما لا يعرف؛ فدليلنا أن الأب قد يتلف الذهب والفضة أو يهلك بغير سببه فلا يمكن أن يشهد على شيء بعينه ويصير الابن مدعيًا فلا يمنع القبض شيئاً.
[1207]: إذا علم أن الواهب قد قصد بهبته الثواب كان له على الموهوب له ذلك، وإلا رد الهبة إليه، وقال الشافعي إطلاق الهبة لا يقتضي الثواب على شيء بوجه؛ ودليلنا أن العرف أصل يرجع إليه إذا لم يكن غيره، وقد علم أن العرف جار بأن الضعيف يهب لجاره الغني طلباً لمعروفه، وأن الواحد من خدم السلطان أو الملك العظيم يهب له متعرّضاً لمعروفه ونائله وتقرباً إليه، فلا وجه لجحد المعروف.
[1208] مسألة: والواجب على الموهوب له من الثواب قيمة الهبة،
وللشافعي في ذلك أربعة أقوال: أحدها مثل قولنا، والاَخر أنه يلزمه رضا الواهب، والثالث مقدار المكافأة على مثل تلك الهبة في العادة، والرابع أقل ما يقع عليه الاسم؛ ودليلنا على فساد اعتبار الرضا، هو أن الواهب قد لا يرضى بأضعاف قيمة الهبة [من] الموهوب له، وذلك لا يلزم، لأن فيه إضرارًا بالموهوب له إلا أن يرد الهبة [بعد أن] قد ثبت له منها حق التمليك، ولأنه عوض غير مقبوض، فلم يقف على رضا من يأخذ العوض كسائر المعاوضات، ولأن العوض في عقد المعاوضات على ضربين: مذكور فيجب ما ذكر كالثمن في المبيع، ومسكوت عنه يجب فيه قيمة المعوض
كالمهر في التفويض؛ ودليلنا على فساد اعتبار العرف لأنّه لا عرف في ذلك، وإنما هو على حسب ما تسمح به نفس المكافىء وحلاوة الموهوب في نفسه؛ ودليلنا على أنه لا يعتبر أقل ما يقع عليه الاسم ما قدمناه أن العرف جار بأن الواهب يهب لطلب التقرب إلى الموهوب ونيل رفده لا ليخسر ويصير كمن وهب لغير عوض، وإذا بطل كل ذلك لم يبق إلا اعتبار القيمة.
والله أعلم.
[1209] مسألة: هبة المجهول جائزة، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "وإيتاء ذي القربى"، ولأنها هبة لما تصح هبة جنسه فأشبه المعلوم.