الإشراف على نكت مسائل الخلافكتاب الشركة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[1019] مسألة: تصح الشركة بالعروض، كانت مما تعرف أعيانها أو لا تعرف، ويكون رأس المال قيمتها، وقال الشافعي إن عقدا الشركة على أثمانها جاز، وإن سكتا نظر، فإن كانت مما يتميز وتعرف أعيانها كالثياب وغيرها لم تصح، وإن كانت مما لا يتميز كالحنطة والشعير والعسل صحت.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ ولأنها أعيان أموال فجاز الشركة فيها وإن لم تسم أثمانها كالذي لا يتميز، ولأن حقيقة الشركة أن يملِّك أحدهما الآخر نصف عرضه، وتحصل أيديهما على جميع المال، وهذا موجود في مسألتنا كما لو صرح بأن قال له بعتك نصف ثوبي بنصف ثوبك، أو إذا كان مما لا يتميز.

[1020] مسألة: لا تصح الشركة إذا انفرد كل واحد بمال نفسه من غير أن يكون يد الآخر عليه حتى يكون أيديهما عليه، بأن يجعلاه في تابوتهما أو حانوتهما، أو على يد وكيلهما، فتصح حينئذ الشركة، وإن لم يخلطاه، وإن كانت أعيانه متميزة.
وقال أبو حنيفة تصح الشركة وإن كان مال كل واحد منهما في يده إذا عيّنا المال وأحضراه، إلا أنه متى هلك أحد

المالين كان من ربه إذا هلك قبل الخلط.
وقال الشافعي لا تصح الشركة إلا أن يخلطا رأس المال حتى لا يتميز بعضه عن بعض.
فدليلنا: على أبي حنيفة أن الشركة تقتضي تساويهما في الاشتراك بالمال، وإذا انفرد أحدهما بثبوت يده عليه لم توجد حقيقة الشركة؛ لأنهما على ما كانا عليه من انفراد المالين، فلم يحصل منهما إلا القول، ومجرد القول لا تأثير له؛ بدليل أنهما لو تعاقدا الشركة على مال ولم يعيناه لم تنعقد، ولأن كل واحد من المالين يتلف على ملك صاحبه، فلم يثبت به شركة أصله سائر أمواله، عكسه إذا خلطاه، أو كانت أيديهما عليه، ولأن كل مال في يد صاحبه كالشركة على الطعام، ولأنهم وافقونا على أن الخسران لا يكون بينهما، فكذلك يجب أن يكون الربح، بعلة أنه أحد نوعي الشركة.

[1021] فصل: ودليلنا على الشافعي أن أيديهما ثابتة على المالين كما لو خلطاه.

[1022] مسألة: شركة الأبدان جائزة في الجملة، خلافاً للشافعي، لأن المقصود من شركة المال هو العمل، بدليل أن نماء المال واستحقاق الربح يكون من العمل، وأنهما لو شرطا العمل على أحدهما لم يجز، وإن شرطا المال من أحدهما والعمل من الآخر لصح، وكان ذلك مضاربة، وإذا صح هذا وجب متى اشتركا في عمل البدن أن يصح لإيقاعهما العقد على المعنى الذي يقصد له وهو الأصل فيه، ولأن العمل أحد نوعي القراض فصحت الشركة به كالمال، ولأن كل ما جاز أن يستفاد به الربح في حق أحدهما جاز أن يشتركا عليه كالمال.

[1023] مسألة: وتجوز الشركة في الاصطياد والاحتطاب، خلافاً لأبي

حنيفة؛ لأنها شركة بدن في تكسب مباح كالخياطة والقصارة، ولأن الحاجة في التعاون إلى ذلك كالحاجة إليه في سائر الصناعات.

[1024] مسألة: ومن شرط شركة الأبدان اتفاق الصنعة المشتركة فيها، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه اشتراك القصّار والدبّاغ؛ لأن أحدهما لا رفق له في شركة الآخر، ولا حاجة به إلى معاونته، ولا تعلق لكسبه في عمله، فلم يبق إلا قصدهما الغرر والقمار، ولأن كل واحد منهما يشارك الآخر فيما ينفرد بكسبه بمشاركة الآخر في مثل ذلك، فأشبه أن يقول: اتجر في مالك لنفسك، وأتجر أنا في مالي لنفسي، فما ربحت فلك نصفه وما ربحت لي نصفه.

[1025] مسألة: شركة المفاوضة جائزة في الجملة، خلافاً للشافعي؛ لأنه نوع شركة فيما يصلح انعقاد الشركة عليه بوجه ينفرد باسم، فوجب أن يكون منه الصحيح والفاسد كالضمان، والتقييد بشركة المفاوضة احترازاً من شركة الوجوه؛ لأن شركة المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة، وتعلق الوكالة بها كتعلقها بالضمان، وإنما تزيد بالكفالة، وذلك لا يمنع صحتها.

[1026] مسألة: فصل: وليس من شرطها: أن تكون رؤوس الأموال فيها متساوية، خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك ليس من شرطها ألا يبقى لأحدهما مال إلا ويدخل في الشركة، خلافاً له؛ لأن كل شركة جازت مع تماثل رؤوس الأموال جازت مع اختلافها كالعنان، ولأن عقد الشركة يقتضي بيع نصيب أحدهما بقسطه من نصيب الآخر، وتوكيل أحدهما الآخر في التصرف، وذلك لا يفتقر إلى تساوي المالين.

[1027] مسألة: شركة الوجوه باطله، وصفتها: أن يتجرا بوجوههما ويشتريا في ذممهما، ويكون ما حصل من كسب بينهما وما حصل من

ضمان عليهما، وقال أبو حنيفة تصح.
فدليلنا: أنها شركة بغير مال ولا صناعة فلم تصح، أصله إذا قال بعني عبدك وأنا شريكك في ثمنه.

[1028] مسألة: الربح في الشركة يتقسط على قدر رأس المال أو العمل، فإن تفاضلا في رأس المال وشرط التساوي في الربح، أو تساويا في رأس المال وشرط التفاضل في الربح لم يصح، وقال أبو حنيفة يصح مع الشرط.
فدليلنا: أنهما عقدا شركة في مال أو عمل بينهما، فوجب أن يقسّط الربح بينهما على مقداره كما لو أطلقا، ولأن اشتراط العمل على أحدهما استئجار من الآخر له بفضل ربح ماله وذلك غرر، ولأن من قولهم: إنه إذا كان لأحدهم ألف والآخر ألفان، وشرط العمل على صاحب الألفين لم يجز، وإن شرط على صاحب الألف جاز، فنقول: لأن كل واحد ترك العمل المستحق بحق الشركة بما بذل من فضل ربح ماله، كما لو شرط العمل على صاحب الألفين والربح بينهما نصفين، أو شرط أكثر الربح للذي لا يعمل وأقله للذي يعمل.

[1029] مسألة: إذا اشتركا شركة فاسدة ثم تصرفا وربحا فإن الربح يقسّم على رأس المال ثم يرجع أحدهما على الآخر بأجرة مثل عمله على ماله.
وقال أبو حنيفة لا رجوع لأحدهما على الآخر بأجرة.
فدليلنا: أن عقد الشركة المبتغى منه الاشتراك في الربح الحادث، فإذا وقع فاسداً وجب أن يستحق العامل أجرة مثل عمله على عامل غيره كالقراض.


فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل