كتاب الحدود [الزنا]
[1669] مسألة: حد الزاني المحصن الرجم، خلافاً لداود في قوله: الجلد والرجم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها».
وروى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا ولم يجلده، وكذلك الغامدية، ولأنه معنى يوجب القتل لحق الله تعالى فلم يوجب الجلد مع القتل كالردة، ولأنه حدّ بنفسه ولم يك بعض حدّ في السبب الذي هو حدّ فيه، أصله القطع في السرقة.
[1670] مسألة: ويجب في حدّ الزاني الذكر البكر تغريبه عاماً، خلافاً لأبي حنيفة في إسقاطه التغريب عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، وفي حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في الذي قال
للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني كان عسيفًا على هذا وزنى بامرأته، فذكر القصة، إلى أن قال: وجلد ابنه مائة وغربه عامًا.
[1671] مسألة: لا تغرب المرأة، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"، ولم يذكر التغريب، ولأن التغريب في الرجل عقوبة له ليقطع عن ولده وأهله ومعاشه، وتلحقه الذلة بنفيه إلى غير بلده، وليس فيه ما في المرأة من الحاجة إلى المراعاة والحفظ ومنع السفر، والمرأة تحتاج في حفظها وصيانتها إلى أكثر من حاجة الرجل، ففي تغريبها تعريض للهتك الذي هو ضدّ الصيانة، ومواقعة مثل ما غربت من أجله، وذلك إغراء لا ردع وزجر، فامتنع لهذا التناقض إيجاب التغريب على المرأة.
[1672] مسألة: لا تغريب على عبد ولا أمة، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ للظاهر، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها» ثم قال في الرابعة: «فليبعها ولو بضفير»، ففيه دليلان؛ أحدهما: أنه سئل عن حدّها فذكر الجلد، ولم يذكر التغريب، والثاني: أنّه كرر ذكر الجلد، فلو كان التغريب واجباً في حدّه لكان الأولى أن يذكره، ولأن التغريب على الحر لينقطع عن وطنه ومعاشه، وتلحقه الذلة، فيرتدع وينزجر، والعبد لا وطن له، ولا معيشة ينقطع عنها بتغريبه، ولأنه
لو كان التغريب واجباً عليه لكان على النصف من تغريب الحر.
[1673] مسألة: إذا وجدت شروط الإحصان في أحدهما ولم توجد في الآخر، ثبت الإحصان فيمن وجد فيه، كالحر يطأ الأمة زوجته، والمسلم يطأ زوجته الكتابية، والعاقل زوجته المجنونة، والبالغ يطأ الصبية المطيقة للوطء، وإن لم تبلغ؛ كل هذا يكون إحصاناً للواطىء دون الموطوءة، وكذلك عكسه يكون إحصاناً للموطوءة دون الواطىء، إلا في الصبي يطأ الكبيرة، فإنّه لا يكون إحصاناً لواحد عنهما، وقال أبو حنيفة: لا بد من اعتبار الطرفين؛ فدليلنا أنّه حر مكلّف وطىء زوجته بنكاح صحيح، ووطئها وطئاً مباحاً، فوجب أن يصير محصناً به، أصله إذا كانا كاملين.
[1674] مسألة: الإسلام من شرط الإحصان، خلافاً للشافعي؛ لأنّ الإحصان حكم شرعي وجب للفضيلة في الإسلام، فلم يثبت للكافر، لانتفاء الفضيلة في أحكام الكفر، ولأنه حدّ يعتبر فيه الإحصان فوجب أن يعتبر فيه الإسلام، أصله حد القذف، ولأنّ نقص الكفر أشدّ من نقص الرق لأن أصل نقص الرق هو الكفر، فإذا كان نقص الرق يمنع الإحصان فنقص الكفر أولى، لأن زيادة الحدود لزيادة الفضيلة، ونقص الكفر يمنع ذلك، ولأن من شروط الإحصان صحة النكاح الذي يطأ فيه، وأنكحة الكفار فاسدة.
[1675] مسألة: إذا زنى عاقل بمجنونة أو وطىء مجنون عاقلة على وجه الزنا وجب الحدّ على العاقل منهما، وقال أبو حنيفة: لا حد على العاقلة إذا وطئها المجنون؛ فدليلنا أنه إذا سقط الحدّ عن أحدهما لمعنى فيه لم يوجب ذلك سقوطه عن الآخر، أصله إذا كانت المجنونة الموطوءة، ولأنها طاوعته واطئاً كامل الوطء على وجه يحرم بغير شبهة، فوجب أن يلزمها الحدّ، أصله إذا كان الواطىء عاقلاً.
[1676] مسألة: إذا حضر الإمام والشهود بموضع الرجم لم يجب على أحد منهم البداية بالرجم، وقال أبو حنيفة: إن كان الزنا ثبت بالاعتراف كان على الإمام أن يبدأ بالرجم ثم يتبعه سائر الناس، وإن كان ثبت ببينة بدأ الشهود، ثم الإمام، ثم سائر الناس؛ فدليلنا أنّه حدّ من الحدود لم يلزم الإمام مباشرة شيء منه بنفسه كالجلد والقطع، ولأنه قتل كالقصاص والقتل في الردة، ولأن شهادة الشهود بالحدّ لا توجب التبدئة بهم في فعله كحد القذف والشرب.
[1677] مسألة: لا يحفر في حدّ الرجم لأحدهما، خلافاً للشافعي في قوله: يحفر للمرأة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن اعترفت فارجمها» ولم يأمر بالحفر لها، ولأنه إذا كان على وجه الأرض أتت الحجارة على جميع الأعضاء، فكان أسرع للتوفية وأقل للتعذيب، ولأنّها مرجومة في الزنا كالرجل.
[1678] مسألة: إذا شهدت بينة على رجل بأنه زنى، فإن الإمام يقيم عليه الحدّ الذي يجب عليه من رجم أو جلد من غير حاجة إلى حضور البينة، وحكي عن أبي حنيفة أنه يلزم الشهود أن يحضروا ولا يرجم المشهود عليه ولا يجلد إلا بحضورهم؛ فدليلنا قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"، ولأن كل حق ثبت ببينة جاز استيفاؤه وإن لم تحضر البينة، كسائر الحقوق واعتباراً بحقوق الآدميين.
[1679] مسألة: إذا جاء على فراشه ووجد عليه امرأة فوطئها ظناً منه أنها زوجته أو أمته ثم بان له أنها أجنبية فلا حدّ عليه، وقال أبو حنيفة: عليه الحدّ إلأ أن يكون ليلة الزفاف زفت إليه امرأة وقيل هذه امرأتك.
[1680] مسألة: إذا أقر بالزنا مرة لزمه الحد، خلافاً لأبي حنيفة في
قوله: لا يلزمه إلا أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، والمقر منه مبد لصفحته، وقوله صلى الله عليه وسلم: «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ولم ينط ذلك بتكرار الاعتراف، ولأنّ كل حق ثبت بالإقرار لم يفتقر إلى تكراره كسائر الحقوق، ولأنه إقرار من مكلّف بالزنا فلم يحتج إلى زيادة عليه، أصله إذا أقر أربعاً، ولأنه عدد زائد على حصول الإقرار كالخامسة.
[1681] مسألة: في رجوعه عن الإقرار إلى غير شبهة روايتان؛ إحداهما: أنه يقبل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى: أنّه لا يقبل.
فوجه قوله: إنّه يقبل، قوله صلى الله عليه وسلم لماعز: «لعلك لمست» وهذا كالتلقين له للرجوع، وقوله: «هلا تركتموه»، وروي أنه صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فاعترف بالسرقة، فقال له: «ما إخالك سرقت»، ولا فائدة في هذا إلأ أنّه إذا قال لم أسرق قبل منه، ولأن ذلك مروي عن أبي بكر،
وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، ولا مخالف لهم، ولأنه قتل هو حق لله لزمه بقوله فوجب إذا رجع أن يسقط عنه كالقتل بالردة، ولأنه قول إذا تم لزمه به حد الزنا فوجب أن يكون الرجوع عنه مسقطاً للحدّ، أصله رجوع الشهود، ولأنه رجوع عن الإقرار بالزنا كما لو كان إلى شبهة، ولأن ما يطرأ على الحدّ قبل استيفائه بمنزلة الموجود في ابتدائه كفسق الشهود، ولأن المقام على الإقرار تابع للابتداء وزوال الوجوب كحقوق الآدميين.
ووجه قوله: لا يقبل، قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، وقوله: «فإن اعترفت فارجمها»، ولأنه أقر بحق على نفسه لزمه بإقراره، فلم يسقط عنه بإكذابه نفسه بحقوق الآدميين، وإن الإقرار معنى يلزمه به حد الزنا فوجب أن لا يؤثر فيه إكذابه له، أصله الشهادة، ولأنه معنى يوجب القتل تارة ولا يوجب أخرى، فوجب إذا حصل الإقرار
به أن لا يقبل رجوعه، أصله الإقرار بالقتل.
[1682] مسألة: إذا ظهر حمل بامرأة حرة أو أمة لا يعلم لها زوج، ولا سيد الأمة يقر بوطئها، وكانت مقيمة ليست بغريبة فإنها تحدّ، ولا يقبل قولها إنّها غصبت أو استكرهت أو إنّه من زوج إلأ أن يظهر ما يعلم به صدقها في الظاهر، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تحدّ إلا أن تقر أو تقوم بينة بالزنا؛ فدليلنا حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الرجم في كتاب الله عز وجل حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا كانت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف، ولا مخالف له، ولأن في إسقاط الحد ذريعة إلى أن لا يقام حد في الزنا، لأن كل من وجد بها حمل أو شوهد معها من يطؤها ادعيا الزوجية فيصير لها طريق إلى إبطاله فلا يمكن إقامته، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحدّ يوجب بشهادة الشهود، فإن ادعاءهما الزوجية غير مقبول حينئذ و [قد] علم أن الشهود إنّما يشهدون على الظاهر لا على الحقيقة والقطع، والظاهر في مسألتنا الزنا لأن الوطء ثابت بظهور الحمل، ولا أمارة على ما يدّعونه ولا علامة، فلا يجب ترك الظاهر بقولها.
[1683] مسألة: لا تقبل الشهادة في الزنا إلا أن يجيء الشهود في مجلس واحد ويشهدون، فإن شهد واحد منفرد ثم جاء الباقون فشهدوا بعد ذلك المجلس فإنّهم قذفة، وقال عبد الملك والشافعي: يحكم بشهادتهم مجتمعين ومفترقين؛ فدليلنا أن كمال العدد معنى لو لم ينضم إلى شهادة الشهود كانت قذفاً، فوجب أن يوجد معها عند إقامتها لا متراخياً عنها، أصله لفظ الشهادة.
[1684] مسألة: لا يضرب في الحدّ إلا بالسوط، وعدد الضربات بالسّوط حق لا يجوز تركه، فإن كأن مريضاً أخر إلى برئه، وقال الشافعي: يضرب بأطراف النعال وعثكول النخل، ويضرب بالعذق الذي فيه مائة شمراخ ضربة واحدة؛ فدليلنا أن العمل جرى في الضرب بالسوط في الحدود من عهد النبي صلى الله عليه وسلم والسلف، ولم يرد خلافه بعد استقرار الشرع وترتيبه، ولأنه ضرب في حدّ فلم يجز إلا بالسوط، أصله حدّ الصحيح، ولأن كل ما [لا] يجوز الضرب به في حدّ الصحيح القوي لم يجز في حدّ الضعيف كالضرب باليد والقصب، ولأن الغرض بالضرب بأن يرتدع مرتكب الكبيرة عن مثلها وينزجر، فذلك يقتضي أن يقرر بضرب من الأوجاع والآلام لردع مثله، وما ذكروه لا يقع به الردع، ولأن الزجر مما ينب عن الواجب، ولأن نوع ما يضرب به يعتبر في الصحيح القوي فلم يكن الضعف مؤثراً في إسقاطه، أصله عدد الضرب.
[1685] مسألة، فصل: ودليلنا على أن ضربة واحدة بمائة سوط، أو بعثكول النخل لا تجزىء قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"، والجلدة اسم الضربة لا بما يقع الضرب به، ولأنه
حدّ واجب فلم يجز أن يجمع في ضربة واحدة كالصحيح.
[1686] مسألة: إذا استدخلت ذكر نائم كانت زانية ولزمها الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليها؛ فدليلنا أنها فعلت ما حصل معه الذكر في فرجها، طائعة على وجه ولا شبهة في تحريمه، فوجب أن يلزمها الحدّ كما لو كان منتبهاً.
[1687] مسألة: حد اللّواط الرجم، ولا يراعى فيه الإحصان، وقال أبو حنيفة: لا حد [و] فيه التعزير، وقال الشافعي في البكر الجلد، والمحصن الرجم كالزنا؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الذي يعمل عمل قوم لوط، اقتلوا الأعلى والأسفل»، ولأنه إيلاج في فرج آدمي، فكان الرجم متعلّقاً به كالمرأة، ولأنه فرج يقصد الالتذاذ [به] غالباً كالقبل، ولأن الحد في الزنا إنّما وضع ردعاً وزجراً لئلا يعود إلى مثله، ووجدنا الطباع تميل إلى الالتذاذ بإصابة هذا الفرج كميلها إلى القبل، فوجب أن يتعلّق به من الردع ما يتعلق بالقبل، ولأنّ هذا أشدّ وأغلظ، ولأن استباحته لا تؤثر فيه على وجه لحرمته، والقبل يتعلّق به الاستباحة، فإذا وجب الحدّ في القبل كان هذا أولى.
[1688] مسألة: ودليلنا أنه لا يراعى فيه الإحصان عموم الخبر، ولأن الإحصان يعتبر في الزنا، وهذا ليس بزنا بدليل أن العرب لا تسمي إتيان الرجل للرجل زنا، ومدّعي ذلك على أهل اللغة يعلم من نفسه أن الأمر بخلاف ما يدعيه، ولأن محل الزنا عندهم محل الحلال، وإنّما سمّي زنا لأنّه على غير الوجه المباح، وما لا يمكن محلاً للحلال على وجه، فلا يسمّى زنا كفرج البهيمة إذا أتيت أنّه ليس بزنا لم يعتبر فيه الإحصان.
[1689] مسألة: لا يثبت اللّواط إلا بأربعة شهود، وقال أبو حنيفة: يثبت بشاهدين، وبناه على أصله في أن الحدّ لا يجب فيه، فنقول: لأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فلم يثبت حكم العقوبة الواجبة بالإيلاج فيه بما دون الأربعة كفرج المرأة.
[1690] مسألة: يستحب للإمام إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحدّ وهي أربعة فصاعدًا، وحكي عن عطاء وغيره ثلاثة، وقيل: اثنان؛ فدليلنا أن الأربعة يتعلق بهم فائدة لا توجد فيما دونهم، وهو أنه قد يرمي إنسان هذا المحدود بالزنا فيطالب بأن يحدّ له فيقيم الرامي البينة وهم الذين حضروا جلده، وهذا معنى يختص بالأربعة، فكان ما قلناه أولى.
[1691] مسألة: إذا قامت بينة على رجل بزنا أو قذف أو شرب بعد مدّة طويلة من مواقعة الفعل، أقيم عليه الحد، ولا يؤثر في ذلك طول المدّة وقصرها، وكذلك الإقرار، وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ بالبينة، ويحد بالإقرار إلا في الشرب فلا يحدّ أصلاً؛ فدليلنا على وجوب الحدّ قوله تعالى: "فاستشهدوا عليهن أربعة منكم"، ولم يفرق، وقوله: "ثم لم يأتوا بأربعة شهداء"، ولأنه قول يلزم به إقامة الحد على من نسب إليه الفعل لا تخرج بتأخيره فأشبه الإقرار، ولأنه حق من الحقوق يثبت بالشهادة فلم
يسقط بتأخيرها كالأموال، ولأن كل حق لم يسقط بتأخير الإقرار لم يسقط بتأخير الشهادة كسائر الحقوق، ولأن كل شاهد لم يحدّ في الزنا حدّ المشهود عليه، أصله مع قصر المدّة، وقد وافقنا أبو حنيفة في هؤلاء الشهود أنهم لا يحدون فيجب أن يحدّ المشهود عليه.
[1692] فصل: ودليلنا على أن إقراره بعد طول المدّة لا يسقط الحدّ، قوله صلى الله عليه وسلم: «من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، ولأنه أقر بحدّ لله فلم يبطله طول المدّة كسائر الحقوق، ولأن وجدنا طول المدّة لا تأثير له في إسقاط شيء من الإقرار بسائر الحدود والحقوق، كذلك الشرب، واعتبارًا بقصر المدة.
[1693] مسألة: التوبة لا تسقط الحدّ في الزنا والسرقة والقذف والشرب وسائر الحدود، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لقوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد"، "والسارق والسارقة فاقطعوا" الآية، ولم يفرق، وكذلك الأخبار، ولأنه أمر مستسر به فلم تسقط التوبة الحدّ الواجب فيه كالزندقة عندنا، وعند أبي حنيفة، ولأن الحد وضع لمعنى وهو تحصين الأنساب، فإذا أسقطنا الحد عن التائب فقد أزلنا الحكم المتعلّق به الغرض الذي أريد له، كالقصاص وضع للحياة بين الناس، ففي إسقاطه بالتوبة إضاعة الغرض المقصود له، ولأن التوبة إذا لم يفترق الحكم فيها بين القدرة عليه وعدمها، لم يسقط الحد كالقتل والقذف.
[1694] مسألة: إذا لم يكمل عدد الشهود في الزنا حدّ باقي الشهود، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لإجماع الصحابة، لأن عمر جلد الثلاثة لمّا توقف زياد ولم يقطع، وقال لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، وروي عن
علي أن أربعة جاؤوا يشهدون عنده بالزنا على رجل فشهد الثلاثة، وقال الرابع: رأيتهما تحت ثوب واحد، فحدّ علي رضي الله عنه الثلاثة، ولأنهم أدخلوا عليه المعرة بإضافة الزنا إليه بسبب لم تسقط حصانته فكانوا قذفة، أصله لو قذفوه ابتداء، ولأن العدد شرط معتبر في الشهادة، فوجب أن يكون الاختلال به يثبت له حكم القذف، أصله لفظ الشهادة.
[1695] مسألة: إذا شهد أربعة على رجل أنّه زنى بامرأة، فشهد كل واحد أنه زنى بها في زاوية من زوايا هذا البيت غير الزاوية التي يشهد بها صاحبه، لم يحد المشهود عليه، وقال أبو حنيفة: يحد، فدليلنا أنّ الشهادة لم تكمل على فعل واحد، لأنّ زناه في هذه الزاوية فعل غير زناه في الزاوية الأخرى، فلم يجب الحد بذلك، كما لو شهد كل واحد منهم أنّه زنى في وقت غير الوقت الذي شهد به الآخر، ولأنّ كمال العدد إذا كان معتبرًا في الفعل المشهود به ولم يوجد ها هنا على كل فعل إلا واحد فلا فرق بين وجود الباقين وعدمهم، لأنّ من بقي ليس يشهد على ذلك الفعل، وإنما يشهد على أفعال أخر، فهو كما لو شهد أربعة أنّهم رأوه يزني بأربعة نساء، كل واحد يشهد أنّه راه يزني بامرأة غير المرأة الأخرى فلا حد عليه.
[1696] مسألة: إذا شهد أربعة ظاهرهم العدالة على رجل بالزنا، فزعم المشهود عليه أنّهم عبيد، فالبينة عليه دونهم، وقال أبو حنيفة: البينة على الشهود؛ فدليلنا أن أصل الناس الحرية، والرق طارىء، لأنه إنما يكون بسبب يطرأ فينتقل به عن الأصل، فعلى مدّعيه إقامة البينة، ولأن من تعلّق برجل وزعم أنّه عبده والرجل ينكره، فعلى المدعي لرقه البينة ولا يكلّف المنكر إقامة البينة على أنه حر لأنه متعلّق بالأصل، كذلك في مسألتنا.
[1697] مسألة: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا فقالت: أنا رتقاء أو عذراء، ونظر إليها النساء، فعليها الحدّ، ولا يقبل قول النساء في ذلك.
وقال الشافعي: إذا شهد أربع عدول من النساء أنها عذراء فلا حدّ عليها؛
فدليلنا أن شهادة النساء لا مدخل لها في إثبات الحدود، ولا في إسقاطها فلو قبلت في هذا الموضع لسقط الحد بها، ولأنها شهادة من النساء تؤدي إذا قبلت إلى إسقاط الحد فيما لا مدخل لهن فيه في غير هذا الموضع، فلم يسقط الحدّ بها، أصله إذا شهدت بفسق الشهود.
[1698] مسألة: إذا شهد شاهدان على رجل أنه زنى بامرأة ببغداد وشهد آخران أنه زنى بها بالبصرة، فلا حدّ عليه، لأن الشهادة لم تكمل على فعل واحد، وعلى الشهود الحدّ، على ما بيناه، وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليهم؛ فدليلنا أن الشهادة لم تكمل بدليل أن الحدّ لا يلزم المشهود عليه، فصار بمنزلة أن شهد شاهدان بالزنا من غير أن يشهد معهما غيرهما.
[1699] مسألة: إذا قتل رجل رجلاً في دار وادعى أنه دخل ليسرق وأنه لم يتمكن من إخراجه لزمه القود ولم يقبل دعواه، كان الرجل معروفاً بالسرقة أم لا، وقال أبو حنيفة: إذا كان معروفاً بالسرقة فلا قود عليه؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين»، ولم يفرق، ولأن كل من لم يكن معروفاً بما قرن به أقيد به قاتله، فكذلك إذا كان معروفاً به، أصله لو قتله وادعى أنه زنى بامرأته وكان الرجل محصناً، فإن القود يلزمه كان الرجل المقتول مشهوراً بالزنا أم لا.
[1700] مسألة: يضرب في الحد الظهر وما يقاربه، وقال أبو حنيفة والشافعي: يضرب سائر الأعضاء ويتقي الوجه والفرج، وزاد أبو حنيفة: الرأس؛ فدليلنا أن في ضرب كل عضو إفساد ذلك العضو وإتلافاً للنفس إن كان مقتلاً كالبطن والحلق والأضالع، وليس الغرض بالجلد إفساد الأعضاء ولا إتلاف النفس، ولا موضع يؤمن هذا فيه إلا الظهر وما قاربه، فوجب أن يكون هو محل الضرب؛ ولأن أبا حنيفة يوافقنا في التعزير أنّه لا يستوفى له سائر الأعضاء، فكذلك الجلد، بعلّة أنه ضرب يقصد به الردع دون الإتلاف والإفساد.
[1701] مسألة: يجرد الرجل في ضرب الحدود كلها، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجرد في ضرب القذف خاصة؛ فدليلنا قوله تعالى: "فاجلدوهم ثمانين جلدة"، وذلك يقتضي مباشرة أبدانهما، ولأنّه جلد حدّ كالزنا.
[1702] مسألة: يضرب قاعدًا ولا يقام، خلافاً لمن قال إنّه يقام؛ لقوله تعالى: "فاجلدوهم" ولم يأمر بأن يقاموا، ولأنه شخص وجب حدّه فلم يستقم عليه القيام كالمرأة.
[1703] مسألة: الضرب في الحدود كلّها سواء، وقال أبو حنيفة: الضرب في الزنا أشدّ منه في القذف والشرب، وأشدّها التعزير؛ فدليلنا أنّها حدود جلد فوجب تساويها في الصفة لتساويها في الجنس والمقصد بها.
[1704] مسألة: إذا وجب عليه الرجم أقيم عليه ولم يؤخر، وذكر الإسفرائيني عن بعض أصحابهم أنه إن كان ثبت باعترافه لا ببينة لم يرجم في شدّة الحر ولا البرد؛ فدليلنا قوله عليه السلام: «فان اعترفت فارجمها» ولم يفصل، ولأنه معنى ثبت الرجم به كالبينة.
[1705] مسألة: إذا وجب الرجم على حامل أخرت حتى تضع الحمل، ويؤخذ للصبي من يرضعه، فإن لم يوجد له من يرضعه أخرت حتى تفطمه، وحكي عن أبي حنيفة أنّها ترجم ولا تنظر بعد الولادة؛ فدليلنا
قوله صلى الله عليه وسلم للغامدية: «ارجعي فارضعيه حتى تفطميه»، وفي «الموطأ»: أنه صلى الله عليه وسلم قال للّتي أخبرته أنها زنت وهي حامل: «اذهبي حتى تضعي»، فلما وضعت جاءته، فقال لها: «حتى ترضعي»، فلما أرضعته جاءته، فقال: «حتى تستودعيه» ولأنّه لما لم يجز رجمها وهي حامل، لأن في ذلك إتلافه، كذلك مع عدم من يرضعه، ولأنّ في ذلك إتلاف المولود.
[1706] مسألة: يقام الحد على العبد والأمة إذا زنيا، تزوجا أو لم يتزوجا، وحكى أهل الخلاف عن ابن عباس أنهما إن لم يكونا تزوجا فلا حدّ عليهما؛ فدليلنا قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"، وروي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: إن زنت فاجلدوها، ولم يفرق، ولأنّه مسلم مكلف كالحر، ولأنّه سبب موجب للجلد فلم يؤثر فيه التزويج كالقذف والشرب [و] اعتبارًا بهما إذا تزوجا.
[1707] مسألة: حدّ الأمة والعبد على النصف من حدّ الحر، خلافاً لمن قال إنه كحد الحر؛ لقوله عز وجل: "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"، ولأنّ الحدود مبنية على التفاضل، بدليل أن حدّ الحر البكر مائة، وإذا كان محصناً كان حدّه الرجم لفضيلته بالإحصان،
فإذا ثبت أنه مبني على التفاضل، نظر فإن كان يتبعض وجب تبعيضه، وإن كان لا يتبعض سقط أصلاً، كالشهادة والميراث، والرجم لا يتبعض فوجب أن يسقط عن العبد جملة.
[1708] فصل: والعبد والأمة في ذلك سواء، وقال داود: حد العبد مائة، وحدّ الأمة خمسون؛ فدليلنا أنّه ناقص بالرق كالأمة، ولأن كل حدّ لزم إناث جنس لزم ذكورهم مثله، أصله الرجم والقطع، ولأن الأنوثية والتذكير لا يؤثر في اختلاف مقادير الحدود أصله الأحرار.
[1709] مسألة: إذا وطىء ذات محرم منه بالملك عالماً بتحريم ذلك لزمه الحدّ، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا حدّ عليه؛ فدليلنا أنّه وطىء مع العلم بالتحريم من لا تحل له بحال، فلزمه الحد أصله الحرة.
[1710] مسألة: إذا تزوج ذات محرم له ووطئها عالماً بالتحريم لزمه الحدّ، وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه وليس بزنا؛ فدليلنا أنّه يسمّى فاحشة بدليل قوله تعالى: "ولا تتكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً"، وكذلك زوجة الأب غير الأم، فإذا ثبت أنه فاحشة، وقد قال تعالى: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» الحديث، وروى البراء قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى رجل نكح امرأة أبيه لأضرب عنقه، ولأنه وطىء أمه مع معرفة عينها فوجب أن يلزمه
الحدّ، أصله الوطء المبتدأ، ولأن هذا عين لا يستقر له عليها نكاح أبدًا بعد عقده عليها كالعقد على الغلام، فلمّا كان وطء الغلام بعد أن عقد عليه وقبله بمنزلة واحدة، فكذلك الأم، ولأنه وطء محرم بالإجماع مع جميع أسبابه لم يصاحب ملكًا فوجب أن يكون زنا يلزم به الحدّ، أصله إذا قال: استأجرتك بهذه الدراهم لأزني بك.
[1711] مسألة: إذا استأجر امرأة على أن يزني بها فوطئها فعليه الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه؛ فدليلنا أنه وطء محرم بدواعيه غير مختلف فيه، فإذا تعمّده مع العلم بتحريمه وانتفاء سبب الإباحة لزمه الحد، أصله إذا استأجرها لتخبز له أو تطبخ فوطئها.
[1712] مسألة: للسيد أن يقيم حدّ الزنا على عبده وأمته، وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك ولا يقيم الحد إلا الإمام؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم»، وقوله: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير»، ولأن له أن يجبرها على النكاح بحق الملك كالإمام، ولأن كل من ملك تزويج شخص بغير قرابة ولا تولية جاز أن يملك إقامة الحدّ عليها كالإمام.
[1713] مسألة: لا يقام على الذمية، حد زنا، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم"، فدل على
أن من عداهن بخلافهن، ولأن كل من لم يحدّه في الخمر لم يحدّه في الزنا كأهل الحرب والمجانين.
[1714] مسألة: إذا دخل مسلم دار الحرب فزنى بحربية أو غيرها فعليه الحدّ، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه إلا أن يكون على الجيش أمير مصر من الأمصار؛ ودليلنا قوله تعالى: "والزانية والزاني فاجلدوا"، ولأنه مسلم زنى فوجب أن يحد كما لو زنى في دار الإسلام، ولأنه موضع زنى فيه فلزمه الحد كسائر البقاع، ولأنه حدّ وجب لله، فلم تؤثر دار الحرب في إسقاطه كالقتل بالردة، واعتبارًا به إذا كان في عسكر المسلمين، وعلى الجيش أمير.
[1715] مسألة: إذا اغتصب حرة فوطئها فلها الصداق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها حرة وطئها من يؤخذ بالجناية عليها وطئاً لا يلزمها به حد، فإذا لزمه الحدّ لزمه المهر، كالوطء بشبهة، ولأن هذا الوطء يتعلّق به حقان، حق لله تعالى، وحق لآدمي، فجاز أن يجبا جميعاً كقتل المحرم صيدًا مملوكاً.
[1716] مسألة: من أتى بهيمة فلا حد عليه، وللشافعي ثلاثة أقاويل؛ أحدها: مثل هذا، والآخر: أنه يقتل بكرًا كان أو ثيباً، والثالث: أنّه كالزنا يجلد إن كان بكرًا ويرجم إن كان محصناً؛ فدليلنا: «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث»، ولأنه جنس لا يتعلّق به التكليف، فلم يتعلق بالإيلاج فيه الحدّ كالجمادات، ولأنه وطء لا يتعلق بجنسه الرجم كالوطء فيما دون الفرج، ولأن كل جنس لا يصح منه الزنا فلا يصحّ حكم لوطئه في باب الحدّ، عكسه الآدمي، ولأنه معنى يوجب الحدّ في الآدمي فلم يوجبه في البهائم كالقذف والقتل، وهذه العلّة أصح من كل ما تقدّم.
[1717] فصل: لا تقتل البهيمة سواء كانت ممّا يؤكل لحمها أو ممّا
لا يؤكل، وقال الإسفرائيني: إن كانت ممّا يؤكل فلا خلاف على مذهبهم أنها تذبح، وإن كانت ممّا لا يؤكل فعلى وجهين؛ فدليلنا نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكله، وهذا ينفي ذبحه للوطء، ولأن الإتلاف الواجب بالوطء لا يكون إلا لبني آدم، وإذا استحال ذلك في البهائم استحال وجوب الإتلاف.
[1718] فصل: وإذا ذبحت جاز أكلها إذا كانت ممّا يؤكل، ولأصحاب الشافعي وجهان؛ ودليلنا قوله تعالى: "أحلت لكم بهيمة الأنعام"، وقوله: "قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه" الآية، ولأنّه أولج فيها جزءًا منه كأصبعه، ولأنه فعل في حيوان مباح الأكل فلم يمنع أكله إذا ذبح مع كمال حياته، أصله ركوبه وضربه.
[1719] مسألة: إذا وطىء امرأة فأفضاها، فعليه الصداق مع قدر الشين، وإن كان في أجنبية فإن طاوعته فلا شيء عليه، وإن غصبها ففيه بقدر الشين مع الصداق كالزوجة، وذكر بعض من عمل مسائل الخلاف من أصحابنا عن ابن وضاح عن أصحاب مالك أن عليه الدّية، وذكر ابن أبي زيد في كتابه عن بعض العلماء أن فيه ثلث الدية كالجائفة، ولم يذكر أن القائل من أصحابنا أو غيرهم، هذا كلّه إذا لم تمت، فأما إن ماتت فقال ابن القاسم: عليه الدية على عاقلته، وذكر بعض أصحابنا عن سحنون أنّه لا شيء عليه، وقال أبو حنيفة في الزوجة يستقر المهر، ولا شيء عليه في الإفضاء بوجه، وقال في الأجنبيه: إن كان بولها لا ينحبس فدية كاملة بلا حكومة، وإن كان ينحبس فدية الجائفة، وقال أصحاب الشافعي: في الزوجة
عليه المهر ودية كاملة للإفضاء إن كان بولها ينحبس، وإن كان لا ينحبس فدية وحكومة.
فدليلنا على أبي حنيفة في الزوجة أن عليه أرش الإفضاء في الجملة وعنده لا شيء عليه أصلاً، أنها جناية تنفك عن الوطء فوجب أن لا يدخل أرشها في الوطء، أصله إذا وطئها وقطع يدها، والجناية هي رفع الحاجز الذي يصير فيه المسلكان واحدًا، والوطء ينفك عن هذا لا محالة، لأنّه إنما يؤتى من شدّة تقصيه ومبالغته ولو ترفق لم يكن إفضاء، ولأن تثبيت الدّية والحكومة الواجبة بالإفضاء غير سبب المهر، ولأن المهر يجب بالوطء الذي هو استمتاع، والدّية أو الحكومة تجب لأجل الجناية، فلم يتداخلا كالصيد المملوك إذا أتلفه المحرم، لأن الجزاء لا يدخل في القيمة لاختلاف سببهما، ولأنه إتلاف لو حصل من غير الزوج لضمن أرشه، فوجب إذا حصل من الزوج أن يضمنه، أصله سائر الجنايات، ولأنه إفضاء حصل من وطء، فأشبه الإفضاء من وطء شبهة.
[1720] مسألة، فصل: ووجه قول ابن القاسم: إن فيه بقدر الشين، فلأنّه لم يرد فيه تقدير، ولا فيه إبطال منفعة عامة، فوجب أن يكون فيه قدر الشين كسائر الجنايات التي لم يرد تقدير في أرشها؛ ووجه القول إن فيه الدّية أنه عضو من الجسد وينفرد بمنفعة مقصودة كاملة، فوجب أن يتعلّق بإتلافه الدّية كالعين واليد والذكر، ولأنه عضو يجب الحدّ فيه بالزنا فوجب أن يتعلّق فيه بإبطال منفعته الدية كالذكر، ولأنه فرج له حرمة كالذكر، وهذا هو القياس.
[1721] فصل: ودليلنا على الشافعي قوله: إن البول إذا لم يستمسك فلها مع الدّية حكومة، أن العضو إذا تعلّق ببعضه حكومة على انفراد سقط مع وجود الدّية، كما لو قطع الكف لكان فيه الدّية، ولا يجب له حكومة، لأنه لو انفرد عن الأصابع لكان فيه حكومة.
ووجه القول إنّها إذا ماتت فيه الدّية أنّه قاتل خطأ، لأن سبب القتل هو فعله.
فوجه القول بأنه لا شيء فيه، لأن الوطء فعل مباح له مأذون فيه، فإذا آل إلى الموات فلا شيء فيه، لأن الإذن فيه ينفي الضمان، والأول أصحّ، والله أعلم.
[1722] مسألة: إذا زنى بجارية الابن فلا حدّ عليه، خلافاً لداود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»، وحقيقة هذه الإضافة للملك، فلمّا ثبت أنّها ليست بملك ففي ثبوت أحكام الملك، ومن أحكامه انتفاء الحدّ بالوطء فيه، ولأن له فيها شبهة ملك بدليل أنه لا يجوز له تزويجها، وكل من لا يجوز له تزويجها بشبهة الملك، فلا يحدّ بوطئها، كالأمة بين شريكين يطؤها أحدهما.