زكاة الأنعام
[494] مسألة: في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، ولا خلاف فيه، إلا شاذاً، عن علي - رضي الله عنه -، أن فيها خمس شياه، ودليلنا ما روى عمرو بن حزم، وابن عمر، وأنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (في خمس وعشرين بنت مخاض).
ولأنه ليس في أصول صدقة الماشية اتصال فرضين من غير وقص يتخللهما، فإثبات ذلك خلاف الأصول.
[495] مسألة: يجوز أخذ ابن لبون في خمس وعشرين مع (عدم) وجود بنت مخاض في المال.
خلافاً لأبي حنيفة، وإجازته ذلك بناء على أصله في جواز إخراج القيمة من الزكاة.
والكلام في هذا يأتي، ولكن تختص هذه المسألة بأدلة تخصها، وذلك ما روي في حديث عمرو بن حزم (فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر).
وكذلك في حديث أنس، وابن شهاب الذي انتسخه عمر بن عبد العزيز وفي هذه الأخبار دليلان: أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - أوجب في خمس وعشرين بنت مخاض، وهي واجبة سواء أخرج ابن لبون أولا.
والآخر: أنه شرط في إخراج ابن لبون عدم بنت مخاض في المال، فقال (فإن لم توجد فابن لبون) وهذا لفظ الشرط بلا خلاف، فيجب إذا أخرجه مع وجودها لا يجزيه؛ لعدم الشرط الذي جوز إخراجه معه.
ولأن كل حق تعلق بمال لم يجز غيره مع وجوده، أصله الكفارات.
[496] مسألة: إذا لم يكن عنده بنت مخاض ولا ابن لبون أخذ الساعي بنت مخاض، خلافا للشافعي في قوله يأخذ بأيهما شاء.
لما روي في الحديث (فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون)، ومعناه إذا كان فيها، فدل أنه إذا لم يكن فيها لم يخير، ولأنه لما وجب إذا كانا موجودين في المال أخذ بنت مخاض، فكذلك إذا عدمهما؛ لأنها حال تساويا فيها.
[497] مسألة: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة أخذ منها على حساب كل خمسين حقة، وكل أربعين بنت لبون، ولم تعد فريضة الغنم على وجه.
خلافاً لأبي حنيفة أن الغنم تؤخذ فيما دون خمس وعشرين، لما روي في حديث عمرو بن حزم، وأنس (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون).
وفي حديث ابن عمر (إلى عشرين ومائه، فإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون).
ولأنه لا يخلو أن يكون أراد في كل أربعين وكل خمسين تزيد على المائة وعشرين دون المائة وعشرين، وهذا يوجب أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق، وذلك خلاف الإجماع، أو يكون أراد في الجميع في الزيادة وفي المزيد عليه على معنى أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فهذا ما نقوله.
ولأن أبا حنيفة يقول في مائة وثلاثين حقتان وشاتان، والأخبار التي رويناها توجب أن يكون فيها حقة وبنتا لبون، وروى أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء قال أخبرنا ابن المبارك عن
يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: (هذه نسخة كتاب رسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب أقرأنيها سالم بن عبدالله ابن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي نسخها عمر بن عبدالعزيز من عبدالله بن عمر وسالم بن عبدالله فذكر الحديث وقال: (فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعاً وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة، ففيها بنتا لبون وحقة، حتى تبلغ تسعاً وثلاثين ومائة).
وهذا نص في موضع الخلاف؛ ولأن ما قبل المائة والعشرين من النصاب أقرب إلى نصاب الغنم مما زاد على المائة والعشرين، فلما لم تُعدّ الشاة هناك كانت بأن لا تعد فيما بعده أولى، ولأن الأصول في الزكاة موضوعة على أخذ الجنس من الجنس وأنه لا يؤخذ من غيره إلا من ضرورة، فقضاؤنا بأخذ الغنم في أوائل صدقة الإبل إنما هو للضرورة، وهو قلّة المال عن المواساة بواحد من الخمس أو العشر، فلما كثرت الإبل، واحتملت أن يؤخذ منها زالت الضرورة بالزيادة، ثم لم يعد فيها بعد المائة وعشرين، فلم يعد أخذ غير الجنس لزوال المعنى الموجب له، ولأن المأخوذ من جنس الشيء آكد حكما من المأخوذ من غير جنسه؛ لأن الأخذ من الجنس هو الأصل ومن غيره ليس بأصل، وإنما هو لمعنى يعرض من ضرورة أو غيرها، فإذا ثبت ذلك ثم وجدنا الجذعة لا تعد مع المائة وعشرين، وهي من جنس الإبل، كانت الغنم التي ليست من الجنس بأن لا تعد أولى، ونقيس بنت مخاض على الجذعة فنقول: إنها سن من الإبل لا يتكرر قبل المائة فلم يتكرر بعدها كالجذعة.
[498] مسألة: اختلف قول مالك في الزيادة على العشرين ومائة التي يتغير بها الفرض، فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: أن الفرض يتغير بزيادة
الواحدة والأخرى: أنه لا يتغير إلا بزيادة عشرة، فوجه الأولى ما روي في حديث عمرو بن حزم، وأنس (أن في إحدى وتسعين حقتين إلى عشرين ومائة، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون) فعم، وفي حديث ابن شهاب الذي ذكرناه (فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون)؛ ولأنه وقص حُدّ في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بالزيادة في السن والعدد، فوجب أن يتغير فرضه بزيادة الواحدة كسائر الأوقاص؛ ولأن الوقص لا يلي وقصاً، فلو كنا اعتبرنا وقصاً بعد وقص، وهذا خلاف ما بنيت عليه أصول زكاة الإبل، ووجه الأخرى: ما روى في حديث ابن عمر (فإذا كثرت الإبل، ففي كل خمسين حقة) والكثرة لا تكون بواحدة على مائة وعشرين، وفي حديث عمر بن عبد العزيز المنسوخ له من كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكتاب عمر في الصدقات: (فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة فليس فيما دون العشرة شيء)
وهذا نص، ولأن الأصول في الزكاة موضوعة على أن كل زيادة غيرت فرضاً كانت داخلة فيه، وذلك ممنوع فيما دون العشرة.
[499] مسألة: إذا قلنا على رواية تغييرالفرض بواحدة أن الفرض يتغير بها، فإنما يتغير إلى تخيير الساعي بين حقتين وبين ثلاث بنات لبون.
وقال ابن القاسم يتغير من الحقاق إلى انحتام بنات لبون ووجه الأول قوله - صلى الله عليه وسلم - في سائر الأخبار: (فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون) فالأمران متمكنان، ولم يقم دليل على الانحتام فلم يبق إلا التخيير، واعتباراً بالمائتين من الإبل، ووجه قول ابن القاسم حديث ابن شهاب وهو نص.
[500] مسألة: إذا زادت على المائة والعشرين بعض بعير لم يتغير الفرض.
خلافاً لبعض الشافعية لقوله عليه السلام: (فإذا كثرت الإبل) وفي حديث ابن شهاب (فإذا كانت إحدى وعشرون ومائة ففيها ثلاث بنات لبون)، ولأنها زيادة كسر في ماشية فلم يتغير بها فرض، كالبقر والغنم واعتباراً بسائر الأوقاص.
[501] مسألة: ما زاد على الأربعين من البقر لا شيء فيه إلى ستين، فيكون فيها تبيعان، واختلف عن أبي حنيفة، فقيل عنه: ما زاد على الأربعين فبحسابه فيكون على هذا في إحدى وأربعين مسنة وربع عشر مسنة، وقيل عنه: لا شيء فيه إلى الخمسين، فتكون فيه مسنة وربع مسنة، ودليلنا ما روي (لا شيء في الأوقاص)؛ ولأنها زيادة على نصاب
في ماشية تجب في عينها الزكاة، فلم يتغير الفرض بها ككل كسر اعتباراً بالإبل والغنم؛ ولأنها زيادة على نصاب في صدقة البقر، فلم ينتقل منه إلى كسر كالعشرة الزائدة على الثلاثين؛ ولأن أصول الزكوات مبنية على أنه يؤخذ عن كل شيء من جنسه، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل في خمس من الإبل غير جنسها؛ لأنها لا يحتمل أن يؤخذ منها واحدة، فلو كان للأجزاء والكسور مدخل في زكاة الماشية لأوجبته، ولم يعدل إلى غير الجنس؛ ولأن في ذلك ضررا على الفريقين فأدى إلى مخالفة الأصول، والشركة إن بقيت أضر برب المال والفقراء، وإن باع الساعي بقية تلك البهيمة أدى إلى إخراج القيمة في الزكاة وأن يشتري الرجل صدقته وذلك أيضا ممنوع؛ ولأن مخالفنا أولى الناس بالامتناع من إيجاب الكسر؛ لأنه منع من ذلك مالا ضرر فيه، وهو ما زاد على المائتي درهم وعشرين ديناراً، ففي الموضع الذي يدخل الضرر على الفريقين أولى بالمنع.
[502] مسألة: اختلف أصحابنا في التسع من الإبل هل الشاة مأخوذة عن جميعها أو عن الخمس، والأربعة عفو، فخرجوها على روايتين فوجه القول إنها مأخوذة عن الجميع قوله - صلى الله عليه وسلم -: (في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم)، فعلق الوجوب بالنصاب والوقص، ولأن كل جملة لا تجب فيها أكثر من فريضة، فإذا تعلق جواز الأخذ بها وجب أن يتعلق الوجوب بها، أصله الأربعون من الغنم، ولأنها زيادة من جنس مال أجري عليه حكم الزكاة، فوجب أن يتعلق وجوب الأخذ بها، أصله إذا كانت له أربع من الإبل فزادت واحدة، ووجه القول بأن الزيادة عفو، وهو الظاهر من المذهب، ما روي (لا شيء في الأوقاص) وفي حديث ابن عمر في زكاة الغنم: (فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة) ولأنها وقص قَصُرَ مقداره عن نصاب فلم يتعلق به الوجوب كالأربع من الإبل، ولأن الاعتبار بالنصاب، بدليل أنه إذا نقص منه لم يجب فيه شيء، فإذا زادت عليه زيادة لم تبلغ نصاباً لم يتغير من الفرض، فعلم بذلك أن هذه الزيادة غير مؤثرة، ولأن ذلك يؤدي إلى أن يكون في النصاب أقل من القدر المنصوص عليه، وإلى إيجاب الشاة في البعير الواحد.
[503] مسألة: إذا كانت خمس من الإبل فأخرج واحدا منها فلا تجزيه خلافاً للشافعي، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة)، فعين ما يجب فيها فانتفى جواز غيره؛ ولأن كل جنس جاز أخذه في الزكاة عن جنس لم يجز أخذ غيره، أصله إذا كان من جنس المأخوذ منه ولأنه جنس غير المنصوص على أخذه فأشبه البقر والذهب والورق.
[504] مسألة: تجب الزكاة في السخال خلافاً لداود، لقوله عمر - رضي الله عنه -: (تعد عليهم السخلة يحملها الراعي على كتفه ولا نأخذها) ولا مخالف له، وقد روى مرفوعاً: (ويعد صغيرها وكبيرها) وفيه ضعف،
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في أربعين من الغنم شاة) ولم يفرق، والاسم عام، ولأنه نماء حادث عن مال تجب في جنسه الزكاة كربح المال.
[505] مسألة: إذا كانت غنمه سخا لا كلها، أو إبله فصلانا كلها، أو بقرة عجاجيل كلها، لم يجز إخراجها، وكلف أن يخرج السن الوسط وهي الجذعة والثنية خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: يخرج منها، لحديث سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:" نهينا عن رواضع اللبن، وإنما حقنا في الجذعة والثنية"، وقوله في البقر (في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة) فعم، وفي حديث عمر: (تعد عليهم السخلة يحملها الراعي ولا نأخذها) وفي حديث عمرو بن حزم: (لا تأخذ في الصدقة تيساً ولا هرماً ولا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق) ولأن الزكاة موضوعة على العدل بين أرباب الأموال والفقراء، فإذا نظر لأحدهما من وجه نظر للآخر من وجه آخر مثله، وقد ثبت أن الماشية إن كانت كرائم كلها لم يؤخذ منها نظراً لأرباب الأموال، وبإزائه إن تكن كلها هرائم فلا يؤخذ منها نظراً للفقراء
[506] مسألة: نسل الحيوان معدود مع أمهاته، وإن كانت الأمهات دون النصاب، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لقوله: (في أربعين من الغنم شاة) ولحديث عمر، ولأنه نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة، أصله إذا حدث عن نصاب كامل.
[507] مسألة: تجب الزكاة في السخال إذا كانت نصاباً وماتت أمهاتها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن بقي من الأمهات واحدة لم ينقطع حول السخال، وإن مات جميعها انقطع؛ لأنه حَمْلٌ حادث في حول فإذا تلفت بعضها ولم ينقص الباقي عن نصاب لم ينقطع حكم الحول، أصله إذا بقي من الأمهات واحدة، أو إذا ماتت السخال وبقيت الأمهات، ولأن كل فرع إذا حكمنا له بحكم الأصل فبطل الأصل بتلف أو موت لم يبطل حكم الفرع، أصله ولد أم الولد إذا ماتت الأم قبل السيد؛ ولأنه ينتقص بقصورها
عن النصاب؛ لأن التعليل لكون تلف الأصل غير مؤثر.
[508] مسألة: إذا وجب عليه سن فأعطى عنه كريمة من جنسه أجزأه، مثل أن يجب عليه بنت مخاض فيعطي حاملاً أو بنت لبون.
خلافاً لداود في قوله لا يجزئ، لحديث أبي بن كعب لما بُعِثَ مُصَّدِّقاً فجاء إلى رجل عليه بنت مخاض، فقال: أدها، فقال: ذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (ذلك الذي عليك فإن تبرعت بخير آجرك الله فيه، وقبلنا منك) فأمر بقبضها، ودعا بالبركة؛ ولأنه أخرج أفضل مما لزمه من جنسه فأجزأه، أصله إذا وجب عليه مهزولة فدفع سمينة.
[509] مسألة: الواجب في زكاة الغنم من غالب غنم رب المال من الجذاع والثنايا، خلافاً لمن قال من غالب أغنام البلدة؛ لأن الزكاة متعلقة بعين المال، فالواجب منها معتبر به، كزكاة الإبل.
[510] مسألة: تؤخذ في زكاة الغنم الجذعة والثنية من الضأن والمعز، وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ الجذع أصلا ولا يؤخذ إلا الثني منهما جميعا.
وقال الشافعي: الجذع من الضأن وحده والثني من المَعِز.
فدليلنا على أبي حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: (خذ الجذعة والثنية)، ولأن ما بلغ سن الجذع جاز أخذه كما لو جاوزه إلى الثني، ودليلنا على الشافعي: الخبر، وهو عام، ولأن كل شيء جاز أخذه
من الضان جاز أخذه من المعز، كالثني ولأنه جذع من الغنم كالجذع من الضأن، ولأن المعز أحد نوعي الغنم، فجاز أخذ الجذع منه كالضأن.
[511] مسألة: إذا وجبت في البقرة مسنة وكانت كلها ذكوراً، لم يؤخذ إلا أنثى خلافاً لأحد قولي الشافعي، لقوله (في كل أربعين مسنة) وهذا اسم مؤنث، ولأنه نصاب وجبت فيه مسنة فلم يجز أخذها إلا أنثى كما لو كانت كلها إناثاً.
[512] مسألة: وإذا كانت البقر كلها إناثاً لم يجز أخذ الذكر منها، وكذلك الإبل والغنم، خلافاً لأبي حنيفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في كل أربعين مسنة)، وذلك عام، وقد ثبت أن هذا الاسم مؤنث؛ ولأنه لما لم يجز أخذ الصغار عن الكبار لكونها أنقص منها، لم يجز أخذ الذكر عن الإناث لكونها أنقص منها.
[513] مسألة: وإذا كانت الغنم ذكوراً وإناثاً، جذاعاً وثناياً، فالظاهر من المذهب أنه تؤخذ من الإناث خلافاً لأبي حنيفة لقوله عليه السلام: (خذ الجذعة والثنية)؛ ولأن الأنثى تراد للدر والنسل، ولو أخذنا الذكور مع وجودها، لكنا قد أخذنا رديء المال مع وجود السن الوسط، وذلك إضرار بالفقراء.
[514] مسألة: في مائتي شاة من الغنم وشاة ثلاث شياه ثم لا يتغير الفرض إلى أن تبلغ أربعمائة، فيكون فيها أربع شياه وحكى أهل الخلاف عن الشعبي وغيره، أنها إذا زادت على ثلاثمائة واحدة، ففيها أربع شياه
ودليلنا قوله عليه السلام: (صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ففيها شاة، وإذا زادت على عشرين ومائة إلى أن تبلغ مائتين، ففيها شاتان، وإذا زادت على مائتين إلى أن تبلغ ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياة، فإن زادت على ذلك ففي كل مائة شاة شاه) وروي: (فإن زادت على ثلاثمائة فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة).
[515] مسألة: تجب الزكاة على العوامل خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في كل خمس ذود شاة)، وقوله: (في كل أربعين مسنة)، واعتبارا بالسوائم بعلة الجنس؛ ولأن النماء فيها يوجد من الدر والنسل كالسائمة.
[516] مسألة: إذا استفاد ماشية بشراء أو ميراث أو غير ذلك، وعنده نصاب من جنسها ضمها إلى ما عنده، وزكى الفائدة لحول النصاب الذي عنده، خلافاً للشافعي؛ لأنها فائدة من حيوان تجب في عينه الزكاة فجائز أن يضم إلى ما تقدم من ملكه من جنسها، أصله النتاج، ولأنها زيادة في نوع من الحيوان يثبت بها حكم الملك الواحد، فجاز أن يتنوع حكمها إلى تخفيف وتثقيل، أصله الخلطة، ولأن في ذلك لطفا لأرباب الأموال والفقراء؛ لأنه إذا كان عنده أقل من نصاب لم يضم الفائدة إليه، فكان ذلك رفقا
لأرباب الأموال، فوجب أن ينظر الفقراء بإزائه، فيضمها إليه إذا كان نصاباً؛ لأن الساعي لا يجيء في الحول إلا مرة، فلو لم يزكها مع الأصل لبقيت نحو الحولين غير مزكاة وفي ذلك إضرار بالفقراء فكان النظر ما قلناه.
تلف الزكاة قبل وصولها إلى الإمام
[517] مسألة: الزكاة تتعلق بالعين لا بالذمة، وإمكان الأداء إلى الإمام من شرط الوجوب في المواشي والثمار، فإن حال الحول ولم يمكن إيصالها إلى الإمام ثم تلفت أو أتلفها هو من غير قصد للفرار بالزكاة لم يضمن، ووافقنا أبو حنيفة في ذلك كله، إلا أنه قال: إن أتلفها هو ضمن، واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال: إن مجيء الساعي من شرط الوجوب، وقال: من شرط الضمان واختلف قوله في تعلقها بالعين أو بالذمة، ودليلنا على أنها متعلقة بالعين، قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾، وقوله: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾، وقوله: (في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة) وذلك يوجب تعلقها بأعيان الأموال، ولأن الساعي يطلب بالزكاة من العين إلا أن يرضى بغيرها، وكذلك كان سعاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعدون على الناس مواشيهم، ويأخذون الزكاة منها، فلو كانت الزكاة في الذمة لم تتعلق المطالبة بأعيان الأموال كالديون، ولأنه حق طرأ على الأموال فلم يجز نقله إلى الذمة
ابتداء، كجناية العبد المتعلقة برقبته.
ودليلنا على أن مجيء الساعي شرط في صحة الوجوب، قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾، وقوله عليه السلام: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم، فأردها على فقرائهم)، ولأن أبابكر قاتل أهل الردة في منعهم أداء الزكاة إليه، ولم ينكر أحد ذلك، ولأن رب المال لو أخرجها بنفسه لم يجز، ولزمه إعادتها للساعي، فعلم أنه من شرطها كالحول.
ولأنه معنى لو تلف المال قبل أن يضمنه لم يتعلق الوجوب به كالحول، ودليلنا على أنه لو أتلفها هو لا بقصد الفرار أنه لا يضمن، أنه أتلفها قبل مجيء شرط وجوبها فلا يضمن أصله قبل الحول.
[518] مسألة: رب الأموال الباطنة، الذهب والورق وما إليه زكاته، إذا أخر إخراج الزكاة عن وقت وجوبها وإمكان إيصالها إلى الفقراء ضمن، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها زكاة واجبة كملت بشرائط وجوبها، فإذا أخرها بعد القدرة على إخراجها ضمن، أصله إذا طالبه الإمام بزكاة الأموال الظاهرة فمنع.
[519] مسألة: إذا ميز الزكاة عن ملكه، وأخرها عن أن يسلمها إلى الفقراء، فتلفت من غير تفريط لم يضمن.
خلافاً للشافعي؛ لأن يده عليها يدُ أمانة، فإذا تلفت من غير تفريط لم يضمن كالساعي.
زكاة الدين
[520] مسألة: الديون في حق غير المدير لا تجب فيها الزكاة، كالمهر وثمن سلع القُنْيَة والتجارة، فكل هذا لا زكاة فيه، ما دام دينا.
خلافاً للشافعي؛ لأن الزكاة على المال لا تجب في غيره، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، يريد فيها، فدل أنه لا يجب في مال عن غيره، وما دام في الذمة فليس بمال؛ ولأنه دين غير مدير، كمن ورث دينا على معسر، وقياساً على الدية ومال الكتابة؛ ولأن المهر بمنزلة مال الكتابة؛ لأنه قد يجوز أن يعجز العبد قيسقط ملك السيد عنها، ويجوز أن يؤدي فيستقر ملكه عليها، فكذلك يجوز أن ترتد، وتختار نفسها، ويبيعها السيد من زوجها، كل ذلك إذا وقع قبل الدخول سقط عن الزوج، ويجوز أن يقع بعد الدخول فيستقر ملك المرأة عليه؛ ولأنا قد اتفقنا على أنه لو أسلم في نصاب إبل لم تلزمه زكاة فيها، فكذلك في سائر الديون.
زكاة المال الضائع والمغصوب
[521] مسألة: إذا كان له مال فضاع أو غصب ثم عاد إليه بعد سنين زكاه لسنة واحدة، وكذلك ما يقتضيه من دينه الذي أصله عين، وللشافعي قولان: أحدهما: أنه يزكيه إذا قبضه لجميع السنين.
والآخر لا زكاة فيه أصلا.
ودليلنا على سقوط الزكاة فيما مضى ما قدمناه في الدين، ودليلنا على أن عليه زكاة سنة واحدة، أنه حصل في يده في طرفي الحول عين نصاب، فوجب عليه الزكاة، ولا يراعى تضاعيف الحول بدليل أنه لو كان معه في أول الحول نصاب فاشترى به سلعة ثم باعها في أخر الحول بنصاب لزمته الزكاة، لكونها عينا طرفي الحول من غير مراعاة لوسطه.
حكم من يكتم الساعي بعض ماله
[522] مسألة: إذا غل شيئا من زكاته بأن يكتم على الساعي بعض ماله، أخذ منه تمام الزكاة، ولم يؤخذ منه زائدا عليها، خلافاً لمن قال: يؤخذ منه شيء آخر من ماله، لقوله عليه السلام: (ليس في المال حق سوى الزكاة)؛ ولأنه لو دفعها إلى الساعي والمساكين وتميزت عن ملكه، واستقر ملك الفقراء عليها، ثم سرقها منهم، أو اختلسها، ثم لم يستحق أخذ شيء من ماله، فبأن لا يجب عليه بالغلول قبل حصولها في ملكهم أولى؛ ولأنه لو أظهره طوعاً لم يؤخذ منه زيادة على الزكاة فكذلك إذا ظهر عليه بعلة أنه غال لصدقته.
الظباء إذا ضربت في الغنم
[523] مسألة: إذا ضربت فحول الضبا في إناث الغنم فتوالدت، قال من أدركنا من شيوخنا: يجب في السخال الزكاة، خلافاً للشافعي في قوله: إنَّ التوالد من جنسين لا يجب في أحدهما الزكاة، فمنع أن يجب في الأولاد الزكاة؛ لأن حكم الزكاة إذا جرت في الأمهات كان الولد تابعاً لها فيها، اعتباراً أنه إذا ضربها فحول جنسها؛ ولأنها سخال متولدة عن إناث تجب في جنسها الزكاة فكانت كأمهاتها، أصله ما قلناه.
[التنقيص من النصاب فرارًا من الزكاة]
[524] مسألة: إذا نقص من النصاب قبل الحول قاصدا الفرار من الصدقة، وخالط غيره أو فارقه بعد الخلطة، فإن ذلك لا يسقط عنه الزكاة التي تجب عليه قبل ذلك.
خلافاً للشافعي، لقوله عليه السلام: (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة)، والنهي يقتضي فساد
المنهي عنه، وأن لا يكون في ذلك حكم؛ ولأن في ذلك ذريعة إلى سقوط الزكاة؛ لأنه لا يشاء أحد أن يسقط عنه الزكاة إلا فعل ذلك فوجب حسم الباب بإسقاط ما ينكر فعله، وقد نبه الله سبحانه على مثل ذلك بقوله: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾، وذلك بأنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين، فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم؛ ولأنه لا يخلو أن يكون فعل ما له فعله فيجب أن لا يلحقه إثم؛ لأنه لا يجب عليه شيء فتركه، أو فعل ما هو محرم عليه فعله، فقد ثبت أن ذلك جائز، فيجب فعله بعد حصول الوجوب، أو فعل ما يكره له فعله من غير تحريم، فلا يصح؛ لأن الإثم لا يلحق بالكراهة، ولأن من قتل مورثه عمداً لم يرثه، فكذلك من تعمد إسقاط الواجب عنه، إذ لا فرق في ذلك بين ما يفعله لأخذ ما لم يجب، أو لإسقاط ما يجب.
[525] مسألة: إذا أبدل غنماً بغنم أو إبلاً بإبل أو بقراً ببقر أو دراهم بدراهم أو دنانير.
بدنانير بنى على حول الأولى، فإن أبدل جنسا من الماشية بخلافه ففيه روايتان، وخالفنا أبو حنيفة في الماشية، ووافقنا في العين، وخالفنا الشافعي في الجميع.
فدليلنا على الشافعي أن من أصلنا الحكم بالذرائع، والتهمة تقوى في هذا الموضع، أن يكون قصد للفرار من الصدقة؛ لأن الجنس واحد، والفرض واحد، فلا يبقى ما يحمل عليه سوى ذلك، ودليلنا على أبي حنيفة، اعتباراً بالدراهم والدنانير بعلة أنه تجب في عينه الزكاة أبدله بمثله من نوعه.
تقديم إخراج الزكاة قبل الحول
[526] مسألة: لا يجوز تقديم الزكاة قبل الحول خلافاً لأبي حنيفة،
والشافعي، لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، ولأنها عبادة مختصة مؤقتة فلم يجز تقديمها قبل وقت وجوبها كالصلاة والصوم، ولأنها أحد الأركان الخمسة فلم يكن تقديمها قبل وقت وجوبها مسقطاً لها وقت الوجوب كالصلاة والصوم، واعتباراً بزكاة الثمار والزرع بعلة أن الماشية والزرع والعين نوع مال تجب الزكاة في عينه، واعتباراً به إذا قدمها لأحوال عدة، وفي هذا خلاف بينهم؛ فلم يجز إخراجه قبل حلول وقته كالأضحية؛ ولأنه شرط في وجوب الزكاة فلم يجز تقديمها عليه كالنصاب، ولأن الزكاة تتعلق بمستحق ومستحق عليه، ثم قد ثبت أنه لا يجوز صرفها إلى من يستحقها قبل وجود صفة الاستحقاق فيه، فكذلك في رب المال، والعلة أنه أحد طرفي محل الوجوب؛ ولأن تعجيل الزكاة يؤدي إلى إسقاطها؛ لأن الحول يحول عليه وماله ناقص عن النصاب، ولا يلزمه شيء، ولأن ذلك يؤدي إلى إخراجها ثانية، وهو إذا استغنى المدفوع إليه بغيرها وقت الحول، لأن من قولهم إنها لا تجزئ، ولا يخلو رب المال من أن يلزمه إخراجها ثانية، وفي ذلك إضرار به، أو لا يلزمه ففيه إتلافها على الفقراء، وتحريره قياساً، فنقول: لأنه تقديم الزكاة فلم يصح، أصله إذا استغنى المدفوع إليه قبل الحول.
حكم الزكاة في أموال المكاتب واليتامى
[527] مسألة: لا زكاة في مال المكاتب.
خلافاً لأبي ثور؛ لأن ملكه
ناقص لبقاء الرق عليه فأشبه العبد.
[528] مسألة: تجب الزكاة في أموال الأيتام والأصاغر والمجانين.
خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر) وسائر الأخبار، وقوله: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم)، وروى المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) وقيل: صحيحه من قول عمر وعائشة، ولأنه حر مسلم فجاز وجوب الزكاة في عين ماله وماشيته كالبالغ؛ ولأن كل من تؤدى عنه الفطرة جاز أن تجب الزكاة في ماله، ولأن كل من وجب العشر في زرعه، وجبت الزكاة في ماشيته وناضه كالبالغ؛ ولأنه حق الله في مال الصغير كزكاة الفطر.
الزكاة في الخيل
[529] مسألة: لا زكاة في الخيل.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) وقوله: (ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا أن زكاة الفطر في الرقيق) وقوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) وفي كتاب أبي عبيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس في الجبهة ولا الكسعة ولا النخّة صدقة) والجبهة الخيل والكسعة الحمير، والنخَّة الرقيق؛ ولأنه حيوان يقتنى للزينة والركوب كالحمير؛ ولأنه حيوان لا يجزى جنسه في الضحايا والهدايا كالدجاج؛ ولأنه جنس لا تجب الزكاة في ذكوره، فلم تجب في إناثه كالرقيق والبغال؛ ولأنه حيوان يسهم له كذكوره.
افتقار الزكاة إلى النية
[530] مسألة: إخراج الزكاة يفتقر إلى نية.
خلافاً لما يحكى عن
الأوزاعي، لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأنها عبادة تتنوع فرضاً ونفلاً، فكانت النية من شرطها كالصلاة، ولا يدخل عليه العدة لأنها لا تكون إلا فرضاً، ولأنها أحد الأركان الخمسة كالصوم، والصلاة، والحج، ولأن من شرطها أن تقع قربة، ولابد للقربة من نية التقرب.
الامتناع من دفع الزكاة
[531] مسألة: من امتنع من أداء الزكاة أخذها منه الإمام جبرا.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يلجئه إلى الأداء ويحبسه ولا يقهره على أخذها، لقوله عليه السلام: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم)، وقوله لمعاذ: (خذ الحب من الحب والإبل من الإبل)، وقوله: (في كل سائمة إبل) إلى أن قال: (من أعطاها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزيمة من عزمات ربنا)؛ ولأنه حق في عين مال جعل إلى الإمام المطالبة به، فوجب أن يكون له إجبار من هو عليه إن امتنع من الأداء كالغصب والسرقة، ولأن ما جاز للإمام أخذه بالطلب والتضييق جاز أخذه قهراً كحقوق الآدميين؛ ولأنه حق من طريق المال المحض في أدائه النيابة مع العجز والقدرة، فوجب أن يؤخذ جبرا عند الامتناع من الأداء كالديون.
[532] مسألة: وتقوم نية الإمام مقام نية المأخوذ منه في الإجزاء
خلافاً لمن منعه؛ لأن النيابة تصح فيها، وللإمام ولاية عليه، فجاز أن تقوم نيته مقام نية من يلي عليه، أصله الأب في ابنه الصغير والوليّ على المجنون.
إخراج القيمة في الزكاة
[533] مسألة: لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله عليه السلام: (في أربعين من الغنم شاة، وفي كل خمس ذود شاة)، فلا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل، وقوله عليه السلام لمعاذ: (خذ الحب من الحب والإبل من الإبل والشاة من الغنم)، ففيه دليلان: أحدهما: التعيين، والآخر سياق الكلام على أخذ كل جنس من جنسه، فدل أنه مستحق فانتفى جواز إخراج القيمة، وقوله: (في كل خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فإبن لبون ذكر)، ففيه أدلة: أحدها: التعيين، والآخر: أنه يجعل عدمها شرطا في اخذ ابن لبون، وعندهم ليس عدمها شرطا، والثالث: تعيّن ما يخرج عند عدمها، وفي تجويز القيمة إسقاط فائدة التعيين، والرابع: تعليله الجواز بإخراج ما يسمى ابن لبون، وعند المخالف أن المراعى أن تكون قيمته مثل قيمة بنت مخاض من غير اعتبار بالاسم؛ ولأنه عليه السلام فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب)، ففيه دليلان: أحدهما: أن التعيين يفيد
الإنحتام، والثاني: أنه نص على مسميات مختلفات وأقوات متباينة، فلو كان الاعتبار بالقيمة لم يكن لذلك معنى، ولكان يكفي النص على واحد دون غيره؛ ولأن إخراج القيمة تؤدي إلى إسقاط النصوص؛ لأنه نص على أن في خمس من الإبل شاة، وقد يرد في القيمة إلى نصف شاة؛ ولأنه عوض عن الواجب المنصوص في الزكاة على وجه القيمة، فلم يجز كسكنى داره، وخدمة عبده، ولأنه يخرج على وجه الطهارة، فلم يجز فيه القيمة كالرقبة في الكفارة؛ ولأنه إخراج قيمة في الزكاة، فلم يجز كما لو وجب عليه صاع من تمر رديء فأخرج قيمته نصف صاع من تمر جيد، أو شاة عن شاتين؛ ولأنه لا يخلو أن يكون الاعتبار فيما يخرج في الزكاة بالمنصوص عليه فقط، أو بما يقوم مقامه، فلما بطل هذا لما ذكرناه من الصاع، ثبت ما نقوله؛ ولأنه حق لله عز وجل تعلق بنوع من الحيوان فلم يجز إخراج قيمته كالضحايا
إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب
[534] مسألة: يجوز إخراج الذهب عن الورق والورق عن الذهب بدلا لا قيمة.
خلافاً لما يحكى عن الشافعي؛ لأن ذلك بدل، وليس بقيمة؛ ولأن أخذ أحد الجنسين يقوم مقام الآخر وينوب منابه في جميع الأغراض المقصودة منه، فكأنه إخراج من عين المخرج عنه فجاز؛ ولأنه أصل في الأثمان والقيم فجاز إخراجه عما يتناوله في هذا المعنى، كإخراج خلافه من نوعه؛ ولأنه يجمع بينهما في الزكاة فلم يكن أحدهما قيمة على الآخر كالنوع من الجنسين.
الخلطة في زكاة الماشية وتأثيرها
[535] مسألة: للخلطة تأثير في زكاة المواشي.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله عليه السلام: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وذلك يدل على تأثير الاجتماع والافتراق في تعيين الزكاة، وقوله: (وما كان من الخليطين فإنهما يترادان بالسوية)، فأثبت للخلطة حكما وهو التراجع، وعند المخالف لا يراجع في خلطة الأوصاف؛ ولأنه نوع مال تجب في عينه الزكاة للمؤونة تأثير فيه فوجب أن تختلف الزكاة بكثرتها وقلتها كاختلاف السقي في الزرع.
[536] مسألة: وتأثيرها إذا كان لكل واحد من الخليطين نصاب، وقال الشافعي: إذا كان لهما أربعون فاختلطا فعليهما الزكاة، ودليلنا قوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة).
وهذا نفي عام في كل ملك، وقوله في حديث أنس: (إن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فليس فيها شيء)، وفي هذا الحديث في صدقة الإبل: (ومن لم يكن عنده إلا أربع فليس فيها شيء)، ولأن قصور الملك عن النصاب مسقط للزكاة عنه كالمنفرد، ولأن كل من لو انفرد لم يكن من أهل الزكاة، فإذا خالط غيره كان حكمه كحكمه منفرداً، أصله إذا كان له عشر من الغنم فخالط بها عبداً أو ذمياً، ولأن الزكاة لما كانت موضوعة للمواساة، ووضع النصاب ليحتمل المواساة وكان من تملّك دونه لا يؤخذ منه شيء،
استوى في ذلك حكم الانفراد والاجتماع، فكان من يملك جزءاً من شاة أولى بأن لا يؤخذ منه شيء، لكون ماله أقل احتمالاً للمواساة.
[537] مسألة: وحول الخليطين واحد، وإن اختلطا قبل الحول بشهر.
خلافاً
للشافعي؛ لأن كل مالين ضُمَّ أحدهما إلى الآخر وزكيا زكاة واحدة كان حولهما واحداً لكمال المالك الواحد.
[538] مسألة: لا تصح الخلطة فيما عدا الماشية.
خلافاً للشافعي؛ لأنه عليه السلام ذكر زكاة الأموال وأفرد زكاة المواشي بالخلطة، فقال: (وما كان من خليطين تراجعا بالسوية)، وقال: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وقال: (الخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل) فدل، ذلك على اختصاص هذا النوع.
زكاة الحرث
[539] مسألة: النصاب معتبر في زكاة الزروع والثمار وهو خمسة أوسق.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وروي (زكاة).
ولأنه مال تجب الزكاة في عينه، فوجب أن يعتبر فيه النصاب كالعين والماشية فوجب أن يعتبر في النصاب، أصله ما ذكرناه.
[540] مسألة: يخرص النخل والكرم ليعرف قدر الزكاة منه.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يجوز الخرص، ولا يتعلق به حكم، لما روى عتاب بن أسيد قال أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيباً، كما تؤدى زكاة النخل تمراً)؛ ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك؛ لأن الزكاة تجب في الثمرة ببدو صلاحها، وأداؤها يتأخر إلى حال التناهي، والعادة أن أرباب الأموال يأكلون ذلك رطباً، فلو تركناهم يتصرفون فيها من غير خرص لأضر ذلك بالفقراء، وإن منعناهم، أكلها والتصرف فيها أضر ذلك بهم فكان الوجه الخرص للضرورة ولأن فيها مراعاة للفريقين.
[541] مسألة: يجوز أن يبعث الإمام بواحد للخرص.
خلافاً لأحد قولي الشافعي، لما روي أنه عليه السلام (كان يبعث عبدالله بن رواحة للخرص على يهود) وذلك يفيد أنه كان وحده؛ ولأن الخارص كالحاكم؛ لأن الخرص اجتهاد، فيجب أن يجوز فيه الواحد كالحاكم، بخلاف المقوم؛ لأن المقوم ليس بحاكم، وإنما يخبر الحاكم ليحكم بتقويمه، والخارص كالحاكم؛ لأنه يحكم فيما يؤديه إليه اجتهاده دون الإمام.
[542] مسألة: إذا تلفت الثمرة بعد الخرص بجائحة فلم يبق منها
قدر النصاب، فلا زكاة على أربابها.
خلافاً لأصحاب الشافعي؛ لأن الخرص إنما يراد لمعرفة حق الفقراء لا لتعلق الزكاة بالذمة، ولأن التلف قبل إمكان الأداء فأشبه المواشي.
[543] مسألة: يضم الشعير والسلت إلى الحنطة في الزكاة خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر)؛ ولأنها كالجنس الواحد؛ لأنهما يتفقان في المنبت، ولا يكاد أحدهما ينفك من الأخر كالعلس مع الحنطة.
[544] مسألة: لا زكاة في الفواكه والخضر.
خلافاً لأبي حنيفة، لأنه إجماع أهل المدينة نقلا؛ لأن الخضر قد كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة بعده، فلم ينقل أنه طالبهم بزكاة عنها، ولو كان ذلك قد وقع لم يغفل نقله؛ ولأنه من الأمور العامة التي تمس الحاجة إلى علمها، وقد روي: (ليس في الخضروات صدقة)؛ ولأنه نبت لا يقتات مع الادخار كالحشيش؛ ولأنه جنس من المال لا يعتبر النصاب في ابتدائه فلم يجب فيه عشر كالحطب.
[545] مسألة: تجب الزكاة في الزيتون.
خلافاً للشافعي، لقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر)؛ ولأنه حب يقتات زيته غالباً كالسمسم؛ ولأن الزكاة لما وجبت في الحمص واللوبيا وكان الزيتون أعم
نفعا في باب الأقوات، كان بأن تجب فيه الزكاة أولى.
[546] مسألة: لا زكاة في العسل.
خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه طعام يخرج من حيوان فأشبه اللبن.
[547] مسألة: يؤخذ العشر من أرض الخراج وغيرها.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فيما سقت السماء العشر)؛
ولأنهما حقان مختلفان في القدر والسبب الموجب لهما، وفي التصرف الذي يصرفان فيه، فصح اجتماعهما كالجزاء والقيمة في إتلاف الصيد المملوك.
[548] مسألة: لا يؤخذ العشر من أرض المكاتب والعبد المأذون.
خلافاً لأبي حنيفة إذا كان مأذونا له؛ لأن العشر زكاة، للحديث الذي رويناه في الخرص، والزكاة لا تجب في مال المكاتب والعبد كزكاة الذهب والفضة؛ ولأنه حق مصروف إلى أهل السهمان، فلم يجب على المكاتب كسائر الزكوات.
[549] مسألة: إذا استأجر أرضا فزرعها فالزكاة على المستأجر دون صاحب الأرض.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن الزكاة على صاحب الأرض، لقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾، فخاطب أرباب الزرع بأداء الزكاة؛ ولأنه عشر وجب على الزرع لأجله، فكان على صاحب الزرع، أصله لو كانت الأرض عارية؛ ولأنه حق يصرف في الأصناف المسمين في الصدقات، فكان المخاطب به المالك دون غيره كزكاة المال؛ ولأنه حر مسلم خرج له نصاب زرع تجب في جنسه الزكاة، فوجب أن يلزمه العشر فيه كما لو كانت الأرض ملكا له.
زكاة العين
[550] مسألة: إذا كان معه عشرون ديناراً تنقص نقصاناً يسيراً تجوز به بجواز التامة ففيها الزكاة.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه نقصان لا يؤثر في جوازها بجواز الوازنة فكانت كالتامة.
[551] مسألة: وما زاد على العشرين وعلى المائتين ففيه بحسابه قل أو كثر.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا شيء فيما زاد على العشرين حتى تبلغ أربعة دنانير وفيما زاد على المائتين حتى تبلغ أربعين، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في الرقة ربع العشر)، وقوله: (ليس فيما دون خمسة أواق من الرقة صدقة) مفهومه إيجاب الصدقة فيما زاد عليها، وقوله (وليس عليك حتى يكون لك عشرون دينارا ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك)؛ ولأنها زيادة على نصاب في ذهب أو ورق فوجب إخراج ربع عشرها، كالأربعة دنانير والأربعين درهماً، واعتباراً بالحبوب والثمار، بعلة أنه نوع مال تجب الزكاة في جنسه وعلى متلفه مثله، فلم يكن فيه عفو بعد الإيجاب، ولأنه مال يحتمل التجزئة والتبعيض، أو لأنه مال مستفاد من الأرض، فلم يعتبر فيه تقدير بعد تعلق الحق به أصله ما ذكرناه.
[552] مسألة: يجمع بين الذهب والفضة في الزكاة.
خلافاً للشافعي؛ لقوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر)؛ ولأنهما يتفقان في المعنى
المقصود بهما، وكل واحد منهما يسد مسد الآخر، وينوب منابه من كونه ثمناً للأشياء، وقيماً للمتلفات، فكان ملك أحدهما كملك الآخر، فجرى مجرى من ملك أنواعاً من الذهب من جيد ورديء وتبر ومضروب، ولأنا قد اتفقنا على أنه إذا كان معه مائة درهم وعرض للتجارة يساوي مائة درهم، أنه يضمه إلى الدراهم ويزكي الجميع، أو يكون كقيمة العرض فيجب ضمه إلى ما معه من الورق ويزكي الجميع، والمعنى فيه قيام الذهب مقام قيمة العرض؛ ولأن الوجوب زكاتهما ربع العشر في كل حال.
[553] (فصل): والاعتبار في ذلك يقام المثقال بعشرة دراهم.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن الاعتبار بالقيمة؛ لأنه عليه السلام جعل نصاب الذهب عشرين دنياراً، ونصاب الفضة مائتي درهم، فكان في ذلك تنبيه على أن العشرين بإزاء المائتين، وأن هذا المقدار في جنسه في تعلق الحكم به، فإذا ثبت هذا وجب أن يراعى هذا المعنى في التفصيل أيضا؛ لأن التفصيل مفروض على الجملة، ألا ترى أن القيمة إنما تراد ليعلم أنها مع ضم أحدهما إلى الآخر في معنى النصاب من الجنس الذي يضم إليه، فكان اعتباره بأصله وجملته أولى من اعتباره بما لا يتعلق به، وتقيس حال الضم على الانفراد، فتقول: لأنه تقدير مطلوب لمعرفة وجوب الزكاة، فوجب أن يراعى فيه تقدير الشرع دون القيمة كحال الانفراد، ولأن كل تقدير وجب في جملة، وجب اعتباره في تفصيلها، أصله الدية.
[554] مسألة: المصوغ الذي تجب فيه الزكاة يراعى وزنه دون قيمته.
خلافاً للشافعي في قوله: إنه إذا كان مما يجوز اتخاذه وجبت الزكاة في قيمته دون وزنه؛ لأن الصنعة لا تراعى في زكاة الأعيان اعتباراً بالمواشي، ولأنه جنس يتعلق الزكاة بعينه كالذي يجوز اتخاذه.
[555] مسألة: الورق المغشوش تجب الزكاة فيما يعلم فيه من الفضة المخلصة نصاباً، كان الغش قليلاً أو كثيراً، إلا أن يكون مما لا حكم له، كما يقول أهل الصنعة: أنه لا يتأتى الضرب إلا به كالدّانق في العشرة وما أشبهه مما لا يؤثر، وقال أبو حنيفة: إذا كان الغش أقل من الفضة سقط حكمه.
فدليلنا اعتباره بكون العشر.
[556] مسألة: الحلي المباح المتخذ للبس لا زكاة فيه.
خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولى الشافعي؛ لأن المعتبر في وجوب الزكاة في الأموال هو النماء دون غيره، فالزكاة تابعة له؛ لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه، يبين ذلك أن الأموال على ضريين: منها ما تجب الزكاة في عينه، ومنها ما لا تجب الزكاة في عينه كالعروض، ثم قد ثبت أن ما لا تجب في عينه الزكاة إذا قصد به الثمن وطلب الفضل وجبت الزكاة فيه، فوجب أن تكون ما في عينه الزكاة إذا عدل به عن طلب النماء أن يؤثر ذلك في سقوط الزكاة عنه، ولا تحتاج أن تقول على وجه مباح؛ لأن التأثير إذا ثبت لم يبق إلا ما نقوله، وهذا يمكن أن يستدل به على أنه من قياس العكس، ويمكن أن يكون استدلالاً مبتدأ هذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في المسألة، وقيل: لأنه ملك مقصود به الاقتناء وترك الثمن على وجه مباح كعروض القيمة، وهذا تأثيره في الفروع دون الأصل، وقيل: كل ما لو كان في ملك الصغير لم يكن فيه زكاة، فكذلك إذا كان في ملك الكبير كالعروض، وهذا
من نوع القياس المركب، وما قدمناه هو المعتمد.
-والله أعلم-.
[557] مسألة: لا زكاة في حلي الكراء عند مالك، وقال محمد بن مسلمة: فيه الزكاة، ووجه قول مالك: إن عينه محبوسة عن طلب النماء والزيادة في العين كالمعد للبس، ووجه قول محمد: إنه مقصود به وجها من النماء كحلي التجارة.
[558] مسألة: أواني الذهب والفضة المحرم استعمالها لا يجوز اتخاذها، وإن لم تستعمل.
خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن ما لا يجوز استعماله من الأعيان المتخذة للاستعمال لا يجوز اتخاذه كالخمر والطبل والزمر؛ ولأنه إن لم يستعمله فيكون في ذلك معونة على ما لا يجوز، ولأنه إذا أراد بيعه، فلا يخلو أن يكسره، أو يبيعه على ما هو عليه، ففي ذلك معونة على استعماله، وذلك غير جائز، وقياساً عليه لو صاغه صنماً.
تمام النصاب أثناء الحول
[559] مسألة: إذا نقص النصاب عن المال الذي تجب الزكاة في عينه في بعض الحول، ثم نما في آخره لم تجب الزكاة فيه.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن المراعى كماله طرفي الحول دون أثنائه؛ ولأنه مال تجب الزكاة في عينه نقص عن النصاب في بعض الحول، كما لو نقص في أحد الطرفين.
زكاة التجارة
[560] مسألة: العروض إذا أديرت للتجارة وجبت الزكاة في قيمتها على شروط معتبرة فيها، وقال داود: لا زكاة في أموال التجارة.
فدليلنا ما روى سمره قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يعدُّ للبيع).
وفي حديث أبي ذر قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته).
لا يقال تصحيف؛ لأنه نقل مضبوطا بالزاي؛ ولأنه مال مرصد للنماء والزيادة، فكان أولى بأن تجب الزكاة فيه كالأعيان الثلاث.
[561] مسألة: لا تجب الزكاة في العروض إلا أن يشتريها بنية التجارة، فإن لم ينو
ذلك عند الشراء ثم نواه من بعد، أو كان عنده عرض فنوى به التجارة، فلا تجب الزكاة فيه، وحكي عن أحمد بن حنبل وإسحاق، يصير للتجارة بمجرد النية وإن حدثت بعد الشراء.
ودليلنا أن النية إذا لم تصادف الشراء فقد نقل الملك إلى مالا تجب الزكاة فيه، ولو أوجبنا الزكاة فيه بنية مستأنفة لكان ذلك إيجاب زكاة بنية مجردة، وذلك غير جائز؛ ولأن أصول الفقه مبنية على أن كل ما كان له أصل فإنه لا ينتقل عن أصله بمجرد النية، كالذهب والفضة إذا نوى أنه يجعلهما حليا للبس.
[562] مسألة: إذا ابتاع العرض بنية التجارة، ثم نقله إلى نية القنية، ففيه روايتان: إحداهما: وجوب الزكاة، والأخرى سقوطها عنه، فوجه الوجوب أنها نية قارنت ملك العين، فلم ينتقل حكمها بنقلها إلى غيرها، اعتباراً به لو اشتراه للقنية ثم نقله إلى نية التجارة، ووجه سقوط الزكاة أن الأصل في العرض أنه لا زكاة فيه، وإنما تجب بالنية، فإذا زالت النية عادت إلى أصلها.
[563] مسألة: إذا ابتاع العرض بعرض فلا زكاة فيه وإن نوى به التجارة، إلا أن يبتاعه بذهب أو فضة.
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأن زكاة القيمة تابعة لزكاة العين، فإذا لم يكن أصل شراء العرض بعين يكون
تعلق الزكاة بقيمته تابعا له لم تجب فيه زكاة، ولأنا نتفق على أنه لو غنمه، أو ورثه، أو وهب له عرض، فنوى به التجارة لم يكن عليه زكاة إذا باعه؛ لأن أصله لم يكن عيناً، فكذلك شراؤه بعرض.
[564] مسألة: إذا ابتاع العرض وهو غير مدير يتربص به النفاق والأسواق، لم يلزمه أن يزكيه كل سنة.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، لأن ذلك مبني على وجوب الاعتبار بأن يكون أصل العرض عيناً، فإذا ثبت ذلك قلنا: لأن آخر الحول أحد طرفيه، فوجب أن يكون إيجاب الزكاة فيه معتبراً بكونه عيناً فيه، أصله أوله، ولا يكون عكسه المدير؛ لأنه ليس له حول يتحصل.
[565] مسألة: ربح المال حوله حول أصله، خلافاً للشافعي في قوله: يستأنف به الحول؛ لأنه نماء حادث عن أصل تجب في عينه الزكاة، فكان حوله حول أصله كالسخال؛ ولأنا قد اتفقنا على أن الحول لو حال والمال كله عرض قيمته زائدة على رأس المال، فإن الزيادة يعتبر بها حول الأصل، وذلك في المدير عندنا، وعلى أصلنا في كل أمور التجارات، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون كذلك إذا حال الحول على المال بزيادته بعلة حصول النماء من نفس المال في أثناء الحول؛ ولأنه قد ثبت أن الزكاة تجب في مال التجارة لأجل النماء ولا يجوز أن تجب في المال وتسقط عن الربح الذي هو علة وجوبه في الأصل.
[566] مسألة: إذا اشترى عرضا بنصاب من الذهب، ثم باعه في آخر الحول بنصاب من الورق، فعليه زكاته بعد الحول، وكذلك لو ابتاع بنصاب من الذهب نصاباً من الورق، فجاء الحول وهو عنده فعليه الزكاة.
وقال الشافعي في العرض إذا ابتاعه بفضه ثم باعه بذهب: إنه يقوم الذهب دراهم، ثم يزكيها، وأما إن ابتاع بنصاب ذهب نصاباً من الورق، فحال عليه الحول، فإن كان على غير وجه التجارة فلا زكاة عليه، وإن كان على وجه
التجارة فاختلفوا، فمنهم من يوجب الزكاة بناء على حول الأصل، ومنهم من لا يوجبها.
وقال الإسفراييني حكي عن ابن شريح أنه قال: بشر الصيارفة بأن لا زكاة عليهم.
فدليلنا على أن الأثمان تنوب بعضها مناب بعض؛ لأن الغرض بها واحد، وهو التعامل بها، وأن تكون أثماناً للأشياء وقيماً للمتلفات، وإذا ثبت ذلك، وجب أن يقوم أحد الجنسين منها مقام الآخر، اعتباراً به إذا نض ثمنه من الجنس الذي ابتاعه به، بعلة نضوضه بجنس من أصول الأثمان، فيجب أن يزكى زكاة عين، واعتباراً به لو ابتاع العرض بدنانير، فأشبه قبض ثمنه آخر الحول مطيعية، أنه يزكيه زكاة عين.
[567] مسألة: إذا قوم العروض أخرج عنها دراهم أو دنانير، ولم يجز أن يخرج منها، خلافاً للشافعي، في قوله: إنه يخرج منها؛ لأن الزكاة تجب في القيمة بدليل أن النصاب معتبر، وكل مال وجبت الزكاة فيه، فإذا لم يكن في الإخراج منه ضرر وجب الإخراج منه، كالذهب والفضة؛ ولأن كل ما لو كان معينا وجب الإخراج منه فإذا كان مبهما وجب الإخراج منه، أصله إذا كان معه دراهم أو دنانير فأخرجها.
[568] مسألة: الزكاة تجب في قيمة العروض التي تراد للتجارة لا في أعيانها، وقال أبو حنيفة: تجب في عين مال التجارة، كالماشية ولكن يعتبر قيمته، فإذا بلغت نصابا وجب أخذ ربع عشر العرض منه، فدليلنا أن كل ما اعتبر النصاب به وجبت الزكاة فيه كأعيان الذهب والفضة والماشية، ولأن الزكاة تزيد بزيادة القيمة وتنقص بنقصانها، ولا تزيد بزيادة العرض ولا تنقص بنقصانه، فثبت أن الزكاة تتعلق بالعين الذي يختلف باختلافها، دون العرض الذي لا يختلف باختلافه،
ولأن من قولهم أن المبادلة بالماشية يقطع الحول فكذلك يمنع تعلق الزكاة بأعيان العروض؛ لأنه يوجب أن ينقطع الحول فيها بالمبادلة كالماشية على أصلهم.
[569] مسألة: إذا ابتاع أصول نخل للتجارة فأثمرت عنده، فإنه يزكي الثمرة زكاة العين، ثم إذا باع النخل بعد حول زكى قيمتها، خلافاً لأحد قولي الشافعي: أن الزكاة إذا وجبت في الثمر لم تجب في قيمة الأصل.
لأن زكاة العين تتعلق بالثمرة والزرع، دون أصل النخل والأرض، وصار أصل النخل والأرض كعروض التجارة التي لا يتعلق بها زكاة العين على وجه، فوجب أن تتعلق الزكاة بقيمتها.
[570] مسألة: من اشترى شيئا مما في عينه الزكاة، كالماشية للتجارة، فلا تجب فيها إلا زكاة العين فقط، وتسقط زكاة التجارة.
خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، أنه تجب فيها زكاة التجارة وتسقط زكاة العين؛ لقوله عليه السلام: (في خمس من الإبل شاة) ولم يفرق؛ ولأن زكاة العين ثبتت بالنص والإجماع، وزكاة التجارة ثبتت بالاجتهاد، وفيها خلاف، فإذا لم يكن بد من إيجاب أحدهما أو إسقاط الآخر، كان إيجاب الأقوى منهما أولى؛ ولأنا إذا أوجبنا زكاة العين رجعنا في معرفة النصاب، وقدر الواجب إلى المشاهدة والنص، ومعرفة قدر الزكاة في التجارة ترجع إلى الاجتهاد في التقويم، والرجوع إلى النص أولى كالحكم بالنص والقياس؛ ولأن في إيجاب زكاة العين رجوعا إلى نفس العين، واعتبارا بحكمها بها لا بغيرها، وفي إيجاب الزكاة في التجارة رجوعاً إلى غيرها، وهو القيمة، واعتبار الشيء بنفسه أولى من اعتباره بغيره.
[571] مسألة: تجتمع زكاة التجارة والفطر في العبد الواحد.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: تسقط زكاة الفطر؛ لقوله عليه السلام: (عمن تمونون) وقال ابن عمر (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر، على كل حر وعبد، وذكر وأنثى من المسلمين)، ولم يفرق، ولأن كل من لزمه نفقة شخص من أهل ملته، لزمه زكاة الفطر عنه عند القدرة عليه، أصله إذا كان للقنية، ولأنهما حقان في مال، سبب وجوبهما مختلف ولم يمنع اجتماعهما، أصله إذا قتل صيدا مملوكا وهو محرم.
[572] مسألة: والنصاب في أموال التجارات معتبر في آخر الحول.
خلافاً لأبي حنيفة، في قوله: يعتبر في الطرفين؛ لأنه مال تجب الزكاة في قيمته، وجد نصاباً في آخر الحول، فأشبه إذا وجد نصاباً في الطرفين.
[573] مسألة: إذا كان عنده نصاب من الذهب أو الورق، ثم أفاد نصاباً من جنسه لم يضمه إلى ما معه، وزكى كل واحد من المالين حوله، بخلاف الماشية.
وقال أبو حنيفة: يضمه إلى النصاب كالماشية.
ودليلنا قوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، ولأن الفائدة في الذهب والورق إذا كانت من غير المال لم يجب ضمها إليه في حوله، أصله إذا كان الأصل أقل من نصاب، ولأن الأصل أن كل مال فله حول نفسه لا يعتبر بغيره إلا لضرورة، ولا ضرورة إلى ذلك إلا لأحد ثلاثة أشياء: إما أن تكون الفائدة من نفس المال كالربح والنتاج، أو للرفق بالملاك، أو للرفق بالساعي؛ والنظر بين أرباب الأموال
والفقراء كما قلنا ذلك في الماشية، وكل ذلك معدوم في هذا الموضع، فلم يبق معنا ما يقتضي اعتباره بغيره في الحول، فوجب بقاؤه على الأصل.
[574] مسألة: الدين يمنع الزكاة عن العين، ولا يمنعها عن الماشية والحبوب والحرث، وقال الشافعي: لا يمنع الدين زكاة أصلاً.
ودليلنا ما روى عمير بن عمران، عن ابن جريح، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه)؛ ولأنه إذا اجتمع في المال حقان: أحدهما: قد أُخِذَ عوضه، والآخر: لم يؤخذ عوضه، كان ما قد أُخِذَ عوضه مقدما على ما لم يؤخذ عوضه، أصله الدَّين في الميراث، ولا تدخل عليه زكاة الماشية والحرث؛ لأن التعليل للجملة لا ينقض بالتفصيل.
[575] مسألة: إذا كان عليه دين ومعه عين وعروض، جعل الدين في العروض وزكى عن العين، وقال أبو حنيفة: يجعل الدين في العين وتسقط الزكاة، ودليلنا، أنه حر مسلم مالك لنصاب قد حال عليه الحول أَخْذُ الصدقة منه لا يبخس حق غيره، فأشبه من في يده من العين أكثر مما عليه من الدين؛ ولأنه قادر على الجمع بين أداء الدين والزكاة، فوجب أن لا يسقط أحدهما بالآخر، أصله إذا كان معه من العين ما يقوم مقام الدين ويفضل عنه نصاب؛ ولأن العروض نوع من المال مأمون، فجاز أن يجعل في الدين ويزكى العين.
[576] مسألة: يكره للرجل أن يبتاع صدقته، لئلا يكون ذريعة إلى إخراج القيمة في الزكاة، أو إلى الرجوع في الهبة، وإن فعل صح، وحكي عن أصحاب الشافعي، أنه لا يصح، واختلفوا في الحكاية.
ودليلنا على جوازه، أن كل ما صح أن تملكه إرثاً، صح أن تملكه هبة وابتياعا كسائر الأموال.
باب زكاة المعادن
[577] مسألة: في المعادن الزكاة وليست بركاز، وقال أبو حنيفة: المعدن والركاز واحد وفيه الخمس, ودليلنا أنه ليس بركاز، قوله عليه السلام: (البئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)، ففرق بينهما في الاسم، فدل على أن أحد هما غير الآخر؛ ولأن الركاز مأخوذ من إركاز الشيء في الأرض، إذا دفنه صاحبه وأخفاه، والمعادن عروق ينبتها الله عز وجل في الأرض من غير فعل آدمي.
[578] (فصل): ودليلنا على أن الواجب فيه الزكاة ما روي (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية وأخذ منه الزكاة)، ولأنه مستفاد من الأرض بكلفة ومؤونة لم يملكه غيره، فوجب أن يكون فيه الزكاة، لا الخمس كالزرع؛ ولأن الخمس إنما يجب فيما أخذ من أموال الكفار على وجه الغنيمة، أو وجد دفينا من أموالهم.