كتاب الرهن
[954] مسألة: يجوز الرهن في السفر والحضر.
خلافاً لمجاهد في قوله: لا يجوز إلا في السفر؛ لأن كل وثيقةٌ جازت في السفر جازت في الحضر كالضمان؛ ولأنها حال ٌ يجوز أن يتوثق فيها بالضمين فجاز بالرهن كالحضر.
[955] مسألة: يلزم الرهن بمجرد القول، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما لا يلزم إلا بالقبض لقوله عز وجل: ﴿فرهان مقبوضة﴾.
ففيه دليلان.
أحدهما: أنه شرط فيه القبض بعد أن أثبتها رهناً، وذلك يفيد أنها قد تكون رهناً وإن لم تقبض، والآخر: أنه لا يخلو أن يكون خبراً أو أمراً، ولا يجوز أن يكون خبراً؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز وجود رهنٍ غير مقبوضٍ، ومن قولهم أن الراهن لو جُنّ أو أغمي عليه، ثم أفاق، فسلمه، يصح، فثبت أنه أمر؛ ولأنه عقدٌ لازمٌ فوجب أن يلزم بنفس القول كالنكاح والبيع؛ ولأنه عقد وثيقةٍ فوجب أن يلزم بنفس القول كالكفالة.
[956] مسألة: استدامة القبض من شرط صحة الرهن، خلافاً للشافعي.
لقوله عز وجل: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم أحواله؛ ولأنها حالات من أحوال الرهن فوجب أن يكون القبض شرطاً فيها كالابتداء؛ ولأن المعنى الذي لأجله استحق قبض الرهن في الابتداء هو لأن يحصل وثيقةً للمرتهن
بقبضه إياه، وهذا المعنى يحتاج إليه في كل حالٍ كان فيها رهناً فكان القبض شرطاً فيها.
[957] مسألة: ويصح رهن المشاع كما يصح بيعه، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله عز وجل: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم؛ ولأنه يصح قبضه بالبيع فصح ارتهانه كالمقسوم؛ ولأن إشاعته لا تمنع صحة الرهن، أصله إذا رهن داراً من رجلين؛ ولأن كل ما لو رهنه مع غيره لصح فكذلك إذا رهنه منفرداً، أصله.
الداران إذا رهنهما من رجلٍ؛ ولأنها حال للرهن فجاز أن يتناول المشاع، أصله ثاني حالٍ.
وهو أن يرهنه داراً تم يبيع نصفها؛ ولأن كل عقدٍ جاز أن يعقد على بعض الجملة مقسوماً جاز أن يعقد على ذلك البعض مشاعاً، أصله البيع؛ ولأن كل عقدٍ جاز على عينٍ لنفسين جاز على نصفها لأحدهما، أصله البيع.
[958] مسألة: إذا رهن عنده عيناً كان غصبها قبل قبضها جاز، وسقط ضمان الغصب، خلافاً للشافعي؛ لأن ابتداء إمساك العين بإذن مالكها يمنع أن تكون مضمونةً ضمان الغصب، أصله الرهن المبتدأ، أو إذا رهنها إياه قبل قبضها؛ ولأن الرهن عقدٌ يتعلق به الضمان فيجب إذا طرأ على الغصب أن يسقط ضمان الغصب كالبيع؛ ولأنه عقدٌ يقتضي إمساك العين بإذن المالك، فوجب أن ينتفي الغصب حال حصوله كالوديعة؛ ولأن الرهن ينافي الغصب في الابتداء، فوجب أن ينتفي ضمانه؛ لأن الضمان بالغصب إنما يثبت مع ثبوت الغصب، فإذا زال الغصب فيجب زواله؛ ولأنها عينٌ ارتهنها بعد أن كان غاصباً لها وصار قابضاً لها بالرهن، فوجب أن يزول ضمان الغصب عنه، أصله إذا قبضها وأعادها إليه.
[959] مسألة: الرهن يتعلق بجملة الحق وبأبعاضه، وكذلك تعلق الحق بالرهن، فلو رهنه عبدين بمائةٍ فتلف أحدهما كان الثاني رهناً بجميع المائة، وكذلك لو أسلم أحد العبدين ولم يقبضه الآخر ورضي المرتهن
بذلك كان المقبوض رهناً بجميع المائة، وحكي عن أبي حنيفة أن المقبوض يكون رهناً بقدر ما بقي من مقابلته من الدين.
فدليلنا أنه مالٌ محبوسٌ بحقٍ فوجب أن يكون محبوساً بكل حقٍ منه، أصله إذا مات وخلف تركة وعليه دينٌ فإن جميع التركة محبوسةٌ على الدين؛ ولأنها وثيقةٌ بحقٍ فوجب أن تكون وثيقةٌ به وبكل جزءٍ منه؛ ولأن تعلق الرهن بالحق كتعلق الحق بالرهن، وقد ثبت أن الرهن يتعلق بجملة الحق وبكل جزءٍ منه، وكذلك يجب أن يكون تعلق الحق به؛ ولأنه لو كان يتقسط على أجزاء الحق لوجب مثله فيمن رهن جاريةً حاملاً.
[960] مسألة: إذا رهن عبداً له ثم أعتقه فإن كان موسراً نفذ عتقه وعجل الحق للمرتهن أو رهنه غيره، وإن كان معسراً لم ينفذ وبقي رهناً، فإن أفاد مالاً قبل الأجل نفذ العتق، وإن بقي على إعساره بيع عند الأجل، وقال أبو حنيفة ينفذ عتقه موسراً كان أو معسراً وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول أبي حنيفة والآخر: أن العتق لا ينفذ موسراً كان أو معسراً.
فدليلنا على أبي حنيفة في أنه لا ينفذ عتقه مع الإعسار.
قوله عز وجل: ﴿أوفوا بالعقود﴾؛ ولأنه معنًى يبطل به حق الوثيقة من الرهن فلم ينفذ مع الإعسار بغير رضا المرتهن كالبيع، وإن شئت جعلت حكم العلة أن الراهن لا يملك عتقه، كما لا يملك بيعه، فقلت فجاز أن يزول ملك الراهن عنه بلزوم الرهن كالبيع؛ ولأن الراهن محجورٌ عليه في الرهن بحق المرتهن بدليل أنه لا يجوز تصرفه فيه ببيعٍ ولا هبةٍ فلم يجز إعتاقه كالمفلس؛ ولأن العتق لو نفذ لم يخل الحق أن يتعلق بذمة الراهن فقط أو إلى السعايه والسعاية باطلةٌ على أصلنا، وتعلقه بذمته بغير رهن إلزامٍ له أن يسقط حقه من الوثيقة.
وذلك غير جائزٍ، فلم يبق إلا ما قلناه.
ودليلنا على الشافعي: أنه إذا أعتقه وهو موسرٌ لم يؤد إلا بطلان
التوثق؛ لأنه إما أن يعجل له حقه فذلك مقدمٌ على التوثق أو أن يرهنه رهناً ويكون حق التوثق باقياً وعقد الرهن إنما يمنع الراهن من فعل ما يبطل حق التوثق فقط.
[961] مسألة: إذا رهن عنده رهناً على حقٍ ثم استزاده شيئاً آخر على ذلك الرهن جاز وكان رهناً بالحقين، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لقوله عز وجل: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم كل دينٍ يجوز أخذ الرهن به، وكل رهنٍ يجوز ارتهانه بكل دينٍ؛ ولأنه وثيقةٌ بالحق، فإذا اشتغل بحقٍ جاز أن يشتغل بحقٍ آخر مع بقاء اشتغاله بالحق الأول كالضمين؛ ولأنه زيادةٌ في التراهن في حق المتراهنين فأشبه الزيادة في الرهن؛ ولأنها زيادةٌ في حق توثيقه على أن تكون الوثيقة بتعلقه بهما فجاز ذلك، أصله زيادةً في الحق في الضمين؛ ولأنه حقٌ تعلق بعين يستوفى من ثمنها، فجاز أن يزاحمه في التعلق بها حق آخر، أصله أرش الجناية؛ ولأن منع ذلك لا يخلو أن يكون لحق الراهن أو المرتهن أو لعقد المرتهن ولا يجوز أن يكون لحق الراهن؛ لأن حقه كان في استرجاعه عند أداء الدين الأول، فإذا علقه بدينٍ آخر فقد اختار إسقاط حقه وبقي تعلق التوثق به، وذلك إليه؛ أو لحق المرتهن؛ لأنه لا ضرورة عليه فيه ولا لمعنًى يعود إلى عقد الرهن، فوجب جوازه.
[962] مسألة: يكره تخليل الخمر، فإن خللت أساء وجاز أكلها، وفيه روايةٌ أخرى أنه لا يجوز، وهو قول الشافعي.
ودليلنا على الجواز قوله عز وجل: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:" نعم الإدام الخل"؛ ولأن الحكم إذا وجب لعلةٍ زال بزوالها
ما لم يلحقها غيرها، وتحريم الخمر إنما كان من أجل الشدة، وقد زالت فيجب زوال التحريم الثابت بها، كما لو انقلبت بنفسها؛ ولأنه مائعٌ نجسٌ بوجود معنًى لو زال ابتداء بغير صنع آدمي لطهر، فكذلك يجب أن يزول بفعل الآدمي، الأصل فيه النار؛ ولان كل حكم كان ثابتاً بحصول الشدة فإنها إذا زالت زال بزوالها بغير اعتبارٍ بذلك بفعل آدميٍ أو بغير فعلٍ، أصله الحد والتفسيق ورد الشهادة فكذلك النجاسة.
[963] مسألة: إذا رهنه عصيراً فصار خمراً، ثم عاد خلاً، فإن ارتهانه ثابتٌ، فلا يحتاج إلى عقد مستأنفٍ، خلافاً لبعضهم؛ لأن العصير تعلق به حقان، حق الملك، وحق الرهن والملك أقوى، ثم كان انقلابه خلاً يوجب عوده إلى الملك، فكذلك الرهن وكذلك لو ارتهن عبداً فارتد ثم تاب لعاد رهناً من غير عقدٍ مستأنفٍ كذلك في مسألتنا.
[964] مسألة: إذا وكل الراهن المرتهن على بيع الرهن عند حلول الحق واستيفاء حقه من ثمنه جاز ذلك وصحت الوكالة، خلافاً للشافعي في قوله لا يصح؛ لأنه توكيلٌ للمرتهن في بيع ملكٍ له، فصح ذلك إذا كان من أهل الوكالة، أصله إذا وكله في بيع مالٍ له آخر؛ ولأنه وكل من هو من أهل الوكالة في بيع ملكٍ له فأشبه توكيله الأجنبي.
[965] مسألة: إذا تراضيا على أن يكون الرهن في يد عدلٍ جاز خلافاً لابن أبي المطلب وداود؛ لأن الرهن حصل مقبوضاً عن الراهن في يد من يقوم مقام المرتهن فصح ذلك كما لو كان في يد المرتهن.
[966] مسألة: إذا كان في يد عدلٍ فتلف فذلك من راهنه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه من المرتهن؛ لأن الراهن لم يرض بأمانة المرتهن لما جعله على يد غيره.
وكان ذلك رضاً بأن لا يدخل في ضمانه.
[967] مسألة: إذا أراد الراهن فسخ وكالة الوكيل في بيع الرهن لم
يكن ذلك له.
وقال القاضي إسماعيل له ذلك، وهو قول الشافعي، فدليلنا أن في فسخها إبطال حق المرتهن المتعلق به من تولية البيع وإقباضه الثمن، فلم يكن له ذلك كما لم يكن له أصل الوثيقة؛ ولأن هذه الوكالة إذا شرطت في العقد صارت من موجباته فلم يكن للراهن فسخٌ بغير رضا المرتهن كإمساك الرهن.
[968] مسألة: إذا وضع الرهن على يد عدلٍ يبيعه عند حلول الأجل فباعه وتلف الثمن في يده من غير تفريطٍ فإن تلفه من المرتهن، وقال الشافعي: تلفه من الراهن، فدليلنا أن العدل أمينٌ لهما جميعاً، للراهن بحفظ الرهن، وللمرتهن بحق التوثق، وهو بيعه وتوفية المرتهن دينه، فإذا باعه فقد باعه في حق أمانته للمرتهن، فوجب إذا تلف الثمن أن يتلف منه؛ لأن الثمن ملكه؛ لأن ببيعه قد خرج من ملك الراهن وبرئت ذمته.
[969] مسألة: إذا باع العدل الرهن وقبض الثمن وتلف في يده ثم استحق المبيع فلا عهدة على العدل ويأخذ المستحق ما استحقه ويرجع المشتري على من بيع له وهو المرتهن فيأخذ الثمن منه ويعود دينه في ذمة الراهن، كما كان، وقال أبو حنيفة العهدة على الوكيل فيغرم العدل الثمن من ماله ثم يرجع على مالكه وهو الراهن ووافقنا الشافعي في أن العهدة لا تكون عل الوكيل.
وخالفنا فيمن تكون عليه فقال تكون على الراهن، فدليلنا على أبي حنيفة أنه بائعٌ على غيره، فلم يلزمه ضمانٌ، كأمين القاضي؛ ولأنه وكيلٌ في البيع كالحاكم إذا باع على المفلس، ودليلنا على الشافعي أن التصرف حصل بأمر المرتهن وبمطالبته لمنفعته بقبض حقه، فوجب أن يثبت الرجوع عليه.
كالموكل إذا باع له وكيله ثم استحق المبيع؛ ولأن المرتهن هو الذي يملك الثمن بهذا البيع فكان كالمالك الذي يوكل غيره.
[970] مسألة: نماء الرهن ملك للراهن، وقال بعض الناس: هو للمنفق على الرهن، وقال أحمد هو للمرتهن فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه)؛ ولأنه نماء ملكه لم يعاوض عليه ولا وهبه، فكان على ملكه، دليله ما ليس برهنٍ.
[971] مسألة: إذا احتاج الرهن إلى دواءٍ كان على الراهن، وقال أبو حنيفة: إن كان الرهن قد استغرق القيمة فالدواء على المرتهن، وإن كان لم يستغرقها فهو بينهما، ودليلنا على أن الدواء من مؤنة الرهن، فوجب أن يكون على الراهن كالنفقة.
[972] مسألة: إذا حل أحل الحق وامتنع الراهن من بذل الحق كان للمرتهن دفعه للحاكم ومطالبته ببيعه، وللحاكم بيعه على الراهن وتوفية المرتهن حقه من ثمنه، وقال أبو حنيفة: لا يملك الحاكم بيعه في حياة الراهن، فإذا مات جاز بيعه، فدليلنا أنه مرهونٌ بحقٍ حالٍ لا يمكن المرتهن من استيفائه، فجاز أن يملك المرتهن مطالبة الحاكم ببيعه، أصله إذا مات الراهن.
[973] مسألة: يضمن من الرهون ما يخفى هلاكه كالذهب والفضة والعروض ولا يضمن ما يظهر هلاكه كالحيوان والعقار، وقال أبو حنيفة يضمن كل ذلك، وقال الشافعي: الرهن أمانةٌ لا يضمن إلا بالتعدي، ودليلنا أن الرهن قد أخذ شبهاً من المضمون وشبهاً من الأمانة، فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، ويبين ذلك أن الأمانة المحضة، ما لا نفع فيها لقابضها بل النفع كله للمالك كالوديعة، والمضمون المحض ما يكون النفع فيه كله لقابضه كالمشتري، أو بتعدي جناية كالغصب، ومسألتنا عاريةٌ من كل ذلك، فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، فيجب الفصل
بينهما وإذا وجب ذلك لم يبق إلا ما قلناه.
ولا يلزم عليه العارية؛ لأن المستعير وإن كان قبضها لنفع نفسه، فإن المعير لما بذلها له وأباحه إياها بغير عوضٍ كان ذلك سبباً في ضمانها ولما كان المستعير قبضها لنفع نفسه، كان ذلك يقتضي الضمان، فلذلك كان لها حكم الرهن؛ لأنها قد أخذت شبهاً من الأمرين ولم يلزم عليه القراض لأن جل النفع فيه للمالك، وكذلك المستأجر ولا يدخل عليه الصناع وحمل الطعام؛ لأنه مخصوصٌ للضرورة والمصلحة.
فإذا تقررت هذه النكتة ثبت ما قلنا، ثم نتكلم بعد هذا على فساد كل قول بأدلة تخصه.
فدليلنا على أبي حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم -:" الرهن ممن رهنه" وهذا عامٌ.
وقوله:" له غنمه وعليه غرمه" وهذا اعتبارٌ عن الهلاك؛ لأن الغرم إما أن يراد به الهلاك أو الحقان، وأي ذلك كان.
فيجب أن يكون في جهة الراهن دون المرتهن.
وعلى الشافعي، أن قبض الشيء لمنفعة القابض مؤثرٌ في تعلق الضمان بها كالبيع.
[974] فصل: يضمن ما يضمن منه بقيمته، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: بأقل الأمرين؛ لأن كل عينٍ ضمن تلفها فقيمتها كسائر المتلفات.
[975] مسألة: يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، خلافاً للشافعي، لقوله عز وجل: ﴿فرهان مقبوضة﴾ ولم يفرق؛ ولأن المقصود من الرهن هو استيفاء الحق من ثمنه وقد ثبت أن ذلك يجوز أن يتعلق بصفة
تأتي، وهو امتناع من عليه الحق من أدائه، فجاز أن يتعلق الرهن أيضاً بصفة تأتي؛ ولأنه أذن له في قبضه على وجه الأمانة أو الضمان، فصح ذلك، أصله في الضمان ضمان القضاء إذا قال: خذ هذا الكيس فإن كان فيه قدر حقك فقد قضى من حقك أو دفع الكيس إليه ووكل غيره بأن يقبض حقه منه وفي الأمانة والوديعة إذا قال له متى جاءك فلان يقضي الذي عنده فاقبضه بكذا فهو وديعةٌ لي عندك.
[976] مسألة: نماء الرهن المتميز عنه لا يدخل في الرهن، كالثمرة، والصوف، واللبن وأجرة العقار، والدواب، وما أشبه ذلك، إلا الولد فإنه يكون رهناً مع الأم في سائر الحيوان، وقال أبو حنيفة جميع النماء يكون رهناً، وقال الشافعي يكون جميعه خارجاً عن الرهن، فدليلنا على أبي حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم -:" له غنمه" وذلك يقتضي انفراده به.
وقوله:" الرهن مركوبٌ ومحلوبٌ" ولا يجوز أن يريد به المرتهن، فثبت أنه أراد الراهن؛ ولأنه نماءٌ من غير جنسه فأشبه الأجرة، ودليلنا على الشافعي، أن الأصول موضوعةٌ على أن كل حكمٍ ثبت في رقاب الأمهات مستقر، بشرط ثقة المعاوضة، فإن الولد يتبع الأمهات فيه كالزكاة.
وولد أم الولد والمعتق نصفه، أو إلى أجلٍ، والمدبرة والمخدمة، والمكاتبة، فكذلك مسألتنا؛ ولأن نماء جنسه وخلقته كالسمن.
[977] مسألة: إذا اختلف المرتهنان في قدر الحق، فالقول قول المرتهن إلى قيمة الرهن، وقال أبو حنيفة، والشافعي: القول قول الراهن على كل وجهٍ، فدليلنا أن العرف أصل يرجع إليه في التخاصم إذا لم يكن هناك ما هو أولى منه، والعرف جارٍ بأن الناس لا يرهنون إلا ما يساوي ديونهم أو يقاربها، فمن ادعى خلاف ذلك فقد خرج عن العرف ولا يلزم عليه البينة؛ لأنها أولى إذا كان الرهن على يد عدلٍ؛ لأن الراهن لم يرض بأمانة المرتهن فيه، فلم يكن الرهن شاهداً له.
بسم الله الرحمن الرحيم