[579] (فصل): واختلف في الندرة بلا تعب وكلفة، فقيل: فيها الزكاة وقيل الخمس، فوجه قولنا: إن فيها الزكاة، فلأنها عين خارجة من المعدن كالذي فيه تعب وكلفة، ووجه الآخر: بأن فيه الخمس، وبالله التوفيق، فلأنه مستفاد من الأرض تجب في نوعه الزكاة فوجب أن يكون لكثرة المؤونة وقلتها تأثير في زكاة ما يؤخذ ونقصانه، أصله الزرع، وإذا ثبت ذلك فليس إلا الخمس؛ لأن أحداً لا يوجب الفرق بغيره.
[580] (فصل): ولا شيء فيما يخرج من المعدن سوى الذهب والفضة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه تجب في كل ما لا ينطبع؛ لأنه مُفَرّع مستفاد من المعدن، فوجب أن لا يتعلق به حكم حق، أصله ما لا ينطبع؛ ولأن كل ما لو ملكه بالإرث لم يُبتدأ له حول، فإذا ملكه من المعدن لم يتعلق به حق كالقيروالنفط.
[581] (فصل): النصاب معتبر في المعدن.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - (ليس فيما دون مائتي درهم شيء)، ولأن كل ما وجبت فيه الزكاة وجب اعتبار النصاب فيه كغير المعدن.
[582] (فصل): لا حول في زكاة المعدن.
خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنه مستفاد من الأرض تجب فيه الزكاة كالزرع.
وبالله التوفيق، ثم الجزء السابع من كتاب الإشراف.
باب في الركاز
[583] مسألة: اختلف في الركاز من العروض، ففيه.
روايتان: إحداهما: يخمس، والأخرى: لا يخمس، فوجه الأولى، اعتباره بالذهب والفضة بعلة أنه مأخوذ من كافر على وجه الغنيمة، فإذا خمس ذهبه خمس عرضه كالغنائم، ووجه قوله: لا يخمس، اعتباراً بالمعدن بعلة أنه مستفاد من الأرض، فلم يتعلق حق بعروضه.
[584] مسألة: في الركاز الخمس كتمه واجده أو أظهره.
خلافاً لأبي حنيفة إنه إن كتمه فلا شيء عليه، لقوله عليه السلام: (وفي الركاز الخمس) ولم يفرق؛ ولأن كل مال وجب فيه الخمس إذا أظهره، وجب فيه وإن كتمه كالغنائم؛ ولأنه لا يخلو أن يجري مجرى الصدقات أو الفيء أو الغنائم، وأيّ ذلك فلا يسقط الحق فيه بالكتمان.
[585] مسألة: يجوز بيع تراب المعدن.
خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾؛ ولأنه مرئيّ معلوم في العادة مقدر في غالب الحال، فجاز بيعه، وإن لم يعلم حقيقته ووزنه للرفق، كالجزاف؛ ولأن اختلاط الذهب بغيره لا يمنع بيعه، كالسيف المحلى.
[586] مسألة: ما خرج من البحر من الجواهر واللؤلؤ والعنبر وغير ذلك مما لم يتقدم عليه ملك آدمي، فلا شيء عليه ولا زكاة ولا خمس، وقال أبو يوسف في اللؤلؤ، والعنبر، وكل ما يخرج من البحر الخمس.
ودليلنا أن ما يخرج من البحر لم يتقدم عليه ملك ابن آدم فلم يكن فيه شيء كالمسك؛ ولأنه لا يخلو أن يجري مجرى الغنيمة والركاز، ولا يجوز أن تكون غنيمة؛ لأن من شرطها أن تكون مأخوذة عن كافر؛ لأنه لا زكاة في العروض المستفادة.
دعاء الإمام لصاحب الصدقة
[587] مسألة: لا يجب على الإمام، أو ساعيه، أن يدعو لصاحب الصدقة إذا أخذ الزكاة ().
خلافاً لداود؛ لأن الصدقات قد كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحمل إليه، فلم ينقل أنه دعا لغير أبي أوفى؛ ولأنه أداء فرض فلم يستحق لأجله دعاء كقضاء الدين.
باب زكاة الفطر
[588] مسألة: زكاة الفطر فريضة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها واجبة ليست بفريضة على ما يقوله في الوتر، لما رواه ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر في رمضان) وقوله: (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون)، ولأنها زكاة في المال كسائر الزكوات، فإن منعوا أن تكون زكاة، دلّلنا عليه بالخبر.
[589] مسألة: يجب على الرجل إخراجها عن عبده وولده الصغير الذي لا مال له.
خلافاً لداود؛ لقوله - عليه السلام -: (أدوا عمن تمونون)، وروي عنه عليه السلام: (عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، إلا صدقة الفطر في الرقيق)؛ ولأنها طهارة تجري مجرى المؤونة كالنفقة.
[590] مسألة: إذا كان له ابن صغير موسر، لم يلزم الأب فطرته.
خلافاً لمحمد بن الحسن لأن كل من كانت نفقته في ماله كانت فطرته في ماله كالولد الكبير.
[591] مسألة: إذا بلغ الابن زمنا فقيراً، فعلى الأب نفقته وفطرته.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا تلزمه فطرته، لعموم قوله عليه السلام: (عمن تمونون)؛ ولأنه ممن تلزمه مؤونته، مع كونه من أهل الطهرة كالصغير، ولأن البلوغ لا يمنع وجوب فطرته على غيره، إذا كانت مؤونته لازمة لغيره؛ لأنه من أهل الطهارة في نصيبه اعتباراً بالعبد.
[592] مسألة: يلزم الزوج فطرة امرأته المسلمة، وإن كانت موسرة.
خلافاً لأبي حنيفة لقوله عليه السلام: في حديث ابن عمر (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون)؛ ولأن الزوجية سبب يجب به نفقة الغير، فجاز أن يجب به
فطرتها كالنسب والملك، ولأن الفطرة معنى يتحمل بالملك والنسب فجاز أن يتحمل بالزوجية كالنفقة؛ ولأن الفطرة تابعة للمؤونة فيمن هو من أهل الطهرة كالعبد.
[593] مسألة: لا يلزم السيد إخراج الفطرة عن عبده الكافر.
خلافاً لأبي حنيفة لما رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين؛ ولأنها طهارة فلا يخرج إلا عمن هو من أهلها؛ ولأنه ليس من أهل الطهارة أصله إذا كان للتجارة.
[594] مسألة: إذا كان العبد بين شركاء لزمهم إخراج الفطرة عنه.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يجب إخراج الفطرة عن العبد المشترك؛ لقوله عليه السلام: (عمن تمونون)، وهذا العبد داخل في العموم، ولأنه مملوك من أهل الطهرة، فوجب إخراج الفطرة عنه، كمن تلزمه نفقته، أصله إذا كان المالك واحداً.
[595] مسألة: ومن بعضه حر، وبعضه رق، قد اختلف قوله فيه، فروي أن على السيد بقدر حصته، ولا شيء على العبد في حصته من الحرية، وروي أن على كل واحد منهما بقدر حصته، وهو قول محمد بن مسلمة والشافعي وقال عبدالملك: على السيد جميع الصاع، ولا شيء على العبد، وقال أبو حنيفة: لا يجب إخراج الفطرة عنه أصلاً.
فدليلنا على أبي حنيفة، أنه حق يجب على المالك بحق الملك المنفرد، فوجب أن تجب عليه بحق الملك المشترك كالنفقة، ووجه قوله: إنه على السيد بقدر حصته ولا شيء على العبد؛ لأن أحكام الرق أغلب عليه؛ ولأن ملكه غير مستقر فلم يخاطب بإخراج الفطرة
عن نفسه، ولم يلزم سيده إخراجها عما لا يملكه، ووجه قوله: إن على كل واحد منهما بقدر حصته، أن كل من لو ملك عبداً كاملاً لزمته فطرته، فإذا ملك نصفه وجب أن يلزمه نصف فطرته كالعبد بين شريكين، ووجه قول عبدالملك: إن الفطرة لا تتبعض فإذا لزمت لزم جمعيها، كما لو انفرد بملكه، وعلته أن السيد سبب حبسه من الحرية.
[596] مسألة: في وقت وجوب زكاة الفطر روايتان: إحداهما: بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان.
والأخرى: بطلوع الفجر من يوم الفطر، وقال قوم من أصحابنا: بطلوع الشمس.
فوجه القول بأنها تجب بغروب الشمس، وهو الظاهر من قول الشافعي، ما روى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان)، فأضافها إلى الفطر من رمضان، وحقيقة ذلك بغروب الشمس؛ لأنه أول فطر يتعقب خروج رمضان، ولأن يوم الفطر زمان لا يتعقب زمان الصوم، فلا يتعلق به الوجوب كغيبوبة الشفق، ويعلل للشخص فنقول: لأنه لم يدرك شيئا من رمضان، فلم يلزمه إخراج الفطرة عنه، أصله إذا ولد بعد طلوع الفجر، ووجه القول: أنها بطلوع الفجر، وهو قول أبي حنيفة: ما روي أنه عليه السلام، فرض زكاة الفطر من رمضان، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا بالنهار، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)، فنّبه على تعلق الوجوب باليوم، ولأنه حق في مال يخرج يوم عيد على طريق المواساة،
فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر، أصله الأضحية؛ ولأنه في طرفي ليل، فأشبه تضاعيف الشهر.
ووجه اعتبار طلوع الشمس أنها عبادة مضافة إلى يوم فأشبهت الصلاة.
[597] مسألة: من ملك زيادة على قوته وقوت من تلزمه نفقته قدر زكاة الفطر وجب عليه إخراجها.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا تجب إلا على من يملك نصاباً من الأموال، أو قيمته من غير الأموال كالزكاة، لما روى ثعلبة بن صعير، عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال (صاعاً من بُرٍّ على كل صغير وكبير، وأنثى، وحر وعبد، غني أو فقير، فأما الغني فإنه يزكيه، وأما الفقير فيرد عليه أكثر مما أعطى)، ولأنه من أهل الطهارة يملك قدر الفطرة فضلا عن الكفاية، فوجب أن يلزمه الزكاة، أصله إذا ملك نصاباً؛ ولأنه حق مال لا يزيد بزيادة المال، فلم يعتبر فيه النصاب كجزاء الصيد وفدية الأذى.
[598] مسألة: لا يجزئ في الأنواع المخرجة أقل من صاع، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يجزئ من البر والزبيب نصف صاع، لما روى ابن عمر وأبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر صاعاً
من بر)، وفي حديث أبي سعيد: (كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام)، ولأنه قوت يخرج في صدقة الفطر كالشعير والتمر.
[599] مسألة: إذا كان معسرا حال الوجوب لم يلزمه بيسره من بعد، خلافاً لمن أوجبه، وحكاه من أهل الخلاف من الشافعية عنا، ولا أصل له.
ودليلنا: أن وقت الوجوب صادفه وهو ممن لا تلزمه الزكاة لعسره فيما بعد، أصله إذا أيسر بعد يومين أو ثلاثة.
[600] مسألة: إخراج البر جائز، خلافاً لمن خرق الإجماع من أصحاب داود وقال: لا يجزيه، سمعت الخرزيَّ يحكيه.
لما روينا من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، واعتباراً بالتمر والشعير.
[601] مسألة: والاعتبار بغالب قوت أهل البلد، خلافاً للشافعي في قوله: إنه مخير، لقوله عليه السلام: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)، وإذا أعطاهم ما ليس من قوتهم فلم يغنهم؛ ولأنه لما كان عليه إذا كان يقتات أعلى من قوتهم، وله أن يخرج من قوتهم الغالب، ولا يلزمه أن يخرج مما يقتاته، كذلك إذا كان يقتات دونه، فالواجب أن يخرج من غالب أقواتهم.
[602] مسألة: يجوز إخراج الأقط لأهل البادية.
خلافاً لأحد وجهي
الشافعي، لحديث أبي سعيد كنا نخرج فذكر صاعاً من أقط وروي أن رجالاً من أهل البادية قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا أولو أموال فهل يجوز عنا من زكاة الفطر؟ فقال: (أخرجوها صاعاً من تمر أوصاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير)؛ولأنه قوت يقتاتونه غالباً عاماً يجري فيه الصاع، فأشبه التمر.
[603] مسألة: لا يجوز أن يخرج فيها الدقيق.
خلافاً لابن حبيب، ولا القيمة خلافاً لأبي حنيفة، لأنها قيمة كسائر الزكوات.
مسائل مختلفة في الزكاة
إعطاء الذمي من الزكاة
[604] مسألة: لا يجوز صرف زكاة الفطر ولا غيرها إلى ذمي، خلافاً لمن أجازه في الجميع، ولأبي حنيفة في قوله: بجواز ذلك في زكاة الفطر وفي الكفارات دون غيرها من الزكوات، لقوله عليه السلام لمعاذ: (فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، وذلك يضمن اشتراط الإسلام، ولأن من لم يجز صرف زكاة المال إليه لم يجز صرف زكاة الفطر إليه، كالغني، ولأنه حق في مال على وجه الطهارة، فلم يجز صرفه إلى كافر كزكاة المال.
الوصية بالزكاة
[506] مسألة: إذا لم يوص بإخراج الزكاة عنه، وقد علم ورثته بوجوبها، استحببنا لهم أن يخرجوها، فإن لم يفعلوا لم يلزمهم، وقال الشافعي تخرج من أصل ما له.
فدليلنا: أن إخراج الزكاة موكل إلى أمانته، فإذا قال: قد أديتها قبل منه، وإن قال: هي عَلَيَّ لم يكن له مطالب لعينه ولا خصم معين، فإذا لم يوص بها جاز أن يكون قد أخرجها سراً، وإذا جاز ذلك لم يجز أن يلزم الورثة إخراج ما يشك هل هو عليه أم لا؟
[606] مسألة: وإذا أوصى بها، فهي في الثلث.
خلافاً للشافعي؛ لأن التهمة تقوي أن يكون قصد الانتفاع بما له وإخراجه عن ورثته بعد موته بالوصية، فلو قبلنا قوله وجعلناها من رأس ماله، لما شاء أحد أن يؤذي ورثته إلا وصى بأن عليه زكاة.
[607] مسألة: وتبدأ على غيرها من الوصايا إلا المدبر في الصحة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها كسائر الوصايا سواء؛ لأن التبدية بالأوجب فالأوجب، ولولا التهمة لكانت من رأس المال، فإذا لم يقبل ذلك فأقل ما في ذلك أن يبدأ على التطوع.
مصارف الزكاة
[608] مسألة: يجوز صرف الصدقات إلى صنف واحد من الأصناف، ويجوز تفضيل صنف على صنف، بقدر ما يجتهد فيه الإمام.
خلافاً للشافعي في قوله: لا يجوز تخصيص بعض الأصناف بجميعها؛ لقوله عليه السلام: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم فأردها في فقرائهم)، وهذا يفيد جواز صرفها إلى نوع واحد، ولأنه قد ثبت أن للإمام أن يصرف صدقة الرجل الواحد إلى فقير واحد، والإمام يقوم مقام رب المال
في التفريق، فإذا جاز ذلك للإمام جاز للمالك؛ ولأنه لما لم يجب صرف صدقة المالك الواحد إلى جماعة الأصناف، لم يجب ذلك في جملة الصدقات؛ ولأنه لما جاز تخصيص بعض الأصناف؛ ولأنه لو كانت الصدقة واجبة للجميع، لكان إذا فقد صنف لا يجوز نقل نصيبه إلى بقية الأصناف الموجودين، كما قلنا فيمن أوصى بثلثه لجماعة، وفقد بعضهم أنه ينتقل قسطه إلى الورثة، دون من بقي من الموصى لهم، فلما أجمعنا على أنه إذا فقد صنف أن قسطه ينقل إلى باقي الأصناف، علم أن الكل محل لجواز صرف الصدقة إليهم.
[609] مسألة: زكاة الأموال الظاهرة كالمواشي والحرث يجب دفعها للإمام، وإذا كان عدلا يبعث ساعيا لم يسع المالك أن يفرقها بنفسه، وإن فعل ضمن.
خلافاً للشافعي في قوله الجديد: إن رب المال يخير بين أن يفرقها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها؛ لقول الله عزوجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾.
وقوله عليه السلام: (أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائهم) وقوله لمعاذ: (فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم)، وفي إيجاب الأخذ دليل على إيجاب الدفع، ولأنه مال ظاهر يصرف إلى أقوام بأوصاف، فوجب أن يتولى الإمام تفريقه كالخمس.
[610] مسألة: إذا وجد المستحق للزكاة في البلد الذي هو فيه المال، لم يجز نقلها إلى بلد آخر، فإن فعل أساء، والنظر على أصول مالك يقتضي أن يجوز.
وقال الشافعي لا يجوز وعليه الإعادة.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، ولأنها صدقة صرفها إلى جنس المستحقين للزكاة، فوجب أن يسقط عنه الفرض، أصله إذا فرقها في فقراء البلدة.
[611] مسألة: إذا اجتهد فدفع الصدقة إلى من ظاهره الفقر، ثم بان له أنه غني، فالصحيح أن عليه الإعادة.
خلافاً لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، ففرضها لهم، فلم تسقط بالدفع إلى غيرهم؛ ولأنه دفعها إلى من ليس بمحل لأخذها، كما لو دفعها إلى من كان ظاهره الإسلام، فبان أنه كافر؛ ولأنه حق لآدمي يضمن بالعمد، فجاز أن يضمن بالخطأ، أصله الوديعة إذا دفعها إلى غير مستحقها.
[612] مسألة: القوي بالاكتساب يجوز له أخذ الزكاة إذا كان فقيراً، هكذا قال شيوخنا وقال الشافعي: لا يجوز له، فدليلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وهذا ما لم يكتسب فقير؛ ولأن ما جُوِّز للمكلف حال فقره، لم تَحرُم عليه لأجل قوته عليه في ثاني حال كالصوم في الكفارة، لما جوز ذلك له لعدم ماله، لم يعتبر في منعه كونه قويا قادراً على أن يكتسب ما يتوصل به إلى العتق.
[613] مسألة: ليس في قدر الغنى الذي يحرم به أخذ الصدقة حد، إلا أن مالكاً قال: يعطى من له مسكن ودابة؛ لأنه لاغنى عنهما، ويعطى من له أربعون درهما، وقال أبو حنيفة: الغنى وجود نصاب الزكاة أو قيمته، وقال الثوري وأحمد: خمسون درهما، وقال الشافعي: هو ما تحصل به الكفاية مع الدوام فيدل على أن معه نصاب، لا يجوز له أخذ الصدقة.
ودليلنا قوله عليه السلام: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم فأردها في فقرائهم)، فأخبر أن من يؤخذ منه غير من يدفع إليه، وهذا يؤخذ منه الصدقة، فلم يجز دفعها إليه؛ ولأن الغنى حاصل في الحال منه، فلا تعتبر
الحاجة في ثاني حال، كما لو كان معه قدر كفايته.
[614] مسألة: نص مالك على أن المرأة لا تعطي زوجها زكاتها، وقال أصحابنا: هو على الكراهة دون التحريم، وقال أبو حنيفة لا يجوز.
فدليلنا قوله عليه السلام: لامرأة ابن مسعود: (تصدقي عليه وعلى بنيه، فإنهما له موضع)؛ ولأنه كل من لا تجب نفقته بحال، جاز أن تدفع إليه الزكاة، كابن العم والأجنبي
[615] مسألة: الفقير: الذي له بلغة لا تكفيه، والمسكين: الذي لا شيء له أصلاً، وقال الشافعي بالعكس من هذا.
ودليلنا أن اسم المسكين في اللغة يتضمن الفقر وزيادة، وهو الإعدام جملة، الذي قد أورثه الاستكانة وهو الخضوع والذلة، وقال يونس، قيل لأعرابى: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين، وقال الفراء، وثعلب، وابن قتيبة مثل قولنا وأنشد ابن الأعرابى:
أما الفقير الذي كانت حلوبته .... وفق العيال فلم يترك له سبد
فسماه فقيراً وله شيء.
[616] مسألة: تفسير قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾، أن يبتاع الإمام من مال الصدقة رقابا يعتقهم عن المسلمين، ولا يعطى المكاتبون،، وقد قال
مالك: إذا أعطي مكاتب ما يتم به عتقه جاز، وقال أبو حنيفة، والشافعي، لا يشتري عبدا فيعتق أبدا.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾، وذلك جمع رقبة، وكل موضع ذكر الرقبة فالمراد عتقها كاملة، فلو أراد المكاتبين لكتبهم باسمهم الأخص؛ ولأن المكاتب بعض رقبة؛ ولأن ذلك يقتضي أن يكون مصروفة بجميع وجوهها إلى الصدقة، وإذا أعطي المكاتب فالولاء لسيده؛ ولأنه لو أراد المكاتبين لا كتفي بذكر الغارمين لأنهم منهم.
[617] مسألة: معنى وفي سبيل الله الجهاد والغزو، خلافاً لأحمد وإسحاق في قولهما: إن المراد به الحج؛ لأن سبيل الله إذا أطلق لم يفهم منه إلا الجهاد، وكل موضع أطلق، كذلك هاهنا.
[618] مسألة: يجوز للغازي أن يأخذ وإن كان غنياً.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ فأطلق، وقوله: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) فذكر (الغازي)؛ ولأنه صنف من أهل الصدقات لحاجته إليه، فجاز الدفع إليهم مع الغنى كالعاملين.
[619] مسألة: ابن السبيل الغريب المنقطع به، والمجتاز المقيم في الغربة، دون من ينشئ السفر من بلده.
خلافاً للشافعي لا يفهم إلا الحاصل في الغربة دون من نشأ السفر من بلده، لأن إطلاق ابن السبيل لا يفهم منه إلا الحاصل في الغربة دون من هو في وطنه ولو بلغت الحاجة منه كل مبلغ، فوجب حمله على المتعارف.